قال أبو حاتم السجستاني: تركوا القياس في الجمع، فقالوا: خمس ذود [من الإِبل وثلاث ذود، لثلاث من الإِبل، وأربع ذود وعشر ذود] (١) على غير قياس، كما قالوا: ثلاثمائة وأربعمائة. والقياس مئتين ومئات، ولا يكادون يقولونه.
وقال القرطبي: وهذا صريح بأن الذود واحد في لفظه: الأشهر ما قاله المتقدمون أنه لا يقال على الواحد.
ثم اعلم أن رواية الجمهور: "خمس ذود" ورواية بعضهم "خمسة ذود" [وكلاهما لرواية] (٢) مسلم، ولكن الأول أشهر، وهما صحيحان في اللغة، فإثبات الهاء لإِطلاقه على [المذكر] (٣) والمؤنث ومن حذفها قال: أراد أن الواحدة منه فريضة.
الثامن: قوله ﵊: "ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة" [معنى "دون" في مواضع هذا الحديث "أقل" أي ليس في أقل من خمس صدقة] (٤) لا أنه نفى عن غير الخمس الصدقة كما زعم بعضهم في قوله "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" أنها بمعنى "غير" ولقد أبعد غاية الإِبعاد، فإنه يلزم أن لا تجب الزكاة فيما زاد، على الخمسة وهو باطل كما سيأتي.
стр. 2452
التاسع: "الأوسق" (١) جمع وسق بفتح الواو وكسرها، حكاهما صاحب المحكم وغيره، والأشهر فتح الواو، وهو جمع قلة، ويقال في الجمع أيضاً [على الأول] (٢) أوسق كفلس وأفلس، وعلى الثاني: أوساق كجمل وأجمال. وأصله في اللغة الحمل.
واختلفوا في اشتقاقه: فقال شمر (٣): كل شيء حملته فقد وسقته، يقال ما أفعل كذا ما وسقت عيني الماء أي حملت.
وقال غيره: الوسق ضمك الشيء إلى الشيء، ومنه قوله -تعالى-: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾ (٤) أي جمع وضم، وذلك أن الليل يضم كل شيء إلى مأواه، واستوسق الشيء إذا اجتمع [وكمل] (٥).
وقيل: معنى "وسق" علا، وذلك أن الليل يعلو كل شيء ويجلله، ولا يمتنع منه شيء. ويقال: للذي يجمع الإِبل: واسق. وللإبل نفسها: وسقت، وقد وسقتها فاستوسقت، أي اجتمعت وانضمت (٦).
وقال الخطابي (٧):
стр. 2453
الوسق تمام حمل الدواب النقالة، وهو ستون صاعاً.
قال غيره:
والصاع: أربعة أمداد.
والمد: رطل وثلث بالبغدادي.
والرطل: البغدادي هنا اثني عشر أوقية.
والأوقية: هنا هي زنة عشرة دراهم وثلثي درهم من دراهم عبد الملك بن مروان [فبلغ] (١) زنة الرطل من ذلك مائة درهم وثمانية وعشرون درهماً، كذا [قدره] (٢) القرطبي وهو أحد الأوجه عندنا، والأصح عند الإِمام الرافعي أنه مائة وثلاثون.
والأصح عند النووي (٣): أنه مائة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم.
стр. 2454
فالأوسق الخمسة: ألف وستمائة رطل بالبغدادي، وهل هذا التقدير بالأرطال تقريب أم تحديد. وجهان لأصحابنا:
أصحهما: أنه تحديد كسائر النصب، وهو ظاهر الحديث.
وقيل: تقريب.
ووقع في شرح مسلم للنووي (١) تصحيحه وتبعه على ذلك الفاكهي وابن العطار، ورجحه الشيخ تقي الدين (٢) أيضاً فقال: الأظهر أن النقصان اليسير جدّاً لا يمنع إطلاق الاسم في العرف ولا يعبأ به أهل العرف، أنه يغتفر.
العاشر: الحديث دال على الوجوب في هذه المحدودات من الدراهم والإِبل والحبوب، وعلى عدم الزكاة فيما دون المحدود ولا خلاف بين العلماء في ذلك، إلَاّ ما قاله أبو حنيفة وبعض السلف أنه تجب الزكاة في قليل الحب وكثيرة.
واستدل له بقوله ﵊: "فيما سقت السماء العشر، وما سقى بنضح أو داليه وما سقي بالنضح نصف العشر" (٣) وهذا عام في القليل والكثير.
стр. 2455
والجواب: عنه بأن المقصود من الحديث بيان قدر المخرَج لا قدر المُخرج منه وكأنها -والله أعلم- نزعه ظاهرة.
وحكى القاضي عياض (١): عن داود أن كل ما تداخله الكيل يراعي فيه خمسة أوسق، وما عداه لا يوسق ففي قليله وكثيره الزكاة.
ولما ذكر الشيخ تقي الدين (٢) الجواب السالف قال: هذا فيه قاعدة أصولية وهي أن الألفاظ العامة ترد بوضع اللغة على ثلاث مراتب.
