العاشر: قوله ﵊: "صوموا لرؤيته" ظاهره وجوب الصوم متى رأى قبل الزوال أو بعده، وهو المشهور من مذهب مالك.
وقيل: إنه قبله للماضية ويفطرون ساعة رؤيته إن كان هلال شوال.
وقال بعض أهل الظاهر: أما في الصوم فتجعل للماضية، وأما في الفطر: فيجعل لمستقبله وهو أخذ بالاحتياط منهم، ولكن الحديث حجة عليهم (١).
...
стр. 2592
الحديث الثالث
١٨١/ ٣/ ٣٥ - عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "تَسَحَّرُوا، فإنَّ في السَّحُورِ بَرَكة" (١).
الكلام عليه من ثلاثة أوجه:
الأول: "السَّحور": بفتح السين ما يتسحر به: كالبرود وهو ما يتبرد به، والسنون وهو ما يستن به، والرقو وهو [ما يرقأ] (٢) به الدم والسُّحور: بضم السين الفعل ورووه هنا بالوجهين؛ قاله النووي (٣).
وقال الشيخ تقي الدين (٤): هو بالفتح ما يتسحر به، وبالضم الفعل، هذا هو الأشهر.
стр. 2593
قلت: واختار بعضهم أن يكون اسم الفعل بالوجهين، وكأن السحور سمي باسم زمنه، لأنه يفعل في السحر قبيل الفجر، ويدخل وقته بنصف الليل، ذكره النووي في "شرح المهذب" هنا، والرافعي في أواخر كتاب الإِيمان.
الثاني: "البركة": النماء والزيادة، وهذه البركة المعلل بها السحور، يجوز أن تكون أُخروية، لأن فيه متابعة السنَّة، وهي موجبة للثواب وزيادته وثمرته، وقد يحصل له بسببه ذكر ودعاء ووضوء وصلاة واستغفار في وقت شريف، تنزل فيه الرحمة، ويستجاب الدعاء، وقد يدوم ذلك حتى يطلع الفجر، وكل ذلك سبب لمزيد الأجور.
ويجوز أن تكون دنيوية كقوة البدن على الصيام، والنشاط له، ويحصل له بسببه الرغبة في الازدياد من الصوم لخفة المشقة على فاعله، فيجوز أن تضاف إلى كل واحد من الفعل، والمتسحر به معاً، وعلى هذا الأكثر فتح السين من السَّحور، كما قاله الشيخ (١) تقي الدين (٢).
ويجوز أن تكون البركة بمجموع الأمرين: وحاصل البركة في السحور يتنوع أنواعاً:
أولها: اتباع السنَّة والاقتداء.
ثانيها: مخالفة أهل الكتاب في الزيادة في الأكل على الإِفطار كما ستعلمه بعد.
стр. 2594
ثالثها: النقوي به والنشاط للصوم سيما الصبيان.
رابعها: التسبب للصدقة على من يسأل إذ ذاك.
خامسها: التسبب لذكر الله والدعاء وللرحمة فإنه وقت الإِجابة.
سادسها: التسبب في حسن الخلق، فإنه إذا جاع ربما ساء خلقه.
سابعها: تجديد نية الصوم فيخرج من خلاف من أوجب تجديدها إذا نام ثم تنبه (١).
الثالث: أجمع العلماء على استحباب السحور، وأنه ليس بواجب، وإنما الأمر به أمر إرشاد، وهو من خصائص هذه الأمة.
قال ﵊: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور" (٢) رواه مسلم من حديث عمرو بن العاص وكان [الأمر] (٣) في أول الإِسلام إذا وقع النوم بعد الإِفطار لم يحل معاودة الطعام والشراب, ثم رخص في ذلك إلى الفجر.
فائدة: هذا الحديث رواه عن النبي ﷺ مع أنس أبو
стр. 2595
هريرة (١)، وأبو سعيد الخدري (٢)، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وعائشة (٣) وعمرو بن العاص، وحذيفة، والعرباض بن سارية (٤) وأبو ليلى، وطلق والد قيس بن طلق، كما أفاد ذلك ابن منده في مستخرجه (٥).
...
стр. 2596
الحديث الرابع
١٨٢/ ٤/ ٣٥ - " عن أنس بن مالك عن زيد بن ثابت ﵄، قال: "تَسَحَّرْنا مع رسول الله ﷺ ، ثم قامَ إلى الصَّلاةِ، قالَ أنَسٌ: قلت لزيدٍ: كم [كانَ] (١) بيْنَ الآذانِ وَالسَّحُورِ؟ قال: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةٌ (٢).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: في التعريف براويه.
أما أنس: فتقدم في باب الاستطابة.
وأما زيد بن ثابت: فهو أبو خارجة أو أبو سعيد المدني الفرضي، وكاتب الوحي، وأحد نجباء الأنصار، وهو أخو يزيد بن ثابت لأبويه.
وأمه: النوّار بنت مالك.
روى عنه أنس وخلق.
