-﵊ أري بني أمية على منبره فساءه فنزلت: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ يا محمد يعني نهراً في الجنة ونزلت: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ إلى قوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ يملكها بعدك بنو أمية.
قال القاسم بن الفضل أحد رواته: فعددناها فإذا هي ألف شهر لا تزيد يوماً ولا تنقص [يوماً] (١).
قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلَاّ ن هذا الوجه، ويوسف بن سعد الذي في إسناده: مجهول.
وقال ابن العربي (٢) في القبس: حديث لا يصح. قال وما رواه مالك أصح وأولى.
فائدة: عظم الله -تعالى- القرآن فيها بقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ من ثلاثة أوجه نبه عليها الزمخشري (٣).
أحدها: إنه أحال تنزيله إليه تعالى خصوصاً.
ثانيها: أنه أتى به مضمراً لا مظهراً، تنبيهاً على أنه أنبه وقدره أعظم من أن يقتصر إلى إظهاره.
стр. 2803
ثالثها: أنه [رفع] (١) من مقداره الوقت الذي أُنزل فيه بسبب كونه ظرفاً لنزوله.
الوجه الثالث: أجمع من يعتد به من العلماء على دوام ليلة القدر ووجودها إلى آخر الدهر وشذ قوم فقالوا: كانت خاصة برسول الله ﷺ ثم رفعت. وعزاه الفاكهي إلى أبي حنيفة، وهو غريب، وإنما هو معزى إلى الروافض واستدلوا بقوله ﵊ حين تلاحى الرجلان "فرفعت" وهو غلط، فإن آخر الحديث يرد عليهم فإنه قال ﵊ بعد قوله: "فرفعت وعسى أن يكون خيراً لكم التمسوها في السبع والتسع والخمس" (٢) كذا هو في أوائل صحيح
стр. 2804
البخاري (١) في باب: خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر، ورواه هنا أيضاً إلَاّ أن لفظة "فالتمسوها" في التاسعة والسابعة والخامسة وهو صريح في أن المراد برفعها بيان علم عينها. ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها، وقريب من هذا قول بعضهم أنها مخصوصة برمضان بعينه. كان ذلك الزمن، حكاه الفاكهي ثم قال: هو باطل لا أصل له.
ثم اختلف العلماء بعد ذلك في انتقالها على قولين:
أحدهما: أنها تعم فتكون في سنة في ليلة، وفي أخرى، في ليلة أخرى، وهكذا أبداً. قالوا: فإنما ينتقل في شهر رمضان وجمهورهم قالوا: إنها تنتقل من العشر الأخير خاصة. وبهذا يجمع بين الأحاديث. ويقال في كل حديث أنه جاء في أحد أوقاتها ولا تعارض فيها.
وفيه أيضاً الحث على إحياء جميع تلك الليالي، وهذا نحو قول مالك والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وغيرهم. وقال به أيضاً المزني وابن خزيمة: وهو قوي.
والثاني: أنها معينة لا تنتقل أبداً، بل هي ليلة معينة في جميع السنين، لا تفارقها، وهو مشهور مذهب الشافعي ﵀.
стр. 2805
ثم اختلف هؤلاء على أقوال كثيرة:
أحدها: أنها في السنة كلها. وممن قال به ابن مسعود (١) وأبو حنيفة وصاحباه. وقريب منه: أنها ليلة النصف من شعبان، حكاه القرطبي.
ثانيها: أنها من شهر رمضان كله. وهو قول ابن عمر وجماعة من الصحابة وروي مرفوعاً أيضاً. قال -تعالى-: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٢) فجعله [محلاًّ عامًّا في لياليه وأيامه لنزول القرآن، ثم قال -تعالي-: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ (٣) فجعله خاصًّا بليلة القدر منه.
ثالثها: أنها في العشر الوسط والأواخر.
стр. 2806
رابعها: أنها في العشر الأواخر. وادعى الماوردي الاتفاق عليه (١).
خامسها: أنها خاصة بأوتاره.
سادسها: أنها في أشفاعه (٢) وادعت ذلك الأنصار في تفسير قوله ﵊ "من تاسعة تبقى" قالوا هي ليلة عشرين قالوا: "ونحن أعلم بالعدد منكم".
سابعها: أنها في ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين. وهو قول ابن عباس (٣).
ثامنها: أنها تطلب ليلة سبعة عشرة (٤) أو إحدى وعشرين
стр. 2807
أو ثلاث وعشرين، وحُكِي عن علي وابن مسعود وروي مرفوعاً.
تاسعها: أنها ليلة ثلاث وعشرين وهو قول كثير من الصحابة وغيرهم.
عاشرها: أنها ليلة أربع وعشرين، وهو محكي عن بلال وابن عباس والحسن وقتادة (١).
