بعضهم [وإنما] (١) حكى مالك عن من حكى صومه، وظن أنه كان يتحراه، ولم يقل مالك: إني أرى هذا, ولا أحبه، أعني تحريه. فيحمل أنه مذهبه. وهذا تأويل بعيد. وقد انصف الفاكهي منهم فقال: إنه قريب من التعسف. وظاهر قول مالك أو نصه وقوة سياقه يقتضي عدم كراهة صومه منفرداً بلا إشكال. و [قد] (٢) أشار الباجي منهم إلى أن مذهب مالك يحتمل قولة أخرى له في صيام يوم الجمعة. فوافق الحديث. وهذا ليس ببعيد، كما قال الفاكهي.
وقال الداودي في كتاب "النصيحة" ما معناه: إن النهي إنما هو عن تحريه واختصاصه دون غيره.
وأنه متى صام معه يوماً آخر [وقد] (٣) خرج عن النهي. وقد يرجح ما قاله قوله في الحديث السالف: "لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام ولا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي" (٤).
وقد اختلف العلماء في علة النهي على أقوال:
أحدها: [أنه يوم عيد] (٥) فلا ينبغي صيامه. وروى الحاكم في
стр. 2767
مستدركه من حديث أبي هريرة مرفوعاً "يوم الجمعة عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلَاّ أن تصوموا قبله أو بعده" (١) ثم قال: هذا حديث صحيح الإِسناد إلَاّ أن أبا بشر الذي في إسناده لم أقف على اسمه.
ثانيها: [أنه] (٢) يوم دعاء وذكر وعبادة من الغسل والتبكير إلى الصلاة وانتظارها واستماع الخطبة وإكثار الذكر بعدها لقوله -تعالى-: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٣) وغير ذلك من العبادات في
يومها، فاستحب الفطر فيه ليكون أعون له على هذه الوظائف، وأدائها بنشاط وانشراح لها، والتذاذ بها من غير ملل ولا سآمة. وهو نظير صوم [يوم] (١) عرفة للحاج. فإن السنة فيه الفطر، لهذه الحكمة، وإن كانت دعوة الصائم لا ترد. فاعتنى في هذا اليوم بالصلاة دون الصوم، كما جاء في ذكر الساعة التي هي فيه: أنه لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئاً إلَاّ أعطاه إياه.
فإن قلت: لو كان الأمر على ما ذكرتم من العلة والحكمة [لم] (٢) يزل النهي والكراهة بصوم يوم قبله أو بعده لبقاء المعنى.
فالجواب: ما ذكره النووي في "شرح مسلم" (٣): أنه يحصل له بفضيلة الصوم الذي قبله أو بعده ما يجبر ما قد يحصل من فتور أو تقصير في وظائف يوم الجمعة بسبب صومه. قال: وهذا هو المعتمد في النهي عن إفراده.
وقال الفاكهي: هذا تعليل يتبادر إلى الذهن جودته. وإذا تُؤمل ضعف لزوال الكراهة بصوم [يوم] (٤) قبله أو بعده.
قال: والجواب المذكور ضعيف أيضاً لأن الجابر كذلك أعم من كونه ذكراً أو صوماً أو صدقة أو غير ذلك. فلم حصرته في الصيام دون غيره؟ قال: ثم نقول لهذا القائل: ما تقول لو أعتق
стр. 2774
المكلف رقبة أو تصدق بمال كثير ونحو ذلك، ثم أفرد يوم الجمعة بصيام هل تبقى الكراهة والحالة هذه، ويكون ذلك جابراً كما قلت.
فإن قال بزوالها فقد خرق الإِجماع فيما علمت، وإن قال: لا أنتقض التعليل.
قلت: وإذا عللنا بأنه يجبر ما يحصل من الفترة فقط، فهو ظاهر فيما إذا قدم عليه يوماً دون ما إذا أخر.
ثالثها: إن سبب النهي خوف المبالغة في تعظيمه بحيث يفتتن به كما افتتن بيوم السبت. وهذا منتقض بصلاة الجمعة وغيرها مما هو مشهور، من وظائفها وتعظيمه.