أحدها: ما يظهر فيها قصد التعميم [بأن يرد مستنده على سبب] (٣) لقصد تأسيس القواعد.
ثانيها: [ما يظهر فيها قصد التخصيص، كهذا الحديث] (٤).
[ثالثها] (٥): ما لم تظهر فيه قرينة [بقصد التعميم ولا عدمه ولا يحتاج ذلك] (٦) إلى دليل [وإن طلبه بعض المتأخرين، بل يعرف
стр. 2456
ذلك من السياق ودلالة السياق لا يقام عليها دليل، وكذلك لو فهم المقصود من الكلام وطولب بالدليل لعسُر إقامته. لكن الناظر يرجع إلى ذوقه، ودينه وإنصافه] (١).
الحادي عشر: لم يتعرض في الحديث في القدر الزائد على المحدود من المذكورات فيه، وقد أجمع العلماء على وجوب الزكاة فيما زاد على خمسة أوسق من الحب والتمر بحسابه، وأنه لا أوقاص (٢) فيها.
واختلفوا فيما زاد على نصاب الذهب والفضة قليلاً كان أو كثيراً، هل فيه ربع العشر ولا وقص فيه: فقال مالك والليث والثوري والشافعي (٣) وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد وأكثر
стр. 2457
أصحاب أبي حنيفة وجملة أصحاب الحديث لا وقص فيه وفيه ربع العشر، وهو مروي عن علي وابن عمر.
وقال أبو حنيفة (١) وبعض السلف: لا شيء فيما زاد على مائتي درهم حتى يبلغ أربعين درهمًا، ولا فيما زاد على عشرين دينارًا حتى يبلغ أربعة دنانير، فإن زادت ففي كل أربعين درهمًا درهم، وفي كل أربعة دنانير درهم. فجعل لها وقصًا كالماشية. واحتج الجمهور بالحديث الذي أسلفناه في الرقة ربع العشر وهو عام في النصاب فما فوقه. وبالقياس على الحبوب، ولأبي حنيفة في المسألة حديث ضعيف (٢)، لا يصح الاحتجاج به، كما قاله النووي. وقال
стр. 2458
القرطبي: إنه حديث ضعيف، لا أصل له.
خاتمة: أجمع العلماء على اشتراط الحول في الماشية والذهب والفضة دون المعشرات (١) وحديث علي ﵁ في سنن
стр. 2459
أبي داود (١) دال على اشتراط الحول في النقدين، وهو حديث صحيح، كما قرره القرطبي.
стр. 2460
الحديث الثالث
١٧٣/ ٣ / ٣٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" (١).
وفي لفظ: "إلَّا زكاة الفطر في الرقيق" (٢).
الكلام عليه من خمسة أوجه:
الأول: الرواية الثانية من أفراد مسلم: فكان ينبغي للمصنف أن ينبه عليها (٣).
وقوله: "إلَّا زكاة". الأولى: في قراءته رفعه على البدل من صدقة، ويجوز [نصبه] (٤) على الاستثناء، ولا يصح جره.
الثاني: هذا الحديث أصل في أن أموال القنية لا تجب زكاتها،
стр. 2461
لكن قال العلماء: لا يصير المال للقنية إلَّا بالنية، ولا يصير للتجارة أيضاً إلَّا بالنية، وزكاته متعلقة بقيمته لا بعينه، فعند عدم النية لهما وعدم النص بعدم وجوبها يقتضي أن تجب الزكاة فيه أو يكون مسكوتاً عنه.
[الثالث] (١): الحديث دال بصريحه على عدم وجوبها في عين الخيل والرقيق، وهو مذهب العلماء كافة من السلف والخلف، إلَّا أبا حنيفة وشيخه حماد بن أبي سليمان وزفر، فإنهم أوجبوها في الخيل إذا كانت ذكوراً وإناثاً قولاً واحداً، وإن انفردت الذكور والإِناث فعن أبي حنيفة في ذلك روايتان، من حيث إن النماء بالنسل لا يحصل إلَّا باجتماع الذكور والإِناث, وإذا وجبت الزكاة فهو مخير بين أن يخرج عن كل فرس ديناراً، أو يقوّم ويخرج عن كل مائتي درهم خمسة دراهم (٢)، فحينئذ وقع الإِجماع على عدم وجوبها
стр. 2462
في عينها بل بسببها، فيخرج من غيرها.
واحترزنا أولّا بقولنا في "عين الخيل والرقيق" عن وجوبها في قيمتها إذا كانت للتجارة، وهذا الحديث صريح في الرد عليهم، فإنه يقتضي عدم وجوبها في فرس المسلم مطلقاً، وفي عين العبد.
الرابع: استدل بهذا الحديث الظاهرية على عدم وجوب زكاة [التجارة (١).
стр. 2463
وقيل: إنه قول قديم للشافعي، من حيث إن الحديث يقتضي عدم وجوب الزكاة] (١) في الخيل والعبيد مطلقاً.
