← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

وقال الماوردي (١): والخلاف في إجزاء الأقط إنما هو في أهل البادية، وأما الحاضرة فلا يجزيهم قولاً واحداً. ذكره في باب كفارة الظهار، ورد عليه النووي في "شرح المهذب" (٢). فقال: الصحيح الذي قطع به الجمهور أنه لا فرق بين الحاضرة والبادية، وحديث أبي سعيد يعني هذا صريح في إبطاله، وإن كان قد تأوله على أنه كان من أهل البادية، وهو تأويل باطل. الثامن: قول معاوية: "أرى مدّاً من هذا يعدل مدين"، قاله على المنبر، كما أخرجه مسلم وهو الذي اعتمده أبو حنيفة، ومن وافقه في جواز نصف صاع حنطة، وقدموه على خبر الواحد، وخالفه الجمهور في ذلك كما قدمته في الحديث قبله. والجمهور يجيبون عنه بأنه: قول صحابي قد خالفه أبو سعيد، وغيره ممن هو أطول صحبة منه، وأعلم بأحوال الشارع، وإذا اختلفت الصحابة لم يكن بعضهم أولى من بعض، فيرجع إلى دليل آخر، وظاهر الأحاديث والقياس متفقة على اشتراط الصاع من الحنطة كغيرها، فوجب اعتماده، وقد صرح معاوية بأنه رأي رآه، لا أنه سمعه من النبي ﷺ ، ولو كان عند أحد من حاضرى مجلسه مع كثرتهم تلك اللحظة علم في موافقة معاوية عن النبي ﷺ لذكره كما جرى في غير هذه القصة. وما أسلفناه من خلاف أبي سعيد لمعاوية هو الظاهر، وإن كان يحتمل أن يكون أخبر أنه لا ينقص شيئاً مما كان يخرجه، وأنه فعل ذلك تورعاً واحتياطاً لكن فيه بعد.

стр. 2557

تنبيه: أجرى أبو حنيفة ومن وافقه قوله السالف في الحنطة في الزبيب، وقال: إنه يجزي نصف صاع منه. نقله النووي في "شرح مسلم" (١) ورأيت في شرح هذا الكتاب للصعبي إلحاق التمر بالزبيب وكأنه غلط. التاسع: فيه دلالة على أن فعل الشيء في حياته ﷺ حجة في فعله وتقريره، لأن الظاهر علمه ﵊ به، كيف والوحي كان ينزل، فلو لم يجز لنزل الوحي بمنعه، كيف وما يتعلق بشرع عام دائم. العاشر: فيه دلالة أيضًا على أنه لا يجوز لمن علم النص أن يرجع إلى اجتهاد المجتهد من العلماء، بل يجب على المجتهد الإِقرار بالرأي والتسليم للنص، كما ثبت عن معاوية في هذه المسألة لما بلغه حديث أبي سعيد هذا قال: إنه رأي رآه لا أنه سمعه من النبي ﷺ . الحادي عشر: فيه الثبوت على السنة والعمل بها وعدم الرجوع إلى قول من رأى خلافها وإن طالت المدة، وقد قال ﵊: "عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور! ". ...

стр. 2558

كتاب الصيام

стр. 2559

٣٥ - باب الصيام نفتتحه بمقدمات: الأولى: في حقيقة الصيام لغة وشرعاً: وهو في اللغة: الإِمساك. وفي الشرع: إمساك مخصوص، من شخص مخصوص، عن شيء مخصوص، في زمن مخصوص. [الثانية] (١): كان فرض رمضان في شعبان في السنة الثانية من الهجرة فصام ﵊ تسع رمضانات، وأكثرها تسع وعشرون يوماً، كما جاء في [رواية] (٢) أبي داود (٣) من حديث ابن مسعود. الثالثة: اختلف في اشتقاق رمضان. فقيل: إنه كان يوافق زمن الحر والقيظ مشتق من الرمضاء وهي