رابعها: إن سبب النهي خوف اعتقاد وجوبه، وهو منقوض أيضاً بصوم الأيام التي حض الشرع على صيامها، فإنها مشروعة للصيام والمواظبة عليها من غير كراهة ولم تترك لخوف اعتقاد وجوبها، كي ولم يبين ﵊ هذا المعنى هنا كما بينه في قيام رمضان.
خامسها: خشية أن تعظم بالصوم كما عظمت اليهود والنصارى السبت والأحد من ترك العمل، وهو باطل. فإن تعظيم يوم الجمعة ثابت مبين في الكتاب والسنة بأمور كثيرة، ولا يلزم من تعظيمه بالصوم لو كان مشروعاً التشبه بالسبتية والأحدية. فإنهم لا يعظمونه بذلك، ولو عظموه بذلك [بل] (١) لم يكن نهيه عن صومه ملزوماً للتشبه بهم ولا لازماً. بل لأمر اطلع عليه الشارع كيف وهم يعظمون
стр. 2775
سبتهم وأحدهم بالأكل والشرب. وقد روى النسائي وابن حبان والحاكم في صحيحهما (١) من حديث أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ : "كان أكثر ما يصوم من الأيام يوم السبت والأحد، وكان يقول: أنهما يوما عيد للمشركين فأحببت أن أخالفهم" ومعلوم أن يوم العيد يوم أكل وشرب، ويترك العمل والسعي في مصالحهم. وقد كانوا أمروا بيوم الجمعة كما أمرنا به فخالفوا وبدلوا، فجُعل عليهم غضباً وتغليظاً، وتعظيم يوم الجمعة معروف عندهم، لكنهم غيروا وبدلوا، والذي يقع [التشبه] بهم [فيه] (٢) ترك العمل (٣).
стр. 2776
سادسها: أنه يوم يجب صومه على النصارى ففي صومه تشبه بهم. نقله القاضي نجم الدين القمولي عن بعض فضلاء العصر.
تتمتان:
الأولى: لو أراد اعتكاف يوم الجمعة فهل يستحب له صومه ليصح اعتكافه بالإجماع أو يكره لكونه أفرده بالصوم. فيه نظر.
واحتمال الثانية لا يكره إفراد يوم الجمعة فيما إذا وافق عادة له، بأن نذر [صوم] (١) يوم شفاء مريضه أو قدوم زيد أبدًا، فوافق الجمعة، صرح به النووي في "شرح المهذب".
الوجه الثالث: قوله: "ورب الكعبة" فيه الحلف من غير استحلاف لتحقيق الأمر.
الرابع: فيه إضافة الربوبية إلى المخلوقات المعظمة تشريفًا لها وتفخيمًا.
الخامس: فيه السؤال عن العلم للعلماء.
السادس: فيه جواب المفتي بنعم.
...
стр. 2777
الحديث الخامس
٢٠١/ ٥/ ٣٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعه، إلَّا أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده" (١).
الكلام عليه قد تقدم في الحديث قبله وهو مبين المطلق فيه أيضًا وقدمنا أن الحكمة في زوال الكراهة بصوم يوم قبله أو بعده بأنه خبر لما قد يحصل فيه من فتور ونحوه.
وذكر بعضهم: أن الحكمة في زوالها بصوم يوم قبله تمرنه به فيخفف عليه مشقته لو كان مفردًا، وهذا لا يأتي في صوم يوم بعده.
وقوله ﵊: "إلَّا أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده" لا يقتضي لغة اتباعهما ليوم الجمعة وإن اقتضاه عرفًا.
стр. 2778
فإن القبلية والبعدية تصدق وإن لم يكونا تباعاً له، خصوصاً على الحكمة في كونهما جبراً لما وقع من التقصير. أما من علل بتخفيف المشقة فلا يتأتى له ذلك.
فرع: يكره له إفراد السبت أيضاً لحديث صحيح (١) فيه وادعى أبو داود نسخه، ولعل نسخه عنده بالحديث السالف في صوم [يوم] (٢) السبت والأحد, لكونهما عيدين للمشركين والمدعى إفراده بالصوم، فإذا صامهما زالت الكراهة فيهما.
стр. 2779
الحديث السادس
٢٠٢/ ٦/ ٣٧ - عن أبي عبيد مولى ابن أزهر -واسمه- سعد بن عبيد، قال: "شهدت العيد مع عمر بن الخطاب ﵁، فقال: هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم" (١).