وأجاب الجمهور عن استدلالهم بوجهين:
الأول: القول بالموجب، فإن زكاة التجارة متعلقها القيمة لا العين، والحديث يدل على عدم تعلقها بالعين، فإنها لو تعلقت بالعين منهما لبقيت ما بقيت العين، وليس كذلك فإنه لو نوى القنية [انتفت] (٢) الزكاة، والعين باقية، وإنما متعلق الزكاة فيها القيمة بشرط نية التجارة، وغيرها من الشروط المقررة في الفروع.
فشروط وجوب الزكاة في عروض التجارة: بلوغ النصاب، وتمام الحول، ونية التجارة حال الشراء، وأن تكون الأموال صالحة لنية التجارة.
الثاني: أن الحديث عام في عدم وجوبها في الخيل والعبيد، فإذا أقاموا الدليل على وجوب زكاة التجارة، كان هذا الدليل أخص من ذلك العام، فيقدم عليه، نعم يحتاج إلى تحقيق (٣) إقامة الدليل
стр. 2464
على وجوب زكاة التجارة. والمقصود ههنا بيان كيفية النظر بالنسبة إلى هذا الحديث. ثم إن الظاهرية مسبوقون بالإِجماع.
قال ابن المنذر: أجمع عامة أهل العلم على وجوب زكاة التجارة.
الخامس: الرواية الثانية صريحة في وجوب صدقة الفطر على السيد عن عبيده، سواء كانوا للقنية أو للتجارة، وهو مذهب الشافعي والجمهور، وأشهر الروايتين عن مالك.
وقال أهل الكوفة: لا تجب في عبيد التجارة.
وحُكِيَ عن داود: أنها لا تجب على السيد، بل تجب على العبد، ويلزم السيد تمكينه من الكسب ليؤديها. وحكاه القاضي عياض عن أبي ثور أيضاً، واستدل بحديث ابن عمر في الصحيحين أن رسول الله ﷺ : "فرض زكاة الفطر من رمضان على
стр. 2465
الناس صاعاً من تمر، أوصاعاً من شعير على كل حر وعبد ذكر وأنثى من المسلمين" (١)، وسيأتي في بابه.
وأجاب الجمهور: بأن "على" بمعنى "عن" (٢).
السادس: قد يستدل به لمن قال من أصحابنا: إن فطرة المكاتب كتابة صحيحة تجب على سيده، بدليل قوله ﵊: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم" (٣)، وبه قال عطاء
стр. 2466
ومالك وأبو ثور.
والأصح عندنا: أنها لا تجب عليه ولا على سيده، وبه قال جمهور العلماء.
وعندنا وجه ثالث: أنها تجب على المكاتب لأنه كالحر في كثير من الأحكام (١).
...
стр. 2467
الحديث الرابع
١٧٤/ ٤/ ٣٣ - عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس" (١).
الجبار: الهدر الذي لا شيء فيه.
العجماء: الدابة.
الكلام عليه من أربعة عشر وجهاً:
الأول: "العجماء" البهيمة، كما قال المصنف.
стр. 2468
ووقع في شرح الشيخ تقي الدين (١): أن العجماء الحيوان البهيم عن تفسير المصنف، وتبعه ابن العطار وغيره. والذي نحفظه أنه قال: العجماء: الدابة.
قال الجوهري (٢): وسميت عجماء لأنها لا تتكلم, فكل من لا يقدر على الكلام أصلاً فهو "أعجم" و"مُسْتَعْجِمٌ".
والأعجم: أيضاً الذي لا يفصح ولا يبين كلامه، وإن كان من العرب. والمرأة عجماء، ومنه زياد الأعجم الشاعر.
والأعجم: أيضاً الذي في لسانه [عجمه] (٣) وإن أفصح بالعجمية، ورجلان "أعجمان" [و] (٤) رجال "أعجمون" و"أعاجم", قال -تعالى-: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨)﴾ (٥).
الثاني: "الجبار": قد فسره المصنف وأصل التسمية به أن العرب تسمي السيل جباراً للمعنى الذي ذكره المصنف، أي: لا طلب فيه ولا قود ولا دية.
الثالث: فيه أن الحيوان إذا أتلف شيئاً من الأبدان أو الأموال فهو غير مضمون، وهو محمول على ما إذا أتلف شيئاً بالنهار أو
[انفلت] (٦) بالليل من غير تفريط من مالكه، وأتلف ولم يكن معه
стр. 2469
أحد، لكن الحديث محتمل لإِرادة الجناية على الأبدان فقط، وهو أقرب إلى حقيقة الجرح، فإنه قد ثبت في بعض طرقه في صحيح مسلم (١) وغيره "العجماء جرحها جبار" ومعلوم أن الجرح لا يكون إلَّا على الأبدان, وعلى كل تقدير فلم يقولوا بالعموم في إهدار كل متلف من بدن أو مال.
