← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

والجواب: عن ذلك بأن حالة النسيان في حق هذا السائل بعيدة جدّاً بالنسبة إلى الجماع، ومحاولة مقدماته، وطول زمانه، وعدم اعتياده في كل وقت، فلم يحتج إلى الاستفصال بناء على الظاهر, كيف وقد قال: "هلكت" فإنه يشعر بتعمده ظاهراً ومعرفته بالتحريم. الثاني عشر: فيه جريان وجوب العتق ثم الصوم ثم الإِطعام مرتباً لا مخيراً. وهو قول جميع العلماء، خلافاً لما في المدونة؛ فإن فيها [لا يعرف مالك] (١) غير الطعام، لا يأخذ مالك بالعتق ولا بالصيام. قال الشيخ تقي الدين: وعدم جريان العتق والصوم في ذلك -معضلة ربَّاء ذاتُ وَبَر. لا يُهتدي إلى توجيهها، مع مصادمتها الحديث، [غير] (٢) أن بعض المحققين من أصحابه حمل هذا اللفظ، وتأوله على الاستحباب في تقديم الطعام على غيره من الخصال. وذكروا وجوهاً في ترجيح الطعام على غيره. منها: أن الله -تعالى- ذكره في القرآن رخصة للقادر، يعني في قوله -تعالى-: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ونسخُ هذا الحكم لا يلزم منه نسخ الفضيلة بالذكر والتعيين للإِطعام، لاختيار الله -تعالى- له في حق المفطر للعذر، كالكبر والحمل والإِرضاع.

стр. 2627

ومنها: جريان حكمه في حق من [أخره] (١) قضاء رمضان، حتى دخل رمضان ثان (٢). ومنها: مناسبة إيجاب الإِطعام لجبر فوات الصوم، الذي هو إمساك عن الطعام والشراب. ومنها: شمول نفعه في المساكين. وهذه الوجوه لا تقاوم ما دل عليه الحديث من البدأة بالعتق، ثم بالصوم، ثم بالإِطعام، فإن هذه البدأة إن لم تقتضِ وجوب الترتيب فلا أقل من أن تقتضي استحبابه، وقد وافق بعض أصحاب مالك على استحباب الترتيب على ما جاء في الحديث، وبعضهم قال: إن الكفارة تختلف باختلاف الأوقات ففي وقت الشدائد يكون بالإِطعام [وبعضهم فرق بين الإِفطار بالجماع، والإِفطار بغيره فجعل الإِفطار] (٣) بغيره يكفر بالإِطعام لا غير، وهذا أقرب في مخالفة

стр. 2628

النص من الأول. قلت: والحديث رواه مالك في "موطئه" (١) من طريقين: الأول: من حديث أبي هريرة أن رجلاً أفطر في رمضان فأمره رسول الله ﷺ أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً. فقال: لا أجد. ثم ذكر باقي الحديث، فهذه حجة عليه، حيث لا يعرف غير الإِطعام. قال ابن حبان (٢) في صحيحه بعد

стр. 2629

أن أخرج الحديث من هذا الوجه: لم يقل أحد في هذا الخبر عن الزهري "أو صوم شهرين أو إطعام ستين مسكيناً" إلَّا مالك وابن جريح. الطريق الثاني (١): من حديث عطاء بن عبد الله الخراساني عن

стр. 2630

سعيد بن المسيب مرسلاً، وفيه ذكر العتق "ثم أهد بدنة". وسيأتي الكلام على هذه الرواية" نعم .........................

стр. 2631

[قد] (١) يستدل له برواية الصحيحين من حديث عائشة (٢): أنه ﵊ قال له: "تصدق" فتصدق ولم يذكر فيه غير ذلك، ويجاب بأنها رواية مختصرة. أما ترتيب هذه الخصال والتخيير فيها فقد اختلف فيه مالك والشافعي. فقال مالك في المشهور من (٣) مذهبه: هي على التخيير. وقال الشافعي (٤)، هي على الترتيب، وبه قال أصحاب مالك: واستدل على الترتيب في الوجوب بالترتيب في السؤال، وقوله أولاً: "هل تجد رقبة تعتقها؟ " ثم رتب الصوم بعد العتق ثم الإِطعام بعده