стр. 2597
قُتِلَ أبوه في الجاهلية يوم بعاث، ولزيد عدة أولاد، قُتِلَ منهم يوم الحرة سبعة.
قدم النبي ﷺ [المدينة] (١)، ولزيد إحدى عشرة سنة، فأُتي به إليه فقيل: هذا غلام من بني النجار قد قرأ مما أنزل عليك: سبع عشرة سورة، فقرأها عليه فأعجبه، وقال: "يا زيد تعلم في كتاب يهود فإني ما آمنهم على كتابي". قال: فتعلمته فما مضي نصف شهر حتى حذقته.
شهد أحداً وما بعدها من المشاهد.
وفي الحديث من طريق أنس "أفرضكم زيد"، وفي رواية: "أفرض أمتي".
وكان من أصحاب الفتوى، وأخذ القرآن عرضاً من النبي ﷺ وعرض عليه ابن عباس وغيره. وندبه الصديق لجمع القرآن فجمعه، ثم لما جمع عثمان الناس على هذا المصحف كان أحد من قام بأعباء ذلك أيضاً.
وكان عمر إذا حج يستخلفه على المدينة. استخلفه على [المدينة] (٢) ثلاث مرات: مرتين في حجتين، ومرة في خروجه إلى الشام.
وكان كاتبه أيضاً.
وكان عثمان يستخلفه أيضاً.
стр. 2598
وهو الذي تولى قسمة غنائم اليرموك.
واستعمله عمر على قضاء المدينة، وفرض له رزقاً.
روي له عن النبي ﷺ من اثنان وتسعون حديثاً اتفقا منها على خمسة، وانفرد البخاري بأربعٍ، ومسلم بحديث.
مات بالمدينة سنة إحدى وخمسين على أحد الأقوال الثمانية فيه، ابن ست وخمسين.
وقيل: ابن أربع.
وصلَّى عليه مروان، وله بالمدينة عقب. قال أبو هريرة: لما مات مات خير الأمة, لعل الله أن يجعل في ابن عباس فيه خلفاً، وترجمته مبسوطة فيما أفردته في "كتاب العدة في معرفة رجال العمدة"، وذكرت هناك: أن ابن عباس أخذ بركابه. فقال له: تنح يا ابن عم رسول الله، قال: إنا هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا.
ثانيها: في الحديث دليل على استحباب السحور وتأخيره إلى قبل طلوع الفجر الثاني. فإن الظاهر أن المراد بالأذان هنا الآذان الثاني، إذ لو فرض الأول لما كان بينهما زمن طويل، كما تقدم في باب الأذان من حديث ابن عمر مرفوعاً: "إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم (١)، وثبت [في] (٢)
стр. 2599
الصحيح (١) أنه لم يكن بين أذانيهما في الصوم إلَّا أن ينزل هذا ويصعد هذا، ومعلوم أن الصعود والنزول زمنه يسير.
ثالثها: إنما أخر السحور لأنه أقرب إلى حصول المقصود من التقوى، وأبلغ في مخالفة أهل الكتاب.
وادعى بعض الصوفية: أن معنى الصوم وحكمه: إنما هو كسر شهوة البطن والفرج، فمن لم تتغير عليه عادته في مقدار أكله لا يحصل له بالسحور المقصود من الصوم، وهو كسر الشهوتين فلا يفعل، وهذا غلط ظاهر.
والصواب: اختلاف ذلك باختلاف أحوال الناس ومقاصدهم، ومقدار ما يستعملوه من السحور، فما زاد في المقدار على مقصود الشرع وحكمته كعادة [المترفهين] (٢) في المآكل فلا يستحب، بل ربما يؤدي إلى تخمة وجشاً منتن وكسل، وما لا يزيد فيه عليهما فهو مستحب.
رابعها: فيه حسن الأدب في العبادة، وذلك قوله مع رسول الله ﷺ فإنه يعطي التبعية، والكون معه بخلاف لو قال: تسحرنا نحن ورسول الله ونحوه.
خامسها: فيه أيضاً الحرص على طلب العلم، وتحرير المسائل وتتبع السنن, ومعرفة أوقاتها، والمحافظة عليها, لقول أنس: "كم
стр. 2600
كان بين السحور والأذان"؟ وقول زيد: "قدر خمسين آية", أي قدر قراءتها (١).
سادسها: فيه أيضاً استحباب الاجتماع على السحور, فإن فعله ﵊ سنن عامة كأقواله, وقد تختلف باختلاف الحال.
...
стр. 2601
الحديث الخامس والسادس
١٨٢، ١٨٣/ ٥، ٦/ ٣٥ - عن عائشة، وأم سلمة ﵄، "أن رسول الله ﷺ كانَ يُدْرِكهُ الفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أهْلِهِ ثمَّ يَغْتَسِل وَيَصومُ" (١).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: في التعريف براويه: أما التعريف بعائشة: فسلف في الطهارة.
وأما التعريف بأم سلمة: فسلف في باب الجنابة.