الحادي عشر: أنها ليلة سبع وعشرين وهو قول جماعة من الصحابة منهم أُبي (٢) وقال: أخبرنا رسول الله ﷺ بآية: أن الشمس تطلع من صبيحتها بيضاء لا شعاع لها كأن الأنوار المفاضة في الخلق
стр. 2808
تلك الليلة تغلبها. وكان ابن عباس (١) يحلف أنها ليلة سبع وعشرين، وينزع في ذلك بإِشارة عليها بني الصوفية عقدهم في كثير من الأدلة، فنقول: إذا عددت حروف ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ فقولك: "هي" هو الحرف السابع والعشرون (٢)، ووافقه على هذا الاستنباط أُبي بن كعب
стр. 2809
أيضاً. وزاد بأن لفظة ليلة القدر تكررت في السورة ثلاث مرات وهي تسعة أحرف. وتسعة في ثلاثة: سبعة وعشرون. وروي هذا أيضاً عن ابن عباس، وحكى هذا القول الروياني في الحلية عن أكثر العلماء.
الثاني عشر: أنها ليلة سبع عشرة وهو محكي عن زيد بن أرقم وابن مسعود (١) أيضاً ورواه مرفوعاً. وقاله ابن الزبير (٢) أيضاً وإلى ذلك إشارة من كتاب الله -تعالى- وهو قوله -تعالى-: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ وذلك ليلة سبع عشرة من رمضان. قاله ابن العربي (٣).
الثالث عشر: أنها ليلة تسع عشرة. وحُكِي [عن] (٤) ابن مسعود وعليَّ أيضاً (٥).
الرابع عشر: أنها آخر ليلة من الشهر (٦).
стр. 2810
الخامس عشر: أنها ليلة النصف (١).
السادس عشر: أنها معينة عند الله، غير معينة عندنا، حكاهما القرطبي. ورأيت من نقل عن ابن عباس أنه قال: لا تكون إلَاّ في ليلة جمعة في وتر. وسمعت من يعزي إلى بعض الصلحاء أنها تكون فيه أرجى. وأرجاها عند الشافعي ليلة الحادي والعشرين لحديث أبي سعيد الآتي. أو الثالث والعشرين لحديث عبد الله بن أنيس في
стр. 2811
صحيح مسلم، وقال الشافعي في القديم: إحدى أو ثلاث وعشرين ثم سبع وعشرين. وقال القاضي: ما في ليلة من ليالي العشر إلَاّ وقد روي أنها هي، لكن ليالي الوتر أرجاها.
تتمات:
الأولى: المعروف أن هذه الليلة ترى حقيقة. وقول المهلب بن أبي صفرة من المالكية أنه لا يمكن [رؤيتها] (١) حقيقة غلط.
الثانية: روى البيهقي (٢) في كتابه فضائل الأوقات عن الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة قال: "ذقت ماء البحر ليلة سبع وعشرين من رمضان، فإذا هو عذب".
وذكر ابن عبد البر (٣) أن زهرة بن معبد قال: أصابني احتلام في أرض العدو وأنا في البحر ليلة ثلاث وعشرين من رمضان، فذهبت، فسقطت في الماء، فإذا هو عذب. فأعلمت أصحابي أني في ماء عذب.
وحكى أهل الزهد أيضاً أن جماعة منهم سافروا في البحر [في رمضان فلما كانت ليلة ثلاث وعشرين سقط أحدهم من السفينة في البحر] (٤) فجرجر الماء في حلقه. فإذا به حلو. وكأن ما ينزل من السماء في تلك الليلة من البركة والرحمة يقلب الإِجاج الملح عذباً، فما ظنك بها إذا وجدت ذنباً.
стр. 2812
الثالثة: قال البيهقي في الكتاب (١) المذكور: روي في حديثين ضعيفين صفة الهواء ليلة القدر في أحدهما أنها ليلة سمحة طلقة، لا حارة ولا باردة، تصبح شمسها ضعيفة حمراء. وفي الحديث الآخر معناه.
وقال ابن عبد البر (٢): قال رسول الله ﷺ : " [إن] (٣) أمارة ليلة القدر أنها صافية [بلجة] (٤) كأن فيها قمراً ساطعاً، ساكنة [ساجية] (٥)، لا برد فيها ولا حر، ولا يحل كوكب أن يرمى به فيها
стр. 2813
حتى يصبح، وأن أمارة الشمس أن تخرج صبيحتها مستوية ليس لها شعاع، مثل القمر ليلة البدر، ولا يحل للشيطان أن يطلع معها يومئذ". قال أبو عمر: وهو حديث حسن غريب.
الرابعة: الحكمة في إخفاء هذه الليلة أن يجتهد الناس في طلبها رجاء إصابتها، فهي كالساعة في يوم الجمعة، وكالساعة في الليل، وكالصلاة الوسطى، وكالاسم الأعظم على القول بذلك. وكما أخفى تعالى رضاه في طاعته وغضبه في معصيته ووليه في خلقه كما في الحديث.
