والأثرة: الاستئثار بالمشترك أي يستأئر عليكم ويفضل عليكم غيركم بغير حق. قاله النووي (١).
وقال القرطبي: روايتنا هي الأولى.
قال أبو عبيد: أي يستأثر عليكم فيفضل [(٢)] غيركم نفسه عليكم في الفيء.
والأثرة: اسم من أثر يؤثر إيثاراً.
وقال الأزهري: الأثرة الإِيثار والاسم: الأثر.
قال القرطبي: ورواه بعضهم بالثاني وأصل [الأثرة] (٣) الفضل.
قال أبو عبيد: يقال: له عليّ أثرة أي فضل، ومعناها قريب من الأولى.
قلت: وفيه لغة ثالثة بكسر الهمز وإسكان الثاء، وهي قليلة (٤)، قال أبو علي القالي: ومعناها الشدّة [وكان] (٥) يتأول الحديث، ولكن التفسير السالف أظهر، وعليه الأكثر. وسياق الحديث وسببه يشهد له وهو إيثارهم المهاجرين على أنفسهم، كما
стр. 2522
جاء فأثر الأنصار المهاجرين أن فضلوهم فأجابهم ﵊ بهذا.
الثالث والعشرون: هذا الحديث علم من أعلام نبوته، فإنه إخبار بما سيقع، وقد وقع على وفق ما أخبر به من الاستئثار عليهم بالدنيا، فلم ينالوا رتبة من رتب ولياتها.
الرابع والعشرون: قوله ﵊: "فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" أصل الصبر في اللغة الحبس، ومعناه حبس النفس عن حظوظها الدنيوية رجاء للحظوظ الأخروية. فأمرهم ﵊ بذلك لرضاه لهم بالأخرى على الأولى لعلمه وتحققه أنها خير من الأولى، كما أخبر الله -تعالى- في كتابه العزيز (١) عن صحف إبراهيم وموسى ﷺ ولا شك أن الصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد. والجميل منه الذي لا شكوى فيه ولا جزع. ومن لم يتعاطاه ويوصي به ويقبل الوصية فهو في خسر، كما أخبر -تعالى- به من سورة العصر.
الخامس والعشرون: في الحديث أن للإِمام صرف بعض الخمس على ما يراه من تفضيل الناس فيه، وأن يعطي الواحد منه الكثير وأنه يصرفه في مصالح المسلمين، وله أن يعطي الغني منه لمصلحة.
стр. 2523
السادس والعشرون: فيه أيضاً إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإِسلام منه.
السابع والعشرون: [فيه أيضاً إقامة الحجة عند الحاجة إليها على الخصم كما سلف.
الثامن والعشرون] (١): فيه أيضاً أن المؤمن إذا وجد [في] (٢) نفسه شيئاً من فوات الدنيا وتحدث به لا ينقصه ولا يبطل ثوابه.
التاسع والعشرون: فيه استحباب الخطبة للإِمام عند الأمر يحدث، سواء كان الأمر خاصّاً بقوم أو عامّاً بالناس.
وذكر الماوردي في "حاويه" (٣) في كتاب السير: أن سعد بن عبادة "دخل على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء فأعطيت غيرهم وحرمتهم. قال: "فأين سعد من ذلك" قال: يا رسول الله! ما أنا إلَّا من قومي. قال: "فأجمع لي قومك فلما اجتمعوا خطبهم" (٤) الحديث.
الثلاثون: فيه تخصيص المخاطب بالنداء في الخطبة.
الحادي والثلاثون: فيه أيضاً تذكير العاتب على فوات الدنيا بنعم الله عليه الظاهرة والباطنة، ومن جرت على يديه أو بسببه.
стр. 2524
الثاني والثلاثون: فيه أيضاً الأدب مع الله في الألفاظ وتنزيلها منازلها.
الثالث والثلاثون: فيه أيضاً التخصيص على طلب الهداية والألفة والغنى.
الرابع والثلاثون: فيه أيضاً أن المنة لله ورسوله على الإِطلاق.