стр. 2632

[وعطف الجمل بالفاء المرتبة المعقبة] (١). ونازع القاضي عياض في ظهور دلالة الترتيب في السؤال على ذلك، وقال: مثل هذا قد يستعمل في التخيير (٢) أي كما في حديث كعب بن عجرة. وقوله ﵊ له: "أتجد شاة؟ قال: لا. قال: فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين" (٣)، ولا ترتيب بين الشاة والصوم والإِطعام، والتخيير في الفدية ثابت بنص القرآن قال: فيدل في الأولوية مع التخيير وهو غير مسلم. فإن ذكر هذه الأشياء الثلاث مرتبة في معرض البيان والسؤال بمنزلة الشرط للحكم، ومقتضى ذلك الترتيب لا التخيير. ورواية مسلم (٤): "أنه ﵊ أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكيناً" "فأو" هنا [للتقسيم] (٥) لا للتخيير، تقديره يعتق أو يصوم إن عجز عن العتق أو يطعم إن عجز عنهما، ويبينه باقي الروايات ودعوى القرطبي

стр. 2633

أن هذه قضية أخرى بعيدة ثم [حمله] (١) "أو" على التخيير: ليس يجيد لما قدمناه. الثالث عشر: قوله: "هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا" في أبي داود (٢) في قصة سلمة البياضي أنه قال: "والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها. وضرب صفحة عنقه" يستدل به على جواز إعتاق الرقبة الكافرة، في الكفارة، وهو قول أبي حنيفة وغيره. وقال الشافعي: لا يجوز إلَّا رقبة مؤمنة، حملاً للمطلق على المقيد في كفارة القتل. وأبو حنيفة: يحمل المقيد على المطلق، وهذا مبني على أن السبب إذا اختلف واتحد الحكم، هل يقيد المطلق أم لا؟ وإذا قيد، فهل هو بالقياس أم لا؟ والمسألة مشهورة في أصول الفقه. قال الشيخ تقي الدين: والأقرب أنه إن قيد فبالقياس (٣). قلت: ويقوي مذهب الشافعي بقوله ﵊ في حديث السوداء: "أعتقها فإنها مؤمنة" (٤).

стр. 2634

فائدة: شرط الرقبة [أيضاً] (١) أن تكون سليمة من العيوب، خلافاً لداود، وضابط العيب في الكفارة ما أضر بالعمل إضراراً بيناً وبيان ذلك محله كتب الفروع. الرابع عشر: فيه أيضاً دلالة على أنه لا يجب في الجماع على الرجل والمرأة إلَّا كفارة واحدة، إذ لم يذكر له ما على المرأة وهو الأصح عند الشافعي (٢) ومذهب داود وأهل الظاهر. وذهب مالك (٣) وأبو ثور وأصحاب الرأي (٤) وأحمد في أصح الروايتين والشافعي في أحد قوليه: إلى وجوبها على المرأة إن طاوعته.

стр. 2635

ويتأولون هذا الحديث: على أن المرأة لعلها كانت مكرهة أو ناسية لصومها أو ممن يباح لها الفطر ذلك اليوم لعذر السفر أو المرض أو الطهر عن الحيض. وسوّى الأوزاعي (١): بين المكرهة والطائعة على مذهبه. وقال مالك في مشهور مذهبه في المكرهة: إنّ مكرهها يكفَّر عنها بغير الصوم، لأنه هتك صومين بالنسبة إليها وإليه [فكأنه] (٢) هتك يومين. وقال سحنون: لا شيء عليه لها ولا عليها. وبهذا قال أبو ثور، وابن المنذر. وقال الفاكهي: ولم يختلف مذهب مالك في قضاء المكرهة والنائمة، إلَّا ما ذكر ابن القصار عن القاضي إسماعيل عن مالك أنه لا غسل على الموطوءة نائمة، ولا مكرهة، ولا شيء عليها [إلَّا] (٣) إن تلتذ. قال ابن القصار: فتبين من هذا أنها غير مفطرة، فظاهره أنه لا قضاء على المكرهة إلَاّ أن تلتذ، ولا على النائمة لأنها كالمحتلمة، وهو قول أبي ثور في النائمة والمكرهة.

стр. 2636

واختلف في وجوب الكفارة على [المكرهة] (١) على الوطءِ لغيره على هذا. وحكى ابن القصار عن أبي حنيفة: أنه لا يلزم المكرَه كفارة عن نفسِهِ ولا من أكره. الخامس عشر: قوله ﵊: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين" معنى: تستطيع تقدر وتطيق وتقوى. يقال: استطاع يستطيع، واستتاع يستتيع، واسطاع [يسطيع] (٢). وقد ضمنوا حروف المضارعة من هذا الأخير، وإن كان زائداً على أربعة أحرف، ومثله: إهراق يهريق. واعتذر عنهما سيبويه: بأن السين في استطاع والهاء في إهراق زائدتان للعوض. واعترض عنهما: بأنه لم يحذف منهما شيء فيحتاجا إلى عوض. وأجاب السيرافي: عن ذلك بأن قال: العوض إنما هو من نقل الحركة، إذ الأصل في اسطاع أطوع، وفي إهراق أروق. فلما نقلت فتحة الواو إلى ما قبلها في الموضعين قلبت ألفاً لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن فكانت الزيادة عوضاً من ذلك (٣).