الخامسة: هذه الليلة أفضل ليالي السنة (١)، وهي مختصة بهذه
стр. 2814
الأمة. ولم تكن لمن [قبلنا] (١).
قال صاحب "العدة": من أصحابنا وهو الاصح فأشعر بحكاية خلاف في الاختصاص (٢).
стр. 2815
السادسة: قال الشافعي في القديم: ويجتهد في يومها كليلتها.
قال الماوردي (١): ويسن لمن رآها كتمها.
السابعة: قال مالك بلغني أن سعيد بن المسيب كان يقول: "من شهد العشاء من ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها" قال ابن عبد البر: وهذا من سعيد لا يكون إلَاّ توقيفاً. ومراسيل سعيد أصح المراسيل (٢).
الثامنة: يستحب أن يكثر فيها من قول: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" للحديث الصحيح (٣) فيه، قال
стр. 2816
البيهقي (١) في كتابه السالف: طلب العفو من الله -تعالى- مستحب في جميع الأوقات، وخاصة في هذه الليلة، ثم روي بإسناده إلى ابن عمرو بن أبي جعفر (٢) قال: سمعت أبا عثمان سعيد بن إسماعيل (٣) كثيراً يقول في مجلسه وفي غير المجلس: عفوك، ثم يقول: عفوك يا عفو، عفوك في المحيا، عفوك في [الممات، وفي القبور عفوك، وعند النشور عفوك، وعند تطاير الصحف عفوك] (٤)، وفي القيامة عفوك وفي مناقشة الحساب عفوك، [وعند ممر الصراط عفوك، وعند الميزان عفوك، وفي جميع الأحوال عفوك، يا عفو عفوك] (٥)، قال أبو عمرو: فرأى أبا عثمان
стр. 2817
في المنام بعد وفاته بأيام، قيل له: بماذا انتفعت من أعمالك [في الدنيا؟] (١)، فقال: بقولي، عفوك عفوك.
الوجه الرابع: معنى قوله ﵊: "تواطأت"، توافقت وهو مهموز. قال -تعالى-: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾ (٢) وينبغي كتابة تواطأت بألف بين الطاء والتاء صورة للهمزة، وإن كان في كل النسخ بحذفها، نبه عليه النووي في "شرح مسلم" (٣).
الخامس: قوله ﵊: "فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر"، "التحري" الاجتهاد، ومعناه فليجتهد في طلبها حينها وزمانها.
السادس: في الحديث دلالة على عظم الرؤيا والاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجوديات، وعلى ما لا يخالف القواعد الكلية من غيرها، فلو رأى النبي ﷺ في المنام، وأمره بأمر هل يلزمه ذلك؟
فقيل: إما أن يكون مخالفاً لما ثبت عنه ﷺ من الأحكام في اليقظة أو لا، فإن كان مخالفاً عُمل بما ثبت في اليقظة، لأنا -وإن
стр. 2818
قلنا بأن من رأى النبي ﷺ على الوجه المنقول من صفته فرؤياه حق- فهذا من باب تعارض الدليلين، والعمل بأرجحهما. وما ثبت من اليقظة فهو أرجح، وإن كان غير مخالف لما ثبت في اليقظة ففيه خلاف، نقل ذلك كله الشيخ تقي الدين عن الفقهاء (١).
واعترض الفاكهي على ما ذكره من كون هذا من باب تَعَارُضِ الدليلين.
فقال لقائل، أن يقول ليس هذا منه إذ النسخ لا يتصور بعده ﵊ في منام ولا يقظة، وإنما يقال: تَعَارُضَ الدليلان إذا تساويا في الأصل، ولا مساواة ها هنا لما ذكرناه، قال: وحكاية الخلاف في الثاني لا أدري كيف يتصوره مع عدم المخالفة ألا ترى أنه لو قال له ﵊ في منامه حافظ على الصلوات، وأداء الزكاة ونحو ذلك مما تقرر في الشريعة هل يتصور الخلاف فيه أو يعقل إلَاّ أن يراد أنه ﵊ أمره بشيء لم يتقرر له حكم في الشرع، فهذا محتمل.
قال الشيخ تقي الدين: والاستناد إلى الرؤيا هنا أمر ثبت استحبابه مطلقاً، في طلب ليلة القدر، وإنما ترجح السبع الأواخر بسبب المرائي الدالة على كونها في السبع الأواخر، وهو استدلال على أمر وجودي لزمه استحباب أمر شرعي مخصوص بالتأكيد، بالنسبة إلى هذه الليالي، مع كونه غير منافٍ للقاعدة الكلية الثابتة، من استحباب طلب ليلة القدر، وقالوا: يستحب في جميع الشهر.
стр. 2819
السابع: في الحديث دلالة على أن "ليلة القدر" في شهر رمضان، وهو مذهب الجمهور.