الكلام عليه من وجوه:
أحدهما: أبو عبيد هذا تابعي مدني ثقة مات بالمدينة سنة، ثمان وتسعين، وابن أزهر هو عبد الرحمن بن أزهر بن عبد عوف ويقال لأبي عبيد هذا مولى عبد الرحمن بن عوف أيضاً، وهو ابن عمه، فإن أزهر وعوفاً أخوان، وهما ابنا عبد عوف (٢).
стр. 2780
ثانيها: قوله: "هذان يومان" [هو] (١) من باب تغليب الحاضر على الغائب، كما يقال: هذان الرجلان، وأحدهما غائب.
ثالثها: قوله: "يوم فطركم" هو مرفوع إما على أنه بدل من يومان، وإما على أنه خبر مبتدأ تقديره أحدهما.
[رابعها] (٢): وصفهما بالفطر والنسك ليبين العلة لفطرهما، وهو الفصل من الصوم واشتهار تمامه وحده بفطر ما بعده. والآخر لأجل النسك المتقرب به فيه، ليؤكل منه، ولو كان يوم صوم لم يؤكل منه ذلك اليوم، ولم يكن لنحره فيه معنى. وفيه إجابة دعوة الله التي دعا عباده إليها من تضييفه وإكرامه لأهل منى وغيرهم، بما شرع لهم من ذبح النسك، والأكل منها، [فمن] (٣) صام هذا اليوم فكأنه رد هذه الكرامة. وعبر عن علة التحريم بالأكل من النسك، ولم يعبر بأنه يوم النحر، لأنه يستلزمه، ويزيد فائدة التنبيه على التعليل.
وقيل: إن فطرهما شرع غير معلل. ونقله القرطبي عن الجمهور، وأشار أبو حنيفة (٤) بأنه معلل بما سبق.
والنسك: هنا عبارة عن الذبيحة المتقرب بها إلى الله -تعالى-.
стр. 2781
تنبيه: قد يستنبط من علة النهي عن صوم [يوم] (١) الفطر وجوب السلام من [الصلاة] (٢)، لأنه بيان لتمام العبادة، وفصل بين حالة يحرم فيها الكلام وحالة لا يحرم، فتأمله.
الخامس: في الحديث دليل على تحريم صوم يومي العيد بكل حال، سواء صامهما عن نذر أو تطوع أو كفارة أو غير ذلك من قضاء فرض أو تمتع، وهذا كله إجماع.
ولو نذر صوم يوم بعينه فوافق ذلك يوم فطر أو أضحى فلا يصومهما إجماعاً. وهل يلزمه قضاؤهما؟
فيه قولان للعلماء أصحهما: المنع لأن النهي يقتضي التحريم، والتحريم العائد على الوصف للشيء وذاته يقتضي الفساد، وإذا اقتضى ذلك لم يقتض القضاء إذ القضاء؛ لا يجب إلَاّ بأمر جديد على الراجح في الأصول.
وقال الأوزاعي (٣): مرة يقضي إلَاّ أن ينوي عدمه.
وحكاه أبو عمر (٤): عن مالك وحكى عنه رواية أخرى أنه لا يقضي إلَاّ إذا نوى القضاء. واستحبها ابن القاسم.
قال أبو عمر (٥): لأن ........................
стр. 2782
[من] (١) قصد إدخالهما نذره باطل، لأنه معصية، وإن لم يدخلهما في نذره فذلك أبعد من أن يجب عليه قضاؤهما.
وقال الليث (٢): من نذر صيام سنة صام ثلاثة عشر شهراً ويومين. شهراً لمكان رمضان، ويومين لمكان العيدين، ويصوم أيام التشريق، وتقضي المرأة حيضها.
أما إذا نذر صومهما متعمداً لعينهما، فقال الشافعي والجمهور: لا ينعقد نذره ولا قضاء عليه (٣).
وانفرد أبو حنيفة (٤) فقال: ينعقد ويلزمه قضاؤهما، قال: فإن صامهما أجزأه، وأيام التشريق عنده كذلك، ووافق أنه لا يصح صومها عن نذر مطلق.
وحكى ابن الجوزي عن [أحمد في كشف المشكل] (٥) ثلاث روايات.
إحداها: ينعقد، فإن صامه صح صومه.
