مباح في حقه [وقال إِمام الحرمين (١): بل قربة] (٢) خص بذلك من بين أمته، إكراماً وتخفيفاً في حقه، لا تشديداً عليه.
وقد اختلف السلف من الصحابة فمن بعدهم فيه على أقوال.
أحدها: أنه لا حرج فيه للقادر عليه، لحديث عائشة قالت: "نهاهم النبي ﷺ عن الوصال رحمة لهم. قالوا: إنك تواصل". الحديث متفق عليه, وهذا لا يمنع النهي عنه، وكونه مرجوحاً فعله من حيث إن الشرع سد [باب] (٣) الذرائع، ولما كان الوصال يؤدي غالباً إلى المشقة، وترك الواجب منع منه لئلا يتكلفوا ما يشق عليهم، ولهذا قال ﵊: "إني لست مثلكم"، وبهذا جزم أبو عوانة في "صحيحه" (٤) حيث قال: إنه مباح لمن أطاقه والنهي عنه للرفق.
وقال الفارقي (٥) من أصحابنا أيضاً حيث قال: هو حرام إن خشي الضعف، وإلَاّ فلا قال، وهذا لأن الصحابة كانوا قليلي العيش والطعام، فنهاهم لذلك (٦).
стр. 2732
ثانيها: جوازه، وقد فعله من الصحابة عن عبد الله بن الزبير [وابنه عامر بن عبد الله] (١) حتى روي أن عبد الله بن الزبير كان يواصل سبعة أيام حتى تتبين أمعاؤه، فإذا كان اليوم السابع أتى بصبر وسمن فتحساه حتى [تلين] (٢) الأمعاء مخافة أن تنشق بدخول الطعام فجأة فيها (٣).
ونقل ابن يونس في "شرح التعجيز": أنه فعله سبعة عشر يوماً ثم أفطر بسمن ولبن وصبر.
قال الماوردي (٤): وتأول في السمن أنه يلين الأمعاء، وفي اللبن أنه ألطف غذاء، وفي الصبر أنه يقوي الأعضاء.
وقال أبو عمر (٥): قال مالك: كان عامر بن عبد الله بن الزبير يواصل في شهر رمضان ثلاثاً قيل له ثلاثة أيام. قال: لا ومن يقوى يواصل ثلاثة أيام يومين وليلة.
ثالثها: حرمته وهو قول الجمهور، ونص عليه الشافعي وأصحابه، ولهم في المنع وجهان:
أحدهما: منع كراهة رفقاً بهم ورحمة لهم كما سلف. ولهذا لما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوماً ثم يومان. ثم رأوا
стр. 2733
الهلال فقال: "لو تأخر الهلال لزدتكم: كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا" متفق عليه (١) من حديث أبي هريرة. وفي رواية للبخاري: "كالمنكر لهم" بالراء بدل اللام، وفي رواية لهما من حديث أنس: "لو تمادى في الشهر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم" (٢).
وأصحهما: عندهم منع تحريم، لأنه لا معنى للنهي إلَاّ التحريم مع قوله ﵊: "إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا فقد أفطر الصائم". فأي وصال بقي.
رابعها: أنه يواصل إلى السحر، وبه قال ابن وهب وأحمد وإسحاق (٣)، واختاره اللخمي من المالكية لأن أكلة السحر يؤمن معها الضعف والمشقة التي لأجلها كره الوصال. وتمسك هؤلاء بالرواية السالفة، وقد تقدم الكلام عليها، والمراد منها.
وقال المتولي (٤) والروياني (٥) في "الحلية"، وابن يونس في
стр. 2734
"شرح التعجيز" من الشافعية: إن قصد بالإِمساك الوصال حرم، وإلَاّ فلا.
قال الروياني: وعلى كلا الوجهين في أن الكراهة للتحريم أو للتنزيه لو خالف، وفعل لم يكن صائماً، بل يكون مفطراً ممسكاً, لأن الفطر يحصل بدخول الليل نوى الإِفطار أو لم ينوه (١).
تنبيه: لا يفسد الصوم بالوصال قطعاً، لأن النهي لا يعود إلى الصوم.
[الخامس] (٢): قولهم: "إنك تواصل" فيه معارضة المفتي إذا أفتى بخلاف حاله، ولم يعلم المستفتي بسر المخالفة، فيؤخذ منه أن الأتباع إذا رأوا من متبوعهم شيئاً مخالفاً لما أمرهم به أو نهاهم عنه سألوه عنها، وأن المتبوع يبينه لهم، ويذكر لهم علته.