وقيل: إنها في جميع السنَّة، كما تقدم ويلزمه أنه لو قال في رمضان لزوجته: أنت طالق ليلة القدر لم تطلق، حتى يأتي عليها سنة، لأن كونها مخصوصة برمضان مظنون، وصحة النكاح معلومة، فلا تزال إلَاّ بيقين، وهو مضي سنة. قال الشيخ تقي الدين: وفي هذا نظر، لأنه إذا دلت الأحاديث على اختصاصها بالعشر الأواخر، كان إزالة النكاح بناء على مستند شرعي، وهو الأحاديث الدالة على ذلك، والأحكام المقتضية لموضوع الطلاق يجوز أن تبنى على أخبار الآحاد، ويرفع بها النكاح، ولا يشترط في رفع النكاح أو أحكامه أن يكون مستنداً إلى خبر متواتر، أو أمر مقطوع به اتفاقاً. نعم، ينبغي أن ينظر إلى دلالة ألفاظ الأحاديث الدالة على اختصاصها بالعشر الأواخر، ومرتبتها في الظهور والاحتمال، فإن ضعفت دلالتها، فلما قيل وجه.
قلت: وتحرير مذهبنا في هذه المسألة وهي ما إذا قال لها: أنت طالق ليلة القدر أنه إن قاله قبل مضي أول ليالي العشر الأخير يقع بمضيها، وإن قاله: بعد مضي أول ليلة من ليالي العشر الأخير فيقع بمضي سنة هذا هو الصواب، وإن وقع في الحاوي الصغير وغيره ما يخالفه.
الثامن: فيه أيضاً لمن رجح في ليلة القدر غير ليلة الحادي والعشرين، والثالث والعشرين وفي رواية
стр. 2820
لمسلم (١)، قال: رأى رجل أن ليلة القدر سبع وعشرين. فقال ﵊: "أرى رؤياكم [قد تواطأت]، في العشر الأواخر، فاطلبوها في الوتر منها".
التاسع: فيه أيضاً دلالة على العمل بقول الأكثر، والكثير في الرؤيا وغيرها من الأحكام بشرط أن لا يخالف نصّاً ولا إجماعاً، ولا قياساً جليّاً.
العاشر: أيضاً الأمر بطلب الأحرى والصواب لمن أراده.
...
стр. 2821
الحديث الثاني
٢٠٦/ ٢/ ٣٨ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر" (١).
الكلام عليه من وجوه:
الأول (٢): فيه دلالة على طلب ليلة القدر من ليالي الوتر من
стр. 2822
العشر الأواخر مع دلالته على ترجيح انحصارها فيه.
[الثاني] (١): فيه أيضاً الأمر بالاجتهاد في طلبها.
الثالث: فيه أيضاً الإِرشاد من غير استرشاد.
والرابع: فيه أيضاً عدم اختصاص ليلة القدر بالسبع الأواخر.
...
стр. 2823
الحديث الثالث
٢٠٧/ ٣/ ٣٨ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عاماً، حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين -وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه (١) - قال: "من اعتكف معي فليعتكف
стр. 2824
العشر الأواخر، فقد رأيت هذه الليلة، ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر". فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فوكف المسجد، فأبصرت عيناي رسول الله ﷺ وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين (١).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: قوله: "كان يعتكف العشر الأوسط" قال الشيخ تقي الدين: الأقوى فيه أن يقال: "الوُسُط" والوسَط بضم السين أو فتحها، وأما "الأوسط" فكأنه تسمية لمجموع تلك الليالي والأيام، وإنما رجح الأول لأن "العشر" اسم الليالي فيكون وضعها الصحيح جمعاً لائقاً بها.
وقال الفاكهي: يقال: العشر "الأوسط" "والوسط" بضم الواو. وكذا رأيته بخط ابن عصفور أعني "الوسط" قال: ووجهه أن "العشر اسم مجموع الليالي العشر، فهو كالآخر في جمع أخرى، ووجه
стр. 2825
"الأوسط" إرادة انقسام الشهر إلى ثلاثة أعشار. وقال: الأول كأنه الأصل.
وقال النووي في "شرح مسلم" (١): [كذا هو] (٢) في جميع النسخ "العشر الأوسط"، والمشهور في الاستعمال تأنيث "العشر"؛ كما قال في أكثر الأحاديث "العشر الأواخر". وتذكيره أيضاً لغة صحيحة باعتبار الأيام أو الوقت والزمان، ويكفي في صحتها ثبوت استعمالها في الأحاديث الصحيحة.
الثاني: قوله "من رمضان" فيه استعمال رمضان من غير ذكر الشهر [وهو الأصح] (٣) كما سبق في أول الصيام.