ثانيها: ينعقد، ولا يصح صومه، ويقضي، ويكفر كفارة يمين.
ثالثها: يقضي، ولا يكفر.
وحجة الحنفية: أن الصوم له جهة عموم وجهة خصوص، فهو
стр. 2783
من [حيث] (١) إنه صوم يقع الامتثال به، ومن حيث إنه صوم عيد يتعلق به النهي والخروج عن [العهدة] (٢) يحصل بجهة كونه صوماً، والذي يُدَّعى من الجهتين بينهما تلازم ها هنا. ولا انفكاك. فيتمكن النهي [من] (٣) هذا الصوم. فلا يصح أن يكون قربة، فلا يصح، نذره: [فيتعلق] (٤) النهي [عن صومه بيوم] (٥) العيد، [فلا يصح مطلقاً] (٦) وهذا: بخلاف الصلاة في الدار المغصوبة، عند من يقول بصحتها، [فإن إيقاعها في مكان مغصوب ليس مأموراً به في الشريعة. والأمر فيها وجه إلى مطلق الصلاة] (٧) والنهي إلى مطلق الغصب، وتلازمهما واجتماعهما إنما هو في فعل المكلف، [المتعلق بالأمر والنهي الشرعي] (٨) فلم يتعلق النهي شرعاً، [بخصوص الصلاة فيها] (٩) بخلاف صوم العيد فإن النهي ورد عن
стр. 2784
خصوصه، فتلازمت [فيه] (١) جهة العموم (٢) والخصوص في الشريعة، وتعلق النهي بعين ما وقع به النذر، فلا يكون قربة، وتكلم الأصوليون في قاعدة تقتضي النظر في هذه المسألة، [وهي] (٣): أن النهي عند الأكثرين لا يدل على صحة المنهي عنه، وقد نقل عن محمد بن الحسن أنه يدل عليه، لأن النهي لا بد فيه من إمكان المنهي عنه، إذ لا يقال للأعمى لا تبصر (٤) فإذاً هذا المنهي عنه -أعني صوم يوم العيد- ممكن، وإذا أمكن ثبتت الصحة، وهو ضعيف، لأن الصحة [المعتبر فيها التصور الشرعي وهو ممتنع لا التصور العقلي والعادي] (٥) وكأن محمد بن الحسن يصرف اللفظ في المنهي عنه إلى المعنى الشرعي.
سادسها: فيه دلالة أيضاً على أن الخطيب يذكر في خطبته [ما يتعلق بوقته من الأحكام. فإن عمر ﵁ ذكر في خطبته] (٦) نهي النبي ﷺ عن صوم يومي العيد لمسيس حاجة الناس إلى ذلك.
سابعها: فيه أيضاً الإِيماء والتنبيه على علل الأحكام: إما
стр. 2785
بالتسمية اللازمة للوصف الشرعي وإما بما يلازمه من فعل أو حال.
ثامنها: فيه دلالة أيضاً على جواز الأكل من النسك. وقد فرق بعض الفقهاء بين الهدي والنسك. وأجاز الأكل إلَاّ من فدية [الأذى] (١) ونذر المساكين وهدي التطوع إذا عطب قبل محله، وجعل الهدي جزاء الصيد وما وجب لنقص في حج أو عمرة.
تاسعها: فيه دلالة أيضاً على أن من سمع علماً يجوز له روايته. وإن لم يأذن له المسموع منه في ذلك.
خاتمة: لم يذكر في هذا الحديث أيام التشريق، فاستدل به بعضهم، كما قال القاضي (٢) على عدم تحريم صومها. وأصح القولين عند الشافعية: تحريم صومها للمتمتع وغيره. وبه قال أبو حنيفة وأحمد وفي قول قديم: أنه يجوز صومها لعادم الهدي، بدلاً عن الثلاثة الواجبة في الحج، وهو من مذهب مالك، وهو أقوى دليلاً.
وقال الفاكهي: في أوائل الصيام يحرم اليومان بعد العيد على المشهور، والرابع مكروه.
فرع: لو حلف ليصومن العيد حنث، ولو أمسك فيه، قاله أصحابنا، وعن القفال: إنه لا بد أن يأتي بمناف للصوم في الأوقات المنهى عنها. قال الإِمام: وما أظن الأصحاب يوافقون عليه.