الخامس والثلاثون: فيه أيضاً استعطاف العاتب وتبين الحجة لرد عتبه.
السادس والثلاثون: فيه أيضاً وجوب مراعاة جانب الله -تعالى- ورسوله -عليه أفضل الصلاة والسلام- وولاة الأمور العادلين وتقديمها على مصلحة نفس الإِنسان لما فيها من مصالح الدنيا والدين.
السابع والثلاثون: فيه أيضاً بيان فضل الأنصار ومزيتهم على غيرهم من الناس كما سلف.
الثامن والثلاثون: فيه أيضاً اتباع آثار أهل الفضل والإِحسان والتحضيض عليه.
التاسع والثلاثون: فيه أيضاً تقديم جانب الآخرة على جانب الدنيا.
الأربعون: فيه أيضاً الأمر بالصبر عن حظوظ الدنيا وحطامها، وما استؤثر به منها، وادخار ثواب ذلك للدار الآخرة التي لا تفنى.
***
стр. 2525
٣٤ - باب صدقة الفطر
يقال: صدقة الفطر وزكاة الفطر وكلاهما نطق به الحديث الصحيح.
ويقال: للمخرج فِطرة بكسر الفاء لا غير، وهي لفظة مولدة وكأنها من الفطرة التي هي الخلقة، أي زكاة الخلقة، وشرعت تطهيراً للنفس وتنمية لعملها.
وقال وكيع بن الجراح: زكاة الفطر لشهر رمضان: كسجدتي السهو للصلاة، تجبر نقصان الصوم، كما يجبر السجود نقصان الصلاة.
قلت: وكالهدي ليس الحج والعمرة، وكأنه أخذه من حديث ابن عباس أنه ﵊: "فرض صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين"، رواه أبو داود بإسناد (١)
стр. 2526
حسن وصححه الحاكم على شرط البخاري.
فإن قلت: فقد وجبت على من لا إثم عليه ولا ذنب [كالصغير] (١)، والصالح المحقق الصلاح، والكافر الذي أسلم قبل غروب الشمس بلحظة.
قلنا: التعليل بالتطهير لغالب الناس، كما أن القصر في السفر جُوز للمشقة فلو وجد من لا مشقة عليه فله القصر.
وقد قيل: إن الصيام يبقى موقوفاً لا يرتفع إلى الله على معنى الرضا والقبول، إلَّا بعد إخراجها.
ولها حكمة أخرى وهي إغناء الفقراء عن السؤال يوم العيد، كما سلف في الحديث الذي قدمناه، وذكر المصنف في الباب حديثين:
...
стр. 2527
الحديث الأول
١٧٧/ ١/ ٣٤ - عن ابن عمر ﵄ قال: فرض النبي ﷺ صدقة الفطر -أو قال رمضان- على الذكر والأنثي والحر والمملوك: صاعاً من تمرٍ، أو صاعاً من شعير: قال: "فعدل الناس به نصف صاع من بر، على الصغير والكبير" (١).
وفي لفظ: "أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة" (٢).
стр. 2528
الكلام عليه من سبعة عشر وجهاً:
الأول: في التعريف براويه وقد سلف في باب الاستطابة.
الثاني: اختلف في معنى "فرض" على قولين.
أصحهما: عند الجمهور أوجب وألزم.
ثانيهما: بمعنى قدّر، وهو أصله في اللغة [لكنه] (١) نقل في عرف الاستعمال إلى الوجوب. فالحمل عليه أولى، لأن ما اشتهر في الاستعمال فالقصد إليه هو الغالب (٢) لمن قال بالأول قال: صدقة الفطر واجبة، وهو المشهور من مذاهب العلماء [لأن] (٣) الفرض يغلب استعماله شرعاً في هذا المعنى، وهي داخلة أيضاً في عموم قوله -تعالي-: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٤).
ونقل إسحاق بن راهويه وابن المنذر والبيهقي الإِجماع في ذلك (٥).