سادسها: في الحديث ما خص الله -تعالى- به نبيه -عليه أفضل الصلاة والسلام- من الأحكام دون غيره تكريماً له، وتشريفاً ولطفاً وتعريفاً لقدره وتبيناً لعظيم رتبته عند ربه -تعالى- فإن الوصال من خصائصه كما أسلفناه، ولا خلاف فيه في حقه.
سابعها: فيه أيضاً بيان قدرة الله على اتخاذ المسببات العاديات من غير سبب ظاهر للخلق، وإن كان له سبب خفي لا يعلمه إلَاّ الخواص؛ لأنه لو كان السبب في وصاله ﵊ ظاهراً لما سألوه [عنه] (٣) ولما احتاج إلى البيان لهم.
стр. 2735
٣٧ - باب فضل الصيام وغيره
ذكر فيه ﵀ ثمانية أحاديث:
الحديث الأول
١٩٧/ ١/ ٣٧ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: "أخبر رسول الله ﷺ أني أقول: والله لأصومن النهار، ولأقومن الليل، ما عشت. فقال رسول الله ﷺ : "أنت الذي [تقول] (١) ذلك؟ " فقلت له: قد قلته، بأبي أنت وأمي [(٢)]، قال: "فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر، ونم وقم، وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر". قلت: [إني] (٣) [أطيق] (٤) أفضل من ذلك، قال: "فصم يوماً وأفطر يومين"، قلت: [إني] (٥) [أطيق] (٦) أفضل من ذلك،
стр. 2736
قال: "فصم يوماً وأفطر يوماً، فذلك صيام داود، [ ﷺ ] (١) وهو أفضل الصيام"، قلت: إني [أطيق] (٢) أفضل من ذلك، [فقال: "لا أفضل من ذلك (٣) "] (٤)، وفي رواية: [قال] "لا صوم فوق صوم [أخي] (٥) داود ﵇ (٦) -شطر الدهر- صم يوماً وأفطر يوماً" (٧).
الكلام عليه من عشرين وجهاً، والتعريف براويه سلف في الطهارة:
الأول: فيه [الإِخبار] (٨) بمحاسن الأعمال إذا لم يقصد بذلك التسميع والرياء. وربما كان ذلك داعية لغيره إلى مثله اقتداء به فيه.
الثاني: فيه جواز الحلف من غير استحلاف.
الثالث: فيه الحلف على فعل الطاعات وهو سائغ إجماعاً.
الرابع: فيه أن الكبير العالم إذا بلغه عن بعض أصحابه أمراً يخالف الأولى في حقه أو مطلقاً أن [ينبهه] (٩) ويبينه له.
стр. 2737
الخامس: [فيه] (١) إن التزام الطاعة الشاقة التي لا يستطيع القيام بها [و] (٢) الدوام عليها غير لازمة. نعم يثاب على نية ذلك.
السادس: فيه أن الإِنسان إذا سئل عما نقل [عنه] (٣) يجيب بالواقع، ولا يوري خصوصاً فيما تعلق بالعبادات.
السابع: فيه التفدية بالأباء والأمهات لكبار العلماء وصدقهم وجوابهم بأحسن العبارات.
الثامن: "ما" من قوله "ما عشت" مصدرية ظرفية أي مدة حياتي.
التاسع: قوله ﵊: "فإنك لا تستطيع ذلك" عدم الاستطاعة يطلق تارة على المتعذر أصلاً (٤)، وتارة على ما يشق فعله، وإن لم يكن متعذراً (٥) والحديث محمول على الثاني وحمل بعضهم على الأول، قوله -تعالى-: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (٦) وأخذ منه جواز تكليف المحال، وحمله بعضهم على الثاني، وهو الأقرب. قال الشيخ تقي الدين (٧): [ويمكن] (٨) أن
стр. 2738
يحمل الحديث على الممتنع: إما على تقدير أن يبلغ من العمر ما يتعذر من ذلك، وعلمه النبي ﷺ بطريق [الرفق] (١) وإما لاستحقاق الزمن الذي التزم فيه ما التزمه أموراً يتعذر فعل ذلك فيها من حيث إنه ﵊ علم أنه لا يستطيع ذلك مع القيام ببقية المصالح المرعية شرعاً.
العاشر: فيه جواز صوم الدهر غير الأيام الخمسة المنهي عنها، وهو مذهب الجمهور. وقد سرد الصوم عمر بن الخطاب قبل موته بسنتين (٢) وسرده أبو الدرداء وأبو أمامة الباهلي وعبد الله ابن عمرو (٣)، وحمزة بن عمرو، وعائشة (٤)، وأم سلمة، وأسماء بنت الصديق وجماعة من التابعين.
وقال الشافعي: إن قوي فحسن.