والمراد: بجرح العجماء إتلافها سواء كان بجرح أو بغيره.
قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن جناية البهائم [بالنهار] (٢) لا ضمان فيها إذا لم يكن معها أحد فإن كان معها راكب أو سائق أو قائد فجمهور العلماء على ضمان ما أتلفت.
وقال داود (٣) وأهل الظاهر: لا ضمان بكل حال إلَّا أن يحملها الذي هو معها على ذلك أو يقصده.
قال أصحابنا: وسواء كان إتلافها بيدها أو رجلها أو فمها ونحوه فإنه يجب ضمانه في مال الذي هو معها، سواء كان مالكها
стр. 2470
أو مستأجراً أو مستعيراً أو غاصباً أو مودعاً أو وكيلاً أو غيره, إلَّا أن تتلف آدميّاً فتجب ديته على عاقلة الذي معها والكفارة في ماله.
وقال مالك (١) والليث والأوزاعي: لا ضمان فيما إذا أصابته بيدها أو رجلها، أما إذا أتلفت بالنهار وكانت معروفة بالإِفساد ولم يكن معها أحد، فإن مالكها يضمن، لأن عليه ربطها والحالة هذه.
وأما جنايتها بالليل فقال مالك: يضمن صاحبها ما أتلفته.
وقال الشافعي وأصحابه: إن فرّط في حفظها ضمن وإلَاّ فلا.
وقال أبو حنيفة: لا ضمان فيما رعته نهاراً.
وقال الليث وسحنون: يضمن [وإلَّا فلا (٢)] (٣). وقد ورد حديث مرفوع (٤) في إتلافها بالليل دون النهار في المزارع, وأنه يضمن كما قاله مالك.
стр. 2471
الرابع: "البتر" مؤنثة مشتقة من بارت إذا حفرت، والبؤرة الحفرة (١) وهو مهموز أصلاً، ولا يهمز تسهيلاً، وجمعه بئار جمع كثرة وأبْآر، وآبار، وأبْؤُر، جمع قلة.
والمراد به: ما حفره الإِنسان حيث يجوز له، فما هلك فيها فهو هدر، سواء كان آدميّاً أو غيره مستأجراً كان أو غيره فإن حفرها في طريق المسلمين أو في ملك غيره بغير إذنه فتلف بها إنسان وجب ضمانه على عاقلة حافرها، والكفارة في مال الحافر. وإن تلف بها غير الآدمي وجب ضمانه في مال الحافر.
وعند المالكية (٢): أنه إذا حفرها فيما يجوز له فإن قصد ضرراً أو سارق ضمن الدية دون القود، لأنه فعل في ملكه وإلَاّ فلا ضمان عليه.
وقيل: المراد بالبئر هنا: البئر القديمة (٣).
الخامس: "المعدن" بكسر الدال ما عدن فيه شيء من جواهر الأرض.
стр. 2472
قال الأزهري (١): سمي معدناً لعدون ما أنبته الله فيه أي لإِقامته.
وقال الجوهري (٢): سمي معدناً لإِقامة الناس فيه.
قلت: ومنه جنة عدن، أي إقامة. ومنه أعدنت البلد، وعدنت الإِبل بمكان كذا. ومركز كل شيء معدنه (٣).
والعادن: الناقة المقيمة في المرعى.
وقال في "التتمة": سمي معدناً لطول بقائه في الأرض، وبذلك سميت عدناً: لأنها كانت حيّاً لتبع، قال ذلك.
بل إن قرر إن المعدن اسم للعروق في الأرض كذهب وفضة ونحوهما.
وجمع المعدن: معادن. ومعادن الأرض أصولها وبيوتها.
ومعدن الشيء أصله، ومنه معادن الذهب وغيره (٤).
السادس: معنى كونه جباراً: أي إن حفر معدناً في ملكه أو موات ومر به مار أو استأجر أجيراً يعمل فيه، فوقع عليه فمات
[فلا] (٥) شيء عليه.
стр. 2473
السابع: "الركاز" بكسر الراء هو المركوز، كالكتاب بمعنى المكتوب.
ومعناه في اللغة: الثبوت.
فسمي بذلك لأنه رُكِزَ في الأرض، أي أقر، ومنه ركز رمحه إذا غرزه وأثبته. ومركز الدابة وسطها، ومركز الرجل موضعه.
وقال المتولى: سُمَّيَ به لاختفائه ومنه "أو تسمع لهم ركزاً" (١).
وهو في الشرع: الموجود الجاهلي عند جمهور العلماء (٢).
الثامن: "الخمس" بضم الميم وإسكانها، ويقال فيه الخميس ثلاث لغات ومنه سمي الجيش خميساً، لأنه ينقسم على خمسة أقسام: مقدمة وساقة وميمنة وميسرة وقلب. وكذلك في النصف إلى العشر يقال: بالضم والإِسكان، ووزن فعيل ثلاث لغات، إلَّا الثلث فإنه لم يسمع فيه الثلث فمن تكلم فيه فقد أخطأ.