الثالث: سميت السنَّة عاماً لأنه مصدر عام، إذا سبح يعوم عوماً وعاماً. فالإِنسان يعوم في دنياه على الأرض طول حياته حتى يأتيه الموت فيغرق فيه. وكأن استعمال العام أولى من السنَّة. فإن السنَّة عندهم قد تكون علماً [على] (٤) الجدوبة والقحط يقال: سنت القوم إذا أصابتهم الجدوبة يقلبون الواو ياء.
الرابع: قوله "أريت هذه الليلة" يحتمل أن يكون بمعنى علمتها وبمعنى أبصرت علامتها. قاله الباجي (٥).
стр. 2826
وعند البخاري (١) من حديث أبي سعيد: "أن جبريل أخبره بأنها في العشر الأواخر". وقوله "ثم أنسيتها" فيه دلالة على أن الأولى إذا كان ذاكراً للشيء ثم نسيه أن يقول: أُنسيته. ولا يقول: نسيته. وجاء في رواية مسلم (٢) وإني "نسيتها" أو "أُنسيتها".
الخامس: قوله: "فمطرت السماء" يقال: "مطرت" و"أمطرت" لغتان صحيحتان كما تقدم بسطه في باب الاستسقاء.
السادس: "العريش" سقف البيت وكذلك عرشه، وكل ما يستظل به. والمراد: كان سقف [المسجد] (٣)، عريشاً يستظل به، لا يمسك ماء المطر. ويكون تقدير الحديث: وكان سقف [المسجد] (٤) على عريش. على حذف المضاف.
وقال المحب الطبري في "أحكامه": لعله يريد أنه كان على مثل العريش.
[قلت] (٥): وفي رواية لمسلم "فمطرنا حتى سال سقف المسجد وكان من جريد النخل" وفي رواية للبخاري: "وكان سقف [المسجد] (٦) جريد النخل، ما نرى في السماء شيئاً، فجاءت قزعة فأمطرنا" وفي رواية له "وكان سقف المسجد عريشاً".
стр. 2827
[السابع] (١): العريش يطلق على أمور:
أحدها: ما يستظل به كما في هذا الحديث.
ثانيها: عريش الكَرْم.
ثالثها: شبه الهودج وليس به يتخذ ذلك للمرأة تقعد فيه على بعيرها.
رابعها: خيمة من خشب وثمام. وقد قدمت أنه كل ما يستظل به. والجمع: عريش مثل قليب.
قال الجوهري (٢): ومنه قيل لبيوت مكة العُرُش، لأنها عيدان تنصب ويظلل عليها، وفي الحديث (٣) "تمتعنا مع رسول الله ﷺ وفلان كافر بالعرش".
ومن قال: عُرُوشٌ. فواحدها: عَرْشٌ. مثل فَلْسٍ وفُلُوسٍ، ومنه الحديث كان (٤) ابن عمر "يقطع التلبية إذا نظر عروش مكة".
وأما عرش: -بضم العين- فهو أحد عروشي العنق، وهما لحمتان مستطيلتان من ناحيتي العنق.
الثامن: قوله: "فوكف المسجد" أي قطر ماء المطر من سقفه يقال: وَكَف البيت، يَكِفُ، وَكْفاً، ووكوفاً، إذا قطر. ووكَفَ الدمع وكيفا ووَكَفانا بمعنى قطر.
стр. 2828
[الثامن] (١): في الحديث دلالة على استحباب الاعتكاف في رمضان، وأن العشر الأوسط منه للاعتكاف فيه أفضل من الأول وفي الآخر أفضل من الأوسط.
التاسع: فيه دلالة أيضاً لمن رجح ليلة إحدى وعشرين في طلب ليلة القدر. ومن ذهب إلى انتقالها فله أن يقول: كانت في تلك السنة هذه الليلة. ولا يلزم من ذلك أن تترجح هذه الليلة مطلقاً. وقد ورد في بعض الروايات ما يدل على أن اعتكافه ﵊ في العشر الأوسط كان لطلب ليلة القدر قبل أن يعلم أنها في العشر الأواخر.
العاشر: فيه دلالة أيضاً على أن الليلة أُخلقت. قد يراد بها الماضية التي اليوم بعدها. وقد يراد بها الآتية. فإذا أريد أحدهما قيد كما فعل الراوي في قوله: "وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه" لكن المشهور في استعمال الشرع واللغة إنما تستعمل عند الإِطلاق من الماضية. واستعملها بعض الظاهرية في الآتية [وإن ليلة اليوم متأخرة عنه لا سابقة عليه] [واختاره ابن دحية وأطنب فيه] (٢) وقد حكى الخلاف في المسألة من الشافعية المحب الطبري في "شرحه للتنبيه" من أوائل الحيض منه.
فائدة: يقال: فعلنا الليلة كذا، من طلوع الفجر ما لم تزل الشمس. فإذا زالت قيل: فعلنا البارحة.
стр. 2829
الحادي عشر: فيه دلالة أيضاً على أن السنَّة للمصلي أن لا يمسح جبهته في الصلاة، وهو محل اتفاق.