ومنع أهل الظاهر منه لقوله ﵊: "لا صام من صام الأبد" أو "ما صام ولا أفطر" (٥) وغير ذلك من الأحاديث.
стр. 2739
[وتأولها الجمهور] (١) على من صام الدهر، [(٢)] بالأيام المنهى [عنها] (٣).
وممن أجاب به عائشة ﵂: وهو حقيقة صوم الأبد، فإن من صام هذه الأيام مع غيرها [فهو صائم الأبد، ومن أفطرها] (٤) لم يصم الأبد، إلَاّ أن في هذا خروجاً عن الحقيقة الشرعية في مدلول لفظة "صام" [من حيث أنها] (٥) غير قابلة للصوم شرعاً، [(٦)] فإن وقعت المحافظة على حقيقة [(٧)] "الأبد" فقد وقع الإخلال بحقيقة لفظة "صام" "الأبد" شرعاً، فيجب أن يحمل ذلك على الصوم اللغوي [وإذا دار اللفظ بين حمله على] (٨) مدلول اللغة [(٩)] والشرع في [ألفاظ] (١٠) صاحب
стр. 2740
[الشرع] (١) حُمل على [الشرع مع] (٢) أن تعليق الحكم بصوم الأبد يقتضي ظاهره أن "الأبد" متعلق الحكم من حيث هو "أبد" وإذا وقع الصوم في هذه الأيام، فَعِلَّتُهُ [وقوعه] (٣) في الوقت المنهي عنه، وعليه ترتب الحكم. ويبقى ترتيبه على مسمى "الأبد" غير واقع، فإنه إذا صام هذه الأيام تعلق به [النهي] (٤) سواء صام غيرها أو أفطر، فلا يبقى متعلق [النهي] (٥) [وعِلته] (٦) صوم الأبد، بل [هو] (٧) صوم هذه الأيام، إلَاّ أنه لما كان صوم الأبد يلزم منه صوم هذه الأيام تعلق به [النهي] (٨) [لكونه ملزوماً] (٩) للمنهي عنه. فمن هنا نظر المتأولون [لهذا] (١٠) التأويل [وتركوا] (١١) التعليل بخصوص صوم الأبد، أثار ذلك كله الشيخ تقي الدين [﵀] (١٢).
ومنهم من أوَّل النهي على من تضرر به أو فوّت حقّاً.
стр. 2741
قال [المازري] (١) والقاضي عياض: وهو الأشبه ألَاّ ترى أنه قال له في رواية لمسلم: "فإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين" أي غارت "ونهكت [نفسك"] (٢) أي ضعفت، وبلغ بك الجهد منتهاه.
ومنهم من أوّل قوله (٣) "لا صام من صام الأبد" بأن معناه أنه لا يجد من مشقته ما يجدها غيره ممن صام وأفطر، فيكون من صام الأبد خبراً لا دعاءً فيكون [معنى] (٤) "لا" بمعنى "لم" كقوله -تعالى-: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾ (٥) مع أن نهي عبد الله بن عمرو وخطابه بذلك كان لِعلمه ﵊ بعجزه آخر عمره كما سلف. وقد وقع ذلك فعجز وندم على كونه لم يقبل الرخصة، بخلاف حال حمزة بن عمرو، فإنه أقره عليه لعلمه بقدرته بلا ضرر (٦).
الحادي عشر: اختلف الفقهاء في الأفضل من صوم يوم وإفطار يوم، ومن صوم الدهر غير الأيام المنهى عنها، مع اتفاقهم على جواز الأمرين، إذا لم يتضرر بواحد منهما, ولم يفوّت به حقّاً.
فاستدل من قال بأفضلية الأول بهذا الحديث، والحديث الثاني
стр. 2742
في الكتاب وهو قوي في ذلك، وهو ما صرح به المتولي من أصحابنا.
ونقله صاحب "البحر" عن بعض الأصحاب.
وخالف الغزالي فقال في "الإِحياء": بعد أن قرر استحباب صوم الدهر ودونه مرتبة أخرى، وهي صوم نصفه بأن يصوم يوماً، ويفطر يوماً وهو أشد على النفس.
واستدل من قال بأفضلية صوم الدهر بالشرط السالف: بأن العمل كلما كان أكثر كان الأجر أوفر، وهذا هو الأصل، فيحتاج فيه إلى تأويل أنه أفضل الصيام.
فقيل: إنه أفضل بالنسبة إلى حال من حاله مثل عبد الله بن عمرو ممن يتعذر عليه الجمع بين الصوم الأكثر وبين القيام بالحقوق.