التاسع: يؤخذ من الحديث أن الركاز غير المعدن، فإنه ﵊ فرّق بينهما في اللفظ والحكم، وعطف أحدهما على الآخر، وذلك يقتضي المغايرة دون الترادف، وهو مذهب أهل الحجاز. ومذهب أهل العراق أن الركاز هو المعدن، والحديث يرد
стр. 2474
عليهم (١).
العاشر: فيه وجوب الخمس في الركاز، وبه قال جميع العلماء.
قال ابن المنذر: ولا أعلم أحداً خالف فيه إلَّا الحسن البصري، فقال: إن وجد في أرض الحرب ففيه الخمس وإن وجد في أرض العرب ففيه الزكاة (٢).
فرع: هذا الخمس يصرف مصرف الزكاة على المشهور عندنا.
وقيل: إلى أهل الخمس (٣).
الحادي عشر: فيه أن الركاز لا يختص بالذهب والفضة لعموم الحديث، وهو أحد قولي الشافعي، ونقله ابن المنذر عن جمهور العلماء، قال: وبه أقول، وأصحهما اختصاصه بالنقد، لأنه مال مستفاد من الأرض، فاختص به كالمعدن: والخلاف محكي في مذهب مالك أيضاً (٤).
стр. 2475
الثاني عشر: فيه أنه لا فرق في الركاز بين القليل والكثير في وجوب الخمس لعموم الحديث فيه، وهو أحد قوليه أيضاً.
قال ابن المنذر: وبه قال جل أهل العلم وهو أولى، وأصحهما عنده اختصاصه بالنصاب، والأصح عند المالكية الأول (١).
الثالث عشر: فيه عدم اعتبار الحول في إخراج زكاة الركاز، وهو إجماع، كما نقله الماوردي، ويخالف المعدن على رأي للمشقة فيه (٢).
الرابع عشر: فيه إطلاق اعتبار الخمس في الركاز من غير اعتبار الأراضي، لكن الفقهاء جعلوا الحكم [يختلف] (٣) باختلافها، فإن أرادوا اعتبار الأراضي في بعض الصور فهو قريب من الحديث.
فعند أصحابنا: أن الأرض إن كانت مملوكة لمالك محترم مسلم أو ذمي فليس بركاز. فإن ادعاه فهو له، وإن نازعه منازع فالقول قوله. وإن لم يدعه لنفسه عرض على البائع، ثم على بائع البائع حتى ينتهي الأمر إلى من أحيا الموضع. فإن لم يعرف فظاهر المذهب أن يجعل لقطة.
стр. 2476
وقيل: لا بل هو مال ضائع، يسلم إلى الإِمام، فيجعله في بيت المال أو يحفظه الواجد [وإن] (١) وجد الركاز في أرض عامرة لحربي فهو كسائر أموال الحربي إذا حصلت في أيدي المسلمين. وإن وجد في موات دار الحرب فهو كموات دار الإِسلام، وأربعة أخماسه للواجد، سواء أكانوا يذبون عنه أم لا. وفصّل الفاكهي المالكي المسألة فقال: له أحوال أربعة:
الأول (٢): أرض الحرب فما وجد فيه فهو للجيش الذي وصل وأخذه بهم.
ثانيها: أرض العنوة فما وجد فيها فهو لمن افتتحها أو لورثتهم إن وجدوا.
قال سحنون: فإن لم يوجدوا أو انقطع نسلهم كان كاللقطة وتفرق في المساكين.
وقال أشهب: إن عرف أنه لأهل العنوة فهو لمن افتتح والَاّ فهو لعامة المسلمين، وخمسه في وجوه الخمس.
ثالثها: أرض الصلح فما وجد منها فهو لأهل الصلح دون واجده.
قال القاضي أبو الوليد: وهذا إذا كان واجده من غير أهل
стр. 2477
الصلح فإن كان منهم فقد قال ابن القاسم: هو له. وقال غيره: بل هو لجملة أهل الصلح.
وقال أشهب: إن علم أنه من أموال أهل الصلح كان لهم، وكان حكمه حكم اللقطة، يفرق، فمن ادعاها منهم أقسم على ذلك في كنيسته، وسلمت إليه اللقطة، وإن علم أنها ليست من أموالهم ولا من أموال من ورثوه، فهو لمن وجده يخرج خمسه.
رابعها: فيافي المسلمين وما وجد في فيافي العرب والصحارى، التي لم تفتح عنوة ولا أسلم أهلها عليها، فهو لمن وجده ويخرج خمسه.
وقال مطرف وابن الماجشون وابن نافع وأصبغ: ما وجد من الركاز فهو لواجده وعليه الخمس، كان في أرض العرب أو أرض عنوة أو أرض صلح (١).
...
стр. 2478
الحديث الخامس
١٧٥/ ٥/ ٣٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة، فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، والعباس عم النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "ما ينقم ابن جميل إلَّا أن كان فقيراً، فأغناه الله [تعالى] (١)، وأما خالد: فإنكم تظلمون خالداً، وقد احتبس ادراعه واعتاده في سبيل الله، وأما العباس: فهي عليّ ومثلها، ثم قال: يا عمر أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه" (٢).
