← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

ونفقة: قال -تعالي-: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١). وعفواً: قال -تعالى-: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ (٢)، فهذه خمسة أسماء. وقوله -تعالى-: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ (٣)، وقوله: ﴿غُلَامًا زَكِيًّا﴾ (٤) أي طاهراً. وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ (٥)، وقوله: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾ (٦)، أي يتقرب. وقيل: يعمل صالحاً. وجاء في القرآن بمعنى الإِسلام: قال -تعالى-: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧)﴾ (٧). وبمعنى الحلال: قال -تعالى-: ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾ (٨).

стр. 2417

ومن العجب العجاب إنكار داود الظاهري: وجود الزكاة لغة وقال: إنما عرفت بالشرع. وهي في الشرع: اسم لما يخرج من المال طهارة له. وشرعت لمصلحة الدافع طهرةً له وتضعيفاً لأجره، ولمصلحة الآخذ سدّاً لخلته. وأفهم الشرع أنها وجبت للمساواة, وأنها لا تكون إلَاّ في مال له بال وهو النصاب. ثم جعلها في الأموال النامية وهي العين والزرع والماشية. وأجمعوا على [(١)] (٢) وجوب الزكاة في هذه الأنواع. واختلفوا فيما سواها كالعروض. والجمهور: على الوجوب فيها خلافاً لداود مستدلاًّ بالحديث الآتي: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" (٣).

стр. 2418

وحمله الجمهور على ما كان للقنية كما ستعلمه في الباب وحدد الشرع نصاب كل جنس بما يحتمل المواساة. فنصاب الفضة خمس أواق: وهي مائَتا درهم بنص الحديث والإِجماع. وأما الذهب: فعشرون مثقالاً بنص الحديث والإِجماع أيضاً، وإن كان فيه خلاف شاذ. وأما الزرع والثمار والماشية: فنصبها معلومة. ورتب الشرع مقدار الواجب بحسب المؤنة والتعب في المال، فأعلاها وأقلها تعباً الركاز وفيه الخُمُسُ لعدم التعب فيه، ويليه الزرع والثمر فإن سقي بماء السماء ونحوه ففيه العشر وإلَاّ فنصفه، لأن في الأول التعب من طرفين والثاني من طرفين، ويليه الذهب والفضة والتجارة ففيها ربع العشر، لأنه يحتاج إلى العمل فيه جميع السنة، ويليه الماشية فإنه يدخلها الأوقاص بخلاف الأنواع السابقة فالمأخوذ إذن: الخمس، ونصفه، وربعه، وثمنه. وهذا من حسن ترتيب الشريعة وهو التدريج في المأخوذ: إذا عرفت هذه المقدمة فلنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول ذكر المصنف ﵀ في الباب ستة أحاديث:

стр. 2419

الحديث الأول ١٧١/ ١/ ٣٣ - عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل، حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قوماً أهلَ كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلَّا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ ، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم: أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم: أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" (١). الكلام عليه من ثلاثين وجهاً: وهو حديث عظيم جامع لمعظم دعائم الإِسلام، وليس فيه ذكر

стр. 2420

الصوم والحج وهو [تقصير] (١) من الراوي، كما قال ابن الصلاح: لأن بعثه ﵊ معاذاً كان قبل وفاته بقليل، ويبعد حيئنذٍ القول: بأن ذلك كان قبل فرض الحج والصوم؛ لأن الصوم فرض في السنة الثانية من الهجرة، والحج فرض في السنة السادسة على المشهور. وبدأ المصنف بهذا الحديث لأنه دال على فرضية الزكاة، وهو أمر مقطوع به، ومن جحده كفر. الوجه الأول: في التعريف براويه وقد سلف في باب الاستطابة. ومعاذ ﵁ قد أحلنا على ترجمته في الحديث الخامس من باب جامع (٢).

стр. 2421

"واليمن": إقليم معروف. [الثاني] (١): قوله عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لمعاذ" هذا يقتضي أن يكون الحديث من مسند ابن عباس وكذا رواية مسلم عن ابن عباس أنه ﵊ بعث معاذاً. نعم في رواية له عن ابن عباس عن معاذ، وفي أخري: أن معاذ بعثه. ويجمع بينهما بأن يكون سمع ابن عباس الحديث مرة من معاذ فرواه متصلاً وأرسله تارة، ومُرسَلُه حجة على المشهور، كيف وقد عرف من أرسل عنه، ويحتمل أن ابن عباس سمعه من معاذ وحضر القصة فرواه تارة بلا واسطة وتارة بها: إما لنسيانه الحضور، وإما لمعنى آخر. الثالث: قوله ﵊: "إنك ستأتي قوماً