الثاني عشر: قد يستدل به بعض الحنفية على أن مباشرة الجبهة بالمصلى في السجود غير واجب، حتى لو سجد على كور العمامة كالطاقة والطاقتين صح، وهو مذهب مالك، وإن كان مكروهاً عندهم.
ووجه الاستدلال: أنه إذا سجد في الماء والطين ففي السجود الأول تعلق الطين بالجبهة، فإذا سجد السجود الثاني كان الطين الذي تعلق بالجبهة من السجود الأول حائلاً في السجود الثاني عن مباشرة الجبهة بالأرض. وجواب هذا من وجهين:
أحدهما: أنه يحتمل أن يكون مسح ما تعلق بالجبهة أولاً قبل السجود الثاني لو كان. كيف ولفظ الحديث: "فأبصرت عيناي رسول الله ﷺ وعلى جبهته أثر الماء والطين" وأثر الشيء غيره , وهذا احتمال ليس ببعيد، وإن استبعده الفاكهي لأجل مذهبه السالف.
الثاني: أنه محمول لو سلم أنه طين على شيء يسير، لا يمنع مباشرة الجبهة الأرض. والرواية الثابتة في صحيح مسلم "وجبينه ممتلئاً طيناً" ربما لا يخالف ما تأولناه فإن الجبين غير الجبهة فالجبينان يكتفان الجبهة. ولا يلزم من امتلأ الجبين امتلأ الجبهة، كذا أجاب به النووي في "شرح مسلم" (١).
يقال بالالتزام: فإنها أمَسَّ للأرض منهما.
стр. 2830
ومذهب الشافعي وموافقيه: منع السجود على حائل متصل بالجبهة من غير عذر.
الثالث عشر: قال الباجي من المالكية: في أن الصلاة في الطين جائزة. وقد اختلف قول مالك في ذلك، فقال مرة: لا يجزيه حتى ينزل بالأرض ويسجد عليها. وقال مرة: بحرية الإِيماء. ولعل اختلاف قوله لأجل اختلاف الأحوال وكثرة الطين وقلته، هذا كلامه ومحل الخلاف الذي حكاه عن مالك في الطين الجصاص الذي يضر بالمصلي ويفسد ثيابه، فأما مسجده -عليه أفضل الصلاة والسلام- فمحصب فيحصل منه أثار الطين، فلا يختلف في هذا.
الرابع عشر: فيه دلالة أيضاً على أن العالم الذي له أتباع إذا اطلع على علم وعمل به وأراد موافقة أتباعه له أن يرشدهم إليه بصيغة عموم، وأمر عام لا خاص، وخصوصه لمعين، لقوله ﵊: "من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر".
الخامس عشر: فيه دلالة أيضاً على أن العالم إذا كان عنده علم من شيء ثم نسيه أن يعرف أصحابه بنسيانه ويقر به.
السادس عشر: معنى "أنسيتها" أنسيت تعيينها في تلك السنة. ومثل هذا النسيان جائز عليه ﷺ إذ ليس بتبليغ حكم يجب العمل به. ولعل عدم تعيينها أبلغ في الحكمة، وأكمل من تحصيل المصلحة كما جاء في رواية للبخاري (١): "وعسى أن يكون خيراً لكم" ووجه
стр. 2831
ذلك أنها إذا لم تعين حرص الناس على طلبها، كما أسلفناه في الحديث الأول.
واختلفت الأحاديث في سبب النسيان ففي صحيح مسلم (١) من حديث أبي هريرة أنه ﵊ قال: "أيقظني بعض أهلي فنسيتها" وفيه أيضاً (٢) "فجاء رجلان يحتقان معهما الشيطان فنسيتها" معنى "يحتقان" يدعي كل واحد منهما حقّاً، وتؤيده الرواية الأخرى: "يختصمان" ووقع عند بعضهم "يحنقان" بكسر النون، ولا وجه له صفاً وفي صحيح البخاري من حديث عبادة "فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة" فيحتمل أن يكون هذا في أوقات، والله أعلم.
وأفاد ابن دحية في كتابه "العلم المشهور": تسمية هذين الرجلين. وقال: هما -كعب بن مالك- وعبد الله بن أبي حدرد.
السابع عشر: جاء من رواية في الصحيحين في هذا الحديث: "حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهته وأرنبته، تصديق رؤياه" هذا لفظ البخاري، ولمسلم نحوه، ترجم عليها البخاري (٣) من كتاب الصلاة باب السجود على الأنف في الطين.
فائدة: قال ابن منده في مستخرجه: روى عن رسول الله ﷺ
стр. 2832
في ليلة القدر عبادة بن الصامت ومعاذ بن جبل وأنس وعمر بن الخطاب وابنه والفلتان بن عاصم وعبد الله بن عباس وجابر وأُبي بن وهب. وحبيش والد زر بن حبيش وبلال. وجابر بن سمرة، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبو هريرة وعبد الله بن أنيس وعبد الله بن عمرو، وعائشة وأبو سعيد الخدري. وقد ذكر المصنف حديث هؤلاء الثلاثة، [والله أعلم] (١).