[الوجه] (٢) الثاني: أجمع العلماء على صحة صوم من أصبح جنباً من احتلام، كما نقله الماوردي (٣).
стр. 2602
لكن في النسائي (١) من حديث الزهري قال: أخبرني [عبد الله بن] (٢) عبد الله بن عمر "أنه احتلم ليلاً في رمضان، فاستيقظ قبل أن يطلع الفجر، ثم نام قبل أن يغتسل فلم يستيقظ حتى أصبح، فلقى أبا هريرة فاستفتاه في ذلك, فقال: أفطر. فإن رسول الله ﷺ كان يأمر بالفطر إذا أصبح الرجل جنباً. قال عبد الله بن عبد الله بن عمر: فجئت عبد الله بن عمر فذكرت له الذي أفتاني به أبو هريرة، فقال: أقسم بالله! لإِن أفطرت لأوجعن متنيك، صم، فإن بدا لك أن تصوم يوماً آخر فافعل".
واختلفوا فيمن أصبح جنباً من جماع:
فالجمهور من الصحابة والتابعين: على صحة صومه. لهذا الحديث الذي ذكره المصنف، ولقوله -تعالى-: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (٣)، فإنه يقتضي جواز الوطء ما دام الليل إلى آخر جزء منه، ومن ضرورة من وطأ إلى آخر جزء منه أن يصبح جنباً (٤).
وفيه قول ثان: أنه لا يصح صومه، وإليه ذهب أبو هريرة،
стр. 2603
ورواه عن الفضل ابن عباس، وأسامة بن زيد مرفوعاً: "من أدركه الفجر جنباً فلا يصم"، والأول أخرجه مسلم (١)، والثاني النسائي (٢)، وفي رواية مالك (٣) "أفطر"، وفي النسائي (٤) عن أبي هريرة أنه قال: "لا ورب هذا البيت! ما أنا قلت: من أدركه الصبح وهو جنب فلا يصوم، محمد ورب الكعبة! قاله"، لكن لما بلغه حديث عائشة وأم سلمة رجع إليه، وترك حديث الفضل وأسامة (٥)، ورآه منسوخاً، لأنه كان في أول الأمر حين كان الجماع محرماً في الليل بعد النوم، كما كان الطعام والشراب محرماً، كما جاء في البخاري (٦) من حديث البراء بن عازب، في قصة قيس بن صرمة، ثم نسخ ذلك ولم يعلمه أبو هريرة فكان يفتي بما علمه حتى بلغه الناسخ فرجع إليه، وهذا أحسن ما قيل فيه.
وكذلك ما يقال جواباً عمن قال به بعده: أنه بلغهم ورجعوا،
стр. 2604
وأبعد من قال بعدم رجوع أبي هريرة عن ذلك، ففي صحيح مسلم (١) رجوعه عنه صريحاً.
وعنه جواب ثان: وهو حمله على من طلع الفجر وهو مجامع فاستدام، وفيه بعد من حيث تسمية المجامع حال جماعه عرفاً جنباً.
وجواب ثالث: أنه إرشاد إلى الأفضل، وهو الاغتسال قبل الفجر، وتركه ﵊ هذا الأفضل في حديث عائشة وأم سلمة لبيان الجواز، مع أن فعله ﵊[الشيء] (٢) بياناً لجوازه أفضل في حقه من حيث إنه مأمور، كما توضأ مرة مرة، وطاف على البعير مع أن الوضوء ثلاثاً والطواف ماشياً أفضل، لأنه المتكرر من فعله، ونظائر ذلك كثيرة.
وهذا الكلام يرجع إلى مسألة أصولية [وهو] (٣) أن الوجوب إذا نسخ هل يبقى الاستحباب؟ والصحيح بقاؤه، فالاغتسال قبل الفجر في الصوم للجنب كان واجباً، فلما نسخ بقي استحبابه.
وفي المسألة قول ثالث: أنه إن علم بجنابته لم يصح، وإلَاّ فيصح (٤). قاله طاوس وعروة والنخعي، وحُكِيَ عن أبي هريرة أيضاً.
стр. 2605
وقول رابع: أنه يحرم في صوم التطوع دون الفرض، قاله الحسن البصري، وحكي عن النخعي أيضاً (١).
وقول خامس: أنه يصومه ويقضيه (٢) حُكِيَ عن سالم بن عبد الله، والحسن البصري، وحكي عن الحسن البصري كقول أبي هريرة، ثم ارتفع الخلاف، ووقع الإِجماع بعد هؤلاء على صحة صومه.
وفي صحة الإِجماع بعد الخلاف خلاف مشهور لأهل الأصول، وحديث عائشة وأم سلمة حجة على كل مخالف.
وصح أيضاً أنه ﵊ أخبر بذلك عن نفسه (٣).