стр. 2786
الحديث السابع
٢٠٣/ ٧/ ٣٧ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن صوم يومين: الفطر، والنحر، وعن [اشتمال] (١) الصماء، وأن يحتبي الرجل في [ثوب واحد] (٢)، وعن الصلاة بعد الصبح والعصر" (٣).
أخرجه مسلم بتمامه. وأخرج البخاري الصوم فقط.
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: قول المصنف: وأخرج البخاري الصوم فقط، غريب منه، فقد أخرجه البخاري بهذه السياقة كلها في هذا الباب من صحيحه وترجم عليه "باب صوم [يوم] (٤) الفطر"، ثم قال عقبه:
стр. 2787
"باب [الصوم] (١) يوم النحر"، وذكر أيضاً لكن بدون "الصماء"، و "الاحتباء"، وأخرجه أيضاً في "باب ستر العورة" من كتاب الصلاة مختصراً بدون "الصوم" و"الصلاة" ولفظه: "نهى رسول الله ﷺ عن اشتمال الصماء، وأن يحتبى الرجل في ثوب، ليس على فرجه منه شيء" (٢). فاستفد ذلك، ومن العجائب أن الشيخ تقي الدين فمن بعده من الشراح لم ينبهوا على ذلك (٣).
[الثاني] (٤): في الحديث دلالة على تحريم صوم يوم الفطر والأضحى، وقد بسطنا الكلام على ذلك في الحديث قبله.
الثالث: قوله: "وعن الصماء" هو ممدود. والمراد به اشتمال الصماء على حذف مضاف، كما ثبت في رواية أخرى وهو الالتفاف في ثوب واحد من رأسه إلى قدميه، يخلل به جسده، وتسمى الشملة الصماء أيضاً.
سميت بذلك: لشدها وضمها جميع الجسد كالصخرة الصماء، ليس فيها خرق ولا صدع، ومنه صمام القارورة.
стр. 2788
وقال صاحب المطالع (١): هذا قول أهل اللغة، فأما مالك وجماعة من الفقهاء فهو عندهم الإِلتحاف بثوب واحد، ويرفع جانبه على كتفه، وهو بغير إزار فيفضي ذلك إلى كشف عورته، ونقله الفارسي في مجمعه عن تفسير الفقهاء، ثم قال: وهذا التفسير لا يشعر به لفظ الصماء، واللفظ مطابق للأول.
وجاء في رواية أبي داود (٢) من حديث ابن عمر: "ولا يشتمل اشتمال اليهود"، وفسره الخطابي: بأن يجلل بدنه بالثوب، ويسيله من غير أن [يرفع] (٣) طرفه [(٤)] قال: فإن رفع طرفه على عاتقه
стр. 2789
الأيسر كان اشتمال الصماء.
قال البغوي (١): وإلى هذا ذهب الفقهاء قال: وقد روي أنه ﵊ نهى عن الصماء: [الصماء] (٢)، اشتمال اليهود، فجعلهما شيئاً واحداً.
قال صاحب المطالع: ونهى عن اشتمال الصماء لأنه إذا أتاه ما يتوقاه، لم يمكنه إخراج يده بسرعة، ولأنه إذا أخرج يده انكشفت عورته.
وقال الشيخ تقي الدين (٣): النهي يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه يخاف منه أن يدفع إلى حالة سادة لمتنفسه، فيهلك غمَّا تحته، إذا لم تكن فيه فرجة.
стр. 2790
والآخر: أنه [(١)] إن أصابه شيء أو نابه مؤذ [(٢)] لا يمكنه أن يتقيه بيديه، لإِدخالهما إياه تحت الثوب الذي اشتمل به. وهذا هو المعنى الأول الذي أبداه صاحب المطالع.
رابعها: قوله: "وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد"، الاحتباء بالحاء المهملة هو أن يقعد الإِنسان على إليتيه، وينصب ساقيه، ويحتوي عليهما بثوب أو نحوه أو بيده، ونهى عنه لأنه إذا لم يكن عليه إلَاّ ثوب واحد ربما تحرك أو زال الثوب فتبدوا عورته، ومنه: "الاحتباء حيطان العرب" (٣)، أي ليس في البوادي حيطان فإذا أرادوا أن يستندوا احتبوا، لأن الاحتباء يمنعهم من السقوط ويصير لهم كالجدار (٤).