الكلام عليه من وجوه زائدة على العشرين، وفي مواضع منه إشكالات ستتضح إن شاء الله -تعالى-:
الأول: في التعريف براويه وبالأسماء الواقعة فيه. أما أبو هريرة فتقدمت ترجمته في [كتاب] (٣) الطهارة, وكذا عمر ﵁.
стр. 2479
وأما ابن جميل: فهو -بفتح الجيم وكسر الميم ثم ياء مثناة ثم لام-.
قال ابن مسنده: لا يعرف اسمه، وتبعه بعض الشراح فجزم به.
وذكره ابن الجوزي (١): مع جماعة لا يعرفون إلَّا بالنسبة إلى آبائهم فقط.
ووقع في "تعليق" القاضي حسين و"بحر" الروياني في متن الحديث [(٢)]، عبد الله بن جميل.
ووقع في "غريب" أبي عبيد: منع أبو جهم ولم يذكر أباه.
وقال ابن بزيزة: اسمه حميد فاستفد ذلك (٣)، فإنه من المهمات.
وذكر القاضي حسين في "تعليقه": أن ابن جميل هذا هو
стр. 2480
الذي نزل فيه قوله -تعالى-: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ﴾ (١) , وذكر غيره: "أنها نزلت في ثعلبة".
[قال] (٢) المهلب: كان منافقاً أولّا فمنع الزكاة فأنزل الله -تعالى-: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣)، قال: فاستثانه الله فتاب [وصلَحت] (٤) حاله.
وأما خالد: فسيأتي التعريف به في كتاب الأطعمة إن قدر الله الوصول إليه وشاء، وخذ لك هنا عجالة وهي: أنه سيف الله، أسلم في صفر شيبة ثمان، وبادر فشهد غزوة مؤتة، وكان النصر على يده، ومات شيبة إحدى وعشرين بحمص.
وأما العباس فهو ابن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف أبو الفضل الهاشمي: عم رسول الله ﷺ ، وكان أسن من النبي ﷺ بسنتين أو ثلاث، ومات سنة اثنين وثلاثين بالمدينة، وصلَّى عليه عثمان ﵁، وعاش ثمانياً وثمانين سنة، وقد أفرد ترجمته بالتصنيف ابن أبي الدنيا، وغيره.
قال ابن دحية في كتابه "مرج البحرين": وكان العباس طويلاً يقل من الأرض فيما زعموا الجمل إذا برك بحمله.
стр. 2481
الوجه الثاني: قوله: "بعث" معناه أرسل، وكذا ابتعث.
وقولهم: "كنت في بعث فلان" أي في الجيش الذي بعث معه.
والبُعُوث: الجيوش.
الثالث: فيه بعث الإِمام العمال لجباية الزكوات.
الرابع: فيه أيضاً أن يكونوا أمناء. فقهاء. ثقات عارفين حيث بعث عليها عمر.
الخامس: قوله: "على الصدمه". أي الزكاة المفروضة، هذا هو الصحيح المشهور، نقله القرطبي عن الجمهور.
وقيل: المراد صدقة التطوع، وبه قال ابن القصار (١): حكاه
стр. 2482
القاضي قال: ويؤيده أن عبد الرزاق (١) روى هذا الحديث، وذكر في روايته أنه ﵊ ندب الناس إلى الصدقة، وذكر تمام الحديث.
قلت: أغربت في العزو فهذا في البخاري (٢)، ولفظه عن أبي هريرة قال: أمر رسول الله ﷺ بصدقة، فقيل: منع ابن جميل، ثم ساق الحديث إلى آخره، وظاهر غيره من الأحاديث أنها في الزكاة، ويبعد أن يراد بها صدقة التطوع لوجوه:
أحدها: أن المتبادر إلى الذهن خلافه.
ثانيها: أنه ﵊ إنما كان يبعث في الزكاة المفروضة على ما نقل.
ثالثها: قوله: "وأما العباس فهي عليّ"، [وعليّ] (٣) من ألفاظ الوجوب.
رابعها: أن ابن جميل تاب لما نزلت فيه الآية السالفة [ثمَّ] (٤)، والتوبة لا تكون [(٥)] من ترك المندوبات.
السادس: قوله: "فقيل: منع ابن جميل"، أي منع الزكاة وامتنع من أدائها، وكأن هذا الامتناع على وجه التأويل، فتأول خالد
стр. 2483
بأن يحتسب له بها، والعباس بأنه ﵊ يحملها عنه، أو بغير ذلك من التأويلات المسوغة كما سيأتي، ولم يكن فيهم أبعد تأويلاً من ابن جميل ولذلك عتب [عليه] (١) ﷺ .