стр. 2637

السادس عشر: التتابع التوالي وهو حجة للجمهور على ابن أبي ليلى إذ لم يشترطه (١). السابع عشر: فيه الانتقال من الصوم إلى الإِطعام عند عدم استطاعته وفي بعض الروايات في قصة سلمة في الظهار "وهل أصبت الذي أصبت إلَّا من الصيام" ومقتضاها عدم استطاعته لشدة الشبق، وعدم الصبر في الصوم عن الوقاع، فنشأ لأصحابنا ﵏ في أن هذا هل يكون عذراً مرخصاً في الانتقال إلى الإِطعام في حق من هو كذلك -أعني شديد الشبق- فقال به بعضهم (٢): كذا قال الشيخ تقي الدين؟ قلت: بل هو الأصح عندهم.

стр. 2638

الثامن عشر: قوله ﵊: "فهل تجد إطعام ستين مسكيناً" هو صريح في الدلالة على استيعاب هذا العدد، وبه قال عامة الفقهاء (١)، خلافاً لما روي عن الحسن: أنه يطعم أربعين مسكيناً عشرين صاعاً. وصريح أيضاً في الرد على من قال: يطعم عشرين مسكيناً ثلاثة أيام. وصريح أيضاً في الرد على أبي حنيفة حيث جوز إطعام ذلك لمسكين واحد، كما نقله القرطبي عنه حجة الجمهور من وجهين. أحدهما: أنه أضاف "الإِطعام" الذي هو مصدر "أطعم" إلى ستين، ولا يكون ذلك موجوداً في حق من أطعم عشرين مسكيناً ثلاثة أيام. الثاني: أن القول بإجزاء ذلك عمل بعلة مستنبطة تعود على ظاهر النص بالبطلان. وقد علم ما في ذلك في الأصول (٢). التاسع عشر: جمهور المشترطين ستين. قالوا: لكل مسكين مد، وهو ربع صاع. وقال أبو حنيفة (٣) والثوري: لكل مسكين نصف صاع. العشرون: قوله: "فمكث" هو بفتح الكاف وضمها، كما تقدم واضحاً في الحديث الثامن من باب صلاة النبي ﷺ , وجاء في الصحيح أنه ﵊ قال للأعرابي: "اجلس" وسببه انتظار الوحي فيه، أو ليجتهد في خلاصه مما وقع فيه.

стр. 2639

الحادي والعشرون: "العَرَق" بفتح العين والراء على المشهور في الرواية واللغة، وحكاه القاضي عياض (١) عن الجمهور. وروي بإسكان الراء والصواب: الأول. فإن العَرْق (٢): بإسكان الراء العظم الذي [فيه] (٣) اللحم والفَرَق: -بتحريك الفاء وتحريك الراء وإسكانها- ستة عشر رطلاً. وقد فسر العرق: بالمكتل بكسر الميم وفتح المثناة فوق وهو من الخوص، وفُسَّر مرة أخرى: بأنه المكتل الضخم. ويقال: للعرق: أيضاً الزبيل بفتح الزاي من غير نون كالرغيف والزنبيل بكسر الزاي وزيادة نون كالقنديل، كذا في "شرح مسلم" (٤) للنووي. وقال القرطبي: هو الزنبيل بكسر الزاي على رواية الطبري وبفتح الزاي لغيره، وهما صحيحان، وسمي بذلك لأنه تحمل فيه الزبل، ذكره ابن دريد (٥). وسمي عرقاً: لأنه جمع عَرَقَةَ وهي الضفيرة من الخوص ومن سماه عرق فلأنه منها.

