← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

٣٦ - باب الصوم في السفر [وغيره] (١) ذكر فيه ﵀ أحد عشر حديثاً: الحديث الأول ١٨٦/ ١/ ٣٦ - عن عائشة ﵂: أن حمزه بن عمرو الأسلمي قال للنبي ﷺ : أأصوم في السفر؟ -وكان كثير الصيام- فقال (٢): "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر" (٣). الكلام عليه من وجوه: أحدها: حمزة هذا مدني كنيته أبو صالح (٤).

стр. 2662

ويقال: أبو محمد. وكان البشير بوقعة أجنادين إلى أبي بكر. وقيل: هو الذي بشر كعب بن مالك بتوبته فكساه ثوبيه. وروى البخاري [في تاريخه] (١) عنه قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فتفرقنا في ليلة ظلماء دحمسة فأضاءت أصابعي حتى حملوا عليها ظهرهم وما هلك منهم وإن أصابعي لتنير". روي له عن رسول الله ﷺ تسعة أحاديث روى له مسلم حديثاً واحداً من حديث أبي [مراوح] (٢) عنه وقد أخرجا ذكره في هذا الحديث. مات سنة إحدى وستين. قال ابن حبان في "ثقاته" (٣): في ولاية يزيد بن معاوية وهو ابن إحدى وسبعين سنة. فائدة: في الصحابة أيضاً حمزة غير هذا: حمزة بن عبد المطلب، وحمزة بن الحمير حليف لبني عبيد بن عدي الأنصاري (٤).

стр. 2663

ثانيها: الأسلَمي -بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح اللام وكسر الميم- نسبة إلى أسلم بن أفصى -بالفاء- ويشتبه هذا بالأسلُمي بضم اللام نسبة إلى أسلُم بن الجاف بن [بضاعة] (١). ثالثها: في الحديث دليل على التخيير بين الصوم والفطر في السفر، وليس فيه تصريح بأنه صوم رمضان، وربما استدل به من يجيز صوم رمضان في السفر، فمنعوا الدلالة من حيث ما ذكرناه، من عدم الدلالة على كونه صوم رمضان. كذا قاله الشيخ تقي الدين (٢) وكأنه استند في ذلك إلى قول ابن حزم (٣)، إنما سأله عن التطوع وهو عجيب ففي سنن أبي داود (٤) من حديث حمزة بن محمد بن حمزة الأسلمي عن أبيه عن جده ما هو صريح، أنه سأله عن شهر رمضان، لكن ابن حزم اختصرها (٥) وأعلها بضعف حمزة (٦) وأبيه. فأما حمزة: فمجهول، وأما أبوه: فعَنْهُ جماعة، وذكره ابن حبان في "ثقاته" (٧)، وقد روى الحديث الحاكم (٨) في مستدركه عليه.

стр. 2664

ووهم ابن العطار في"شرحه" فعزاه باللفظ الذي سقناه إلى مسلم فاجتنبه. ويؤيد هذه الرواية التي ذكرناها قوله ﵊ لحمزة بن عمرو في رواية أخرى لمسلم (١): "هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" ولا يقال في التطوع مثل هذا، فظهر بهذا أن المراد بقوله: "أأصوم في السفر" أنه صوم رمضان لا صوم التطوع. وكذا قوله في الصحيح: "إني أسرد الصوم" [فالمراد سرد] (٢) رمضان لا سرد صوم التطوع جمعاً بين الروايات وإن كان ظاهر هذه [الرواية] (٣) [أنه] (٤) التطوع وقوله أيضاً "كان كثير الصيام" يشعر به وعلى هذا الظاهر جرى النووي في "شرح مسلم" (٥)، حيث [قال] (٦): فيه دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أن صوم الدهر وسرده غير مكروه لمن لا يخاف منه ضرراً، ولا يفوّت به حقّاً بشرط فطر يوميّ العيد وأيام التشريق، قال: لأنه أخبر، بسرده، ولم ينكر عليه، بل أقره عليه، وأذن له فيه في السفر، ففي الحضر أولى، قال: وهذا محمول على أن حمزة كان يطيق السرد بلا ضرر ولا تفويت حق، كما قال في