وقال الشيخ تقي الدين: والأقرب عندي أن يجري على ظاهر الحديث من تفضيل صيام داود ﵇ والسبب فيه أن الأفعال متعارضة المصالح والمفاسد. وليس كل ذلك معلوماً لنا [ولا منحصراً] (١) وإذا تعارضت المصالح والمفاسد، فمقدار كل واحد منهما في الحث [و] (٢) المنع غير محقق لنا، فالطريق حينئذ أن نفوض الحكم [إلى] (٣) صاحب الشرع، ويجري ما دل عليه ظاهر
стр. 2743
اللفظ مع قوة الظاهر [هنا] (١)، وأما زيادة العمل واقتضاء القاعدة لزيادة الأجر بسببه، فيعارضه اقتضاء العادة والجبلَّة للتقصير في حقوق يعارضها الصوم الدائم، ومقادير ذلك الفائت مع مقادير الحاصل من الصوم غير معلوم لنا.
وقوله "لا صوم فوق صوم داود" (٢) يحمل على أنه لا فوق في الفضيلة المسؤول عنها (٣).
واعترض عليه ابن العطار، فقال: الذي تقتضيه الأدلة كلها وفعل الصحابة وغيرهم وتقرير حمزة وغيره. وأمره ﵊ بإكثار الصوم لمن لا يستطيع التزوج وسرده ﵊ الصوم في بعض الشهور، والإِفطار في بعضها، وتخفيف المشقة في الصوم سرداً والمشقة في تفريقه يوماً يوماً [(٤)] أن الأفضلية تختلف باختلاف الأشخاص على حسب حاجتهم إليه والقيام بحقوق الله -تعالى- وفي غيره لا يتقدر بصوم يوم ويوم، ولا بالسرد جمعاً بين الأدلة والثواب وكثرته وقلته، راجع إلى ما ذكرته، لا إلى كثرة العمل وقلته، بل إلى الإِخلاص فيه والمقاصد،
стр. 2744
فرب عمل قليل أفضل من كثير، والذي ذكر من الترجيحات إنما هو بالنسبة إلى الظاهر.
الثاني عشر: فيه استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وقد اختلف العلماء في تعيينها اختلافاً كثيراً كما سيأتي في الحديث الثالث، وهو اختلاف في تعيين الأحسن والأفضل لا غير، وليس في هذا الحديث ما يدل على تعيين شيء منها، بل فيه تعليله بأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها، وقد كان ﵊ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر [ولا] (١) يبالي من أي الشهر كان يصوم، وقد أمر ﵊ بالصوم من سُرة الشهر ومن سرره، ولا شك أن سرة الشهر وسطه فيكون المراد بالثلاثة الأيام البيض، وهي الثالث عشر وتالياه على الأصح. وجاءت مبينة في حديث في النسائي من حديث أبي ذر (٢) ﵁ ولعلمه -عليه [السلام] (٣) - نبه بسُرة الشهر، وبحديث أبي ذر هذا على أفضليتها لا على كونها ثلاثاً من كل شهر، كما نبه على صوم الاثنين
стр. 2745
والخميس (١) وسرر الشهر أوله.
وقيل: آخره، وقيل: وسطه. وقد وقع الأمر بصوم الثلاث أول الشهر (٢) ووقع آخره (٣).
وكل ذلك يبين أنه لا حرج في ذلك، وأن الاختلاف إنما هو في الأفضل الأحسن.
الثاث عشر قوله ﵊: "فإن الحسنة بعشر أمثالها" كأن المراد بالحسنة الفعلة الحسنة شرعاً، فأقيمت الصفة مقام الموصوف، وحذفت التاء هنا، وفي الآية (٤) وإن كانت القاعدة إثبات التاء من الثلاثة إلى العشرة في عدد المذكر، وحذفها مع المؤنث، "والمثل" مذكر لأن التقدير فله عشر حسنات أمثالها
стр. 2746
فحذفت لأن الأمثال في المعنى مؤنثة، لأن مثل الحسنة حسنة.
وجواب ثان: أنه أنث لإِضافته إلى مؤنث، وهو الهاء والألف التي هي ضمير مؤنث، فكان من باب سقطت بعض أصابعه وشبهه.
فائدة: نبه القرافي ﵀ على أن تضعيف الحسنات من خصائص هذه الأمة. فقال في قوله ﵊: "من صام رمضان ثم اتبعه ستّاً من شوال فكان كصيام الدهر" (١) وهو تشبيه بصائم رمضان وست من شوال من هذه الأمة بصيام الدهر من غيرها, لأن تضعيف الحسنات من خصائصها.