...
стр. 2833
٣٩ - باب الاعتكاف
هو في اللغة: لزوم الشيء، وحبس النفس عليه، خيراً كان أو شرًّا، قال -تعالى-: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ﴾ (١) الآية. وقال: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ (٢)، أي محبوساً ملزوماً. وقال: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ (٣)، أي مقيماً ملازماً، وقال: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٤)، أي ثابتون ملازمون.
وفي الشرع: إقامة مخصوص ويسمى جواراً أيضاً كما هو ثابت في الأحاديث الصحيحة, ومنها قول عائشة: "كان يصغي إليّ رأسه وهو مجاور في المسجد, فأُرَجِّلُه وأنا حائض" (٥). والكلام فيه كالكلام في سائر الأسماء الشرعية، والاعتكاف من الشرائع القديمة، قال -تعالى-: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ (٦)، ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث:
стр. 2834
الحديث الأول
٢٠٨/ ١/ ٣٩ - عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده" (١).
وفي لفظ: "كان رسول الله ﷺ يعتكف في كل رمضان، فإذا صلَّى الغداة جاء مكانه الذي اعتكف فيه" (٢).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: فيه استحباب الاعتكاف وتأكده حيث واظب عليه حتى توفي ﷺ ، والإِجماع قائم على استحبابه، وأنه غير واجب، وأنه متأكد في العشر الأواخر من رمضان، لأنه خاتمة الصيام، ولعله
стр. 2835
يصادف ليلة القدر، وقد أشعر تأكداً استحبابه بقولها: "ثم اعتكف أزواجه، بعده"، وبقولها في: "كل رمضان".
الثاني: فيه استواء الرجل والمرأة في شرعية الاعتكاف، نعم إن كانت مزوجة فلا يجوز إلَاّ بإذن الزوج بالإِجماع، فلو أذن لها ثم منعها.
فقال الشافعي وأحمد وداود: له ذلك في زوجته وأمته في اعتكاف التطوع وإخراجهما منه. ومنعها مالك إذا دخلا فيه، وجوزه أبو حنيفة في الأمة دون الزوجة.
[الثالث] (١): فيه أن الاعتكاف لا يصح إلَاّ في المسجد، وأن كونه فيه شرط لصحته حيث اعتكف ﵊ وأزواجه فيه مع المشقة في ملازمته، ومخالفة العادة في الاختلاط بالناس لا سيما النساء، فلو جاز الاعتكاف في البيوت لما خولف المقتضى لعدم الاختلاط بالناس في المسجد، وتحمل المشقة في الخروج لعوارض الخلقة، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وداود والجمهور.
وقال أبو حنيفة: يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها وهو الموضع المهيىء للصلاة دون الرجل. وهو قول قديم للشافعي، ونقله البندينجي عن الجديد، وجوزه بعض أصحاب مالك وأصحاب الشافعي للرجل أيضاً، الاعتكاف تطوع، وتطوعه في البيت أفضل، والآية الآتية رادة لذلك.
стр. 2836
ونقل أبو عمر: عن أبي حنيفة أن لها أن تعتكف مع زوجها في المسجد كما تسافر معه.
وقال ابن علية: لا يجوز اعتكافها في المسجد لقوله ﵊ لأزواجه لما أردن الاعتكاف فيه: "آلبر تردن" أي ليس هذا ببر [ثم] (١) اختلف المشترطون للمسجد العام.
فقال مالك والشافعي وجمهورهم: يصح الاعتكاف في كل مسجد لظاهر قوله -تعالى-: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢).
وقال أحمد: يختص بالمسجد الذي تقام فيه الجماعة الراتبة.
وقال أبو حنيفة: يختص بمسجد تصلي فيه الصلوات كلها.
وقال الزهري: يختص بالجامع الذي تقام فيه الجمعة، وأومأ الشافعي في القديم إلى اشتراطه.
وشذ سعيد بن المسيب فقال: لا يصح الاعتكاف إلَاّ في مسجد المدينة.
وقال حذيفة بن اليمان الصحابي: لا تصح إلَاّ في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والأقصى.
الرابع: فيه أن الاعتكاف لا يكره في وقت من الأوقات، وأجمع العلماء على أن لا حد لأكثره [نعم قال القاضى: استحب أن يكون أكثره عشرة أيام اقتداء به ﷺ .
стр. 2837
قلت] (١) [...] (٢)، واختلفوا في أقله.
فقال الشافعي وجمهور أصحابه وموافقوهم: أقله لبث قدر يسمى عكوفاً في المسجد، وهو زائد على الطمأنينة في أركان الصلاة، ولأصحابنا أوجه أُخر في قدره، وقد أوضحتها في شرح المنهاج وغيره، فإنه محله.