стр. 2422

أهل كتاب" هو كالتوطئة والتمهيد بالوصية، لاستجماع همته على الدعاء لهم. إلى ما ذكر في الحديث، لأن أهل الكتاب أهل علم، ومخاطبتهم لا تكون كمخاطبة جهال المشركين وعبدة الأوثان في العناية بها. الرابع: قوله ﵊: "فإذا جئتهم فادعهم" إلى آخره، وقعت البدأة بدعائهم إلى الشهادتين ومطالبتهم بهما، لأنها أصل الدين الذي لا يصح شيء من فروعه إلَّا بهما، فمن كان منهم غير موحد على التحقيق: كالنصارى فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين عيناً. ومن كان موحداً: كاليهود فالمطالبة له بالجمع بين ما أقر به من التوحيد وبين الإِقرار بالرسالة. وإن كان هؤلاء اليهود الذين كانوا في اليمن عندهم ما يقتضي الإِشراك ولو باللزوم تكون مطالبتهم بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم. وقد ذكر الفقهاء: أن من كان كافراً بشيء وهو مؤمن بغيره لم يدخل في الإِسلام إلَّا بالإِيمان بما كفر به. كذا نقله الشيخ تقي الدين عنهم، وليس على إطلاقه. بل قال أصحابنا العراقيون: لا يدخل في الإِسلام إلَّا بالتلفظ بالشهادتين، وهو الصحيح. وقال الخراسانيون منهم القاضي حسين: كل من أقر بما هو معروف من دين الإِسلام أنه حق صار به مسلماً، وإن لم يتلفظ بالشهادتين، لأنه لو جحد ذلك كان كافراً، فإذا اعترف به يكون مؤمناً.

стр. 2423

الخامس: يؤخذ من هذا الحديث أنه لا يكفي الاقتصار في الإِسلام على شهادة أن لا إله إلَّا الله، وهو مذهب الجمهور، ولقوله ﵊: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلَّا الله وأن محمداً رسولُ الله" (١). ومن أصحابنا من قال: يصير مسلماً، ويطالب بالشهادة الأخرى. فإن أبى حكم بارتداده. واحتج بقوله ﵊ في بعض الروايات: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلَّا الله" وجاء في رواية لمسلم في حديث ابن عباس [هذا] (٢): "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلَّا الله، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم". والجواب: أنه ﵊ رمز بقوله: "لا إله إلَّا الله" إلى الإِتيان بالشهادتين وغيرهما مما هو من لازمها. سادسها: يؤخذ أيضاً أنه لا يشترط التبرىء من كل دين يخالف دين الإِسلام، وهو الصحيح عندنا، وهو ظاهر حديث: "أمرت أن أقاتل الناس" أيضاً.

стр. 2424

سابعها. قوله: "فإن هم أطاعوا لك بذلك" أي تلفظوا بالشهادتين ولا بد، هذا معنى طاعتهم فلا يكفي غير التلفظ من إشارة أو قرينة ما دالة على الأعيان، بل لا بد من النطق بهما جميعاً كما أسلفنا. واعلم أن ظاهر الرواية التي أوردناها عن مسلم: "فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم" أن أهل الكتاب ليسوا بعارفين، وهو مذهب حذّاق المتكلمين فيهم، وإن كانوا يعبدونه ويظهرون معرفته لدلالة السمع عندهم على هذا، وإن كان العقل عندهم لا يمنع أن يعرف الله من كذب رسوله. قال القاضي عياض ما عرف الله -تعالى- من شبهه وجسمه من اليهود، وأجاز عليه اليد (١) أو أضاف إليه الولد (٢) منهم أو أضاف

стр. 2425

إليه الصاحبة والولد وأجاز [الحلول] (١) عليه والانتقال والامتزاج من النصارى أو وصفه بما لا يليق به أو أضاف إليه الشريك والمعاند في خلقه من المجوس والثنوية، فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله وإن سموه به، إذ ليس موصوفاً بصفات الإِله الواجبة، فإذاً. ما عرفوا الله -سبحانه- فتحقق هذه النكتة واعتمد عليها. قال: وقد رأيت معناها لمتقدمي أشياخنا وبها قطع الكلام أبو عمران [الفاسي] (٢) بين عامة أهل القيروان عند تنازعهم في هذه المسألة (٣).

стр. 2426

ثامنها: قد يتعلق بالحديث من يقول: إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، حيث دعوا أولاً إلى الإِيمان فقط، ودعوا إلى الفروع بعد إجابتهم إلى الإِيمان. وضُعف هذا: بأن الترتيب في الدعاء لا يلزم منه [ولا بُدءَ] (١) الترتيب في الوجوب، بدليل أن الصلاة والزكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب، وقد قُدمت في الذكر، وأخرت الزكاة مع تساويهما في خطاب الوجوب في الدنيا, ولا تتعلق المطالبة به في الدنيا إلَّا بعد الإِسلام، وليس المراد أن لا يزاد عذابهم بسببهما في الآخرة، كيف وهو ﷺ رتب ذلك في الدعاء إلى الإِسلام، وبدأ بالأهم فالأهم. وقد اختلف العلماء في أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة: المأمور بها والمنهي عنها على ثلاثة أقوال: أصحها: نعم. فيهما. وثانيها: لا. فيهما. وثالثها: أنهم مخاطبون بالمنهي دون المأمور (٢). تاسعها: قوله ﵊: "فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة" قد قدمنا أن طاعتهم بالإِيمان بالنطق بالشهادتين، وأما طاعتهم في الصلاة فتحتمل أمرين.