ووقع في شرح الفاكهي حكاية عن عروة والحسن وطاوس
стр. 2606
وعطاء وسالم: أن صوم الجنب باطل، وأنه إذا علم بجنابته ثم لم يغتسل حتى أصبح وجب عليه صوم ذلك اليوم، وقضاء يوم مكانه، ثم حكي عن النخعي صحة صوم التطوع من غير قضاء، ويتم الفرض ويقضيه إلَّا إذا كان غير متعمد فلا قضاء عليه، وفيه مخالفة لما أسلفناه عنهم، والذي قدمنا حكايته هو ما ذكره النووي في شرحه لمسلم (١).
فرع: [في معنى هذه المسألة] (٢) الحائض يدركها الفجر قبل الغسل ثم تتركه حتى تصبح. والجمهور على أنه لا قضاء عليها، سواء تركته عمداً أو سهواً (٣).
وشذ محمد بن مسلمة فقال: لا يجزئها، وعليها الكفارة والقضاء، وهذا في المفرطة والمتوانية، فأما التي رأت الطهر فبادرت وطلع الفجر قبل تمامه، فقد قال مالك: هي كمن طلع عليها وهي حائض، يومها يوم فطر. وقاله عبد الملك.
قال القرطبي في "مفهمه": وقد ذكر بعضهم قول عبد الملك هذا في المتوانية وهو [أبعد] (٤) من قول ابن مسلمة.
قلت: وعليه اقتصر الفاكهي في حكايته عنه.
стр. 2607
وعبارة الشيخ تقي الدين في شرحه (١): إذا طهرت وطلع عليها الفجر قبل أن تغتسل، ففي مذهب مالك في وجوب القضاء قولان.
وقال النووي (٢): مذهبنا ومذهب العلماء كافة أنه إذا انقطع دم الحائض والنفساء ليلاً ثم طلع الفجر قبل اغتسالهما صح صومهما، ووجب عليهما إتمامه، سواء تركت الغسل عمداً أو سهواً بعذر أم بغير عذر: كالجنب إلَّا ما حكي عن بعض السلف مما لا يعلم صح عنه أم لا.
الوجه الثالث: قولها: "من أهله" أي جماع أهله، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وفي رواية: "من جماع غير احتلام"، وفيه دلالة لمن يقول بجواز الاحتلام على الأنبياء، وفيه خلاف، والأشهر امتناعه لأنه من تلاعب الشيطان، وهم منزهون [عن ذلك] (٣)، ويتأولون هذا الحديث على أن المراد يصبح جنباً من جماع، ولا يجنب من احتلام لامتناعه منه، ويكون قريباً من معنى قوله -تعالى-: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (٤) ومعلوم أن قتلهم لا يكون بحق.
...
стр. 2608
الحديث السابع
١٨٤/ ٧/ ٣٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ نَسِي وَهُوَ صائِمٌ، فأَكلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فإنَّما أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقاهُ" (١).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: الواو [في] (٢) "وهو صائم" واو الحال أي نسي في حال صومه فأكل أو شرب.
وقوله: "فأكل أو شرب" عند البخاري إسقاط الألف في أو شرب والمراد الإِثبات.
الثاني: خص الأكل والشرب من بين سائر المفطرات لأنهما
стр. 2609
أغلبها وقوعاً، وإنهما لا يستغنى عنهما بخلاف غيرهما, ولكن نسيان الجماع نادر بالنسبة إلى ذلك. والتخصيص بالغالب لا يقتضي مفهوماً فلا يدل ذلك على نفي الحكم عما عداه، أو لأنه من باب تعليق الحكم باللقب، ولم يقل به إلَّا الدقاق (١).
الثالث: ظاهر الحديث عدم القضاء على من أكل ناسياً في صومه، وهو صريح رواية ابن حبان في صحيحه والدارقطني في سننه، وقال: إسنادها صحيح، وكلهم ثقات "إذا أكل الصائم ناسياً أو شرب ناسياً فإنما هو رزق ساقه الله إليه ولا قضاء عليه" وفي رواية لهما وللحاكم في مستدركه على الصحيحين: "من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة" (٢).
قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم.
وقال الدارقطني: تفرد به محمد بن مرزوق وهو ثقة عن الأنصاري.
قلت: قد تابعه أبو حاتم محمد بن إدريس، كما رواه البيهقي (٣).
стр. 2610
وبعدم وجوب القضاء قال به جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء بعدهم منهم: الشافعي وأبو حنيفة وداود و [نقله] (١) النووي في شرح مسلم (٢) عن الأكثرين، سواء كان [الصوم] (٣) فرضاً أو تطوعاً، وسواء كان الفطر بأكل أو شرب أو جماع، وعمدتهم الروايات المذكورة، وسمي الذي يتمه صوماً، وظاهره حمله على الحقيقة الشرعية، دون [اللغوية] (٤) وهي صورة الصوم. والحمل على الأول أولى، إلَّا أن يكون ثم دليل خارج يقوي به اللغوي، فبعمل به ويتعين هنا حمله على الشرعي لصريح ما أسلفناه وإذا حمل عليه وقع مُجْزياً، ويلزم من ذلك عدم وجوب القضاء، وهو صريح الروايتين السالفتين.