стр. 2560

الحجارة الحارة، لأن الجاهلية كانت تلبس في كل ثلاث سنين شهر، فيجعلون المحرم صفراً حتى لا تختلف شهورها في الحر والبرد، وذلك هو النسيء الذي حرم الله -تعالى- (١) وكذا ربيع في زمان الربيع، وجمادى في جمود الماء، فلما حرم النسيء اختلفت المشهور في ذلك. [وقيل: لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها، وفيه حديث مرفوع عن أنس (٢). وقيل: غير ذلك] (٣) وله عدة أسماء. وفي البزار (٤) "سيد

стр. 2561

المشهور شهر رمضان، وأعظمها حرمة ذو الحجة". [الرابع] (١): اختلف في ابتداء فرض الصيام على ثلاثة أقوال: أحدها: عاشوراء (٢) قال البيهقي في كتابه فضائل الأوقات (٣): والأصح أنه لم يجب قط. وثانيها: أيام البيض (٤) لقوله -تعالى-: ﴿أَيَّامًا

стр. 2562

مَعْدُودَاتٍ﴾ ثم نسخ بقوله -تعالي-: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ والأصح أن المراد بالمعدودات: أيام شهر رمضان لما في قوله -تعالى-: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ من الإِطلاق والإِبهام فتخصص وتبين بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ فتكون الآية على هذا منسوخة. وقيل: أول ما فرض الصوم كان المطيق مخيراً بين أن يصوم أو يهدي، والصوم أفضل، وذلك في قوله -تعالى-: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ (١)، ثم نسخ التخيير بقوله -تعالى-:

стр. 2563

﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ إذا تقررت هذه المقدمات فلنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول: ذكر المصنف ﵀ في الباب ثمانية أحاديث: ...

стр. 2564

الحديث الأول ١٧٩/ ١ /٣٥ - عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَقَدَّمُوا رمضانَ بصومِ يومٍ ولا يومين (١)، إلَّا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه" (٢). الكلام عليه من عشرة أوجه: الأول: قوله: "لا تقدموا [رمضان] (٣) "أصله لا تتقدموا بتائين فحذفت إحداهما تخفيفاً ومه قوله -تعالى-: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا

стр. 2565

الْخَبِيثَ﴾ (١)، وقوله ﵊: "لا تقاطعوا ولا تدابروا" الحديث ومثل ذلك. واعلم أن شرط جواز الحذف في مثل هذا تماثل الحركتين، كما هو ههنا، فإن اختلفتا لم يجز الحذف لو قلت تتغافر الذنوب وتتعلم الحكمة ونحو ذلك لم يجز الحذف لاختلاف الحركتين. الثاني: فيه دلالة على أنه يقال: رمضان من غير ذكر الشهر، بلا كراهة، وهو الصحيح، سواء كان هناك قرينة أو لم تكن. وقيل: يكره إلَّا أن يقول شهر رمضان، وفيه حديث لكنه ضعيف (٢). وقيل: إن كان هناك قرينة تدل على الشهر لم يكره وإلَّا كره وقد [تقدم] (٣) ذلك أيضاً في الحديث الأول من باب زكاة الفطر. الثالث: فيه التصريح بالنهي عن إنشاء الصوم قبل رمضان بيوم أو يومين تطوعاً من غير عادة وذلك على طريق الاحتياط لرمضان ومقتضاه أنه يجوز بأكثر وهو مقتضى كلام البندنيجي وابن الصباغ من أصحابنا. وحاصل الخلاف عندنا في المسألة أربعة أوجه. أحدها: هذا. وثانيها: أنه إذا انتصف شعبان يحرم الصوم، وبه قطع

стр. 2566

المحققون من أصحابنا، لقوله ﵊: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" (١)، رواه أصحاب السنن الأربعة من حديث أبي هريرة، وصححه الترمذي وابن حبان. والقائل بهذا يجيب عن حديث أبي هريرة الذي في الكتاب بأن قوله "بيوم ولا يومين" ليس للتخيير وإنما هو لتبيين المنع من التقديم عليه بالصوم، لأنه الغالب في الواقع ممن يقصد استقبال الشهر وأمدُ المنع فيه نصف شعبان كما هو مبين في حديث أبي هريرة الآخر (٢). والوجه الثالث: أنه يجوز ولا يكره، وبه قطع المتولي، وقال في الحديث الذي أوردناه: إنه غير ثابت عند أهله (٣).