стр. 2427

أحدهما: إقرارهم بوجوبها واعتقاد فرضيتها والتزامهم بها. والثاني: طاعتهم بالفعل وأدائها، ويحتمل أن المراد مجموع ذلك وهو الظاهر، لكن رجح الأول بأمر معاذ بإخبارهم بالفرضية، فتعود الإِشارة إليها. ورجح الثاني بأنهم لو بادروا إلى الامتثال بالفعل كفى، ولم يشترط تلفظهم بالإِقرار بالوجوب. وكذلك في الزكاة: لو بادروا بأدائها من غير تلفظ بالإِقرار كفى. فالشرط عدم الإِنكار للوجوب، لا التلفظ بالإِقرار (١). وإنما كان ذلك لأن المبادرة إلى الفعل تتضمن الامتثال فهو أبلغ في ذلك جميعه، لا أنه المطلوب فقط ظاهراً بل مطلوب الشرع وجود الامتثال للأمر بسوابقه ولواحقه، لكن هل يستفاد ذلك من صيغة الأمر بالمطلوب أم من كلام خارج فيه كلام أصولي. عاشرها: فيه دلالة على أن الوتر ليس بواجب، وكذا ركعتا الفجر، فإنَّ بعث معاذ إلى اليمن قبل وفاة النبي ﷺ بقليل بعد الأمر بالوتر وركعتي الفجر. وقد قال بوجوب الوتر أبو حنيفة: دون صاحبيه. وبوجوب ركعتي الفجر [الحسن البصري] (٢) كما سلف ذلك في باب صلاة الجماعة، وباب الوتر.

стр. 2428

الحادي عشر: قوله ﵊: "فإنّ هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" الضمير في "فقرائهم" و"أغنيائهم" يعود إلى المسلمين أم إلى كل ناحية منهم. فإن نظرنا إلى عموم الحكم جعلنا الضمير عائداً إلى جميع المسلمين، وإن نظرنا إلى خصوصية المبعوث إليهم أهل اليمن رددناه إلى الناحية، فيختص الحكم بهم، لكن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلية لا تعتبر. [ولولا] (١) المناسبة الموجودة في باب الزكاة لقطعنا بعدم اعتبار خصوصية الناحية، كما هي غير معتبرة في الصلاة قطعاً في الحكم. وتظهر فائدة هذا الكلام وهو عود الضمير إلى ما زاد في جواز نقل الزكاة وعدمه عن بلد المال [(٢)] وفيه خلاف: فعند أبي حنيفة: يجوز. وقد استدل به الخطابي (٣) وغيره من الشافعية: على المنع وهو الأصح عند جمهورهم وهو مذهب مالك وأحمد. قال الشيخ تقي الدين (٤): وفيه عندي ضعف، لأن الأقرب أن المراد: وتؤخذ من أغنيائهم من حيث إنهم مسلمون، لا من حيث إنهم من أهل اليمن، وكذلك الرد على فقرائهم، وإن لم يكن هذا هو الأظهر فهو محتمل قويّاً.

стр. 2429

قلت: ولا دلالة فيه أيضاً على منع النقل، لأن من منع النقل استثنى منه الإِمام والساعي كما هو ظاهر الأحاديث. وقد نقلها معاذ إلى عمر كما سيأتي. قال النووي في "شرح المهذب" (١): وهو الراجح ويستثنى مسألة ثالثة ذكرتها في "شرح المنهاج" فليراجع منه. فرع: لو خالف ونقل فالأصح عندنا أنه لا يجزيه. والأصح عند المالكية: الإِجزاء خلافاً لسحنون، وعندهم لو بلغ الإِمام أن ببعض البلاد حاجة شديدة جاز له نقل بعض الصدقة المستحقة بغيره إليه. وهل العبرة مكان المال وقت تمام الحول، فيفرق الصدقة عنده إذ هو سبب [الوجود] (٢) أو مكان المالك إذ هو المخاطب بذلك؛ فيخرجها في ذلك لأصحابهم قولان: الأول: هو مذهب الشافعي. وأما صدقة الفطر: فإنما ينظر فيها إلى موضع المالك فقط على المذهبين. فرع: يجوز عندنا نقل الكفارة والنذر والوصية على المذهب، لأن الأطماع لا تمتد إليها امتدادها إلى الزكاة والأوقاف الجارية على الفقراء المساكين أو من يعرض لحكمها في ذلك، وهي رتبة بين رتبتين لأن الأطماع تمتد إليها كالزكاة، ولكنها غير متعلقة بمال كالوصية ونحوها, ولا يبعد تصحيح جواز النقل إلَّا أن يكون الواقف قد نص على بلد فلا يُتجاوز.

стр. 2430

فائدة: كان معاذ على اليمن من حين بعثه رسول الله ﷺ ، إلى زمان عمر، فبعث إليه بثلث صدقة الناس، فأنكر ذلك عمر، وقال: لم أبعثك جابياً ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فتردها على فقرائهم. فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد [(١)] [آخذاً] (٢) فلما كان العام القابل بعث إليه [بالنصف] (٣) فتراجعاً بمثل ذلك، فلما كان [(٤)] الثالث بعث إليه [بكلها] (٥)، وقال ما وجدت أحداً يأخذ مني شيئاً. الثاني عشر: في الحديث دلالة على تحريم دفع الزكاة إلى كافر. الثالث عشر: فيه أيضاً أنها لا تدفع إلى غني من نصيب الفقراء. ومقتضى مذهب الشافعي: أن الغني والفقير من ذلك معتبر برتبة الشخص. وقد اختلف العلماء في الغني الذي يحرم عليه أخذ الزكاة.