стр. 2640

ويجمع أيضاً: على عرقات. ومن أسمائه أيضاً: القفة، -والسفيفه- بفتح السين المهملة وبالفائين. والعَرَق: عند الفقهاء ما يسع خمسة عشر صاعاً، وذلك ستون مدًّا لكل مسكين مد، لأن الصاع أربعة أمداد، وإذا ضربناها في خمسة عشر [كانت ستين وجاء في رواية لأبي داود "فأُتي بعرق فيه عشرون] (١) صاعاً" قال البيهقي وروايته الأخرى: "أنه أُتي بعرق فيه تمر قدر خمسة [عشر] (٢) صاعاً" أصح وفي رواية لمسلم "فجاء، عرقان فيهما طعام فأمره أن يتصدق به"، ويجاب عنها بأن العرق قد يُصغر وقد يكبّر، وبذلك يجمع بين الروايات (٣).

стр. 2641

الثاني والعشرون: "اللابتان" الحرتان. والمدينة بين [الحرتين] (١): شرقية وغربية. قال ابن حبيب: ولها حرتان آخرتان: حرة بالقبلة وحرة بالجرف ويرجع كلتاهما إلى الشرقية والغربية لاتصالهما بهما. والحرة: أرض تركبها حجارة سود، كما سبق من كلام المصنف. وعبارة الشيخ تقي الدين (٢): الحرة: حجارة سود. وعبارة النووي (٣): الحرة: الأرض الملبسة حجارة سود -زاد غيره: إذا كانت بين جبلين-. ويقال: لابه ولوبة ونوبة بالنون، حكاهن أبو عبيد والجوهري (٤) وخلائق. ومنه قيل: للأسود لوبى ونوبى باللام والنون وقالوا: وجمع اللابة لوب ولاب [ولابات وهي غير مهموزة] (٥).

стр. 2642

الثالث والعشرون: قوله: "على أفقر مني" أي ومن يتصدق عليه أفقر مني هكذا وقع في نسخ هذا الكتاب وهو رواية البخاري وفي إحدى روايتي مسلم "على أفقر منا" كما ذكره القرطبي قال: وهو محذوف همزة الاستفهام تقديره: أعلى أفقر منا. والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: أنتصدق به على أحد أفقر منا. والرواية الأخرى: "أفقر منا" بحذف "على" والرواية فيه حينئذٍ بالنصب على إضمار الفعل تقديره: "أتجد أففر منا" وقد يجوز رفعه على خبر المبتدأ أي "أحداً أفقر منا" ورواية مالك: "ما أجد أحداً [أفقر] (١) مني". الرابع والعشرون: قوله: "أهل بيت أفقر من أهل بيتي" مرفوع لأهل بيت. الخامس والعشرون: قوله: "فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه" سبب ضحكه ﵊ يحتمل التعجب من حال السائل وتباينه حيث كان أولاً محترقاً هالكاً متلهفاً حاكماً على نفسه بذلك، ثم انتقل إلى طلب الطعام لنفسه وعياله. ويحتمل أنه من رحمته ﵊ به وشفقته عليه وإطعامه هذا الطعام بعد أن أمره بإخراجه وإحلاله. السادس والعشرون: "الأنياب" (٢) جمع ناب، وهي الأسنان الملاصقة للثنايا، وهي أربعة أنياب، وأربعة ضواحك، واثني عشر

стр. 2643

[رحا] (١) ثلاثة في كل شق، وأربعة نواجذ، وهي أقصاها، ويلي الثنايا أربع رباعيات، فذلك اثنان وثلاثون، قاله أبو زيد فيما نقله ابن قتيبة عنه. وقال الأصمعي: مثله إلَّا أنه قال: الأَرْحا ثمانية فينقص أربعة. وجاء في رواية: "حتى بدت نواجذه" وهي الأنياب هنا جمعاً بين الروايتين، وجاء في حديث آخر في قصة أخرى: "فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه". وأجاب بعضهم: أنه حيث ضحك [متبسماً] (٢) إنما كان لأمر يتعلق بالدنيا وحيث ضحك حتى بدت نواجذه إنما كان لأمر يتعلق بالآخرة، ويعكر على هذا رواية: "حتى بدت نواجذه" هنا. السابع والعشرون: فيه جواز الضحك وهو [غير] (٣) التبسم، كما جاء من أنه ﵊ كان ضحكه تبسماً، فيجوز أن يكون الغالب من ضحكه، لا كله. وأما قوله -تعالى-: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ (٤) فضاحكاً حال مقدرة أي تبسم بقدر الضحك، لأن الضحك يستغرق التبسم. قال الفاكهي: هذا هو الصحيح عندي وقد جعله ابن

стр. 2644

عصفور (١): حالة مؤكدة، وهو بعيد أو وهم. فقد علمت بذلك أن التبسم غير الضحك، ويقال منه: ضحِكَ يضحَك ضَحْكاً (٢) وضِحِكاً (٣) [وضِحِكاً] (٤) لغات والضَّحْكةُ المرة الواحدة (٥). الثامن والعشرون: قوله ﵊: "اذهب فأطعمه أهلك" فيه أقوال (٦). أحدها: أن هذا خاص بهذا الرجل وحده، قاله الزهري (٧) يعني أنه يجزيه أن يأكل من صدقة نفسِهِ لسقوط الكفارة عنه، فسوغها له النبي ﷺ وقد روي: "كله وأطعمه أهلك".