وقوله: "فقيل: منع" إلى آخره، لم أقف على تعيين قائله، وظاهر قوله في أثناء الحديث: "فإنكم تظلمون خالداً"، إنهم جماعة، وسياق آخر الحديث قد يشعر بأن قائل ذلك، هو عمر ﵁، فالله أعلم.
ويؤخذ من ذلك تعريف الإِمام بمانعيها, ليعينهم على أخذها منهم، أو يبين لهم وجوه أعذارهم في منعها.
السابع: قوله: "ما ينقم ابن جميل"، هو بكسر [القاف] (٢) والماضي منه بفتحها، كضرب يضرب وهي [لغة] (٣) القرآن، قال -تعالى-: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ (٥)، وقال الشاعر:
وما نقم الناس من أمية ... إلَّا أنهم يحلمون إن غضبوا
وأنهم سادة الملوك ... ولا تصلحُ إلَّا عليهم العرب
ويقال: بفتحها في المضارع وكسرها في الماضي كعَلِم،
стр. 2484
يَعْلَم، وقد استعمل هذه اللغة الحريري، واختُلِفَ في معناه على أقوال:
أحدها: ينكر.
وثانيها: يكره.
وثالثها: يعيب وقد فُسر قوله -تعالى-: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ (١) الآية. [يتكرهون] (٢) [وينكرون] (٣)، فإن فسرناه، بينكر فإن معناه: أنه لا عذر له في المنع إذا لم يكن موجبه، إلَّا أن كان فقيراً فأغناه الله، وجاء في البخاري: "فأغناه الله ورسوله" (٤)، وذلك ليس بموجب له فلا موجب البتة، وهذا من وَادِي قوله:
ولاعيب فيهم، غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
فيقصدون النفي على سبيل المبالغة في الإِثبات، إذ المعنى أنه لم يكن لهم عيب إلَّا هذا، وهذا ليس بعيب فلا عيب فيهم البتة، وكذلك المعنى هنا إذا لم ينكر ابن جميل إلَّا كون الله أغناه بعد
стр. 2485
فقره، فلم ينكر منكراً أصلاً، فلا عذر له في المنع، وكذلك إن فسرناه بيكره أي ما يكره إخراج الزكاة على ما تقدم.
ويقال: نقم الإِنسان إذا جعله مؤدياً إلى كفر النعمة. فالمعنى: أن غناه أداه إلى كفر نعمة الله -تعالى- بالمنع، فما ينقم أي ما يكره إلَّا أن يكفر النعمة، وأما تفسيره "بيعيب" ففيه بعد.
الثامن: فيه تعريف الفقير بنعمة الله -تعالى- عليه في الغنى، ليقوم بحق الله -تعالى- فيه في الواجب والمندوب.
التاسع: فيه أيضاً عتب الإِمام على من منع الخير، وإن كان منعه مندوباً في غيبته وحضوره إذا قلنا: إن المراد بالصدقة: صدقة التطوع.
العاشر: قوله ﵊: "فإنكم تظلمون خالداً" (١)، هو خطاب للعمال على الصدقة [حيث] (٢) لم يحتسبوا له بما أنفق في الجهاد من الجتد والعدة، لأنهم طلبوا منه زكاة اعتاده ظنًّا منهم أنها للتجارة، وأن الزكاة فيها واجبة، فقال لهم: لا زكاة لكم عليّ. فقالوا للنبي ﷺ : "إن خالداً منع الزكاة، فقال: إنكم تظلمون خالداً"، لأنه حبسها ووقفها في سبيل الله قبل الحول عليها، ولا زكاة فيها. قاله النووي (٣) في شرحه. قال: ويحتمل أن يكون المراد لو وجبت عليه زكاة [لأعطاها ولم يشح بها لأنه قد وقف
стр. 2486
أمواله لله -تعالى- متبرعاً. فكيف يشح بواجب عليه] (١) ويحتمل أنه لم يقفها، بل رفع يده عنها، وخلى بينها وبين الناس في سبيل الله، لا أنه احتبسها وقفاً على التأبيد.
لأنه صرفها مصرفها حيث تعينت للجهاد، وقد جعل الله للجهاد حظّاً من الزكاة، فرأى صرفها فيه، فاشترى بها ما يصلح له، كما يفعله الإِمام، فلما تحقق النبي ﷺ ذلك قال: "إنكم تظلمون خالداً" فإنه قد صرفها مصرفها وأجاز له ذلك، وبه جزم القرطبي في شرحه، وقيل: يجوز أن يكون ﵊ أجاز لخالد أن يحتسب ما حبسه من ذلك فيما يجب عليه من الزكاة، لأنه في سبيل الله. حكاه القاضي عياض (٢).
قال: فهو حجة لمالك في جواز دفعها لصنف واحد، وهو قول العلماء كافة، خلافاً للشافعي في وجوب قسمتها على الأصناف الثمانية (٣).
قال: وعلى هذا يجوز إخراج القيمة في الزكاة، وقد أدخل البخاري (٤) هذا الحديث في باب: أخذ العَرضِ في الزكاة. فيدل على أنه ذهب إلى هذا التأويل.