стр. 2431

فقيل: هو من ملك نصاباً، وهو مذهب أبي حنيفة (١) وبعض أصحاب مالك، من حيث إنه ﵊ جعله في الحديث غنيًّا وقابله بالفقير، ومن ملك نصاباً فالزكاة مأخوذة منه فهو غني بهذا الاعتبار. والغني لا يعطى من الزكاة إلَّا في المواضع الخمسة المستثناة، وليس بالشديد القوة (٢)، كما قاله الشيخ تقي الدين (٣). وعند أحمد (٤): إذا ملك خمسين درهماً لم يعط شيئاً من الزكاة، لحديث ابن مسعود مرفوعاً: "من سأل وله ما يغنيه، جاءت يوم القيامة، خدوشاً، أو كدوجاً، في وجهه" قالوا: يا رسول الله! وما غناه؟ قال: "خمسون درهماً, أو حسابها من الذهب" رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه (٥) ولكن ضعفه ابن الجوزي في تحقيقه

стр. 2432

بحكيم بن جبير وغيره. ولا اعتبار عند الشافعية: بالنصاب، لأنه ﷺ قال: "لا تحل المسألة إلَّا لثلاثة فذكر رجلاً أصابته جائحة [اجتاحت] (١) ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو قال سداداً من عيش" (٢) رواه مسلم في صحيحه, مطولاً ومن لم يجد ما يكفيه وهو المعتبر عندهم لم يجد قواماً أو سداداً من عيش. الرابع عشر: [ظاهره] (٣) قد يستدل به من يرى إخراج الزكاة لصنف واحد إذ لم يذكر في الحديث إلَّا الفقراء، وهو مذهب مالك

стр. 2433

ومن وافقه (١)، قال الشيخ تقي الدين (٢): وفيه بحث. الخامس عشر: فيه اهتمام الإِمام بأمر الفقراء في الزكاة. السادس عشر: فيه [أيضاً] (٣) أن الإِمام أو نائبه هو الذي يتولى قبض الزكاة لوصفه إياها بكونها مأخوذة من الأغنياء، وكل ما اقتضى خلاف هذه الصفة فالحديث ينفيه [والأظهر] (٤) عند الشافعية أن الأفضل الصرف إليه إلَّا أن يكون جائزاً. السابع عشر: فيه أيضاً أن صاحب المال إذا امتنع من دفعها أخذت منه بغير اختياره، حيث قال: "تؤخذ من أموالهم" وهذا الحكم لا خلاف فيه، لكن هل تبرأ ذمته ويجزيه في الباطن، فيه خلاف وتفصيل لأصحابنا، ذكرته في "شرح المنهاج". الثامن عشر: قوله -عليه أفضل الصلاة والسلام-: " فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم" إياك: منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره، والتقدير: باعد واتق وكرائم أموالهم. وهو من باب إياك والأسد وأهلك والليل وإشباه ذلك.

стр. 2434

قال ابن قتيبة: "ولا يجوز: إياك كرائم" بحذف الواو. والكرائم جمع كريمة وهي جامعة الكمال [(١)] الممكن في حقها من غزارة لبن وكمال صورة أو كثرة لحم أو صوف وهي النفائس، التي تتعلق بها نفس مالكها، أو يختصها لنفسه، ويؤثرها كالأكوله. والرُّبا: هي التي تربي ولدها أو الحديثة العهد بالنتاج. والماخض: هي الحامل. وفحل الغنم. وحزرات المال: -بتقديم الزاي- وقيل: بتأخيرها (٢) وهي التي تحرز بالعين، وترمق لشرفها عند أهلها. التاسع عشر: الحكمة في منع الساعي ذلك أن الزكاة وجبت مواساة للفقراء في مال الأغنياء فلا يناسب ذلك الإِجحاف بأرباب الأموال فسامحهم الشرع بما يظنون به، ونهى الساعي عن أخذه فيحرم عليه أخذها، بل يأخذ الوسط، ويحرم على رب المال إخراج شر المال، نعم لو رضي المالك بإخراج الكريمة قبلت منه.

стр. 2435

وعندنا وجه: أن الرُّبا (١) لا تؤخذ لأنها لقرب عهدها بالولادة مهزولة، والهزال عيب. ووجه آخر: أنه لا تقبل الكريمة إذا تبرع المالك بها للنهي المذكور، وهما فاسدان، كما أوضحت ذلك في شرح المنهاج مع فروع متعلقة بذلك فراجعها منه. العشرون: قوله ﵊: "واتق دعوة المظلوم! فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" هذا تنبيه على الامتناع من جميع أنواع الظلم، وذكر ذلك عقب أخذ الكرائم، حيث إن أخذها ظلم، وعلل إنفاذ دعوة المظلوم [بعدم الحجاب بينها وبين الله -تعالى- تأكيداً لتحريم الظلم وتنبيهاً على سرعة عقوبة فاعله، ودعوة المظلوم] (٢) مسموعة لا ترد، وهو معنى عدم الحجاب بينها وبين الله -تعالى-. الحادي والعشرون: الحجاب يقتضي الاستقرار في المكان (٣) والباري -تعالى- منزه عن ذلك، إلَّا أنه ﷺ كان يخاطب العرب بما تفهم. والمراد: أنها مقبولة على كل حال لا أن للباري -جل وتعالى- حجاباً بحجبه عن الناس. ويحتمل كما قال الفاكهي: أن