стр. 2645

ثانيها: أنه منسوخ وهما ضعيفان (١). ثالثها: يحتمل أنه أعطاه إياه لكفارته، وأنه يجزيه عن من لا تلزمه نفقته من أهله. رابعها: أنه لما كان عاجزاً عن نفقة أهله جاز له إعطاء الكفارة عن نفسه لهم وقد جوز ذلك بعض أصحابنا حكاه الشيخ تقي الدين. خامسها: لما ملكها، وهو محتاج جاز له أكلها هو وأهله لحاجتهم. قال بعضهم: ولأن في أكله منها إذا كان محتاجاً. إجبار معه، فجاز له، وفيه نظر. سادسها: وهو أقربها، كما قال الشيخ تقي الدين: أنه أطعمه لفقره، وأبقى الكفارة عليه متى أيسر. وهذا هو الصحيح عندنا. وهو مذهب مالك. وذهب الأوزاعي (٢) [وأحمد (٣)] (٤) إلى أن حكم من لم يجد الكفارة ممن (٥) لزمته من سائر الناس سقوطها عنه مثل هذا الرجل وهو قول عندنا كزكاة الفطر.

стр. 2646

ووجه عدم السقوط القياس على سائر الديون والحقوق والمؤاخذات كجزاء الصيد وغيره، وليس في الحديث سقوطها بل قوله ﵊ لما أتى بالعرق له: "خذ هذا فتصدق به" دليل على بقائها, وإنما أذن له في صرفه لعياله لحاجته كما سيأتي (١)، فإن الكفارة تجب على التراخي لا على الفور، كما سلف

стр. 2647

في الوجه العاشر. وجاء في رواية غريبة من حديث علي في الدارقطني (١) أنه ﵊: "قال له انطلق فكله أنت وعيالك. فقد كفر الله عنك". وفي إسنادها ابن عقدة وقد ضعفوه. ومن تراجم البخاري على هذا الحديث "إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر" (٢). وترجم عليه [أيضاً المجامع في رمضان هل يطعم أهله من الكفارة إذا كانوا محاويج] (٣) "؟ وترجم عليه في باب (٤): "النفقات" نفقة المعسر على أهله! التاسع والعشرون: "الأهل": هو كل من تلزمه نفقته ذكره الرافعي في كتاب الحج.

стр. 2648

وقال الفاكهي: ظاهر الحديث دخول ذوي القربى والزوجة فيه، يقال: أهل الزوجة، وأهل الدار، وكذلك الأَهْلاتٌ وأهَلات بإسكان الهاء وفتحها وأهَالٍ زادوا فيه التاء على غير قياس، كما جمعوا ليلاً على ليالٍ وقد جاء في [الشعر] (١)، آهَالٌ مثل فرح وأفراح ووتد وأوتاد (٢). الثلاثون: جمهور الأمة على وجوب القضاء على مفسد الصوم بالجماع، وهو الأصح عندنا، إذ الصوم المطلوب منه لم يفعله، وهو باق عليه كالصلوات وغيرها إذا لم تفعل بشروطها. وقيل: لا يجب, وبه قالت طائفة من أهل العلم، لأن الخلل الحاصل قد انجبر بالكفارة، ولسكوته ﵊ عنه في الصحيح. وفي وجه ثالث: إن كفر بالصوم دخل فيه القضاء وإلَاّ فلا، لاختلاف الجنس، وبه قال الأوزاعي (٣). والصحيح عندنا الأول: وقد روى أبو داود والدارقطني (٤) أنه