стр. 2665

الرواية الأخرى "أجد بي قوة على الصيام" ثم شرع يجمع بين حديث حمزة هذا وحديث (١) عمرو بن العاص في النهي عنه. ثم اعلم بعد ذلك أن جمهور العلماء على أن المسافر سفراً طويلاً مباحاً إن صام في سفره، أجزأه. وذهبت الشيعة: إلى أنه لا يصح وعليه القضاء. واختلف أصحاب داود الظاهري (٢): فذهب بعضهم: إلى أنه ينعقد صومه. وذهب بعضهم: إلى أنه لا يجزئه ولا ينعقد، وعليه القضاء. وحكي عن ابن عمر أنه قال: من صام في السفر قضى في الحضر (٣). وحكي عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر" (٤) قال البيهقي: وهو موقوف منقطع. قال: وروي مرفوعاً وإسناده ضعيف.

стр. 2666

وحكى أصحابنا بطلانه عن أبي هريرة (١)، وحكى أنه مذهب عمر (٢)، ومتمسك هؤلاء قوله -تعالى-: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣) أي فعليه عدة، أو فالواجب عدة، والحديث الآتي "ليس من البر الصوم في السفر" (٤) والحديث الآخر "أولئك العصاة" (٥) وتأول الجمهور أن في الآية حذف التقدير "فأفطروا". واستدلوا على صحته بالأحاديث الصحيحة في صومه ﵊ فيه (٦)، وتخييره بينه وبين الإِفطار (٧) فدل ذلك

стр. 2667

على أن المعنى على ما قدروه من الحذف، وأن القضاء على من أفطر فقط. ويقوي قولهم أيضاً الرواية السالفة: "هي رخصة من الله" ثم اختلفوا في الأفضل على أقوال. أحدها: أن الصوم أفضل لمن أطاقه بلا مشقة ظاهرة ولا ضرر. فإن تضرر به فالفطر أفضل، وبه قال أنس (١) بن مالك، ومالك في المشهور عنه، كما قال القرطبي (٢) وأبو حنيفة (٣) وحكاه الخطابي (٤) عن عمر بن عبد العزيز وقتادة ومجاهد، وحكاه النووي في "شرح مسلم" (٥) عن الأكثرين مبادرة إلى تخليص الذمم ومسابقة إلى الخيرات، ولأنه ﵊ وعبد الله بن رواحة صاموا كما سيأتي، وقد قال -تعالى-: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٦). ثانيها: أن الفطر أفضل، وإليه ذهب ابن عباس، فقال: "عسر ويسر خذ يسر الله" (٧) وابن عمر وكان يقول "رخصة ربي أحب إليّ"

стр. 2668

مع أنه كان من أهل التشديد على نفسه والأخذ بالأشد، وقال: "أرأيت لو تصدقت بصدقة فردت عليك ألا تغضب" (١) وذهب إليه أيضاً سعيد بن المسيب (٢)، والأوزاعي (٣) وأحمد وإسحاق وغيرهم، وحكاه بعض (٤) أصحابنا قولاً للشافعي. واحتجوا بما سلف لأهل الظاهر وبحديث "هي رخصة من الله" السالف وظاهره ترجيح الفطر، وبالحديث الآتي: "ليس من البر الصيام في السفر" (٥). وأجاب الأكثرون: بأن هذا كله فيمن يخاف ضرراً أو يجد

стр. 2669

مشقة، كما هو صريح في الأحاديث، واعتمدوا حديث أبي سعيد الخدري الثابت في الصحيح (١): "كنا نغزوا مع رسول الله ﷺ في رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم" يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن. ويرون أن من وجد ضعفاً فافطر فإن ذلك حسن. وهذا صريح في ترجيح مذهب الأكثرين، وهو تفضيل الصوم لمن أطاقه بلا ضرر ولا مشقة ظاهرة (٢).