стр. 2436

يراد بالحجاب هنا المعنوي دون الحسي (١). والمعنى: أن المظلوم دعوته مقبولة وإن كان عاصياً مخلطاً، ولا يكون عصيانه وتخليطه حاجباً لدعائه. ومما يؤيد هذا الاحتمال ما جاء في الصحيح (٢): "أنى يستجاب له ومطعمه حرام ومشربه حرام"، الحديث، فعلم أن المطعم الحرام والمشرب الحرام ونحو ذلك مما يمنع الإِجابة، فأراد ﷺ أن دعوة المظلوم لا يمنعها شيء كما منع المطعم والمشرب الحرام من استجابة الدعاء في حق غير المظلوم. الثاني والعشرون: يؤخذ من الحديث أن السنَّة أن الكفار يدعون إلى التوحيد قبل القتال. الثالث والعشرون: يؤخذ منه أيضاً وجوب الزكاة كما سلف. الرابع والعشرون: يؤخذ منه أيضاً أن الإِمام يبعث سعاة عدولاً أُمناء ثقات علماء يأخذون الزكاة نيابة عن الفقراء. الخامس والعشرون: يؤخذ منه أيضاً بوصية الإِمام نوابه بما يحتاجون إليه من علمهم من العمل بالأحكام أمرها ونهيها خصوصاً بما يأمر الرعية. السادس والعشرون: يؤخذ منه أيضاً وجوب بيان تحريم الظلم على الإِمام وغيره من العلماء والأمر باجتنابه وبتقوى الله -تعالى- والمبالغة في ذلك وتعريف قبح عاقبته.

стр. 2437

السابع والعشرون: يؤخذ منه أيضاً تحريم جميع أنواع الظلم كما أسلفناه. الثامن والعشرون: فيه أيضاً استجابة دعاء المظلوم. التاسع والعشرون: يؤخذ منه أيضاً جواز الدعاء على الظالم بما يسوغ شرعاً. الثلاثون: يؤخذ منه أيضاً قبول خبر الواحد ووجوب العمل به. قال القاضي عياض (١): وفيه دليل على إيجاب الزكاة على الصبي والمجنون لعموم قوله: "من أغنيائهم وضُعَّفَ بأنهما ليسا أهلاً للطاعة. فالحديت حجة للمخالف (٢). واتفقوا: على وجوب العشر فيما أخرجته أرضه (٣). ووجوب صدقة الفطر عليه. قال البغوي: وفيه دلالة أيضاً على أن المال إذا تلف قبل التمكن من الأداء سقطت الزكاة، لأنه أضاف الصدقة إلى الأموال،

стр. 2438

وفيه نظر: لأنها لم تقيد بالوجود (١). ...

стр. 2439

الحديث الثاني ١٧٢/ ٢/ ٣٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ : "ليس فيما دون خمس ذود صدقة وليس فيما دون خمس أواق صدقة ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة " (١). الكلام عليه من أحد عشر وجهاً: الأول: التعريف براويه وقد سلف في باب المواقيت. الثاني: "الأواق" (٢) جمع أوقيّة -بتشديد الياء-، ويقال في

стр. 2440

كل جمع إذا كان مفرده مشدداً -بتشديد الياء وتخفيفها- كالأَوَاقِيُّ والبخاتي والكراسي وما أشبه ذلك. قال ذلك ابن السكيت (١) والجوهري (٢): وقد ثبت في هذا الحديث في الجمع حذف الياء فيصير في الجمع للأوقية ثلاث لغات: التشديد والتخفيف والحذف. والأُوقية بضم الهمزة. وأنكر جمهور أهل اللغة: حذف الهمزة. وحكى اللحياني: جواز فتح الواو وتشديد الياء، وجمعها "وقايا" كضحية وضحايا. وفي "مجمع الغرائب" وزنها: أفعولة والهمزة زائدة، ولكنها لما لزمت في الواحد والجمع صارت كالأصل، وحقها أن تذكر في فصل الواو والقاف. وقيل: اشتقاقها من الأوقة وهو موضع منهبط، يجتمع فيه الماء. وقيل: هو من باب وقي يقي. وأجمع العلماء من المحدثين والفقهاء واللغويين: على أن المراد بالأوقية الشرعية: أربعون درهماً، وهي أوقية الحجاز.

стр. 2441

قال القاضي عياض (١): ولا يصح أن تكون الأوقية والدراهم مجهولة في زمنه ﷺ وهو يوجب الزكاة في أعداد منها ويقع بها البياعات والأنكحة كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. قال: وهذا يبين أن قول من زعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمان عبد الملك بن مروان، وأنه جمعها برأي العلماء، وجعل كل عشرة سبعة مثاقيل وزن الدرهم ستة دوانيق قول باطل. وإنما معنى ما نقل في ذلك: أنه لم يكن منها شيء من ضرب الإِسلام، وعلى صفة لا تختلف، بل كانت مجموعات من ضرب فارس والروم، وصغاراً وكباراً، وقطع فضة غير مضروبة ولا منقوشة ويمنية ومغربية، فرأوا صرفها إلى ضرب الإِسلام ونقشه وتصييرها وزناً واحداً، لا يختلف وأعياناً يستغنى فيها عن الموازين، فجمعوا أكبرها وأصغرها، وضربوه على وزنهم. قال القاضي: ولا شك أن الدراهم كانت حينئذ معلومة، وإلَاّ فكيف [كان] (٢) يتعلق بها حقوق الله -تعالى- من الزكاة وغيرها وحقوق العباد. ولهذا كانت الأوقية معلومة. وقال أصحابنا: أجمع أهل العصر الأول على التقدير بهذا الوزن المعروف، وهو أن الدراهم ستة دوانيق، وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. ولم يتغير المثقال في الجاهلية ولا الإِسلام. واعلم: أن الدراهم كانت في الجاهلية على نوعين مختلفين:

стр. 2442

بغلية وطبرية، نوع عليه نقش فارس، والآخر نقش الروم. فالبغلية نسبة إلى ملك يقال له رأس البغل (١) وهي السود كل درهم منها ثمانية دوانيق. والطبرية: نسبة إلى طبرية الشام وزن كل درهم منها أربعة دوانيق. وهي العتق، فقدر الشرع في الإِسلام الدرهم ستة دوانيق جمعاً بينهما، ووقع الإِجماع عليه من غير ضرب، وكانوا يتعاملون بهذا التقدير الشطر من هذه والشطر من هذه عند الإِطلاق، ما لم يعينوا بالنص أحد النوعين. وكذلك كانوا يؤدون الزكاة في أول الإِسلام باعتبار مائة من هذه ومائة من هذه في النصاب، هكذا قاله أبو عبيد وغيره (٢) وهي الخمسة الأواقي المذكورة في الحديث، ولم يخالف في ذلك أحد إلَّا ابن حبيب الأندلسي، فإنه زعم أن كل بلد يتعاملون بعرفهم في الدراهم، وهو خلاف قول الجمهور، ويعضد قولهم ما ثبت أنه ﷺ قال: "الوزن وزن مكة" (٣) وهذا المقدار هو

стр. 2443

الذي كان أهل مكة يتعاملون به في عصره ﵊ فلما تمكن الإِسلام واتسع ضربت الدراهم على ضرب الإِسلام تحرجاً من تلك النقوش وتحرياً لمعاملتهم الإطلاقية، فنسب التقدير إلى من [ضربت] (١) في زمنه ابتداء، وليس كذلك، بل كان ذلك إظهاراً للضرب لا ابتداء تقدير. واختلف في زمن من ابتدأ إظهار ذلك. فقيل: في زمن عمر بن الخطاب. وقيل: في زمن بني أمية. الثالث: "الصدقة" واحد الصدقات بفتح -الصاد والدال-. وأما ما هو اسم من أسماء الصداق: ففيه سبع لغات، ذكرتها في "شرح السنن" (٢). الرابع: المراد بالأواقي الخمسة المذكورة الخالصة من الغش, ولا يشترط كونها دراهم منقوشة، بل السبائك وغيرها حكمها كذلك، فلو كانت مغشوشة أو بعضها لم يجب فيها شيء حتى يبلغ من الخالص نصاباً، هذا مذهبنا وهو المشهور من مذهب مالك. وقيل: يعتبر أكثر فيكون الأقل تبعاً.

стр. 2444

قال القاضي عبد الوهاب: إلَاّ أن يكون ما لا حكم له كما يقول أهل الصنعة أنه لا يتأتى الضرب إلَاّ به كالدانق في العشرة وما أشبهه. قال الفاكهي: فلو تصور أن يكون جوده أو سكة تجبر ما نقصه الغش لم يعتبر باتفاق. وانفرد السرخسي: من الشافعية بحكاية وجه أنها إذا بلغت قدراً لو ضمت إليه قيمة الغش من النحاس أو غيره لبلغ نصاباً فإن الزكاة تجب فيه (١). الخامس: فيه دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه على عدم الوجوب فيما إذا نقص عن النصاب ولو بحبة ونحوها، فإنه يصدق أنها دون خمس أواق، وفيه رد على المالكية، حيث أوجبوا الزكاة في ذلك، وسامحوا بالنقص اليسير جدّاً الذي تروج معه الدراهم والدنانير رواج الكامل، هذا نص مالك. واختلف أصحابه: في مقداره. فقيل: ما لا يتشاحح فيه في العادة. وقيل: بأنه المقدار الذي يختلف فيه في الموازين بشرط جوازها بجواز الموازنة، فإن كثر النقص وجرى مجرى الموازنة، ففي وجوب الزكاة فيه قولان عندهم فمن اتبع مقتضى اللفظ أسقطها، ومن اتبع المعنى في الانتفاع بها كالوَازِنَة أوجبها.