وقوله: "فإنما أطعمه الله وسقاه" ظاهره إقامة عذر الناس لإِضافته إلى الله، وأنه فعله، ولهذا قال في الرواية السالفة: "فإنما هو رزف ساقه الله إليه". إذ الإِفساد يناسبه إضافة الفعل إلى المكلف، وذهب ربيعة ومالك إلى أنه لا بد من القضاء في الصوم المفروض.
قال الشيخ تقي الدين (٥): وهو القياس، فإن الصوم قد فات ركنه -يعني به الإِمساك- وهو من باب المأمورات، والقاعدة تقتضي أن النسيان لا يؤثر فيها.
стр. 2611
قلت: وهذا القياس هدمه النص السالف الصريح الصحيح في أنه لا قضاء عليه.
قال الفاكهي: وكأن أصحابنا حملوا الإِضافة في قوله: "فإنما أطعمه الله وسقاه" على الإِخبار بعدم المؤاخذة لعلة النسيان، لا أنه يدل على صحة الصيام.
قلت: هذا حمل بعيد، ويرده أيضاً ما أسلفناه، ولما ذكر القرطبي في "مفهمه" رواية "ولا قضاء عليه" ونقل عن الدارقطني أن إسنادها، صحيح ورجاله كلهم ثقات. وذكر الرواية الثانية التي فيها عدم القضاء والكفارة أيضاً، قال: هي صحيحة أيضاً، قال: وهذه نصوص لا تقبل احتمال سقوط المؤاخذة فقط، قال: والشأن في صحتها، فان صحت وجب الأخذ وحكم بسقوط القضاء، وهذا عجيب منه، فإنه نقل عن الدارقطني أنه قال في الأولى: إسنادها صحيح، ثم قال في الرواية الثانية: هي صحيحة أيضاً، فكيف يقول بعد ذلك: الشأن في صحتها (١)!!.
الرابع: اتفق أصحابنا على أن الأكل والشرب القليل ناسياً لا يفطر، واختلفوا في الكثير على وجهين:
أصحها: عند الأكثرين منهم لا يفطر؛ لإِطلاق الحديث. وصحح الرافعي أنه يفطر، كما في كلام الناسي في الصلاة إذا كثر، لأن النسيان في الكثير نادر. والأول: فرّق بينهما بأن الصلاة ينقطع نظمها بذلك بخلاف الصوم.
стр. 2612
الخامس: الجماع في الصوم ناسياً: كالأكل فيه ناسياً، على ما سلف، وهو ما صححه أصحابنا، ويدل له الرواية السالفة "من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة".
فإن قلنا: بصحة صومه فلا كفارة عليه.
وكذا إن قلنا: بعدم صحته على الأصح، لأنها تتبع الإِثم.
وقال عطاء والأوزاعي والليث (١): يجب القضاء في الجماع دون الأكل.
وقال أحمد (٢): يجب في الجماع القضاء (٣) [دون] (٤) الأكل والشرب.
ومدار الكل على قصور حالة المجامع ناسياً عن حالة الأكل ناسياً، فيما يتعلق بالعذر والنسيان ومن أراد إلحاق الجماع بالمنصوص عليه فإنما طريقه القياس، [والقياس] (٥) مع الفارق متعذر، إلَّا إذا بين القائس أن الوصف الفارق ملغى، كذا قال الشيخ (٦) تقي الدين.
ولك أن تقول: لا نأخذه من القياس، بل من قوله: "من أفطر
стр. 2613
في شهر رمضان" (١) الحديث الذي أسلفناه عن رواية الدارقطني والحاكم.
فائدة: [الحدث] (٢) يستوي عمده وسهوه في النقض، بخلاف الأكل في الصوم. وفرّق القفال بينهما بأوجه، ومن "فتاويه" نقلت.
أحدها: [الحدث] (٣) من ضرورات الإِنسان. والأصول مبناها على أن الضرورات تلحق بالنسيان، والنسيان لا يبطل بخلافه.
ثانيها: أن الطهر ينتقض بالغلبة من نوم أو إغماء بخلافه.
[ثالثها: أن الوضوء أغلظ بدليل بطلانه بخروج الريح بخلافه] (٤).
رابعها: أن الحدث ليس بمنهي عنه، بخلاف الأكل، فلهذا فرّق فيه، وهذا أصحها.
...