стр. 2649

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2650

-﵊ أمره بالقضاء وأعلها ابن حزم (١)، بمن

стр. 2651

احتج به في الصحيح كعادته في التعنت. ووقع في الوسيط للغزالي أنه ﵊ لم يأمر الأعرابي بالقضاء، وليس بجيد منه، وهذا الخلاف في حق الرجل. أما المرأة فيجب عليها القضاء قطعاً إذا لم تلزمها الكفارة، ولا يتحمل الزوج فإن الكفارة إذا [(١)] كانت صوماً لم يتحمل، فما ظنك بالقضاء. قال الفاكهي: ولا أعلم خلافاً في وجوب القضاء عليهما عندنا إلَّا ما تقدم من احتمال كلام ابن القصار مكرهة كانت أو طائعة. الحادى والثلاثون: اختلفوا في وجوب الكفارة على المرأة إذا مكنت طائعة فوطأها الزوج كما سلف في [الوجه] (٢) الرابع عشر، ومشهور مذهب مالك أنها إن كانت طائعة يجب عليها كفارة أخرى عن نفسها مع القضاء، وإن كانت [مكرهة] (٣) فالقضاء عليها وعلى زوجها كفارة عنها فيكون عنه كفارتان. عنه وعنها كذا فصل الفاكهي. وقال القرطبي: مذهب مالك والجمهور أن الكفارة على الجاني وحده.

стр. 2652

ومذهب الشافعي وأهل الظاهر أنها عنه وعن موطوئته. قلت: هذا قول عنه فإنّ عنْهُ أقوال: [أصحها] (١): يجب كفارة واحدة على الزوج. ثانيها: عنه وعنها. ثالثها: [عليها] (٢) كفارة أخرى. وحكى الدارمي وغيره وجهاً أنه يجب على الزوج في ماله كفارتان: كفارة عنه، وكفارة عنها، وهو مصادم للحديث. والكلام على هذه الأقوال وما يتعلق بها محله كتب الفروع. ثم قال القرطبي: ومشهور مذهب مالك في المكرهة أن مكرهها يكفر عنها. قلت: وبالأول من أقوال الشافعي قال داود وأهل الظاهر. وبقول مالك: قال أبو ثور: وأهل الرأي أعني وجوب الكفارة على المرأة إن طاوعت كما أسلفناه في الوجه الرابع عشر ونقله البغوي في شرح السنة (٣) عن أكثر العلماء. واحتج لعدم الوجوب عليها: أنه ﵊ لم يعلم المرأة بوجوب الكفارة عليها مع الحاجة إلى الإِعلام ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وقد أمر -عليه الصلاة

стр. 2653

والسلام- أُنيساً أن يغدر على امرأة العسيف، فإن اعترفت رجمها، فلو وجبت عليها لأعلمها بذلك، كما في حديث أنيس. ومن أوجبها عليها أجاب بوجوه (١): أحدها: أنّا لا نسلم الحاجة إلى إعلامها، فإنها لم تعترف بسبب الكفارة، وإقرار الرجل عليها لا يوجب عليها حكماً وإنما تمس الحاجة إلى إعلامها إذا ثبت الوجوب في حقها, ولم يثبت على ما بيناه. ثانيها: أنها قضية حال، يتطرق إليها الاحتمال، ولا عموم لها، وهذه المرأة يجوز أن لا تكون ممن يجب عليها الكفارة بهذا الوطء: إما لصغرها، أو جنونها، أو كفرها، أو حيضها، أو طهارتها من الحيض في أثناء النهار. واعترض على هذا بأنّ علمه ﵊ بحيضها وعدمه عسر ولو كان علمُه ولم يخبره به الأعرابي ولم يسأله النبي ﷺ كان مستحيلاً. وأما باقي الأعذار المذكورة من الصغر والجنون وغيرها (٢) فكلها أعذار تنافي التحريم على المرأة، وينافيها قوله في الرواية السالفة: "هلكت وأهلكت" (٣) وجودة هذا الاعتراض

стр. 2654

موقوفة على صحة هذه الرواية (١). وقد علمت ما فيها فيما مضى. وثالثها: أنّا لا نسلم عدم بيان الحكم، فإن بيانه في حق الرجل بيان له في حق المرأة، لاستوائهما في تحريم الفطر، وانتهاك

стр. 2655

الحرمة، مع العلم بأن إيجاب الكفارة هو ذاك، والتنصيص على الحكم في حق بعض المكلفين كاف عن ذكره في حق الباقين، وهذا كما أنه ﵊ لم يذكر إيجاب الكفارة على سائر الناس غير الأعرابي، لعلمه بالاستواء في الحكم وهذا وجه قوي كما قال الشيخ تقي الدين: وإنما حاولوا التعليل عليه بأن بينوا في المرأة معنى يمكن أن يظن به اختلاف [حكمها مع حكم الرجل، بخلاف غير الأعرابي من الناس، فإنه لا معنى يوجب اختلاف] (١) حكمهم مع حكمه وذلك المعنى الذي أبدوه في حق المرأة هو أن مؤن النكاح لازمة على الزوج كالمهر وثمن ماء الغسل عن جِمَاعِهِ، فيمكن أن يكون [هذا] (٢) منه. وأيضاً: فجعلوا الزوج في باب الوطء هو الفاعل المنسوب إليه الفعل، والمرأة محل، فيمكن أن يقال: الحكم مضاف إلى من [نسب] (٣) إليه الفعل، فيقال واطءٍ ومواقع. ولا يقال للمرأة ذلك، قال الشيخ: وليس [هذا بقوي] (٤)، فإن المرأة يحرم عليها التمكين. [وهي آثمة به مرتكبة كبيرة، كا] (٥) لرجل. وقد أضيف اسم الزنا إليهما في كتاب الله -تعالى-. ومدار الوجوب على هذا

стр. 2656

المعنى (١). الثاني والثلاثون: دل الحديث (٢) [دلالة ظاهرة] (٣) على أنه لا مدخل لغير الخصال الثلاثة في الكفارة (٤) ونقل عن الحسن البصري وعطاء أن المكفر إن لم يجد رقبة أهدى بدنة إلى مكة قال عطاء: أو بقرة. حكاه القرطبي ورواه مالك في الموطأ من مراسيل سعيد بن المسيب من رواية عطاء بن عبد الله الخراساني عنه، أنه ﵊ قال له: "فهل تستطيع أن تهدي بدنة" (٥).

стр. 2657

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2658

قلت: وقد اختلف في عطاء هذا على قولين: أحدهما: أنه ابن عبد الله. الثاني: أنه ابن ميسرة مولى المهلب ابن أبي صفرة، وأدخله البخاري في الضعفاء والمتروكين لتكذيب ابن المسيب له حين سئل عنه أنه حدثه بحديث الأعرابي كذب ما حدثته. قال القاضي عياض: أنكر سعيد على عطاء روايته عنه البدنة. وقال ابن طاهر: في تذكرته (١) قوله: "اهد بدنة" باطل. (٢) قال ابن بزيزة: ووهم البخاري في إدخال عطاء في الضعفاء فإنه كان عالماً فاضلاً مجيداً للقرآن ولعلم القرآن من التفسير وغيره وروي عنه مالك ومعمر والأوزاعي (٣).

стр. 2659

الثالث والثلاثون: يستنبط من الحديث أن من ادعى عذراً يسقط عنه شيئاً أو يفتح له أخذ شيء يقبل قوله ولا يكلف إقامة البينة على ذلك. فإن هذا الرجل ادعى الفقر وادعى أنه ما أصيب إلَّا من الصوم [كما مضى. الرابع والثلاثون: قوله له] (١) "خذ هذا فتصدق به" يلزم منه أن [يكون ملّكه إياه ليتصدق به عن كفارته ويكون] (٢) هذا كقول القائل أعتقت عبدي عن فلان فإنه يتضمن سبقيه الملك عند قوم. قال القرطبي: وأباه أصحابنا مع الاتفاق على أن الولاء للمعتق عنه، وأن الكفارة تسقط بذلك. الخامس والثلاثون: جاء في رواية في الصحيح "أن رجلاً أفطر في رمضان فأمره النبي ﷺ أن يكفر بعتق رقبة" وذكر الحديث ويتمسك بهذه الرواية لمذهب مالك وجماعة أن من هتك صوم رمضان بأي وجه كان من أكل أو شرب أو غيرهما تجب عليه الكفارة لكن للمخالف أن يحمل الإِفطار على الموافقة جمعاً بين الروايات ويبعد كل البعد تعدد الواقعة.

стр. 2660

وإن ادعى القرطبي: أن التعدد هو الظاهر لأجل مذهبه في ذلك (١). السادس والثلاثون: ترجم البخاري على هذا الحديث في كتاب الهبة (٢) من صحيحه باب إذا وهب هبة فقبضها الآخر ولم يقل: قبلت. وترجم عليه في النفقات: باب نفقة المعسر على أهله (٣). كما تقدم. ...

стр. 2661

٣٦ - باب الصوم في السفر [وغيره] (١) ذكر فيه ﵀ أحد عشر حديثاً: الحديث الأول ١٨٦/ ١/ ٣٦ - عن عائشة ﵂: أن حمزه بن عمرو الأسلمي قال للنبي ﷺ : أأصوم في السفر؟ -وكان كثير الصيام- فقال (٢): "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر" (٣). الكلام عليه من وجوه: أحدها: حمزة هذا مدني كنيته أبو صالح (٤).