ومذهب مالك والشافعي: منع إخراج القيمة في الزكاة.
وأبو حنيفة: يجيز ذلك، وحكاه البغداديون عن مذهب مالك،
стр. 2487
قال الشيخ تقي الدين (١): وهذا التأويل لا يزيل الإِشكال لأن ما حبس على [جهة] (٢) معينة تعين صرفه [إليها] (٣)، واستحقه أهل تلك الصفة مضافاً إلى جهة الحبس، فإن كان قد طلب من خالد زكاة ما حبسه، فكيف يمكن ذلك مع تعيّن ما حبسه لمصرفه! وإن كان [قد] (٤) طلب منه زكاة المال الذي لم يحبسه -من العين والحرث، والماشية- فكيف يحاسب بما وجب عليه في ذلك، وقد تعين صرف ذلك المحبس إلى جهته؟
قال: وأما الاستدلال بذلك على أن صرف الزكاة [على] (٥) صنف من الثمانية جائز، وأنّ أخذ [القيمة] (٦) جائز، فضعيف جدّاً، لأنه لو أمكن توجيه ما قيل في ذلك لكان الإِجزاء في المسألتين مأخوذاً على تقدير ذلك التأويل. وما ثبت [على تقدير لا يلزم أن يكون واقعاً إلَّا إذا ثبت وقوع ذلك التقدير. و [لم] (٧) يثبت] (٨) ذلك بوجه، ولم [يتبين] (٩) بهذه المقالة إلَّا مجرد الجواز، والجواز
стр. 2488
لا يدل على الوقوع [إلَّا أن يريد القاضي أنه حجة لمالك وأبي حنيفة على التقدير، فقريب. إلَّا أنه يجب التنبيه لأنه لا يفيد الحكم في نفس الأمر (١)] (٢). قال: وأنا أقول: يحتمل أن يكون تحبيس خالد لأدراعه وأعتاده في سبيل الله إرصادَه إياها لذلك، وعدم تصرفه بها في غير ذلك. وهذا النوع حبيس، وإن لم يكن تحبيساً، ولا يبعد أن يراد مثل ذلك بهذا اللفظ، ويكون قوله ﵊: "إنكم تظلمون خالداً"، مصروفاً إلى قولهم: "منع خالد" أي تظلمونه في نسبته إلى منع الواجب، مع كونه صرف ماله [إلى] (٣) سبيل الله، ويكون المعنى: [إنه] (٤) لم يقصد منع الواجب، ويحمل منعه على غير ذلك.
قلت: وهو عين ما أسلفناه عن القرطبي فهذه تأويلات. تأويل النووي (٥). الأول: وهو ظنهم أنها عروض للتجارة.
وتأويل القرطبي والشيخ تقي الدين الثاني.
стр. 2489
والتأويل الثالث: الذي حكاه القاضي عياض (١)، وتأويله هو أنه أخرج العروض قيمة عما وجب في ماله، وأنه صرفها في أحد مصارف الزكاة، وهو سبيل الله.
واعترض الفاكهي على الثاني فقال: إن قصد الشيخ تقي الدين أنها صارت حبساً بغير لفظ الحبس فالإِشكال الذي قرره أولاً يعود، وإن أراد إرصاده كما صرح به فالزكاة باقية في الذمة، ولم يعلم ما جرى فيها ورجح تأويل القاضي عياض. ثم هذا كله إذا قلنا: إن الصدقة هي الزكاة، وهو الظاهر على ما تقدم.
فإن قلنا: إنها صدقة التطوع ارتفع الإِشكال من أصله، ويكون المعنى: أنه ﵊ اكتفى بما حبسه [خالد] (٢) [في سبيل الله] (٣) عن أخذ شيء آخر من صدقة التطوع [حتى يكون الطالب منه شيئاً آخر بعد تحبيسه ماله ظالماً على طريق المبالغة والتوسع] (٤).
الحادي عشر: قوله ﵊: "احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله" معنى احتبس (٥): وقف ويحتمل أن
стр. 2490
يكون [معناه] (١) إبانة اليد عن الملك لله -تعالى- كما يفعل المهدي لبيت الله -تعالى- فيها بالتخلية بينها وبين مستحقيها. وقد سبق كل ذلك.
قال الأصبهاني: واحتبس: لغة في حبس.
والأدراع: جمع درع ويكون من الحديد وغيره.
وأعتاد: هذه اللفظة رويت على أوجه.
أحدها: "أعتاده" كما ذكره المصنف، وأنكره بعضهم، وهي ثابتة في صحيح مسلم (٢).
ثانيها: "أعتده" بالتاء المثناة فوق.
وحكى الدارقطني: أن أحمد بن حنبل قال: أخطأ علي بن حفص في هذا وصحف، وإنما هو "وأعبده" (٣) يعني بالباء الموحدة، كما سيأتي.
وقال عبد الحق في "الجمع بين الصحيحين": وقع في رواية