стр. 2529
ومن قال بالثاني قال: إنها سنَّة (١)، وبه قال بعض أهل العراق وداود (٢) في آخر أمره، وابن اللبان من الشافعية، والقولان لمالك، والمشهور منهما الأول، وإن كان بعض شيوخه المتأخرين كان يعتقد أن مشهور مذهبه الثاني، كما نبه عليه الفاكهي.
стр. 2530
وقال أبو حنفية: هي واجبة لا فرض (١) على قاعدته في التفرقة بينهما.
وأغرب بعضهم فقال: إنها منسوخة بالزكاة (٢) وهو غلط صريح.
ثم اختلفوا هل وجبت بعموم آي الزكاة أو بغيرها؟ وذلك الغير هل هو الكتاب وهو قوله -تعالى-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ (٣)، أي -صلاة العيد- أو السنَّة. فيه خلاف لأصحابنا حكاه الماوردي (٤).
والمشهور أنها فرضت في السنة الثانية من الهجرة عام فرض رمضان، وفي "سنن النسائي" و"ابن ماجه" و"صحيح الحاكم" عن قيس بن سعد بن عبادة قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت: "لم يأمرنا ولم ينهنا، ونحن نفعله" (٥).
قال الحاكم: [حديث] (٦) صحيح على شرط الشيخين، وهو دال على وجوبها بالسنَّة، ولا دلالة فيه على إسقاطها, لأنه سبق الأمر به، والأصل بقاؤه.
стр. 2531
الوجه الثالث: اختلف العلماء في وقت وجوبها على أربعة أقوال.
أصحها: عندنا وعند المالكية تجب بغروب الشمس ليلة عيد الفطر، وهو مذهب أحمد أيضاً (١).
стр. 2532
وثانيها: تجب بطلوع الفجر ليلة العيد، وبه قال أبو (١) حنيفة.
وثالثها: تجب بمجموع الوقتين، وهذا القول خرجه صاحب "التلخيص"، وأنكره الأصحاب.
ورابعها: تجب بطلوع شمس يوم العيد، وهو محكي في مذهب مالك، حكاه القرطبي وغيره، ولم يطلع عليه ابن العطار في شرحه، فقال: لا أعلم أحداً قال بوجوبها بالطلوع، وعندهم أيضاً قول آخر أنها تجب وجوباً موسعاً من الغروب إلى الطلوع. وحكى عندهم الأول والثاني أيضاً، فهذه أربعة أقوال عندهم، وعندنا الثلاثة الأُول فقط.
стр. 2533
وتظهر فائدة هذا الخلاف فيما إذا ولد له ولد أو تزوج امرأة أو ملك عبداً أو باعه أو أسلم عبده الكافر أو مات فيما بين هذه الأزمان ولا يخفى عليك تفريعه وارتداد الزوج والرقيق وطلاقها البائن كالموت، وسبب هذا الخلاف أن الشرع قد أضاف هذه الزكاة للفطر، وهل هو الفطر المعتاد في سائر الشهر فيكون الوجوب من وقت الغروب أو الفطر المعتاد في كل يوم فيكون من طلوع الشمس أو المراد أول الفطر المأمور به يوم الفطر، فيكون من طلوع الفجر.
وقال ابن قتيبة: معنى صدقة الفطر أي صدقة النفوس. والفطرة أصل الخلقة، وهذا بعيد بل مردود (١)، كما قال القرطبي بقوله في رواية لمسلم: "صدقة الفطر من رمضان".
وقال الشيخ تقي الدين (٢): قوله "صدقة الفطر" أو قال: "رمضان" وفي رواية أخرى "من رمضان" قد يتعلق به من يرى أن وقت الوجوب غروب الشمس من ليلة العيد، وقد يتعلق به من يرى أن وقت الوجوب طلوع [شمسه] (٣) من يوم العيد وكلاهما ضعيف. لأن إضافتها إلى الفطر من رمضان (٤) [لا يستلزم أنه وقت الوجوب،
стр. 2534
بل يقتضي إضافة هذه الزكاة إلى الفطر في رمضان] (١)، فيقال حينئذٍ: [بالوجوب] (٢) بظاهر لفظة: "فرض" ويؤخذ وقت الوجوب من أمر آخر.