стр. 2662

ويقال: أبو محمد. وكان البشير بوقعة أجنادين إلى أبي بكر. وقيل: هو الذي بشر كعب بن مالك بتوبته فكساه ثوبيه. وروى البخاري [في تاريخه] (١) عنه قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فتفرقنا في ليلة ظلماء دحمسة فأضاءت أصابعي حتى حملوا عليها ظهرهم وما هلك منهم وإن أصابعي لتنير". روي له عن رسول الله ﷺ تسعة أحاديث روى له مسلم حديثاً واحداً من حديث أبي [مراوح] (٢) عنه وقد أخرجا ذكره في هذا الحديث. مات سنة إحدى وستين. قال ابن حبان في "ثقاته" (٣): في ولاية يزيد بن معاوية وهو ابن إحدى وسبعين سنة. فائدة: في الصحابة أيضاً حمزة غير هذا: حمزة بن عبد المطلب، وحمزة بن الحمير حليف لبني عبيد بن عدي الأنصاري (٤).

стр. 2663

ثانيها: الأسلَمي -بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح اللام وكسر الميم- نسبة إلى أسلم بن أفصى -بالفاء- ويشتبه هذا بالأسلُمي بضم اللام نسبة إلى أسلُم بن الجاف بن [بضاعة] (١). ثالثها: في الحديث دليل على التخيير بين الصوم والفطر في السفر، وليس فيه تصريح بأنه صوم رمضان، وربما استدل به من يجيز صوم رمضان في السفر، فمنعوا الدلالة من حيث ما ذكرناه، من عدم الدلالة على كونه صوم رمضان. كذا قاله الشيخ تقي الدين (٢) وكأنه استند في ذلك إلى قول ابن حزم (٣)، إنما سأله عن التطوع وهو عجيب ففي سنن أبي داود (٤) من حديث حمزة بن محمد بن حمزة الأسلمي عن أبيه عن جده ما هو صريح، أنه سأله عن شهر رمضان، لكن ابن حزم اختصرها (٥) وأعلها بضعف حمزة (٦) وأبيه. فأما حمزة: فمجهول، وأما أبوه: فعَنْهُ جماعة، وذكره ابن حبان في "ثقاته" (٧)، وقد روى الحديث الحاكم (٨) في مستدركه عليه.

стр. 2664

ووهم ابن العطار في"شرحه" فعزاه باللفظ الذي سقناه إلى مسلم فاجتنبه. ويؤيد هذه الرواية التي ذكرناها قوله ﵊ لحمزة بن عمرو في رواية أخرى لمسلم (١): "هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" ولا يقال في التطوع مثل هذا، فظهر بهذا أن المراد بقوله: "أأصوم في السفر" أنه صوم رمضان لا صوم التطوع. وكذا قوله في الصحيح: "إني أسرد الصوم" [فالمراد سرد] (٢) رمضان لا سرد صوم التطوع جمعاً بين الروايات وإن كان ظاهر هذه [الرواية] (٣) [أنه] (٤) التطوع وقوله أيضاً "كان كثير الصيام" يشعر به وعلى هذا الظاهر جرى النووي في "شرح مسلم" (٥)، حيث [قال] (٦): فيه دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أن صوم الدهر وسرده غير مكروه لمن لا يخاف منه ضرراً، ولا يفوّت به حقّاً بشرط فطر يوميّ العيد وأيام التشريق، قال: لأنه أخبر، بسرده، ولم ينكر عليه، بل أقره عليه، وأذن له فيه في السفر، ففي الحضر أولى، قال: وهذا محمول على أن حمزة كان يطيق السرد بلا ضرر ولا تفويت حق، كما قال في

стр. 2665

الرواية الأخرى "أجد بي قوة على الصيام" ثم شرع يجمع بين حديث حمزة هذا وحديث (١) عمرو بن العاص في النهي عنه. ثم اعلم بعد ذلك أن جمهور العلماء على أن المسافر سفراً طويلاً مباحاً إن صام في سفره، أجزأه. وذهبت الشيعة: إلى أنه لا يصح وعليه القضاء. واختلف أصحاب داود الظاهري (٢): فذهب بعضهم: إلى أنه ينعقد صومه. وذهب بعضهم: إلى أنه لا يجزئه ولا ينعقد، وعليه القضاء. وحكي عن ابن عمر أنه قال: من صام في السفر قضى في الحضر (٣). وحكي عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر" (٤) قال البيهقي: وهو موقوف منقطع. قال: وروي مرفوعاً وإسناده ضعيف.
следующие страницы →