ويقال: [احتباء] (٥)، يحتبي احتباءً.
والأسم: الحِبْوةُ [والحُبْوَة] (٦)، والحِبْيَةُ، بالواو والياء وتضم الحاء وتكسر والجمع [حُبا وحِبا] (٧).
стр. 2791
خامسها: في الحديث كراهة اشتمال الصماء، وقد أسلفناه.
سادسها: فيه أيضاً كراهة الاحتباء في ثوب واحد، كما قررناه أيضاً، وأما الاحتباء بنصب الساقين وانضمامهما بالإِليتين ووضع يده اليمنى على اليسرى عوضاً عن الثوب المشدود، فهو جائز بل مستحب، وقد كان ﵊ يجلس محتبياً (١)، وأما الجلوس كذلك، ووضح اليدين على الأرض فهو منهي عنه لما فيه من التشبه بالكلاب (٢)، وأما نهيه ﵊ عن
стр. 2792
الاحتباء يوم الجمعة، والإِمام يخطب: فلأن الاحتباء يجلب النوم فلا يسمع الخطبة (١)، ويعرض طهارته للانتقاض.
سابعها: قوله: "وعن الصلاة بعد الصبح والعصر"، المراد صلاة لا سبب لها كما تقدم بسط الكلام عليه في باب المواقيت.
...
стр. 2793
الحديث الثامن
٢٠٤/ ٨/ ٣٧ - عن أبي سعيد الخدري أيضاً ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام يوماً في سبيل الله بَعَّدَ الله وجهه عن النار سبعين خريفاً" (١).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: "سبيل الله" الأكثر في [الشرع] (٢) [والعرف] (٣) استعماله في الجهاد، فإذا حمل عليه كانت الفضيلة فيه لاجتماع العبادتين -أعني [فضيلة] (٤) الصوم والجهاد- ويحتمل أن يراد بسبيل الله طاعته كيف كانت، ويعبر بذلك عن صحة القصد والنية فيه وبه جزم القرطبي.
стр. 2794
قال الشيخ تقي الدين: والأول أقرب إلى العرف، وإن كان ورد في بعض الأحاديث جعل الحج وسفره من سبيل الله وفي الكتاب العزيز: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١)، فهو استعمال وضعي.
ثانيها: قوله: "يوماً" [إن] (٢) أريد به واحد الأيام كان دليلاً على استحباب صومه سواء أردنا سبيل الله الجهاد أو الطاعة، حيث لا يحصل به ضعف المجاهد عن جهاده ولا طاعته، وإن أريد به جنس الصوم، وإنه لا يتقيد بعدد فينبغي أن يكون بحيث لا يضعف به عن مقصود عمله جهاد أو طاعة.
ثالثها: يؤخذ منه الحث على الصوم المطلق في كل موطن حتى في الجهاد وغيره، على ما بيناه بشرط عدم التضرر به، وتفويت حق، وعدم اختلال أمر قتاله وغيره من مهمات غزوه.
رابعها: فيه أيضاً الحث على اجتماع الفضل في الطاعات، وأنه إذا أمكن الجمع فيها كان أفضل تكثيراً للأجور.
خامسها: معنى المباعدة من النار المعافاة منها، فلا يحس بها ولا يجد ألماً -عافانا الله منها-.
والمراد بالوجه: جملة الشخص.
وعبر به عنها: لأنه أشرف ما فيه، فيؤخذ منه التعبير عن الكل بالجزء إذا كان له وجه فضيلة وشرف.
سادسها: معنى سبعين خريفاً سبعون عاماً أي مسيرة سبعين
стр. 2795
عاماً، قاله النووي وغيره، وهو مبالغة في البعد عنها, والمعافاة منها.
قال القرطبي: وكثيراً ما يجيء السبعون عبارة عن التكثير. كما قال -تعالي-: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (١).
قلت: وفي النسائي (٢) من حديث عقبة [بن عامر] (٣): "مسيرة مائة عام.
قال الشيخ تقي الدين: وإنما عبر "بالخريف" عن السنَّة: من جهة أن السنَّة لا يكون فيها إلَاّ خريف واحد، فإذا مر الخريف [مرت] (٤) السنة كلها، وكذلك لو عبر بسائر الفصول عن العام، كان سائغاً لهذا المعنى إذ ليس في السنة إلَاّ ربيع [واحد] (٥) [ومصيف] (٦)، واحد.