الرابع: قوله: "على الذكر والأنثى والحر والمملوك" (٣) [يقتضي] (٤) هذا اللفظ وجوب إخراج الفطرة عن هؤلاء المذكورين وإن كانت لفظة "على" [يقتضي] (٥) الوجوب عليهم أنفسهم ظاهراً.
وقد اختلف الفقهاء في الذي يخرج عنهم هل باشرهم الوجوب أو لا؟ والمُخرِج عنهم يتحمله أو الوجوب يلاقي المخرج أو لا؟
стр. 2535
وهما وجهان عندنا وقيل: قولان مستنبطان أصحهما أولهما فمن قال به أخذ بظاهر الحديث حملاً للفظة "علي" على مقتضاها. ومن قال بالثاني تأول لفظة "على" بمعنى "عن" وهذا الخلاف له فوائد فروعية ذكرتها في "شرح المنهاج" وغيره.
الخامس: قوله: "على الذكر والأنثى". تقتضي أيضاً الإِخراج عن كل غني أو فقير ممن تعلق الوجوب به وهو كونه: "من المسلمين" (١) كما قيد في الصحيح خلافاً لأبي حنيفة وأصحابه، حيث قالوا: لا تلزم من يحل له أخذها.
السادس: مقتضاه أيضاً الإِخراج عن الصغير وبه صرح في آخره، ولا خلاف عند من يقول: إنها تخرج بسببه أن وليه هو الذي يخاطب بإخراجها إذ الصبي لم يجر عليه بعد قلم التكليف.
قال ابن بزيزة: وهو قول جمهور العلماء. قال: وجمهورهم على أنها غير واجبة على الجنين في بطن أمه.
ومن شواذ الأقوال إخراجها عنه، قال: وروينا عن عثمان وسليمان بن يسار أنهما كانا [يخرجانها] (٢) عنه (٣).
стр. 2536
ونقل عن قوم من السلف أنه إذا كمل الجنين في بطن أمه أربعة أشهر قبل الفجر وجب الإِخراج عنه، وإنما خص الأربعة أشهر بذلك للاعتماد على حديث ابن مسعود (١) أن الخلق يجمع في بطن أمه أربعين يوماً.
[الوجه] (٢) السابع: مقتضاه أيضاً الإِخراج عن البادي كالحاضر وهو مذهب الجمهور وخالف الليث وربيعة والزهري وعطاء، فقالوا
стр. 2537
وجوبها خاص بأهل الحاضرة والقرى دون أهل العموم والخصوص (١).
الثامن: ذهب الجمهور إلى وجوب إخراجها على الزوج، وخالف الكوفيون فقالوا: إنما يجب عليها وهو مقتضى الحديث.
وأجاب الجمهور عنه: بأن "على" بمعنى "عن" أو أنها وجبت عليها ثم تحملها الزوج.
التاسع: قوله "والحر والمملوك" ذهب الجمهور إلى أن المملوك ليس مخاطباً بها, لأنه لا شيء له ولو كان له مال فسيده قادر على انتزاعه. وخالف داود (٢) فأوجبها عليه تمسكاً بهذا الحديث. وقال: على سيده أن يتركه لاكتسابها كما لا يمنعه من صلاة الفرض.
وأجاب الجمهور: بما تقدم في فطرة الزوجة.
وإذا قلنا بقولهم: فهل يخاطب السيد بإخراجها عنه أم لا؟
جمهورهم أيضاً على أنه يجب عليه ذلك، لأنه يلزمه نفقته ومؤنته، وهذه من جملة المؤن، فإن المخاطب بإخراجها مكلف الواجد لها حين الوجوب عن نفسه وعن من تلزمه نفقته (٣).
стр. 2538
فرع: لو كان لعبده عبد.
قال ابن بريزة: اختلف الفقهاء في لزوم إخراجها عنه، والصحيح نعم، لأن الكل ملكه (١).