الرابع عشر: فيه كراهة قيام كل الليل دائماً، لرده ﵊ ذلك عليه، ولما يتعلق بفعله من الإِجحاف بوظائف من الدين وغيره عديدة. وقد صرح بالكراهة جماعة [وفرق أصحابنا] (٢) بينه وبين صوم الدهر في حق من لا يتضرر به، ولا يفوّت حقّاً بأن صلاة الليل كله لا بد فيها من الإِضرار بنفسه وتفويت بعض الحقوق، لأنه إن لم ينم بالنهار فهو ضرر ظاهر، وإن نامه فوت بعض الحقوق بخلاف من يصلي بعض الليل. فإنه يستغني بنوم باقيه، وإن نام معه شيئاً في النهار كان يسيراً لا يفوّت به حق، وكذا من قام ليلة كاملة كليلة العيدين أو غيرهما فإنه لا كراهة في ذلك، لانتفاء الضرر فيه، وتأول جماعة من المتعبدين من السلف وغيرهم رده ﵊ قيام كل الليل، والنهي عنه
стр. 2747
على الرفق بالمكلف فقط، لا على الكراهة الشرعية. ثم الاستدلال على الكراهة بالرد المذكور، عليه سؤال، وهو أن يقال: إن الرد لمجموع الأمرين وهو صيام النهار، وقيام الليل، فلا يلزم ترتبه على أحدهما. نبه عليه الشيخ تقي الدين (١).
الخامس عشر: قوله ﵊: "وذلك مثل صيام الدهر" قيل: إنه مؤول عندهم على أنه مثل أصل صيام الدهر من غير تضعيف [(٢)] فإن [(٣)] التضعيف مرتب على الفعل الحسي الواقع [في] (٤) الخارج، والحامل على هذا التأويل أن القواعد تقتضي أن المقدر لا يكون كالمحقق، وأن الأجور تتفاوت [(٥)] [بتفاوت] (٦) المصالح، أو المشقة في [الفعل] (٧) فكيف يستوي من
стр. 2748
فعل الشيء بمن قُدر فعله له، فلأجل ذلك قيل: إن المراد أصل الفعل في التقدير، لا الفعل المرتب عليه التضعيف في التحقيق، وهذا البحث يأتي في مواضع، ولا يختص بهذا [الفعل] (١)، ومن هنا يمكن أن يجاب عن الاستدلال بهذا اللفظ، وشبهه على جواز صوم الدهر (٢)، من حيث إنه ذكر الترغيب في فعل هذا الصوم، ووجه الترغيب أنه مَثَّل بصوم الدهر، ولا يجوز أن تكون جهة الترغيب عن جهة [النهي] (٣).
قال الشيخ تقي الدين (٤): وسبيل الجواب أن [النهي] (٥) -عند من قال به- متعلق بالفعل الحقيقي [وجهة] (٦) الترغيب هنا حصول الثواب على الوجه التقديري، فاختلفت جهة الترغيب وجهة
стр. 2749
[النهي] (١). وإن كان هذا الاستنباط الذي ذُكر لا بأس به، ولكن [الدليل الدال] (٢) على كراهة صوم الدهر أقوى منه دلالة، والعمل [بالأقوى] (٣) واجب، والذين أجازوا صومه حملوا النهي على [من عجز عنه أو اقترن به] (٤) لزوم تعطيل مصالح راجحة [عليه] (٥) أو متعلقة بحق الغير كالزوجة مثلاً.
السادس عشر: يؤخذ من الحديث أن الشخص لا يعمل إلَاّ ما يستطيع الدوام عليه، ويراعي في ذلك حق الله -تعالى- وحق نفسه وحق غيره، ويؤخذ منه أيضاً بذل الوسع في الاجتهاد في العبادات على حسب الطاقة، وأداء غيرها من الحقوق ومراعاة تحصيل الحسنات.
السابع عشر: يوخذ منه استدراج الشيخ المربي أتباعه في عبادات الصوم والصلاة وغيرها من الأخف إلى الأثقل، ولتتمرن نفوسهم عليها، من غير كراهة ولا ملل يؤدي إلى الترك بالكلية، وهذه سنَّة الله في وحيه ورسوله ﷺ .
الثامن عشر: يؤخذ منه مراعاته للأنبياء -عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام- في الاتباع حيث ذكرهم الله -تعالى- في كتابه
стр. 2750
وأمره بالاقتداء بهم في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١) الذين من جملتهم في الذكر داود ﷺ وفي رواية مسلم: "فصم صوم داود نبي الله، فإنه كان أعبد الناس" وفي رواية له "كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى".
التاسع عشر: فيه بيان كرم الله تعالى في تضعيف الحسنة بعشر أمثالها. وأما السيئات فلا تضاعف، بل جزاء السيئة مثلها إن لم يقترن بفعلها انتهاك حرمة شخص أو مكان أو زمان، فإن اقترن بفعلها شيء من ذلك كانت مضاعفة: كالمعاصي من أقارب الأولياء والعلماء أو فيهم وفي الأشهر الحرم وفي الأزمنة الفاضلة والمواضع الشريفة وبجوار الأولياء والصالحين.