стр. 2670

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2671

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2672

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2673

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2674

ثالثها: أن الصوم والفطر سواء، لتعادل الأحاديث، قال القرطبي: وعليه جل أهل المذهب، ثم ادعى أن الأحاديث دالة له، وليس كما قال، بل هي دالة للأول. رابعها: إن من لا يتضرر بالصوم في الحال ولكن يخاف الضعف لو صام وكان سفر حج أو غزوة (١) فالفطر أولى. حكاه الرافعي في كتاب الصوم عن "التتمة" وحكى الجيلي وجهان: أن من خاف ضرراً لا يصح صومه وهو غريب. الرابع: في الحديث دليل على السؤال عن العلم في كل ما يعرض للإِنسان من جوازه وأفضليته. الخامس: فيه دليل أيضاً على [أن] (٢) المستفتي يذكر للمفتي حاله وما يعرض له ولا يكتمه شيئاً مما يتعلق بسؤاله. [السادس] (٣): جمهور العلماء على أنه يشترط في جواز الفطر كون السفر طويلاً، كما جزمت به فيما مضى، وهو عند [أهل] (٤) العراق ثلاثة أيام.

стр. 2675

وعند أكثر أهل الحجاز يوم وليلة، [وقد كان ابن عمر وابن عباس لا يريان القصر والإِفطار في أقل من أربعة برد]. وادعى ابن بزيزة أن الصحيح: أنه ﵊ لم يخص سفراً من سفر، وأنه ظاهر الآية (١).

стр. 2676

وقال قوم: يجوز في كل سفر وإن قصر، قال الخطابي (١): وأظنه مذهب داود وأهل الظاهر. قلت: ولا بد أيضاً من اشتراط كونه حلالاً. فالعاصي بسفره لا يفطر. ...

стр. 2677

الحديث الثاني ١٨٧/ ٢/ ٣٦ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كنا نسافر مع النبي ﷺ ، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم" (١). الكلام عليه من وجوه: أحدها: ظاهر هذا الحديث أن هذا كان في صوم رمضان لقرينة عدم العيب، إذ الصوم المرسل لا يعاب. فإن قلت: بل ظاهره أنه كان في غير رمضان، لقول أنس: "كنا" و"كان" تقتضي الدوام، ولم يكن أسفاره ﵊ الغالبة في رمضان. فالجواب: أن "كان" بوضعها لا تقتضي الدوام، وإنما تقتضي الوقوع مرة، اللهم إلَّا أن يدل عليه دليل. وقد استعملت عائشة ﵂ كان في المرة الواحدة، فقالت: "كنت أطيب

стр. 2678

رسول الله ﷺ لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت"، ومعلوم أن عائشة لم تحج معه إلَّا حجة الوداع، ولا يقال: إن ذلك كان في العمرة، فإن العمرة لا يجوز فيها الطيب قبل الطواف. ثانيها: هذا الحديث مرفوع من غير شك، وهو راد على من منع الصوم في السفر، وعلى من زعم أنه إذا أنشأ السفر في رمضان لم يجز له أن يفطر (١). ثالثها: فيه دلالة على أن الأشياء من الأحكام وغيرها لم تتغير عن وضعها بنظر ولا اجتهاد. وأن من اختص بحال في نفسه لا يلزم في أحكام الشرع عموم الناس. رابعها: قد يستدل به من يقول: الصوم والفطر سواء، لانقسام ذلك بين الصحابة من غير نكير. ...