стр. 2567

والرابع: يكره كراهة تنزيه واختار الروياني. الرابع: ذكر بعضهم في النهي عن [تقدم] (١) رمضان بالصوم إنما كان لأجل التقوى على صيام رمضان وهو بعيد، فإن ذلك إذا

стр. 2568

أضعف عن رمضان [كان] (١) شعبان كله أولى بأن يضعف، وقد قام الإِجماع على جواز صومه كله، بل على استحبابه. وقد روى أصحاب السنن الأربعة عن أم سلمة أنه ﵊: "لم يكن يصم من السنة شهراً تامّاً إلَّا شعبان يصله برمضان" (٢) وقال الترمذي: حسن. وحمل المازري (٣): النهي على من صام تعظيماً للشهر واستقبالاً له بذلك -أي لئلا يزاد في العبادة ما ليس فيها- فأما إن صام يوم الشك على جهة التطوع ففيه خلاف، سيأتي. وترجم النسائي (٤) على هذا الحديث: التسهيل في صيام يوم الشك، وفيه نظر. الخامس: ذكر بعضهم: أن ظاهر حديث أبي هريرة هذا معارض بقوله ﵊ لرجل: "هل صمت من سرر شعبان شيئاً؟ ". قال: لا. قال: "فإذا أفطرت فصم يوماً" (٥)،

стр. 2569

وفي رواية "يومين" رواه الشيخان من حديث عمران بن الحصين. والمراد: بسرر شعبان آخره، لأن الهلال يستسر ليلة أو ليلتين وجمع بينهما بأن الرجل كان [قد] (١) أوجب على نفسه صيام آخر الشهر [(٢)] بنذر فأمره ﷺ بالوفاء به أو كان [الصوم] (٣) آخر الشهر عادة له، فتركه لاستقبال رمضان لأجل النهي عن تقدمه، واستحب له النبي ﷺ أن يقضيه لكونه عادة له. وقال بعضهم: بل قوله: "هل صمت من سرر شعبان" سؤال زجر وإنكار لأنه قد نهى عن تقدم رمضان بيوم أو يومين، فلا يكون بينهما معارضة. وإن أُريد بسرر شعبان أوله على ما ذكره بعضهم: أن سرر الشهر أوله، فلا معارضة إذن (٤). السادس: فيه الرد على الروافض الذين يرون تقدم الصوم على الرؤية فإن رمضان اسم لما بين الهلالين فإذا صام قبله يوماً فقد تقدم عليه (٥).

стр. 2570

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2571

السابع: فيه تبيين لمعنى الحديث الذي فيه "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته". فإن اللام في قوله "لرؤيته" للتأقيت، لا للتعليل، كما زعمت الروافض، ولو كانت للتعليل لم يلزم تقديم الصوم على الرؤية أيضاً، كما تقول: أكرم زيداً لدخوله. فلا يقتضي تقديم الإِكرام على الدخول، ونظائره كثيرة. وحمله على التأقيت لا بد فيه من احتمال تجوز، خروج عن الحقيقة. لأن وقت الرؤية -وهو الليل- لا يكون محلاًّ للصوم (١). كذا قال الشيخ تقي الدين. وأجاب الفاكهي: بأنا إذا حملنا "صوموا" على "انووا الصيام"

стр. 2572

لم يكن فيه تجوز البتة، إذ الليل كله ظرف لإِيقاع نية الصوم فيه (١). الثامن: فيه عدم النهي عن تقديم يوم أو يومين لرمضان بالصوم لمن له عادة في غير شعبان أن يصوم أواخره، وسواء كانت عادته بنذر أو تطوع، فإنه داخل تحت إطلاق الحديث ومن صور النذر: لله عليّ أن أصوم يوم قدوم فلان. فوافق ذلك ما قبل رمضان بذلك القدر. التاسع: يدخل تحت النهي صوم يوم الشك، وهو عبارة عن اليوم الذي يتحدث الناس برؤيته أعني الهلال، أو يشهد بها صبيان أو عبيد أو فسقة. وقد اختلف السلف فيمن صامه تطوعاً بغير سبب. والأصح عندنا: منعه. وعند المالكية: في صومه تطوعاً ثلاثة أقوال: ثالثها: يصومه من عادته سرد الصوم دون غيره. وعندهم أنه يصومه أيضاً من نذره. وأوجب صومه عن رمضان أحمد وجماعة، بشرط أن يكون هناك غيم.