العشرون: فيه الشفقة على الأتباع والتخفيف عنهم، وأمرهم بإعطاء النفس حقها من الراحة، وغيرها الأكل والنوم خصوصاً إذا نوى بذلك امتثال الأمر، فإن جميعه يكون طاعة وعبادة من الآمر والمأمور.
...
стр. 2751
الحديث الثاني
١٩٨/ ٢/ ٣٧ - وعنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوماً، ويفطر يوماً" (١).
الكلام عليه من وجوه:
أولها: معنى أحب إلى الله أكثره ثواباً، وأعظمه أجراً وتقديره بما ذكر (٢).
стр. 2752
ثانيها: تقدم الكلام على الصوم في الحديث قبله واضحاً فأغنى عن إعادته.
ثالثها: تقدم الكلام على قيام كل الليل أيضاً فيه، وأما قيام بعضه فسنَّة ثابتة، وأفضل قيامه في النصف الأخير، وأي وقت قام منه كان آتياً بالسنَّة، وكان فاعله ممن يجافي جنبه عن المضاجع، حتى ورد ذلك في حق من قام بين المغرب والعشاء لكن القيام بين المغرب والعشاء لا يسمى تهجداً، بل التهجد في عرف الشرع من قام بين فعل العشاء ونومه وطلوع الفجر. ووسط الليل أفضل من الأول والأخير، وإن كانت الصلاة آخر الليل مشهودة، لأن الغفلة فيه أكثر وأفضل من هذا السدس.
الرابع الخامس: كما كان داود ﷺ يفعله، ومن أطلق من أصحابنا أن الثلث الأوسط أفضل، فمراده هذا الثلث ووجه كونه أفضل ما في نومه من السدس الأخير من مصلحة الإِبقاء على النفس واستقبال صلاة الصبح وأذكار النهار بنشاط، والذي تقدم في الصوم من المعارض وارد هنا من أن زيادة العمل تقتضي زيادة الفضيلة، والكلام فيه كالكلام في الصوم من تفويض مقابلة المصالح والمفاسد إلى صاحب الشرع، ومن مصالح القيام على ما في هذا الحديث أنه أقرب إلى عدم الرياء في العمل، فإن من نام السدس الأخير فإن نفسه تكون مجموعة غير منهوكة القوى، لا يظهر عليها أثر العمل عند من يراه، وقد قيل: إن عدم النوم في السحر يصفر
стр. 2753
الوجه، ومن يخالف هذا يجعل قوله ﵊ مخصوصاً بحالة أو فاعلٍ.
واعلم أن بعض من تكلم [على] (١) هذا [الحديث] (٢) ادعى أن قوله: "وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه". يحتمل وجهين بناء على أن "الواو" لا ترتب أن ينام النصف الأول، ثم يقوم السدس الرابع والخامس. ثم ينام الأخير، وأن يكون العكس، ثم نقل الأول عن مذهب الفاروق، والثاني عن مذهب الصديق، ولا نسلم له ذلك، والاحتمال الأول متعين، والثاني هفوة.
...
стр. 2754
الحديث الثالث
١٩٩/ ٣/ ٣٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلات: "صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام" (١).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: قوله صيام هو مخفوض، وكذا ما بعده على البدل من ثلاث، ويجوز الرفع على إضمار المبتدأ، والأول أولى.
ثانيها: قوله: "أوصاني خليلي" هو إضافة تشريف، وقد سلف الكلام عليها في آخر كتاب الطهارة فراجعه.
ثالثها: فيه الحث على هذه الخصال الثلاث لقرينة الإِيصاء
стр. 2755
بها، وفي البخاري: "لا أدعهن"، ووصى ﵊[بها] (١) أيضاً أبا الدرداء، كما أخرجه مسلم (٢)، وأبا ذر، كما أخرجه النسائي (٣)، وفي المحافظة عليها التمرين للنفس على النوافل المعينة من الصوم والصلاة، لكي يدخل في الواجب [منها] (٤) بانشراح واسترواح، ولينجبر بها ما يقع فيه من نقص. وفيه أيضاً إذهاب السيئات، فإن الحسنات يذهبن السيئات، وتضعيف الحسنات كما نبه عليه في الحديث السابق. فكأن صومها يعدل صيام [الدهر] (٥)، ولعل الحكمة فيه تحصيل العلم بالفرق بين أن يصوم الشهر تقديراً وتحقيقاً.