стр. 2614
الحديث الثامن
١٨٥/ ٨/ ٣٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحنُ جُلوسٌ عندَ رسول الله ﷺ إذْ جاءَهُ رَجُلٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، هَلَكْتُ، قالَ: "مالك؟ " قالَ: وَقَعْتُ عَلَى اَمْرأَتِي، وَأَنا صائِمٌ -وفي رواية: أصَبْتُ أهْلِي في رَمَضانَ- فقال رسول الله ﷺ : "هَلْ تجِدُ رَقَبةً تُعْتِقُها؟ " قال: لا، قال: فَهَلْ تَسْتَطيع أنْ تَصُومَ شهرَيْنِ مُتَتابِعيْنِ؟ قال: لا، قال: "فَهَلْ تَجِدُ إطْعامَ سِتِّينَ مسْكِيناً؟ " قال: لا، قال: فَمَكَثَ النبي ﷺ ، فبينا نحنُ عَلَى ذلِكَ أُتِي النبيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فيه تَمْرٌ، وَالعَرَقُ: المِكْتَلُ- فقال النبي ﷺ : "أيْنَ السَّائِلُ؟ " قال: أنا، قال: "خُذْ هذا، فَتَصَدَّقْ بِهِ"، فقال الرَّجُلُ: عَلَى أَفْقَرَ مِني يا رسول اللهِ؟ فَوَاللهِ ما بَيْنَ لابَتَيْها -يُرِيدُ الحَرَّتين- أهْلَ بَيْتٍ أفْقَرُ مِنْ أهل بيْتِي، فَضَحكَ النبي ﷺ ، حَتّى بَدَتْ أَنْيابهُ، ثمَّ قال: "أطْعِمْهُ أهْلَكَ" (١).
стр. 2615
قال المصنف: "الحَرَّة" أرْضٌ ترْكَبُها حِجارَةٌ سُودٌ.
الكلام عليه من خمسة وثلاثين وجهاً، وبعضهم أفرده بالتصنيف في مجلد ضخم (١):
الأول: قوله: "بينما" اعلم أن بينما تتلقى تارة "بإذ" وتارة "بإذا" اللتين للمفاجأة (٢)، قال الشاعر:
فبينما العسر إذ دارت مياسير
وقوله:
بينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذا هو الرمس يعلوه الأعاصير
وأما بينا (٣): فلا تتلقا بواحدة منهما، بل وجه الكلام أن يقال:
стр. 2616
"بينا زيد قائم جاء عمرو" ونحو ذلك، لأن المعنى فيه بين أثناء الزمان "جاء عمرو" وقد جاءتا أعني "بينما" و"بينا" في هذا الحديث على هذه القاعدة قال: "فبينا نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل" فتلقى بينما بإذ، وقال: "فبينا نحن على ذلك أُتي النبي ﷺ ولم يقل: إذ أتي.
الثاني: هذا الرجل هو سلمة.
ويقال: سلمان بن صخر البياضي.
وسلمة: أصح وأشهر (١).
стр. 2617
وقال أبو عمر (١): سلمان وهم وليس في الصحابة سلمان إلَّا سلمان الفارسي، وسلمان بن عامر الضبي، قال: وقيل: إن سلمة بن صخر، يقال له: سلمان.
قلت: وسلمة هذا هو المظاهر من امرأته أنه لا يطأها في رمضان حتى ينسلخ فواطئها فيه، ذكره عبد الغني بن سعيد الحافظ، والظاهر اختلاف الواقعتين إن كانتا لسلمة بن صخر، لأن في حديث الوقاع في الصحيح: إن ذلك كان نهاراً. وفي الظهار كان ليلاً في الترمذي (٢) وغيره. وقد يجمع بينهما بأنه وطأ ليلاً إلى أن أصبح، لأنه كان امرأً يصيب من النساء ما لا يصيب غيره. فلما دخل رمضان خاف إن أصاب منها شيئاً يتابع به حتى الصباح، فظاهر منها حتى
стр. 2618
ينسلخ رمضان، فبينما هي تخدمه ذات ليلة إذ تكشف له منها شيء، فما لبث أن نزا عليها، فلما أصبح غدا على النبي ﷺ فذكر ذلك له، الحديث بطوله خرجه أبو داود (١) وغيره.
الثالث: معنى: "هلكت" وقعت في الإِثم بفعل ما حرم عليَّ فعله في الصوم، وهو الجماع فيه. وفي رواية لمسلم من حديث عائشة (٢) "احترقت" قال: "ولِمَ؟ ". قال: وطأت أهلي في رمضان نهاراً".
وفي رواية مرسلة في الموطأ (٣) "جاء أعرابي يضرب فخذه وينتف شعره يقول: هلك الأبعد".
وفي رواية "هلكت وأهلكت" (٤).
стр. 2619
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2620
واستدل بها بعضهم: على مشاركة المرأة إياه في [الجناية] (١) وهي زيادة قال فيها الدارقطني (٢): تفرد بها أبو ثور، عن معلي بن منصور، عن ابن عيينة، وكلهم ثقات.
وأما البيهقي (٣) فقال: هذه زيادة لا يرضاها أصحاب الحديث.
وضعفها الحاكم: وحملها على أنها أدخلت على محمد بن المسيب الأرغياني. فقد رواه جماعات بدونها.
الرابع: قوله: "وقعت على أهلي وأنا صائم" أي في رمضان، كما جاء في الرواية الثانية.
وقوله: "ما لك" جاء في الصحيح "ما أهلكك"، وفي رواية "ويحك"، وفي أخرى "ويلك" (٤).
الخامس والسادس: فيه وجوب السؤال عن علم ما يفعله
стр. 2621
الإنسان مخالفاً للشريعة، والخوف من سوء عاقبته.