стр. 2573

العاشر: قال ابن العربي (١): كما لا يجوز استقبال رمضان لا يجوز تشييعه قال: ومن أجله قلنا في قوله ﵊: "من صام رمضان وأتبعه ستّاً من شوال كان كصيام الدهر" (٢) [أنه] (٣) لا يحل صلتها بيوم الفطر لكن يصومها متى كان، لأن المقصود: أن من صام رمضان فقد حصل له أجر عشرة أشهر

стр. 2574

ومن صام ستة أيام فقد حصل أجر شهرين وذلك الدهر، وأفضلها أن يكون في عشر ذي الحجة، إذ الصوم فيه أفضل منه في شوال، فإن قال: لعلي أموت؟ قيل له: صمها في شعبان. هذا كلامه وهو عجيب. فأين المتابعة بصوم ست من شوال؟ وحمل القاضي على ذلك التعصب لمذهبه والحق أحق بالاتباع في استحباب صومها، فقد صحت فيه عدة أحاديث كما أوضحته في "تخريج أحاديث المهذب" فراجعها منه تجد ما يشفي الغليل (١).

стр. 2575

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2576

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ...

стр. 2577

الحديث الثاني ١٨٠/ ١/ ٣٥ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له" (١). الكلام من عشرة أوجه: الأول: قوله ﵊: "إذا رأيتموه" هو من الضمير الذي يفسره سياق الكلام، كقوله -تعالى-: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي

стр. 2578

لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ (١)، وقوله: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾ (٢)، أي إذا رأيتموا الهلال، وقد جاء في بعض روايات مسلم (٣): "لا تصوموا حتى تروا الهلال". قال أهل اللغة (٤): يقال: هلال من أول ليلة، إلى الثالثة ثم يقال: قمر بعد ذلك. الثاني: قوله: "فصوموا" أي انووا الصيام، لأن الليل ليس محلَاّ للصوم كما تقدم. الثالث: قوله: "فإن غم عليكم" معناه: حال بينكم وبينه غيم يقال: غُمَّ وأُغْمِيَ وغُمِّيَ بتشديد الميم وتخفيفها، والغين مضمومة فيهما ويقال: "غَبِيَ" (٥): بفتح الغين وكسر الباء وكلها لغات صحيحة، وقد غامت السماء [وغيمت] (٦)، وأغامت وتغيمت وغيمت كلها بمعنى. وقيل: معنى هذه الألفاظ مأخوذة من أغما (٧) المريض، يقال:

стр. 2579

غمى وأغمى عليه, والرباعي أفصح. قال القاضي عياض (١): وقد يصح أن ترجع إلى إغماء السماء والسحاب، وقد يكون [أيضاً] (٢) من التغطية، ومنه قولهم: غممت الشيء إذا سترته، والغمى مقصور ما سقفت به البيت من شيء، وروي "عمي" بالعين المهملة والميم المخففة. حكاه القاضي أيضاً ومعناه: خفي يقال: عمي عليّ الخير أي خفي. وقيل: هو مأخوذ من العماء، وهو السحاب الرقيق. وقيل: المرتفع أي دخل في العماء أو يكون من العمى المقصود وهو عدم الرؤية. الرابع: قوله: "فاقدروا له". قال أهل اللغة: [قد] (٣) (٤) قدرت الشيء أقدُرْهُ، وأقِدرْهُ، وقَدّرْتهُ، وأقدَرْتُهُ بمعنى واحد وهو من التقدير، ومنه قوله -تعالى-: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)﴾ (٥). واختلف العلماء في معناه في الحديث: فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجمهور السلف والخلف:

стр. 2580

معناه قدروا له تمام العدد ثلاثين يوماً، ويؤيده روايات مسلم (١): "فعدوا ثلاثين"، "فاقدروا ثلاثين"، "فصوموا ثلاثين"، "فأكملوا العدد"، ورواية البخاري (٢): "فأكملوا عدة شعبان [ثلاثين] (٣) ". وقال أحمد بن حنبل وطائفة: معناه: ضيقوا له (٤) -أي قدروه

стр. 2581

تحت السحاب- ولهذا أوجب صوم ليلة الغيم عن رمضان، لكن قوله ﵊: "فصوموا ثلاثين"، "وأكملوا عدة شعبان ثلاثين" لا يدلان على عدم التقدير لشعبان دون رمضان، ولا عكسه بل لهما، فالتخصيص بأحدهما من غير مخصص خلف. وقال مطرف بن عبد الله وابن سريج وابن قتيبة وآخرون من

стр. 2582

المالكية وغيرهم: معناه قدروه بحساب المنازل الذي يراه المنجمون، وهو ضعيف جدّاً (١) لأن الناس لو كلفوا به ضاق عليهم

стр. 2583

فإن ذلك لا يعرفه إلَّا أفراد، والشرع إنما تعرف إليهم بما يعرفه جماهيرهم، وأيضاً فإن الأقاليم على رأيهم مختلفة، يصح أن يرى في إقليم دون إقليم فيؤدي ذلك إلى اختلاف الصوم عند أهلها، مع كون الصائمين منهم لا يعولون غالباً على طريق مقطوع [به] (١)، ولا يلزم قوماً ما يثبت عند قوم. وأيضاً لو كان معتبراً لبينه الشارع للناس كما بيَّن أوقات الصلاة وغيرها، وأما قوله -تعالى-: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ (٢)، فالمراد: الاهتداء في طريق البر والبحر.

стр. 2584

قال الشيخ تقي الدين: والحساب لا يجوز أن يعتمد عليه في الصوم، لمفارقة القمر للشمس، على ما يراه المنجمون من [تقدم] (١) الشهر بالحساب على الشهر بالرؤية يوم أو يومين، فإن ذلك إحداث لسبب لم يشرعه الله -تعالى-، وأما إذا دل الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يرى، لولا وجود المانع -كالغيم مثلاً- فهذا يقتضي الوجوب، لوجود السبب الشرعي. وليس حقيقة الرؤية بشرط في اللزوم، فإن الاتفاق على أن المحبوس في المطمورة إذا علم أن اليوم من رمضان، بطريقة يجب (٢) عليه

стр. 2585

الصوم، وإن لم ير الهلال، ولا أخبره من رآه. الخامس: قوله ﵊: "إذا رأيتموه" علق الحكم بالرؤية ولا يراد بها رؤية كل فرد من الأفراد بل مطلق الرؤية ويكفي فيها رؤية عدل لجميع الناس على أظهر القولين عند الشافعي، ونص عليه في القديم ومعظم الجديد، وبه قال أحمد: على أصح الروايتين عنه، ونقله البغوي (١) في "شرح السنَّة" [عن] (٢) الأكثرين، وفي قول في البويطي: عدلان. وقال البغوي في "شرح السنَّة" (٣): أنه أظهر قولي الشافعي قاله بعد أن حكى الأول قولاً عنه، ورأيت في "الأم" (٤). ما يقتضيه: فإنه لما قال أولاً، فإن لم تر العامة هلال رمضان ورآه رجل عدل رأيت أن أقبله للأثر والاحتياط (٥).