رابعها: اختلف في تعيين هذه الأيام الثلاثة، ففسره جماعة من الصحابة والتابعين بأيام البيض، منهم عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وأبو ذر، وبه قال أصحاب الشافعي، كما حكاه عنهم النووي في "شرح مسلم" (٦).
لكن قال الروياني في "البحر": وإن صام ثلاثة غير أيام البيض فمستحب أيضاً، وهو كما قال.
واختار النخعي: آخر الشهر.
стр. 2756
واختار آخرون: ثلاثة أيام من أوله منهم الحسن، و [اختارت] (١) عائشة وآخرون: صيام السبت والأحد والأثنين من شهر، ثم الثلاثاء والأربعاء، والخميس من الشهر الذي بعده.
واختار آخرون: الاثنين والخميس وفي حديث رفعه ابن عمر أول اثنين في الشهر وخميسان [بعده] (٢)، وعن أم سلمة أول خميس، والاثنان بعده ثم الاثنان.
وقيل: أول يوم من الشهر والعاشر والعشرون, وبه عمل أبو داود، وروي أنه صيام مالك بن أنس.
وروي عنه: كراهة صوم أيام البيض.
وقال ابن شعبان: أول يوم من الشهر والحادي عشر والحادي والعشرون.
خامسها: قوله "وركعتي الضحى" (٣) فيه دلالة على استحبابها،
стр. 2757
وهو إجماع، وإنما نقل التوقف فيها عن ابن مسعود (١)، وابن عمر (٢)، وقد جاء في الحث عليها أحاديث كثيرة قد أفردها
стр. 2758
بالتصنيف الحاكم أبو عبد الله الحافظ، وقد قيل: إنها الصلاة الوسطى، كما ذكرته في الحديث الخامس من باب المواقيت، وروى ابن أبي شيبة (١) في هذا الحديث: "وأن أصلي الضحى فإنها صلاة الأوابين"، وقد [ذكرت] (٢) حديثين في تعيين ما يقرأ فيها من الشرح الصغير لمنهاج النووي فراجعه منه (٣).
стр. 2759
وصح أنهما أعني ركعتي الضحى تجزىء عن الصدقات التي تصبح في كل يوم على مفاصل ابن آدم، وهو ثلاثمائة مفصل وستون كما أخرجه مسلم (١)، ولا شك أن عدد ركعات صلاة الضحى له أكثر؟ وأقل وأوسط وأكثره ثمان، وقيل: اثني عشر ركعة (٢) , وبه جزم في "المنهاج" تبعاً "للمحرر"، وهذا الحديث بيان لأقلها، وهو ركعتان والوسط ما بينهما, وله [درجات] (٣) منها أربع.
ولا شك في سنية صلاة الضحى كما قررناه، وعدم مواظبته ﵊ لا يدل على عدم استحبابها، فإن الاستحباب بقوم بدلالة القول، وليس من شرط الحكم أن تتضافر عليه الأدلة، بل ما واظب ﷺ عليه تترجح مرتبته على هذا وعلى ما لم يواظب عليه ظاهر.
نعم قال الماوردي من الشافعية (٤): أنه لما صلاها يوم الفتح ثمان ركعات أنه آخر [مما] (٥) روي عنه من فعلها، وأنه واظب على
стр. 2760
ذلك إلى أن مات، وفيما قاله نظر، لأن أبا داود (١) روى عن
стр. 2761
عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ما أخبرنا أحد أنه رأى النبي ﷺ صلى الضحى غير أم هانىء، فإنها أخبرت بها يوم فتح مكة، ولم يره أحد صلاهن بعد.
سادسها: النوم على الوتر تقدم الكلام عليه في الحديث الثاني من باب الوتر، [وهل] (١) يقدمه أو يؤخره؟ وقد صح من حديث جابر الفرق بين من يثق من نفسه القيام آخر الليل فيؤخره وبين من لم يثق فيقدمه، كما أخرجه مسلم في صحيحه، فعلى هذا تكون وصيته ﵊ هذه مخصوصة بمن حاله كحال
стр. 2762
أبي هريرة ومن وافقه.
سابعها: يؤخذ من الحديث استحباب وصية العالم أصحابه بالمندوبات وفعلها.
ثامنها: فيه شرعية الوتر، وقد سلف في بابه الخلاف في وجوبه، والكلام عليه واضحاً.
***
стр. 2763
الحديث الرابع
٢٠٠/ ٤/ ٣٧ - عن محمد بن عباد بن جعفر قال: سألت جابر بن عبد الله ﵄: "نهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم" (١).
زاد مسلم: "ورب الكعبة".