فرع: لو انقطع خبر عبده فالأصح عندنا وجوب إخراج فطرته في الحال.
ومذهب مالك الوجوب، وإن كانت الغيبة قريبة مرجوة.
وقال قوم: تجب مطلقاً لبقاء الملك.
ونقل الفاكهي عن الشافعي أنها لا تؤدى عنه مطلقاً، لما يتطرق إليه من الإِغرار واحتمال الحياة والموت قال وهو أصله في منع بيع الغائب على الصفة، وهذا عجيب، فهذا قول ضعيف عنده. والصحيح من مذهبه ما قدمناه.
العاشر: "الصاع": مكيال معروف. وقد تقدم ذكره [وضبطه] (٢) في آخر باب الجنابة. وأن الأصح أنه خمسة أرطال وثلث، وخالف أبو حنيفة فجعله ثمانية أرطال. واستدل مالك بنقل الخلف عن السلف بالمدينة، وهو استدلال قوي صحيح في مثل هذا, ولما ناظر أبا يوسف بحضرة الرشيد في هذه المسألة رجع أبو يوسف إلى قوله لما استدل بذلك (٣).
стр. 2539
فرع: الصواب اعتماد الكيل في الصاع، وأبعد من اعتمد فيه الوزن.
الحادي عشر: قوله: "صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير" "من" فيه لبيان الجنس المخرج.
قال القاضي عياض: واختلف في النوع المخرج، فأجمعوا على أنه يجوز البر والزبيب والتمر والشعير، إلَّا خلافاً في البر لا يعتد به، وخلافاً في الزبيب لبعض المتأخرين، وكلاهما مسبوق بالإِجماع، مردود قوله به. وأما الإِقط فأجازه مالك والجمهور (١).
ومنعه الحسن: وهو قول للشافعي.
وقال أشهب: لا يخرج إلَاّ هذه الخمسة.
وقاس مالك (٢) على هذه الخمسة كل ما هو عيش أهل بلد من
стр. 2540
القطاني وغيرها، وعن مالك قول آخر أنه لا يجزىء غير المنصوص في الحديث. وما في معناه ولم يجز عامة العلماء إخراج الزكاة في القيمة وأجازه أبو حنيفة (١).
وقال أصحابنا: جنس الفطرة فكل حب معشر، وكذا الإِقط على الأظهر كما تقدم، وأصح الأوجه أنه يتعين غالب قوت بلده.
وقيل: قوته.
وقيل: يخير بين الأقوات لظاهر "أو" المذكورة.
وأجاب الأولون: عن ذلك لأنها للتنويع كما في قوله -تعالى-: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا ...﴾ الآية (١) ويجزىء [الأعلى عن الأدنى] (٢) ولا عكس، والاعتبار بزيادة الاقتيات [لا القيمة في الأصح] (٣).
الثاني عشر: قوله: "فعدل الناس به نصف صاع من بر" الضمير من "به" عائد على التمر، وهو مذهب أبي حنيفة، وجماعة (٤) من السلف في البر، وأنه يخرج نصف صاع.
قال القرطبي: واحتجوا بأحاديث لم يصح عند أهل الحديث شيء منها، وكذا قال النووي (٥) وأنّ ضعفها بين.
وخالفهم الجمهور، فقالوا: الواجب من ذلك صاع أيضاً,
стр. 2544
لحديث أبي سعيد الآتي (١) لأن فيه: "صاعاً من طعام" وهو البر كما سيأتي، ولأنه ذكر أشياء قيمتها مختلفة، وأوجب في كل نوع منها صاعاً. فدل على أن المعتبر صاع ولا نظر إلى قيمته.
وقوله: "فعدل الناس به" هو معاوية كما ستعلمه في الحديث الآتي.
قال القاضي عياض: ولم يقل بذلك معاوية في كل بر، وإنما قاله في سمراء الشام (٢) [وخالفهم الجمهور، فقالوا: الواجب من ذلك صاع أيضاً، لحديث أبي سعيد الآتي، لأن فيه صاعاً من طعام، وهو البر كما سيأتي، ولأنه ذكر أشياء فيها] (٣).