стр. 2445

وحُكِيَ عن عمر بن عبد العزيز (١): نقص ثلاثة دراهم وثلث دينار من نصابهما [لا يسقطها] (٢). وحكى الغزالي: عن مالك وجوب الزكاة على من معه مائة وخمسون، تساوي مائتين قراضة، ونقد البلد قراضة وأنكر ذلك عليه بأن أصحابه لا يعرفونه، ولا نقله أحد منهم عنه، بل صرح المتأخرون منهم بنفيه، وقالوا: إنما رأوا في الموطأ أنها إذا نقصت وكانت تجُوزُ بجواز الوازنة وجبت الزكاة (٣). فظنوا النقص في المقدار والجواز في الفضة، لأنها بارتفاع ثمنها تلحق بالوازنة، وهذا ظن باطل والمراد أنها ناقصة نقصاً لا يتشاحح الناس في مثله في العادة [كما سلف] (٤). فرع: لو نقص النصاب حبة أو نحوها في بعض الموازين وكان تامّاً في بعضها، فالأصح عند الشافعية لا وجوب للشك في النصاب. تنبيه: خالف المعري وبشر المريسي الإِجماع فاعتبرا العدد دون الوزن. السادس: لم يذكر في الحديث الذهب لأن غالب تصرفهم كان

стр. 2446

بالورق. وقد ذكر الذهب في غير هذا الحديث في "صحيح ابن حبان" و"الحاكم" وغيرهما وفي "صحيح البخاري" من حديث أنس "وفي الرقة ربع العشر" (١) وهي الفضة. وقيل: يشمل الذهب أيضاً وقام الإِجماع على وجوب الزكاة في عشرين مثقالاً منه. وادعى النووي (٢) أن الاستدلال به كاف، وأن الأحاديث الواردة بتحديد ذلك ضعاف. وفي الثاني: نظر لما ذكرته لك. والمثقال: أربعة وعشرون قيراطاً. والقيراط: ثلاث حبات من وسط الشعير مجموعه اثنان وسبعون حبة بالإِجماع. وحُكِيَ عن الحسن البصري والزهري أنهما قالا: لا تجب في أقل من أربعين مثقالاً، لكن الأشهر عندهما الوجوب في عشرين، كقول العلماء.

стр. 2447

وحكى القاضي عياض: عن بعض السلف وجوب الزكاة في الذهب إذا بلغت قيمتة مائتين درهم، وإن كان دون عشرين مثقالاً. قال هذا القائل ولا زكاة في العشرين حتى تكون قيمتها مائتي درهم (١). فرع: اختلف العلماء فيما إذا ملك بعض نصاب من الذهب وبعض نصاب من الفضة هل يضم بعضه إلى بعض بالقيمة (٢). فقال مالك والجمهور كما نقله القرطبي عنهم: يضمان في إكمال النصاب على اختلاف بينهم. فمالك وجماعة: يراعون الوزن والضم على الأجزاء لا على القيم، وينزلون كل دينار منزلة عشرة دراهم على الصرف القديم (٣). وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري: يرون ضمها على القيمة في وقت الزكاة. وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور وداود: لا يضم مطلقاً. وذهب آخرون: إلى أنه إنما يضم إذا كمل من أحدهما

стр. 2448

نصاب، فيضم الآخر ويزكى الجميع، حكاه القرطبي (١). السابع: قوله ﵊: "ولا فيما دون خمس ذود صدقة" الرواية المشهورة إضافة خمس إلى ذود وروي بتنوين خمس [(٢)] ويكون ذود بدلاً منها والمعروف الأول. ونقله ابن عبد البر (٣) والقاضي (٤) عن الجمهور. والذود أصله كما قال القرطبي: من ذاد يذود إذا دفع شيئاً فهو مصدر، فكأن من كان عنده دفع عن نفسه معرة الفقر وشدة الفاقة والحاجة. وهو عند أهل اللغة: من الثلاثة إلى العشرة من الإِبل لا واحد له من لفظه. قالوا: ويقال في الواحد بعير. قالوا: وكذلك النفر والرهط والقوم والنساء وأشباه هذه الألفاظ لا واحد لها من لفظها. قالوا: وقولهم خمس ذود كقولهم خمسة أبعرة وخمسة جمال وخمس نوق وخمس نسوة. وقال سيبويه: تقول ثلاث ذود، لأن الذود مؤنث، وليس باسم كسّر عليه مذكر.

стр. 2449

وقال أبو عبيد: الذود ما بين اثنين إلى تسع، وقوله مخالف جمهور أهل اللغة. قال: وهو مختص بالإِناث (١). وقال الأصمعي: لما ذكر أن الذود: من الثلاث، إلى العشرة الصُبه. خمس، أو ست (٢)، والصرمة: ما بين العشر، إلى العشرين (٣) والعكرة: ما بين العشرين، إلى الثلاثين (٤) والهجمة: ما

стр. 2450

بين الستين، إلى السبعين (١) والهنيد: مائة (٢) , والخطر: نحو المائتين، والعَرْج: من خمس مائة إلى الف (٣). وقال أبو عبيد وغيره: الصرمة: من العشر إلى الأربعين. وقال غير الأصمعي: وهند: غير مصغر مائتان وأمامة: ثلاثمائة. وأنكر ابن قتيبة (٤): أن يراد بالذود الواحد. وقال: لا يصح أن يقال: خمس ذود، كما لا يقال خمس ثوب. وغلطه العلماء، بل هذا اللفظ شائع مسموع من العرب معروف في كتب اللغة، وهو ثابت في الأحاديث الصحيحة وليس جمعاً لمفرد، بل بخلاف الأثواب.