стр. 2679

الحديث الثالث ١٨٨/ ٣/ ٣٦ - عن أبي الدرداء ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ ، في شهر رمضان، في حر شديد، حتى إنْ كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلَّا رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن رواحة" (١). الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف براويه واسمه عويمر، وقيل: عامر، أنصاري خزرجي، تأخر إسلامه قليلاً، فأسلم يوم بدر، وكان آخر أهل داره إسلاماً، وحسن إسلامه وآخا النبي ﷺ بينه وبين سلمان، وكان فقيهاً عاقلاً حكيماً، وهو أحد من جمع القرآن، شهد ما بعد أحد من المشاهد، واختلف في شهوده أحداً، وولي قضاء دمشق في خلافة عثمان، وهو أول من قضاها، وكان القاضي خليفة الأمير إذا غاب. روي له مائة حديث وتسعة وسبعون حديثاً اتفقا منها على ثمانية، وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بثمانية، روى عنه: ابنه بلال القاضي وزوجته أم الدرداء وخلق. مات بالشام سنة إحدى وثلاثين،

стр. 2680

قاله جماعة. وقبره وقبر زوجته بدمشق، وترجمته مبسوطة فيما أفردته في أسماء الرجال الواقعة في هذا الكتاب، فراجعه منه تجد ما يشفي العليل (١). فائدة: جماعة من الرواة اشتركوا مع عويمر هذا في الاسم ذكرتهم في الكتاب المشار إليه. فائدة ثانية: أبو الدرداء (٢) ممن [وافقت] (٣) كنيته كنية زوجته وهم جماعة أفردهم [بعض] (٤) الحفاظ في جزء. ثانيها: عبد الله بن رواحة المذكور في المتن أوضحت ترجمته في الكتاب المشار إليه أيضاً، وهو أنصاري خزرجي، أحد النقباء ليلة العقبة، وقتل بمؤتة سنة ثمان، وهو أحد الشعراء المحسنين، الذين كانوا يردون الأذى عن رسول الله ﷺ . ثالثها: هذا الصوم الظاهر أنه كان في غزوة بدر، لأن أسفاره ﵊ فيما بين بدر ومؤتة لم يكن شيء منها في رمضان غير بدر (٥)، فإنه ﵊ لم يسافر إلَّا في

стр. 2681

غزو أو حج بعد هجرته إلى المدينة. رابعها: قوله: "حتى إن" "إنْ" هذه مخففة من الثقيلة عند البصريين، والأصل عندهم: أنه كان أحدنا ليضع. وهي عند الكوفيين بمعنى ["ما" و"اللام" بمعنى] (١) "إلَّا" والتقدير ما كان أحدنا إلَّا ليضع (٢). خامسها: في الحديث رد على من قال: إن الصوم لا ينعقد في السفر، كما تقدم. فإن الحديث مصرح بأن هذا الصوم وقع في رمضان في السفر، وأنه صحيح جائز. سادسها: فيه دلالة على الاقتداء به -عليه أفضل الصلاة والسلام- في [أفعاله وأحواله] (٣). سابعها: فيه دلالة أيضاً على شرعية حكاية الحال. ...

стр. 2682

الحديث الرابع ١٨٩/ ٤/ ٣٦ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ في سفر، فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه، فقال: "ما هذا؟ " قالوا: صائم، قال: "ليس من البر الصوم في السفر (١) " (٢). ولمسلم: "عليكم برخصة الله التي رخص لكم" (٣).

стр. 2683

الكلام عليه من وجوه: الأول: [هذا] (١) الرجل المبهم الذي ظلل عليه لم أره بعد التتبع فليبحث عنه. وهذه [السفرة] (٢) كانت في غزوة تبوك، وهذه

стр. 2684

الواقعة كانت بعدما أضحى النهار، كما رواه الشافعي (١). الثاني: قوله: "ليس من البر" روي في بعض الروايات بإسقاط "من" و"من" هذه هي الزائدة المزادة لتأكيد النفي. قال القرطبي: وقد ذهب بعض الناس إلى أنها مُبِعِضَة هنا وليس بشيء. قال: وروى أهل الأدب: "ليس من أم بر أم صيام في أم سفر"، فأبدلوا من اللام ميماً، وهي لغة قوم من العرب وهي قليلة. قلت: رواه بهذا اللفظ أحمد (٢) في مسنده من حديث [(٣)]. [الثالث] (٤): في الحديث تفقد الإِمام أحوال رعاياه، وعدم إهمالهم وسؤاله عن حقيقة الأمر والسبب المقتضي لتغير الحال المعهودة. [الرابع] (٥): أُخذ من هذا الحديث أن كراهة الصوم في السفر