الثالث عشر: قوله في لفظ "أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة" يعني إلى صلاة عيد الفطر. وبهذا قال جمهور العلماء واستحبوه، وليستغني بها المساكين عن السؤال في ذلك اليوم، ويتفرغ قلبهم لما هم بصدده من العبادات، وهو سر الحديث المرفوع: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم" (٤) وكرهوا تأخيرها عن
стр. 2545
يوم الفطر، ورخص بعضهم في تأخيرها، وقاله مالك وأحمد.
قال القرطبي: ومشهور مذهب مالك أن آخر يوم الفطر آخر وقت أدائها (١)، وما بعد الفطر وقت قضائها.
ومذهب الشافعي والجمهور: أنه يحرم (٢). تأخيرها عن يومه،
стр. 2546
فلو أخرها بالنية وعينها لمستحقيها ولم يتفق له قبضها جاز، لأنه لم يؤخر عن يوم العيد في المعنى، نصّ على ذلك أصحابنا كما نقله عنهم ابن العطار في شرحه، ولا يحضرني من نقله ذلك عنهم غيره.
فرع: يجوز عندنا تعجيل الفطرة من أول رمضان ويمتنع قبله (١).
وعند المالكية: حكاية قولين في جواز تقديمها بيوم أو يومين أو ثلاثة. وفي الموطأ عن ابن عمر: أنه كان يؤديها قبل الفطر بيومين
стр. 2547
أو ثلاثة (١).
الرابع عشر: يؤخذ من الحديث جواز قول "رمضان" من غير إضافة إلى شهر من غير كراهة.
واختلف السلف في كراهته.
والأصح: لا كراهة، سواء كان هناك قرينة أو لم يكن.
وقيل: يكره وفيه حديث لكنه ضعيف (٢).
стр. 2548
وقيل: إن كان هناك قرينة تدل على الشهر لم يكره وإلَاّ كره.
الخامس عشر: فيه أيضاً وجوب إخراج الصاع من كل نوع يخرج كما سلف بالخلاف فيه.
السادس عشر: فيه أيضاً أنه لا يجوز تأخير الفطرة عن يوم العيد كما سلف. وأن الأفضل إخراجها قبل الخروج إلى المصلَّى وتأخيرها عن الخروج مكروه عند أبي الطيب.
وقال البندنيجي: يكون تاركاً للأفضل.
السابع عشر: فيه أيضاً أن الاجتهاد والعمل به لا ينعقد مع وجود النص أو الظاهر المعمول به. فإنه تُرك اجتهاد معاوية في تعديل البر، وعمل بالنص أو الظاهر الموصوف، كما سيأتي في الحديث بعده.
[الثامن عشر] (١): قال [المازري] (٢) قوله في رواية مسلم: فرض رسول الله ﷺ : "زكاة الفطر من رمضان"، إلى آخره فيه دلالة لمن يقول لا تجب إلَّا على من صام رمضان، ولو يوماً واحداً، لأنها طهرة للصائم من اللغو والرفث.
стр. 2549
خاتمتان [الأولى] (١): لا تخرج الفطرة إلَّا عن مسلم، فلا يلزم المسلم فطرة العبد والقريب والزوجة الكفار، وبه قال مالك والشافعي والجمهور.
وقال الكوفيون وبعض السلف: يجب على العبد الكافر.
قال النووي في "شرح المهذب" (٢): ولا خلاف في ذلك عندنا (٣).
قلت: قد حكى القاضي حسين وجهاً: أن المسلم يخرج الفطرة عن العبد الكافر (٤) بناء على أن الوجوب يلاقي السيد أولاً
стр. 2550
وهو من أهله وطرده في "التتمة" في الزوجة والقريب، حكاه عنهما ابن الرفعة في "كفايته".
وتأول الطحاوي قوله: "من المسلمين" في الحديث الصحيح: على أن المراد به السادة دون العبيد، وهو مردود بظواهر الأحاديث (١).