وفي"تهذيب المالكية" قال ابن القاسم: بلغني أن مالكاً قال: أقل الاعتكاف يوم وليلة، فسألته فقال: أقله عشرة أيام، وذلك رأي لأن النبي ﷺ لم ينقص من هذا.
وقال مالك: في "العتبية" في اعتكاف يومين ما أعرف [هذا] (٣)، من اعتكاف الناس.
قال ابن القاسم: وسئل عنه قبل ذلك فلم ير به بأساً [وأنا لست أرى به بأساً] (٤)، لأن الحديث جاء أقل الاعتكاف يوم وليلة (٥).
قلت: هذا الحديث لا يعرف.
قال أبو عمر، وروى ابن وهب عن مالك أن أقله ثلاثة أيام.
وقال القاضي عن مالك: في أقله روايتان يوم وليلة وعشرة أيام، وذلك فيمن نذر اعتكافاً مبهماً.
стр. 2838
الخامس: فيه أن ينبغي أن يكون الاعتكاف بصوم واشترطه مالك وأبو حنيفة والأكثرون كما حكاه القاضي ثم النووي عنهم، وقالوا: لا يصح الاعتكاف بفطر، ونقله في الموطأ (١) عن عمل أهل المدينة، وهو قول قديم للشافعي، والأصح عنده أنه لا يشترط.
واحتج من اشترطه بهذا الحديث.
واحتج الشافعي باعتكافه ﵊ في العشر الأول من شوال لما ترك اعتكاف العشر الأخير من رمضان بسبب ضرب زوجاته أخبيتهن في المسجد لأجل الاعتكاف. رواه البخاري ومسلم (٢)، واللفظ له، ولفظ البخاري: "عشراً من شوال"، والمراد به الأول كما في رواية مسلم، وهذا يتناول يوم العيد، ويلزم من صحته أن الصوم ليس بشرط، وفي رواية للبخاري: "فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشرين من شوال"، وفي نسخة منه "العشر". ولفظ أبي داود (٣): "ثم أخَّر الاعتكاف إلى العشر الأول" -يعني من شوال-، قال أبو داود: ورواه مالك عن يحيى بن سعيد قال: "اعتكف عشرين من شوال".
واحتج أيضاً بحديث عمر أنه نذر في الجاهلية اعتكاف ليلة في المسجد الحرام، فقال ﵊: "أوف بنذرك"،
стр. 2839
رواه مسلم والبخاري، وسيأتي أيضاً في الباب، ومعلوم أن الليل ليس محلاًّ للصوم، فدل على أنه ليس بشرط في صحة الاعتكاف، وقد ترجم عليه البخاري باب: الاعتكاف ليلاً (١)، وباب: من لم ير على المعتكف صوماً (٢).
نعم، ورد من رواية لمسلم أنه نذر اعتكاف يوم فقال ﵇: "فاذهب فاعتكف يوماً".
فأجاب عنها ابن حبان في "صحيحه" بأن قال: "ألفاظ هذا الحديث مصرحة بأنه نذر اعتكاف ليلة إلَاّ هذه الرواية، فإن صحت فيشبه أن يكون أراد باليوم مع ليلته وبالليلة مع اليوم حتى لا يكون بين الخبرين تضاد (٣).
وقال النووي (٤) في "شرحه" يحتمل أنه سأله عن اعتكاف يوم قال: ويؤيده رواية نافع عن ابن عمر أن عمر نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، فسأل رسول الله ﷺ فقال: "فأوف بنذرك" فاعتكف عمر ليلة. رواه الدارقطني وقال: إسناده ثابت (٥).
стр. 2840
قلت: وهذه الرواية رواها البخاري في هذا الباب من "صحيحه" وترجم عليه، من لم ير على المعتكف صومًا، فكان عزوه إليها أولى] (١).
السادس: فيه إطلاق لفظ الغداة على الصبح، وقد سلف في الحديث الرابع من باب المواقيت الخلاف في كراهية إطلاق ذلك عليها.
السابع: فيه أن السنَّة إذا كان معتكفًا وصلى الصبح في مكان من المسجد غير محل معتكفه لا يجلس في مصلاه إلى طلوع الشمس، بل يرجع بعد فراغه منها إليه لقولها: "فإذا صلى الغداة جاء مكانه الذي اعتكف فيه".
الثامن: استدل به الأوزاعي والثوري والليث في أحد قوليه: على ابتداء الاعتكاف والدخول فيه [في] (٢) أول النهار، وليس فيه دلالة عليه، فإن اعتكافه ﵊ يحتمل أن يكون قبل ذلك، ومجيئه إلى مكانه بعد صلاة الغداة للانفراد عن الناس بعد الاجتماع بهم في الصلاة، لا أنه ابتدأ دخول المعتكف، ويكون