стр. 2796
قال بعضهم: ولكن الخريف أولى بذلك، لأنه الفصل الذي يحصل به نهاية ما بدأ من سائر الفصول، لأن الأزهار تبدو في الربيع والثمار [تتكمل] (١) صورها في [الصيف] (٢)، وفيه يبدوا نضجها، ووقت الانتفاع بها أكلاً وتحصيلاً وادخاراً في الخريف، وهو المقصود منها، فكان فصل الخريف أولى بأن يعبر به عن السنة من غيره، أي وإن كان الأصل التعبير بالشيء لا بملازمة.
وأبدى الفاكهي سراً آخر، وهو: أن السامع إذا سمع الخريف تصور أن في كل سنة فصولاً أربعة، ولا كذلك إذا عبر بالسنة، إذ ربما ذهل عن تصور ذلك، والحديث إنما أتى به في سياق الترغيب فكان ذكر الخريف أنسب لذلك، قال: ويجوز أيضاً أن يكون ﵊ عبر بذلك لما كان الخريف نصفه الأول فيه الحر، إذ هو معاقب لفصل الصيف، ونصفه الآخر فيه البرد إذ كان يلي فصل الشتاء فيتذكر العبد بذلك حر النار وزمهريرها.
فائدة: الخريف [فعيل] (٣) بمعنى مفتعل أي مخترف، وهو الزمان الذي تخترف فيه الثمار.
...
стр. 2797
٣٨ - باب ليلة القدر
ذكر فيه ﵀ ثلاثة أحاديث:
الحديث الأول
٢٠٥/ ١/ ٣٨ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ أُروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله ﷺ : "أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان [منكم] متحريها فليتحرها في السبع الأواخر" (١).
الكلام عليه من وجوه عشر:
الأول: اختلف العلماء لِمَ سميت ليلة القدر؟ على قولين:
أحدهما: لعظم قدرها وشرفها لنزول القرآن جملة فيها إلى
стр. 2798
سماء الدنيا، وهي ليلة مباركة، كما نطق به القرآن العظيم أيضاً.
الثاني: لأنها ليلة يكتب الله -تعالى- فيها للملائكة من الأقدار والأرزاق والآجال لمن تكون في تلك السنة. قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ (١).
وقيل: المراد بهذه الآية ليلة النصف من شعبان (٢)، والصحيح الأول. وقال -تعالي-: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)﴾ (٣) ومعناه يظهر للملائكة ما سيكون فيها ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم. وكل ذلك مما سبق علم الله -تعالى- به. وتقديره له.
وفيه قول ثالث: أنها سميت بذلك، لأنه [ينزل] (٤) فيها من فضل الله وخزائن مننه ما لا يقدر قدره.
وعبارة بعضهم: سميت بذلك: لأن للطاعات فيها قدراً جزيلاً، أو لأن من لم يكن له قدر وخطر يصير في هذه الليلة ذا قدر إذا أحياها، أو لأن الله أنزل فيها كتاباً ذا قدر، على رسول ذي قدر على أمة ذات قدر. أو لأنه ينزل فيها ملائكة ذو قدر وخطر ولأن الله
стр. 2799
-تعالى- قدّر فيها الرحمة على المؤمنين، أو لأن الأرض تضيق بالملائكة، لقوله: "ومن قدر عليه رزقه" أي ضيق.
الثاني: نطق القرآن العظيم بأن هذه [الليلة] (١) خير من الف شهر. فاختلف في سر تخصيصها بهذه المدة.
فقيل: إن رسول الله ﷺ ذكر رجلاً من بني إسرائيل حمل السلاح في سبيل الله ألف شهر فعجب المؤمنون من ذلك، وتقاصرت إليه أعمالهم. فأعطوا الليلة هي خير من مدة ذلك المغازي (٢).
وقيل: إن الرجل كان فيما مضى ما كان يقال له: عابد. حتى يعبد الله ألف شهر، فأعطوا ليلة إن أحيوها كانوا أحق بأن يسموا عابدين من أولئك العباد.