الثانية: لا تجب (٢) الفطرة عند الشافعي والجمهور إلَّا على من ملك فاضلاً عن قوته وقوت عياله يوم العيد. واعتبر أبو حنيفة النصاب.
стр. 2551
وقال سفيان: من له خمسون درهماً وجبت عليه.
وقال بعضهم: من له أربعون، ومشهور مذهب مالك وجوبها على من عنده قوت يومه معها.
وقيل: إنما تجب على من لا يجحف به إخراجها (١).
...
стр. 2552
الحديث الثاني
١٧٨/ ٢/ ٣٤ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كنا نعطيها في زمن رسول الله ﷺ صاعاً من طعام أو صاعاً من تمرٍ أو صاعاً من شعيرٍ أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من زبيب، فلما جاء معاوية وجاءت السمراء، قال: أرى مدّاً من هذا يعدل مدين.
قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه" (١).
الكلام عليه من أحد عشر وجهاً، وهو حديث ملحق بالمسند عند المحققين من الأصوليين لأن مثل هذا لا يأمر به غير النبي ﷺ ولا يخفي مثله عنه، ولا يذكره الصحابي في معرض الاحتجاج إلَّا وهو مرفوع إلى النبي ﷺ :
стр. 2553
الوجه الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في باب المواقيت.
الثاني: قوله: "صاعاً "هو منصوب: إما على البدل من الهاء والألف في نعطها إذ هما ضمير الصدقة، وإما على الحال، ويكون صاعاً بمعنى مكيلاً.
الثالث: المراد بالطعام: هنا البر (١) بدليل ذكر الشعير بعده،
стр. 2554
وهو عرف أهل الحجاز في ذلك.
وقد ورد في رواية أبي داود (١): "أوصاعاً من حنطة" لكنه قال: وليس بمحفوظ.
الرابع: "الأقط": بفتح الهمزة وكسر القاف ويجوز إسكان القاف مع فتح الهمزة وكسرها كنظائره.
стр. 2555
وقال ابن سيده: الأقط مثلث بهمزة مع سكون القاف، والأقِط: بفتح الهمزة وكسر القاف، وهو شيء يعمل من ألبان المخيض.
وقال ابن الأعرابي: يعمل من ألبان الإِبل خاصة.
وقال الشيخ زكي الدين المنذري: في باب أكل الضب: هو جبن اللبن المستخرج.
وقال النووي: في "تحريره" هو لبن يابس غير منزوع الزبد.
الخامس: "السمراء": الحنطة الشامية وهي خلاف حمولة وهي البيضاء.
السادس: تقدم الكلام على هذا الحديث [في الحديث] (١) قبله واضحاً، وهل تعين هذه لأنها كانت أقواتاً في ذلك الوقت أو لتعلق الحكم بها مطلقاً.
السابع: فيه دلالة صريحة على إجزاء الأقط، وإبطال لقول من منعه، وطعن ابن حزم (٢) في الحديث لا يقبل، كما أوضحته في "تخريج أحاديث الوسيط"، فراجعه منه.
وشرط أصحابنا في أجزائه أن لا يكون مملحاً أفسد كثرة الملح جوهره لأنه عيب، فإن كان الملح ظاهراً عليه فالملح غير محشو به، والشرط أن يخرج قدر ما يكون محض الأقط منه صاعاً، والرجوع في ذلك إلى أهله كما ذكره العجلي.
стр. 2556
وقال الماوردي (١): والخلاف في إجزاء الأقط إنما هو في أهل البادية، وأما الحاضرة فلا يجزيهم قولاً واحداً. ذكره في باب كفارة الظهار، ورد عليه النووي في "شرح المهذب" (٢).
فقال: الصحيح الذي قطع به الجمهور أنه لا فرق بين الحاضرة والبادية، وحديث أبي سعيد يعني هذا صريح في إبطاله، وإن كان قد تأوله على أنه كان من أهل البادية، وهو تأويل باطل.