стр. 2451

قال أبو حاتم السجستاني: تركوا القياس في الجمع، فقالوا: خمس ذود [من الإِبل وثلاث ذود، لثلاث من الإِبل، وأربع ذود وعشر ذود] (١) على غير قياس، كما قالوا: ثلاثمائة وأربعمائة. والقياس مئتين ومئات، ولا يكادون يقولونه. وقال القرطبي: وهذا صريح بأن الذود واحد في لفظه: الأشهر ما قاله المتقدمون أنه لا يقال على الواحد. ثم اعلم أن رواية الجمهور: "خمس ذود" ورواية بعضهم "خمسة ذود" [وكلاهما لرواية] (٢) مسلم، ولكن الأول أشهر، وهما صحيحان في اللغة، فإثبات الهاء لإِطلاقه على [المذكر] (٣) والمؤنث ومن حذفها قال: أراد أن الواحدة منه فريضة. الثامن: قوله ﵊: "ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة" [معنى "دون" في مواضع هذا الحديث "أقل" أي ليس في أقل من خمس صدقة] (٤) لا أنه نفى عن غير الخمس الصدقة كما زعم بعضهم في قوله "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" أنها بمعنى "غير" ولقد أبعد غاية الإِبعاد، فإنه يلزم أن لا تجب الزكاة فيما زاد، على الخمسة وهو باطل كما سيأتي.

стр. 2452

التاسع: "الأوسق" (١) جمع وسق بفتح الواو وكسرها، حكاهما صاحب المحكم وغيره، والأشهر فتح الواو، وهو جمع قلة، ويقال في الجمع أيضاً [على الأول] (٢) أوسق كفلس وأفلس، وعلى الثاني: أوساق كجمل وأجمال. وأصله في اللغة الحمل. واختلفوا في اشتقاقه: فقال شمر (٣): كل شيء حملته فقد وسقته، يقال ما أفعل كذا ما وسقت عيني الماء أي حملت. وقال غيره: الوسق ضمك الشيء إلى الشيء، ومنه قوله -تعالى-: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾ (٤) أي جمع وضم، وذلك أن الليل يضم كل شيء إلى مأواه، واستوسق الشيء إذا اجتمع [وكمل] (٥). وقيل: معنى "وسق" علا، وذلك أن الليل يعلو كل شيء ويجلله، ولا يمتنع منه شيء. ويقال: للذي يجمع الإِبل: واسق. وللإبل نفسها: وسقت، وقد وسقتها فاستوسقت، أي اجتمعت وانضمت (٦). وقال الخطابي (٧):

стр. 2453

الوسق تمام حمل الدواب النقالة، وهو ستون صاعاً. قال غيره: والصاع: أربعة أمداد. والمد: رطل وثلث بالبغدادي. والرطل: البغدادي هنا اثني عشر أوقية. والأوقية: هنا هي زنة عشرة دراهم وثلثي درهم من دراهم عبد الملك بن مروان [فبلغ] (١) زنة الرطل من ذلك مائة درهم وثمانية وعشرون درهماً، كذا [قدره] (٢) القرطبي وهو أحد الأوجه عندنا، والأصح عند الإِمام الرافعي أنه مائة وثلاثون. والأصح عند النووي (٣): أنه مائة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم.

стр. 2454

فالأوسق الخمسة: ألف وستمائة رطل بالبغدادي، وهل هذا التقدير بالأرطال تقريب أم تحديد. وجهان لأصحابنا: أصحهما: أنه تحديد كسائر النصب، وهو ظاهر الحديث. وقيل: تقريب. ووقع في شرح مسلم للنووي (١) تصحيحه وتبعه على ذلك الفاكهي وابن العطار، ورجحه الشيخ تقي الدين (٢) أيضاً فقال: الأظهر أن النقصان اليسير جدّاً لا يمنع إطلاق الاسم في العرف ولا يعبأ به أهل العرف، أنه يغتفر. العاشر: الحديث دال على الوجوب في هذه المحدودات من الدراهم والإِبل والحبوب، وعلى عدم الزكاة فيما دون المحدود ولا خلاف بين العلماء في ذلك، إلَاّ ما قاله أبو حنيفة وبعض السلف أنه تجب الزكاة في قليل الحب وكثيرة. واستدل له بقوله ﵊: "فيما سقت السماء العشر، وما سقى بنضح أو داليه وما سقي بالنضح نصف العشر" (٣) وهذا عام في القليل والكثير.

стр. 2455

والجواب: عنه بأن المقصود من الحديث بيان قدر المخرَج لا قدر المُخرج منه وكأنها -والله أعلم- نزعه ظاهرة. وحكى القاضي عياض (١): عن داود أن كل ما تداخله الكيل يراعي فيه خمسة أوسق، وما عداه لا يوسق ففي قليله وكثيره الزكاة. ولما ذكر الشيخ تقي الدين (٢) الجواب السالف قال: هذا فيه قاعدة أصولية وهي أن الألفاظ العامة ترد بوضع اللغة على ثلاث مراتب. أحدها: ما يظهر فيها قصد التعميم [بأن يرد مستنده على سبب] (٣) لقصد تأسيس القواعد. ثانيها: [ما يظهر فيها قصد التخصيص، كهذا الحديث] (٤). [ثالثها] (٥): ما لم تظهر فيه قرينة [بقصد التعميم ولا عدمه ولا يحتاج ذلك] (٦) إلى دليل [وإن طلبه بعض المتأخرين، بل يعرف
следующие страницы →