السابع: فيه جواز إظهار المعصية لمن يرجو منه تخليصه من إثمها وعاقبتها.
الثامن: فيه عدم تعزيره عليه مع وجوب الكفارة عليها إذا فعلها جاهلاً، وكانت لا حد فيها خصوصاً إذا جاء مستفتياً، فإنه ﵊ لم يعاقبه مع اعترافه بالمعصية، لكنه باعترافه بها يقتضي أن يكون فعله إياها كان وهو عالم بأنها معصية، لا جاهل. فإن مجيئه مستفتياً معترفاً بالهلاك يقتضي العلم: والندم، والتوبة، والتعزير استصلاح، ولا استصلاح مع الصلاح. فإنا لو عزرنا كل من جاء يستفتي عن مخالفة أدى ذلك إلى ترك الاستفتاء من الناس عند وقوعهم في المخالفات والخروج منها. وذلك مفسدة عظيمة، يجب دفعها، كيف والمفتي في زمننا لم يكن إليه إقامة التعزيرات، مع أنه ﵊ كان هو الحاكم والإِمام والمفتي والمشرع، ولم يقم عليه التعزير بقول ولا فعل (١).
لكن نقل البغوي في "شرح السنة" (٢): في باب: كفارة الجماع في نهار رمضان: إجماع الأمة على أن من جامع متعمداً في نهار رمضان يفسد صومه وعليه القضاء، ويعزر على سوء صنيعه، قال: والحديث يدل على أن من ارتكب ما يوجب تعزيراً يجوز تركه للإِمام، لأنه ﵊ لم يأمر بتعزير الأعرابي.
стр. 2622
وجزم ابن يونس (١) في "شرح التعجيز": بأنه يعزر أيضاً.
ونقل ابن العطار (٢) في "شرحه": عن بعض أصحابنا أن من جامع امرأته حائضاً وقلنا يُكفر عُزّر بلا خلاف.
قال: وذكر بعض أصحابنا فيما يجب التعزير فيه مع وجوب الكفارة في المجامع في رمضان وفي الظهار والقتل وجهان:
أحدهما: لا يجب لما ذكرنا.
وأرجحهما: عندهم الوجوب.
قالوا: لأن الكفارة إنما وجبت لانتهاك حرمة الوقت ولقول الزور، وفوات الروح، والتعزير يجب لحق الله -تعالى- في الزجر والمخالفة.
وأجرى اللخمي من المالكية: الخلاف في إيجاب العقوبة
стр. 2623
على المجامع على الخلاف في شاهد الزور يجيء ثانياً، وفي عقوبته قولان، وقد يفرق بينهما بأن شاهد الزور أعظم جناية لتعلق حق الغير بها، بخلاف جناية المجامع، فإنه قد لا يتعلق، كما إذا كان الغير مفطراً أو معذوراً.
التاسع: فيه استعمال الكنايات فيما يستقبح ظهوره بصريح لفظه: كالمواقعة والإِصابة ونحوهما عن النكاح ونحوه.
العاشر (١): فيه وجوب الكفارة بإفطار المجامع عامداً، وهو مذهب جميع العلماء، سوى من شذ منهم، وقال: لا تجب وهو محكي عن الشعبي وآخرين، وقاسوه على الصلاة؛ فإنه لا كفارة بإفسادها. وهذا قياس مع وجود النص، والفرق لائح، فإنه لا مدخل للمال في جبرانها، بخلاف الصوم بدليل الشيخ الهِمُّ وغيره.
واحتج له أيضاً: بأنها لو وجبت لما سقطت بالإِعسار، وهو عجيب، فإن السقوط بالإِعسار، يقتضي تقدم وجوب، حتى يقتضي السقوط، وإلَاّ لما صح السقوط الذي هو بمعنى الخروج، كيف والأصل والقياس الوجوب، والمسبب لا يبطل السبب. فإن الإِعسار مسبب، والوطء في رمضان سبب، والوجوب إنما يسقط للاستحالة أو للمثسقة، ولا استحالة ولا مشقة، فإن المطالبة بالكفارة إنما تكون عند القدرة، ومع الإِعسار لا قدرة فحينئذ لا يرفع الإِعسار الوجوب من غير معارض سائغ.
стр. 2624
فإن قيل: يرفع بمقارنة الإِعسار لأنها [لو] (١) لم [ترد] (٢). ولا أعلم الشارع ببقائها في الذمة، فإنها لو بقيت لأُعلم به، كيف والبيان واجب عليه.
فالجواب: أن الحديث دل على استقرار الكفارة بدليل إخبار السائل بالعجز عن العتق والصيام والإِطعام. ومجيء العرق وإعطاؤه إياه، ليخرجه كفارة، فلو لم تجب لما أمره بإِخراجها, ولو سقطت بالعجز لم يكن عليه شيء، فدل على ثبوتها في ذمته، وإذنه له بإطعام عياله للاضطرار، وإزالته يجب على الفور. والكفارة لا تجب على الفور، بل على التراخي، كما جزم به النووي في شرح مسلم (٣)، خصوصاً في هذا الحال، وهي صدقة، وقد قال ﵊: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" (٤) فلم يكن له أن يتصدق على غيره (٥)، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز عند جماهير الأصوليين.