стр. 2586

قال الشافعي: بعد لا يجوز على حلول رمضان إلا شاهدان (١). قال: وقد قال بعض أصحابنا: لا أقبل عليه إلَّا شاهدين، في هذا القياس على كل مغيب استدل عليه (٢)، هذا لفظه ومن الأم نقلته فاستفده، فإنه من المهمات الجليلة التي لم يقع للرافعي، ولا لمن بعده، بل لم أرها في شيء من كتب أصحابنا، واقتصر جامع مسند الشافعي على القول الثاني، ولم يحك الأول وأساء. ومذهب مالك (٣): أنه لا بد من عدلين أيضًا إن كان ثم معنيون بالشريعة، وإلا كفى الخبر. وانفرد أبو حنيفة (٤) فقال: إن كانت السماء مغيمة ثبت بعدل ولو عبدًا أو امرأة. وإن كانت مصحية فلا يثبت بواحد ولا باثنين بل بعدد الاستفاضة. وفي "بحر" الروياني عنه: أنه لا يقبل إلَّا قول خمسين كعدد القسامة. وأما في الفطر: فلا بد من رؤية عدلين عند جميع العلماء خلافًا لأبي ثور فإنه جوزه برؤية عدل.

стр. 2587

السادس: في الحديث دلالة على وجوب الصوم والفطر على منفرد رأى الهلال في رمضان أو شوال، وهو مذهب الجمهور (١). وذهب عطاء وإسحاق إلى أنه لا يلزمه حكم شيء من ذلك إذا انفرد بالرؤية، حكاه القرطبي عنهما. وهذا الحديث يرد عليهما، لكن قال العلماء: يفطر في الثاني سرًّا لئلا يساء الظن به (٢). ويجب عليه عند المالكية: رفع شهادته إلى الحاكم إن كان ممن تقبل شهادته رجاء أن ينضاف إليه غيره فيثبت الحكم. وقيل: يرفع وإن كان لا يرجى قبول شهادته لجواز حصول الاستفاضة. السابع: فيه أيضًا أن حكم الرؤية ببلد لا يتعدى إلى بلد آخر لأنه إذا فرض أنه رؤي الهلال ببلد في ليلة ولم ير في تلك الليلة بآخر

стр. 2588

فيكمل ثلاثين يوماً بالرؤية الأولى، ولم ير بالآخر فهل يفطرون أم لا؟ فمن قال: يتعدى الحكم على أحد الوجهين في المسألة وهو مذهب مالك، ولم يجز لهم الإِفطار، وقد وقعت المسألة في زمن ابن عباس، وقال: لا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو يراه، وقال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ (١)، ويمكن أنه أراد بذلك هذا الحديث العام وهو قوله: "أفطروا لرؤيته" (٢)، لا حديثاً خاصّاً بهذه المسألة أو لأنه شهادة واحد. وعند المالكية رواية: أنه إن ثبت بأمر شائع تعدى الحكم أو بالشهادة عند الحاكم لم يلزم من خرج عن ولايته، إلَّا أن يكون أمير المؤمنين، فيلزم أيضاً جماعتهم. قال المازري (٣): والفرق بين الخليفة وغيره أن سائر البلدان لما كانت بحكمه فهي كبلد واحد. الثامن: فيه أيضاً أنه لا يجوز صوم الشك ولا صوم الثلاثين من شعبان عن رمضان إذا كانت ليلة الثلاثين ليلة غيم وقد روى أبو داود بإسناد على شرط الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم

стр. 2589

يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوماً ثم صام"، وقال الدارقطني: إسناده صحيح (١). وحكى القاضي عياض: صومه عن عائشة (٢) وأسماء (٣) وابن عمر (٤) وطاوس. وقال الأوزاعي والكوفيون (٥): إن صامه وتبين أنه من رمضان أجزأه. وجمهورهم أنه لا يصومه ولا يجزئه إن صامه.

стр. 2590

وكان بعض الصحابة (١) يأمر بالفصل ما بين رمضان وشعبان بفطر يوم أو يومين. وكره محمد بن مسلمة تحري ذلك آخر يوم، كما يكره تحري صومه. وصح عن جماعة النهي عن صيام يوم الشك (٢). وفي الترمذي (٣) عن عمار: من صامه فقد عصى أبا القاسم. التاسع: استدل به أيضاً لمن قال بالعمل بالحساب في الصوم بقوله: "فاقدروا له" من حيث إنه أمر بمقتضى التقدير، وتأوله الجمهور على إرادة إكمال العدد كما قدمناه.