الكلام عليه من وجوه:
الأول: في التعريف براويه وقد سلف في باب الجنابة، والراوي عنه هو: محمد بن عباد تابعي قرشي مخزومي مكي ثقة قليل الحديث.
وقوله: زاد مسلم (٢) "ورب الكعبة" الذي في مسلم "ورب هذا البيت" فكأنه نقله بالمعنى.
стр. 2764
الثاني: المراد بالنهي إفراده بالصوم كما سيأتي في الحديث الذي بعده مبيناً، وفي رواية للبخاري "يعني أن ينفرد بصومه" وبه قال من الصحابة أبو هريرة وسلمان، وهو الصحيح من مذهب الشافعي وأصحابه، وروى المزني في جامعه الكبير عنه قولاً أنه لا يكره إلَاّ لمن [(١)] إذا صامه منعه عن الصلاة التي لو كان مفطراً لفعلها.
وقال ابن الصباغ (٢): حمل الشافعي أحاديث النهي على من كان الصوم يضعفه ويمنعه من الطاعة.
وقال الماوردي (٣): مذهب الشافعي أن معنى نهي الصوم فيه أنه يضعف عن حضور الجمعة والدعاء فيها، فكل من أضعفه الصوم عن حضورها كان مكروهاً، وإلَاّ فلا بأس. وقد داوم رسول الله ﷺ على صوم شعبان، ومعلوم أن فيه جمعات كان يصومها، وكذلك رمضان. قال: فعلم أن معنى نهي الصوم فيه ما ذكرناه.
وقال الغزالي في "الأحياء": يستحب الصوم في الأيام الفاضلة الأسبوع ثم ذكر الاثنين والخميس والجمعة. ولعله أراد الجمعة مع الخميس.
стр. 2765
وقال مالك (١): لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه، ومن يقتدي به ينهي عن صومه، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم [بصومه] (٢) وأراه كان يتحراه.
وقد قيل: إن الذي [كان] (٣) يتحرى صومه محمد بن المنكدر، وقيل: صفوان بن سليم، حكاها أبو عمرو (٤).
وهذا رأي من مالك خالفه فيه غيره، والسنة قاضية على من خالفها -والنهي ثابت من غير نسخ له، فتعين القول به-.
قال الداودي من أصحابهم: ولم يبلغ مالك هذا الحديث ولو بلغه لم يخالفه. أي فإنه يقول: كلٌّ مأخوذ من قوله ومتروك، إلَاّ صاحب هذا القبر. يشير إلى النبي ﷺ .
وأما الفاكهي منهم فقال: في هذا العذر عندي بعد شهرة هذا الحديث وانتشاره.
وقال القاضي عياض: أخذ بظاهر هذا الحديث الشافعي ولعل قول مالك إليه يرجع، لأنه إنما قال: وصومه حسن. ومذهبه معلوم في كراهة تخصيص يوم بالصوم. وهذا محتمل من معنى [ما] (٥) جاء في الحديث الآخر: لا تخصوه بصيام. عند
стр. 2766
بعضهم [وإنما] (١) حكى مالك عن من حكى صومه، وظن أنه كان يتحراه، ولم يقل مالك: إني أرى هذا, ولا أحبه، أعني تحريه. فيحمل أنه مذهبه. وهذا تأويل بعيد. وقد انصف الفاكهي منهم فقال: إنه قريب من التعسف. وظاهر قول مالك أو نصه وقوة سياقه يقتضي عدم كراهة صومه منفرداً بلا إشكال. و [قد] (٢) أشار الباجي منهم إلى أن مذهب مالك يحتمل قولة أخرى له في صيام يوم الجمعة. فوافق الحديث. وهذا ليس ببعيد، كما قال الفاكهي.
وقال الداودي في كتاب "النصيحة" ما معناه: إن النهي إنما هو عن تحريه واختصاصه دون غيره.
وأنه متى صام معه يوماً آخر [وقد] (٣) خرج عن النهي. وقد يرجح ما قاله قوله في الحديث السالف: "لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام ولا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي" (٤).
وقد اختلف العلماء في علة النهي على أقوال:
أحدها: [أنه يوم عيد] (٥) فلا ينبغي صيامه. وروى الحاكم في
стр. 2767
مستدركه من حديث أبي هريرة مرفوعاً "يوم الجمعة عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلَاّ أن تصوموا قبله أو بعده" (١) ثم قال: هذا حديث صحيح الإِسناد إلَاّ أن أبا بشر الذي في إسناده لم أقف على اسمه.
ثانيها: [أنه] (٢) يوم دعاء وذكر وعبادة من الغسل والتبكير إلى الصلاة وانتظارها واستماع الخطبة وإكثار الذكر بعدها لقوله -تعالى-: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٣) وغير ذلك من العبادات في