واعلم: أنه وقع في "شرح هذا الكتاب لابن العطار" لما
стр. 2625
حكى القول الشاذ: أنه لا كفارة. قال: إنه قول ضعيف للشافعي وهو غريب لا نعرفه للشافعي إلَّا في حالة العجز عن جميع الخصال.
الحادي عشر (١): لو جامع ناسياً هل يفطر وتجب عليه الكفارة أم لا يجبان أو يجب القضاء دونها؟ فيه ثلاثة مذاهب، أسلفناها في الحديث قبله.
والصحيح عندنا (٢): أنهما لا تجبان كما سلف، ومشهور مذهب مالك (٣): أنه لا كفارة عليه، وهو قول أكثر أصحابه.
وذهب أحمد وبعض الظاهرية والمالكية (٤): على إيجابها عليه.
وروي ذلك (٥) عن عطاء ومالك.
واحتج من قال بالوجوب: بأنه حكم ورد على جواب سؤال من غير استفصال عن عمد أو نسيان، فنُزّل منزلة العموم، لأن الحكم من الشارع إذا ورد عقب ذكر واقعة محتملة لأحوال مختلفة الحكم، كان حمله على العموم أولى حملاً على الفوائد المتكثرة.
стр. 2626
والجواب: عن ذلك بأن حالة النسيان في حق هذا السائل بعيدة جدّاً بالنسبة إلى الجماع، ومحاولة مقدماته، وطول زمانه، وعدم اعتياده في كل وقت، فلم يحتج إلى الاستفصال بناء على الظاهر, كيف وقد قال: "هلكت" فإنه يشعر بتعمده ظاهراً ومعرفته بالتحريم.
الثاني عشر: فيه جريان وجوب العتق ثم الصوم ثم الإِطعام مرتباً لا مخيراً. وهو قول جميع العلماء، خلافاً لما في المدونة؛ فإن فيها [لا يعرف مالك] (١) غير الطعام، لا يأخذ مالك بالعتق ولا بالصيام.
قال الشيخ تقي الدين: وعدم جريان العتق والصوم في ذلك -معضلة ربَّاء ذاتُ وَبَر. لا يُهتدي إلى توجيهها، مع مصادمتها الحديث، [غير] (٢) أن بعض المحققين من أصحابه حمل هذا اللفظ، وتأوله على الاستحباب في تقديم الطعام على غيره من الخصال. وذكروا وجوهاً في ترجيح الطعام على غيره.
منها: أن الله -تعالى- ذكره في القرآن رخصة للقادر، يعني في قوله -تعالى-: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ونسخُ هذا الحكم لا يلزم منه نسخ الفضيلة بالذكر والتعيين للإِطعام، لاختيار الله -تعالى- له في حق المفطر للعذر، كالكبر والحمل والإِرضاع.
стр. 2627
ومنها: جريان حكمه في حق من [أخره] (١) قضاء رمضان، حتى دخل رمضان ثان (٢).
ومنها: مناسبة إيجاب الإِطعام لجبر فوات الصوم، الذي هو إمساك عن الطعام والشراب.
ومنها: شمول نفعه في المساكين.
وهذه الوجوه لا تقاوم ما دل عليه الحديث من البدأة بالعتق، ثم بالصوم، ثم بالإِطعام، فإن هذه البدأة إن لم تقتضِ وجوب الترتيب فلا أقل من أن تقتضي استحبابه، وقد وافق بعض أصحاب مالك على استحباب الترتيب على ما جاء في الحديث، وبعضهم قال: إن الكفارة تختلف باختلاف الأوقات ففي وقت الشدائد يكون بالإِطعام [وبعضهم فرق بين الإِفطار بالجماع، والإِفطار بغيره فجعل الإِفطار] (٣) بغيره يكفر بالإِطعام لا غير، وهذا أقرب في مخالفة
стр. 2628
النص من الأول.
قلت: والحديث رواه مالك في "موطئه" (١) من طريقين:
الأول: من حديث أبي هريرة أن رجلاً أفطر في رمضان فأمره رسول الله ﷺ أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً. فقال: لا أجد. ثم ذكر باقي الحديث، فهذه حجة عليه، حيث لا يعرف غير الإِطعام. قال ابن حبان (٢) في صحيحه بعد
стр. 2629
أن أخرج الحديث من هذا الوجه: لم يقل أحد في هذا الخبر عن الزهري "أو صوم شهرين أو إطعام ستين مسكيناً" إلَّا مالك وابن جريح.
الطريق الثاني (١): من حديث عطاء بن عبد الله الخراساني عن
стр. 2630
سعيد بن المسيب مرسلاً، وفيه ذكر العتق "ثم أهد بدنة". وسيأتي الكلام على هذه الرواية" نعم .........................