الثامن: قول معاوية: "أرى مدّاً من هذا يعدل مدين"، قاله على المنبر، كما أخرجه مسلم وهو الذي اعتمده أبو حنيفة، ومن وافقه في جواز نصف صاع حنطة، وقدموه على خبر الواحد، وخالفه الجمهور في ذلك كما قدمته في الحديث قبله.
والجمهور يجيبون عنه بأنه: قول صحابي قد خالفه أبو سعيد، وغيره ممن هو أطول صحبة منه، وأعلم بأحوال الشارع، وإذا اختلفت الصحابة لم يكن بعضهم أولى من بعض، فيرجع إلى دليل آخر، وظاهر الأحاديث والقياس متفقة على اشتراط الصاع من الحنطة كغيرها، فوجب اعتماده، وقد صرح معاوية بأنه رأي رآه، لا أنه سمعه من النبي ﷺ ، ولو كان عند أحد من حاضرى مجلسه مع كثرتهم تلك اللحظة علم في موافقة معاوية عن النبي ﷺ لذكره كما جرى في غير هذه القصة. وما أسلفناه من خلاف أبي سعيد لمعاوية هو الظاهر، وإن كان يحتمل أن يكون أخبر أنه لا ينقص شيئاً مما كان يخرجه، وأنه فعل ذلك تورعاً واحتياطاً لكن فيه بعد.
стр. 2557
تنبيه: أجرى أبو حنيفة ومن وافقه قوله السالف في الحنطة في الزبيب، وقال: إنه يجزي نصف صاع منه. نقله النووي في "شرح مسلم" (١) ورأيت في شرح هذا الكتاب للصعبي إلحاق التمر بالزبيب وكأنه غلط.
التاسع: فيه دلالة على أن فعل الشيء في حياته ﷺ حجة في فعله وتقريره، لأن الظاهر علمه ﵊ به، كيف والوحي كان ينزل، فلو لم يجز لنزل الوحي بمنعه، كيف وما يتعلق بشرع عام دائم.
العاشر: فيه دلالة أيضًا على أنه لا يجوز لمن علم النص أن يرجع إلى اجتهاد المجتهد من العلماء، بل يجب على المجتهد الإِقرار بالرأي والتسليم للنص، كما ثبت عن معاوية في هذه المسألة لما بلغه حديث أبي سعيد هذا قال: إنه رأي رآه لا أنه سمعه من النبي ﷺ .
الحادي عشر: فيه الثبوت على السنة والعمل بها وعدم الرجوع إلى قول من رأى خلافها وإن طالت المدة، وقد قال ﵊: "عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور! ".
...
стр. 2558
كتاب الصيام
стр. 2559
٣٥ - باب الصيام
نفتتحه بمقدمات:
الأولى: في حقيقة الصيام لغة وشرعاً: وهو في اللغة: الإِمساك.
وفي الشرع: إمساك مخصوص، من شخص مخصوص، عن شيء مخصوص، في زمن مخصوص.
[الثانية] (١): كان فرض رمضان في شعبان في السنة الثانية من الهجرة فصام ﵊ تسع رمضانات، وأكثرها تسع وعشرون يوماً، كما جاء في [رواية] (٢) أبي داود (٣) من حديث ابن مسعود.
الثالثة: اختلف في اشتقاق رمضان.
فقيل: إنه كان يوافق زمن الحر والقيظ مشتق من الرمضاء وهي
стр. 2560
الحجارة الحارة، لأن الجاهلية كانت تلبس في كل ثلاث سنين شهر، فيجعلون المحرم صفراً حتى لا تختلف شهورها في الحر والبرد، وذلك هو النسيء الذي حرم الله -تعالى- (١) وكذا ربيع في زمان الربيع، وجمادى في جمود الماء، فلما حرم النسيء اختلفت المشهور في ذلك.
[وقيل: لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها، وفيه حديث مرفوع عن أنس (٢).
وقيل: غير ذلك] (٣) وله عدة أسماء. وفي البزار (٤) "سيد