стр. 2685

لمن هو في مثل هذه الحالة ممن يجهده الصوم ويشق عليه، أو يؤدي به إلى ترك ما هو أولى من القربات، ويكون قوله: "ليس من البر الصوم في السفر" منزلاً على مثل هذه الحالة. لكن المانعون من الصوم في السفر يقولون: اللفظ عام، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ويرد عليهم فعله ﵊ فيه ولا عذر لهم عنه ولا تأويل. قال الشيخ (١) تقي الدين: ويجب أن تتنبه للفرق بين دلالة السياق والقرائن الدالة على تخصيص العام، وعلى مراد المتكلم, وبين مجرد ورود العام على سبب [ولا تجرهما] (٢) مجرى واحداً، فإن مجرد ورود العام على السبب لا يقتضي التخصيص كقوله -تعالى-: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٣)، فإنها نزلت بسبب سرقة رداء صفوان [و] (٤) لا يقتضي التخصيص به بالضرورة والإِجماع [و] (٥)، أما السياق والقرائن فإنها الدالة على مراد المتكلم من كلامه. وهي المرشدة إلى بيان المجملات، وتعيين المحتملات، فاضبط هذه القاعدة، فإنها مفيدة في مواضع

стр. 2686

لا تحصى، وانظر في قوله ﵊: "ليس من البر الصوم في السفر"، مع حكاية حال الرجل المظلل عليه من أي [القبيلين] (١) هو؟ فنزله عليه. الخامس: قوله ﵊: "عليكم برخصة الله التي رخص لكم"، فيه دلالة على استحباب التمسك بالرخصة والعمل بها إذا دعت الحاجة إليها, ولا تترك على وجه التشديد على النفس والتنطع، والتعمق وقد جاء: "هلك المتنطعون" (٢)، وجاء أيضاً: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى" (٣)، وجاء أيضاً: "من يشاد هذا الدين يغلبه" (٤)، وفي صحيح ابن حبان من حديث ابن

стр. 2687

عباس (١) وابن عمر (٢) مرفوعاً: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه". ...

стр. 2688

الحديث الخامس ١٩٠/ ٥/ ٣٦ - " عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر: فمنا الصائم ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلاً في يوم حار، وأكثرنا ظلاًّ صاحب الكساء، فمنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصوام، وقام المفطرون، فضربوا الأبنية، وسقوا الركاب. فقال رسول الله ﷺ : "ذهب المفطرون اليوم بالأجر" (١). الكلام عليه من وجوه: الأول: "الأبنية" جمع بناء، وهي البيوت التي يسكنها العرب في الصحراء: كالخباء والقبة والمضرب وقد تكرر ذكره مفرداً أو مجموعاً. الثاني: "الركاب" الإِبل وجمعه ركائب. الثالث: قوله: "وأكثرنا ظلاًّ صاحب الكساء" يعني أنه لم يكن فساطيط ولا أخبية، وأن أكثرهم ظلاًّ من له كساء يلقيه على رأسه