وروى مالك في موطئه أنه ﵊: أُري [أعمار] (٣) الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته ألَاّ يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم من طول العمر. فأعطاه الله ليلة القدر خيراً من الف شهر (٤)، وهذا أحد الأحاديث
стр. 2800
الأربعة الواقعة في الموطأ. والمطعون فيها، كما قدمنا ذلك عن ابن بزيزة في باب سجود السهو.
وروى الترمذي (١) في جامعه من حديث الحسن بن علي أنه
-﵊ أري بني أمية على منبره فساءه فنزلت: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ يا محمد يعني نهراً في الجنة ونزلت: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ إلى قوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ يملكها بعدك بنو أمية.
قال القاسم بن الفضل أحد رواته: فعددناها فإذا هي ألف شهر لا تزيد يوماً ولا تنقص [يوماً] (١).
قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلَاّ ن هذا الوجه، ويوسف بن سعد الذي في إسناده: مجهول.
وقال ابن العربي (٢) في القبس: حديث لا يصح. قال وما رواه مالك أصح وأولى.
فائدة: عظم الله -تعالى- القرآن فيها بقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ من ثلاثة أوجه نبه عليها الزمخشري (٣).
أحدها: إنه أحال تنزيله إليه تعالى خصوصاً.
ثانيها: أنه أتى به مضمراً لا مظهراً، تنبيهاً على أنه أنبه وقدره أعظم من أن يقتصر إلى إظهاره.
стр. 2803
ثالثها: أنه [رفع] (١) من مقداره الوقت الذي أُنزل فيه بسبب كونه ظرفاً لنزوله.
الوجه الثالث: أجمع من يعتد به من العلماء على دوام ليلة القدر ووجودها إلى آخر الدهر وشذ قوم فقالوا: كانت خاصة برسول الله ﷺ ثم رفعت. وعزاه الفاكهي إلى أبي حنيفة، وهو غريب، وإنما هو معزى إلى الروافض واستدلوا بقوله ﵊ حين تلاحى الرجلان "فرفعت" وهو غلط، فإن آخر الحديث يرد عليهم فإنه قال ﵊ بعد قوله: "فرفعت وعسى أن يكون خيراً لكم التمسوها في السبع والتسع والخمس" (٢) كذا هو في أوائل صحيح
стр. 2804
البخاري (١) في باب: خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر، ورواه هنا أيضاً إلَاّ أن لفظة "فالتمسوها" في التاسعة والسابعة والخامسة وهو صريح في أن المراد برفعها بيان علم عينها. ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها، وقريب من هذا قول بعضهم أنها مخصوصة برمضان بعينه. كان ذلك الزمن، حكاه الفاكهي ثم قال: هو باطل لا أصل له.
ثم اختلف العلماء بعد ذلك في انتقالها على قولين:
أحدهما: أنها تعم فتكون في سنة في ليلة، وفي أخرى، في ليلة أخرى، وهكذا أبداً. قالوا: فإنما ينتقل في شهر رمضان وجمهورهم قالوا: إنها تنتقل من العشر الأخير خاصة. وبهذا يجمع بين الأحاديث. ويقال في كل حديث أنه جاء في أحد أوقاتها ولا تعارض فيها.
وفيه أيضاً الحث على إحياء جميع تلك الليالي، وهذا نحو قول مالك والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وغيرهم. وقال به أيضاً المزني وابن خزيمة: وهو قوي.
والثاني: أنها معينة لا تنتقل أبداً، بل هي ليلة معينة في جميع السنين، لا تفارقها، وهو مشهور مذهب الشافعي ﵀.
стр. 2805
ثم اختلف هؤلاء على أقوال كثيرة:
أحدها: أنها في السنة كلها. وممن قال به ابن مسعود (١) وأبو حنيفة وصاحباه. وقريب منه: أنها ليلة النصف من شعبان، حكاه القرطبي.
ثانيها: أنها من شهر رمضان كله. وهو قول ابن عمر وجماعة من الصحابة وروي مرفوعاً أيضاً. قال -تعالى-: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٢) فجعله [محلاًّ عامًّا في لياليه وأيامه لنزول القرآن، ثم قال -تعالي-: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ (٣) فجعله خاصًّا بليلة القدر منه.
ثالثها: أنها في العشر الوسط والأواخر.