стр. 2591

العاشر: قوله ﵊: "صوموا لرؤيته" ظاهره وجوب الصوم متى رأى قبل الزوال أو بعده، وهو المشهور من مذهب مالك. وقيل: إنه قبله للماضية ويفطرون ساعة رؤيته إن كان هلال شوال. وقال بعض أهل الظاهر: أما في الصوم فتجعل للماضية، وأما في الفطر: فيجعل لمستقبله وهو أخذ بالاحتياط منهم، ولكن الحديث حجة عليهم (١). ...

стр. 2592

الحديث الثالث ١٨١/ ٣/ ٣٥ - عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "تَسَحَّرُوا، فإنَّ في السَّحُورِ بَرَكة" (١). الكلام عليه من ثلاثة أوجه: الأول: "السَّحور": بفتح السين ما يتسحر به: كالبرود وهو ما يتبرد به، والسنون وهو ما يستن به، والرقو وهو [ما يرقأ] (٢) به الدم والسُّحور: بضم السين الفعل ورووه هنا بالوجهين؛ قاله النووي (٣). وقال الشيخ تقي الدين (٤): هو بالفتح ما يتسحر به، وبالضم الفعل، هذا هو الأشهر.

стр. 2593

قلت: واختار بعضهم أن يكون اسم الفعل بالوجهين، وكأن السحور سمي باسم زمنه، لأنه يفعل في السحر قبيل الفجر، ويدخل وقته بنصف الليل، ذكره النووي في "شرح المهذب" هنا، والرافعي في أواخر كتاب الإِيمان. الثاني: "البركة": النماء والزيادة، وهذه البركة المعلل بها السحور، يجوز أن تكون أُخروية، لأن فيه متابعة السنَّة، وهي موجبة للثواب وزيادته وثمرته، وقد يحصل له بسببه ذكر ودعاء ووضوء وصلاة واستغفار في وقت شريف، تنزل فيه الرحمة، ويستجاب الدعاء، وقد يدوم ذلك حتى يطلع الفجر، وكل ذلك سبب لمزيد الأجور. ويجوز أن تكون دنيوية كقوة البدن على الصيام، والنشاط له، ويحصل له بسببه الرغبة في الازدياد من الصوم لخفة المشقة على فاعله، فيجوز أن تضاف إلى كل واحد من الفعل، والمتسحر به معاً، وعلى هذا الأكثر فتح السين من السَّحور، كما قاله الشيخ (١) تقي الدين (٢). ويجوز أن تكون البركة بمجموع الأمرين: وحاصل البركة في السحور يتنوع أنواعاً: أولها: اتباع السنَّة والاقتداء. ثانيها: مخالفة أهل الكتاب في الزيادة في الأكل على الإِفطار كما ستعلمه بعد.

стр. 2594

ثالثها: النقوي به والنشاط للصوم سيما الصبيان. رابعها: التسبب للصدقة على من يسأل إذ ذاك. خامسها: التسبب لذكر الله والدعاء وللرحمة فإنه وقت الإِجابة. سادسها: التسبب في حسن الخلق، فإنه إذا جاع ربما ساء خلقه. سابعها: تجديد نية الصوم فيخرج من خلاف من أوجب تجديدها إذا نام ثم تنبه (١). الثالث: أجمع العلماء على استحباب السحور، وأنه ليس بواجب، وإنما الأمر به أمر إرشاد، وهو من خصائص هذه الأمة. قال ﵊: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور" (٢) رواه مسلم من حديث عمرو بن العاص وكان [الأمر] (٣) في أول الإِسلام إذا وقع النوم بعد الإِفطار لم يحل معاودة الطعام والشراب, ثم رخص في ذلك إلى الفجر. فائدة: هذا الحديث رواه عن النبي ﷺ مع أنس أبو

стр. 2595

هريرة (١)، وأبو سعيد الخدري (٢)، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وعائشة (٣) وعمرو بن العاص، وحذيفة، والعرباض بن سارية (٤) وأبو ليلى، وطلق والد قيس بن طلق، كما أفاد ذلك ابن منده في مستخرجه (٥). ...
следующие страницы →