стр. 2689

اتقاءً لحر الشمس، ففيه دلالة على عدم احتفالهم بآلات السفر كالخيم، ونحوها، بل كان جل احتفالهم بآلة الحرب، بخلاف حال الزمان اليوم. ومعنى: "يتقي الشمس بيده" يستتر بها. الرابع: فيه رد على من يقول: بعدم جواز الصوم في السفر، وانعقاده فيه لتقرير الصائمين على صومهم، ودلالة على ترجيح الفطر فيه. الخامس: قوله ﵊: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر"، أي بأجر يزيد على أجر الصائمين، فإن عملهم كان متعدياً، وعمل الصائمين كان قاصراً، ويحتمل كما قاله الشيخ تقي الدين (١): أن يكون أجرهم قد بلغ في الكثرة بالنسبة إلى أجر الصائمين مبلغاً ينغمر فيه أجر الصوم، فتحصل المبالغة بسبب ذلك، ويجعل كأن الأجر كله للمفطر، ويقرب من هذا قول بعضهم في إحباط الأعمال الصالحة ببعض الكبائر، وأن ثواب ذلك العمل يكون مغموراً جدًّا بالنسبة إلى ما يحصل من عقاب الكبيرة، فكأنه كالمعدوم المحبط، وإن كان الصوم هنا ليس من المحبطات، لكن المقصود المبالغة في أن الثواب وإن قل جداً قد يجعل كالمعدوم مبالغة، وهذا قد يوجد مثله في التصرفات الوجودية، وأعمال الناس في مقابلتهم حسنات من يفعل منهم منها شيئاً بسيئاته، فإنهم يجعلون اليسير جدًّا كالمعدوم بالنسبة إلى الإِحسان والإِساءة، كحجامة الأب لولده، وإيجار الأم لولدها الوجور الكريه لدفع الأمر الأعظم عنه

стр. 2690

كالمرض وغيره، فإن كلاًّ منهما يعد محسناً مطلقاً، ولا يعد مسيئاً بالنسبة إلى الإِيلام بالحجامة، والمرارة ليسارة ذلك الألم بالنسبة إلى دفع الأمر الشديد من المرض وغيره. السادس: في الحديث دلالة على أنه إذا تعارضت المصالح قدم أولاها وأقواها، فإن الصوم مصلحة، والفطر أيضاً، والحالة هذه مصلحة، ولكن مصلحة الفطر حينئذ أولى لتعديها، وقصور مصلحة الصيام كما تقدم. السابع: فيه دلالة أيضاً على ما كانت الصحابة عليه من الزهادة في الدنيا والصبر على المؤلمات في طاعة الله تعالى. الثامن: منه أيضاً جواز حكاية مثل ذلك للقدوة والتأسي. التاسع: فيه أيضاً جواز اتخاذ الأبنية ونحوها للاستظلال. العاشر: فيه أيضاً جواز اتقاء الشمس وحرها عن البصر والبدن باليد ونحوها. الحادي عشر: فيه أيضاً القيام بمصالح الدواب من الإِبل وغيرها بالسقي وغيره وهو واجب. الثاني عشر: فيه أيضاً أن اطلاعه ﵊ على الشيء وتقريره إياه من غير نكير شرع، فإنه أقرهم على الصوم والفطر. ***

стр. 2691

الحديث السادس ١٩١/ ٦/ ٣٦ - عن عائشة ﵂ قالت: "كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن [أقضي] (١) إلَاّ في شعبان" (٢). الكلام عليه من وجوه: [الأول] (٣): سبب تأخيرها ﵂ الصوم من رمضان إلى شعبان الشغل برسول الله ﷺ كما رواه مسلم (٤) عنها، ففيه دلالة على شدة احتفالها بأمره، وإرصاد نفسها لاستمتاعه، ولم تستأذنه في الصوم مخافة أن يأذن، ويكون له حاجة فيها فتفوتها عليه، وهذا من الأدب.

стр. 2692

[الثاني] (١): من الحديث [دليل] (٢) على جواز تأخير قضاء رمضان في الجملة، وأنه موسع الوقت، وانفرد داود فأوجب المبادرة في ثاني شوال، وإن لم يفعل ذلك فهو آثم، وهذا الحديث يرد عليه، وكذا قوله -تعالى-: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣) حيث لم يعينها ولا قيدها بقيد فمن عينها فقد تحكم بغير دليل. وحديث عائشة، وإن لم تصرح برفعه إلى رسول الله ﷺ ، فإنه يُعلم أنه لا يخفى مثله عنه، ولا أن أزواجه ينفردن بأرائهن في مثل هذا الأمر المهم الضروري، فالظاهر أن ذلك عن إذن منه ﷺ وتسويغه لهن ذلك. واعلم أن بعضهم ادعى أن ذكر [(٤)] الشغل في الرواية التي أسلفناها إنما هو من قول يحيى بن سعيد لا من قول عائشة: وقد أسنده البخاري في صحيحه (٥) إليه، فذهب هذا القائِل إلى أن عائشة

стр. 2693

إنما أخرته للرخصة لا للشغل، لأنه لو كان للشغل لم يؤخذ منه التأخير لغير عذر. وتنبه إلى رواية مسلم الأخرى: إن كانت إحدانا لتفطر في رمضان (١) فما تقدر على أن تقضيه مع رسول الله ﷺ حتى يأتي شعبان. فإنها صريحة لا تحتمل التأويل. ثالثها: قد يؤخذ من الحديث أنه لا يؤخر عن شعبان حتى يدخل رمضان ثان، وهو قول الأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف القائلين بأن القضاء على التراخي، وأنه لا يشترط المبادرة به في أول الإِمكان، لأنه يؤخره حينئذ إلى زمن لا يقبله وهو رمضان الآتي، فصار كمن أخره إلى الموت، فإن أخره عنه فعليه مد عند الشافعي ومالك [] (٢)، خلافاً لأبي حنيفة وداود. رابعها: إنما كانت تصومه في شعبان، لأنه ﵊ كان يصوم معظمه فلا حاجة له في النساء. في النهار، ولأنه في شعبان [يتضيق] (٣) قضاء رمضان فإنه لا يجوز تأخيره عنه.

стр. 2694

فإن قلت: كيف لا تستطيع على الصوم لحقه فيها وقد كان له تسع نسوة, وكان يقسم بينهن فلا تصل النوبة لأحداهن إلَاّ بعد ثمان، فكان يمكنها أن تصوم في هذه الأيام التي يكون فيها عند غيرها. فالجواب: أن القسم لم يكن عليه واجباً [(١)]، وإنما كان يفعله تطييباً لقلوبهن، ودفعاً لما يتوقع من فساد قلوبهن، ألا ترى قوله -تعالى-: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ (٢) الآية. فلما علم نساؤه هذا أو من سألته منهم كن يتهيأن له دائماً ويتوقعن حاجته إليهن في أكثر الأوقات، كذا أجاب بهذا القرطبي (٣)، وتبعه ابن العطار في شرحه. لكن الأصح عند الشافعية: وجوب القسم عليه ﷺ . خامسها: يستفاد من هذا الحديث أن المرأة لا تصوم القضاء، وزوجها شاهد إلَّا بإذنه إلَّا أن تخاف الفوات فيتعين، [وترتفع] (٤) التوسعة، وهو مذهب الشافعي ﵁ أنه يمنعها من القضاء الذي لا يتضيق دون غيره، فإن حق الزوج على الفور. قال القرطبي: وقال بعض شيوخنا [لها] (٥) أن تصومه بغير

стр. 2695

إذنه، لأنه واجب، والحديث الوارد بنهيها محمول على التطوع (١). تنبيهات: أحدها: اتفق العلماء على أن المرأة لا يحل لها صوم التطوع وزوجها حاضر إلَّا بإذنه للحديث الصحيح في ذلك عن أبي هريرة، كذا ادعى الاتفاق النووي في "شرح مسلم" (٢) وتبعه الفاكهي وابن العطار في شرحيهما، وهو غريب منه، فقد قال: هو في "شرحه للمهذب" (٣): إن جماعة من أصحابنا قالوا بالكراهة. ثانيها: من أفطر بغير عذر وجب عليه القضاء على الفور لا محالة، ومن أفطر بعذر سفر أو مرض، أو حيض فيه الخلاف الذي قدمناه، والجمهور على استحباب المبادرة للاحتياط فيه، فإن أخره. فالصحيح عند المحققين من الفقهاء والأصوليين أنه يجب العزم على فعله، وكذلك القول في كل واجب موسع، إنما يجوز تأخيره بشرط العزم على فعله حتى لو أخره بلا عزم عصى. ثالثها: أجمع العلماء على أنه لو مات قبل خروج شعبان لزمه الفدية في تركته عن كل يوم مد من طعام، وهذا إذا تمكن من

стр. 2696

القضاء، فلم يقض، فأما من أفطر بعذر، ثم اتصل عجزه فلم يتمكن من الصوم حتى مات فلا صوم عليه ولا يطعم عنه، ولا يصام عنه، وفيه وجه بعيد أنه يطعم عنه، حكاه القاضي حسين ووهاه. رابعها: قضاء رمضان يندب ترتيبه وموالاته، فإن خالف جاز عند الشافعي والجمهور، لأن اسم الصوم يقع على الجميع. وقال جماعة من الصحابة والتابعين وأهل الظاهر: يجب متابعته ليحكي القضاء الأداء، ولا حجة في قراءة عبد الله "متتابعات" إذ ليست متواترة ولا مرفوعة، فلا يعمل بها، وهي محمولة على أنها من تفسير ابن مسعود لرأي (١) رأه. الوجه السادس: في الحديث دلالة على ما قدمناه في الباب قبله من أنه يقال: رمضان من غير ذكر الشهر مع القرينة، وقد سلف الخلاف فيه. ...

стр. 2697

الحديث السابع ١٩٢/ ٧/ ٣٦ - عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (١)، وأخرجه أبو داود وقال: هذا في النذر، وهو قول أحمد بن حنبل. الكلام عليه من وجوه: [الأول] (٢): وقع في شرح الشيخ تقي الدين (٣) أمر غريب لا يليق بجلالته وهو أنه قال: ليس هذا الحديث مما اتفق الشيخان على إخراجه (٤)، وتبعه على ذلك الفاكهي فقال: هذا الحديث ليس من شرط المصنف، إذ لم يتفق الشيخان على إخراجه، وإنما أخرجه مسلم، وأوقعه في ذلك كلام الشيخ المتقدم. والعجب أن البخاري

стр. 2698

أخرجه في الباب المذكور باللفظ، وترجم عليه "باب من مات وعليه صيام" (١)، والظاهر أن هذا الوهم من الناقل عن الشيخ [فقد قال: هو في إلمامه، وقد أخرجه بلفظ: "من مات وعليه صوم صام عنه وليه"، متفق عليه, واللفظ للبخاري. والذي رأيته في البخاري "صيام" بدل "صوم"] (٢). الثاني: الولي: أصله من الوَلْي بسكون اللام وهو القرب والمختار أن المراد به هنا كل قريب. وقيل: الوارث. قال الرافعي: وهو الأشبه. وقيل: العاصب ويبطله الحديث الآتي: "صومي عن أمك" (٣) وهو يبطل احتمال ولاية المال أيضاً. الثالث: أخذ بظاهر هذا الحديث جماعة منهم إسحاق، وأبو ثور (٤)، وأهل الظاهر (٥)، وحُكِيَ عن الحسن وطاوس والزهري وقتادة أيضاً، وهو أحد [قولي] (٦) ............

стр. 2699

الشافعي (١)، وحمله على النذر أحمد (٢)، والليث، وأبو عبيد وإسحاق في رواية عنه، والمشهور من قولي الشافعي، وإليه ذهب الجمهور كما حكاه القاضي وغيره أنه لا [يصام] (٣) عن ميت لا نذر ولا غيره وهو الجديد من مذهبه، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر, وابن عباس وعائشة ورواية عن الحسن والزهري، وبه قال مالك وأبو حنيفة (٤).

стр. 2700

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →