ونقل أبو عمر: عن أبي حنيفة أن لها أن تعتكف مع زوجها في المسجد كما تسافر معه.
وقال ابن علية: لا يجوز اعتكافها في المسجد لقوله ﵊ لأزواجه لما أردن الاعتكاف فيه: "آلبر تردن" أي ليس هذا ببر [ثم] (١) اختلف المشترطون للمسجد العام.
فقال مالك والشافعي وجمهورهم: يصح الاعتكاف في كل مسجد لظاهر قوله -تعالى-: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢).
وقال أحمد: يختص بالمسجد الذي تقام فيه الجماعة الراتبة.
وقال أبو حنيفة: يختص بمسجد تصلي فيه الصلوات كلها.
وقال الزهري: يختص بالجامع الذي تقام فيه الجمعة، وأومأ الشافعي في القديم إلى اشتراطه.
وشذ سعيد بن المسيب فقال: لا يصح الاعتكاف إلَاّ في مسجد المدينة.
وقال حذيفة بن اليمان الصحابي: لا تصح إلَاّ في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والأقصى.
الرابع: فيه أن الاعتكاف لا يكره في وقت من الأوقات، وأجمع العلماء على أن لا حد لأكثره [نعم قال القاضى: استحب أن يكون أكثره عشرة أيام اقتداء به ﷺ .
стр. 2837
قلت] (١) [...] (٢)، واختلفوا في أقله.
فقال الشافعي وجمهور أصحابه وموافقوهم: أقله لبث قدر يسمى عكوفاً في المسجد، وهو زائد على الطمأنينة في أركان الصلاة، ولأصحابنا أوجه أُخر في قدره، وقد أوضحتها في شرح المنهاج وغيره، فإنه محله.
وفي"تهذيب المالكية" قال ابن القاسم: بلغني أن مالكاً قال: أقل الاعتكاف يوم وليلة، فسألته فقال: أقله عشرة أيام، وذلك رأي لأن النبي ﷺ لم ينقص من هذا.
وقال مالك: في "العتبية" في اعتكاف يومين ما أعرف [هذا] (٣)، من اعتكاف الناس.
قال ابن القاسم: وسئل عنه قبل ذلك فلم ير به بأساً [وأنا لست أرى به بأساً] (٤)، لأن الحديث جاء أقل الاعتكاف يوم وليلة (٥).
قلت: هذا الحديث لا يعرف.
قال أبو عمر، وروى ابن وهب عن مالك أن أقله ثلاثة أيام.
وقال القاضي عن مالك: في أقله روايتان يوم وليلة وعشرة أيام، وذلك فيمن نذر اعتكافاً مبهماً.
стр. 2838
الخامس: فيه أن ينبغي أن يكون الاعتكاف بصوم واشترطه مالك وأبو حنيفة والأكثرون كما حكاه القاضي ثم النووي عنهم، وقالوا: لا يصح الاعتكاف بفطر، ونقله في الموطأ (١) عن عمل أهل المدينة، وهو قول قديم للشافعي، والأصح عنده أنه لا يشترط.
واحتج من اشترطه بهذا الحديث.
واحتج الشافعي باعتكافه ﵊ في العشر الأول من شوال لما ترك اعتكاف العشر الأخير من رمضان بسبب ضرب زوجاته أخبيتهن في المسجد لأجل الاعتكاف. رواه البخاري ومسلم (٢)، واللفظ له، ولفظ البخاري: "عشراً من شوال"، والمراد به الأول كما في رواية مسلم، وهذا يتناول يوم العيد، ويلزم من صحته أن الصوم ليس بشرط، وفي رواية للبخاري: "فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشرين من شوال"، وفي نسخة منه "العشر". ولفظ أبي داود (٣): "ثم أخَّر الاعتكاف إلى العشر الأول" -يعني من شوال-، قال أبو داود: ورواه مالك عن يحيى بن سعيد قال: "اعتكف عشرين من شوال".
واحتج أيضاً بحديث عمر أنه نذر في الجاهلية اعتكاف ليلة في المسجد الحرام، فقال ﵊: "أوف بنذرك"،
стр. 2839
رواه مسلم والبخاري، وسيأتي أيضاً في الباب، ومعلوم أن الليل ليس محلاًّ للصوم، فدل على أنه ليس بشرط في صحة الاعتكاف، وقد ترجم عليه البخاري باب: الاعتكاف ليلاً (١)، وباب: من لم ير على المعتكف صوماً (٢).
نعم، ورد من رواية لمسلم أنه نذر اعتكاف يوم فقال ﵇: "فاذهب فاعتكف يوماً".
فأجاب عنها ابن حبان في "صحيحه" بأن قال: "ألفاظ هذا الحديث مصرحة بأنه نذر اعتكاف ليلة إلَاّ هذه الرواية، فإن صحت فيشبه أن يكون أراد باليوم مع ليلته وبالليلة مع اليوم حتى لا يكون بين الخبرين تضاد (٣).
وقال النووي (٤) في "شرحه" يحتمل أنه سأله عن اعتكاف يوم قال: ويؤيده رواية نافع عن ابن عمر أن عمر نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، فسأل رسول الله ﷺ فقال: "فأوف بنذرك" فاعتكف عمر ليلة. رواه الدارقطني وقال: إسناده ثابت (٥).
стр. 2840
قلت: وهذه الرواية رواها البخاري في هذا الباب من "صحيحه" وترجم عليه، من لم ير على المعتكف صومًا، فكان عزوه إليها أولى] (١).
السادس: فيه إطلاق لفظ الغداة على الصبح، وقد سلف في الحديث الرابع من باب المواقيت الخلاف في كراهية إطلاق ذلك عليها.
السابع: فيه أن السنَّة إذا كان معتكفًا وصلى الصبح في مكان من المسجد غير محل معتكفه لا يجلس في مصلاه إلى طلوع الشمس، بل يرجع بعد فراغه منها إليه لقولها: "فإذا صلى الغداة جاء مكانه الذي اعتكف فيه".
الثامن: استدل به الأوزاعي والثوري والليث في أحد قوليه: على ابتداء الاعتكاف والدخول فيه [في] (٢) أول النهار، وليس فيه دلالة عليه، فإن اعتكافه ﵊ يحتمل أن يكون قبل ذلك، ومجيئه إلى مكانه بعد صلاة الغداة للانفراد عن الناس بعد الاجتماع بهم في الصلاة، لا أنه ابتدأ دخول المعتكف، ويكون
стр. 2841
المراد بمكانه الذي اعتكف فيه الموضع الذي خصه بالاعتكاف من المسجد وأعده له، كيف ولفظه يشعر بذلك.
وقولها: اعكتف فيه بصيغة الماضي، وكما جاء في الحديث الآخر أن أزواجه ضربن أخبية، وهذا ظاهر فيما قلناه وهو قول الأئمة، ونقله الشيخ تقي الدين عن الجمهور أنه يدخل فيه قبل غروب الشمس من [أول ليلة منه] (١) إذا أراد اعتكاف شهرًا وعشرًا، وتأولوا الحديث على ما ذكرناه، وقال أبو ثور: يدخل من أول النهار، من نذر عشرة أيام فإن أراد عشر ليال فقبل غروب الشمس من الليلة. ووافق أبو ثور في الشهر.
واختلفوا في الأيام.
فقال الشافعي: يدخل فيها قبل الفجر، وبه قال القاضي عبد الوهاب في الأيام، وفي الشهر.
وقال عبد الملك: لا يعتد بذلك اليوم. وسبب هذا الاختلاف دخول أول ليلة فيه أم لا، فالليل تابع والمقصود اليوم قولان لهم، وبالثاني قال مالك وربيعة.
التاسع: فيه أيضًا استحباب الانفراد عن الناس والأهل، وغيرهم في الاعتكاف إلَّا فيما لا بد منه من اجتماع على صلاة أو ضرورة.
...
стр. 2842
الحديث الثاني
٢٠٩/ ٢/ ٣٩ - عن عائشة ﵂ "أنها كانت ترجل النبي ﷺ وهي حائض، وهو معتكف في المسجد، وهي في حجرتها يناولها رأسه".
وفي رواية: "وكان لا يدخل البيت إلَاّ لحاجة الإِنسان" (١).
وفي رواية: أن عائشة ﵂ قالت: "إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه فما أسأل عنه إلَاّ وأنا مارة".
[الترجيل: تسريح الشعر] (٢).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: الترجيل: تسريح الشعر، قال ابن السكيت: شعر
стр. 2843
رجل ورجل إذا لم يكن شديد الجعودة ولا سبطاً, يقول منه رجل الشعر ترجيلاً.
ثانيها: الحجرة معروفة وجمعها: حُجر مثل غرف وحجرات، [قال ابن فارس: وحجرات] (١) بالفتح أي بفتح الجيم.
وأما حَجرة القوم: بفتح الحاء فناحية دارهم.
والجمع: حجرات كحجرات ويجوز حجر كحجر.
ثالثها: قولها: "يناولها رأسه كأنه من مجاز التشبيه إذ المناولة نقل الشيء من شخص إلى غيره، يقال: ناولته الشيء فتناوله إذا أعطيته.
رابعها: "الرأس" مذكر، قال الفاكهي: ولا أعلم فيه خلافاً، وما أكثر تأنيث العامة له من المتفقهة وغيرهم.
قلت: وهو مهموز، ويجوز تركه، وله أسماء أخر ذكرتها في لغات المنهاج فليراجع منها.
خامسها: حاجة الإِنسان هنا: البول، والغائط.
سادسها: في الحديث دلالة على طهارة بدن الحائض، والجنب أولى منها.
سابعها: فيه أيضاً أن خروج رأس المعتكف من المسجد لا يبطل اعتكافه.
ثامنها: فيه أيضاً أن خروج بعض البدن من المكان الذي حلف أنه لا يخرج منه لا يوجب حنثه، وكذلك دخول بعض بدنه إذا
стр. 2844
حلف، أن لا يدخله من حيث إن امتناع الخروج من المسجد يوازيه تعلق الحنث بالخروج، لأن الحكمة في كل واحد تعلق بعدم الخروج، فخروج بعض البدن إن اقتضى مخالفة ما علق عليه من أحد الموضعين اقتضى مخالفته في الآخر، وحيث لم يقتض في أحدهما، لم يقتض من الآخر لاتحاد المأخذ فيهما، وكذلك تنتقل هذه المادة في الدخول أيضاً بأن يقول: لو كان دخول البعض مقتضياً للحكم المعلق بدخول الكل لكان خروج البعض مقتضياً للحكم بخروج الجملة، لكنه لا يقتضيه، ثمَّ، فلا يقتضيه هنا، وشأن الملازمة أن الحكم في الموضعين متعلق بالجملة، فإما أن يكون بالبعض موجباً لتركيب الحكم أو لا إلى أخره.
تاسعها: فيه أيضاً جواز ترجيل المعتكف رأسه، وأنه ﵊ كان يتعاهد شعره بالترجيل، ولم يحلق شعره إلَاّ في حج أو عمرة، وفي معنى ترجيل المعتكف رأسه حلقه وتقليم أظفاره، وتنظيف بدنه من الشعث.
عاشرها: فيه أيضاً جواز ملامسة الحائض للمعتكف وغيره، وعند مالك أن الاعتكاف يبطل بالمباشرة.
[وقال ابن لبابة وغيره منهم: تحرم المباشرة في المسجد دون غيره.
وقال بعض أهل الظاهر: تبطل بالمباشرة] (١) إلَاّ في ترجيل الشعر لهذا الحديث.
стр. 2845
الحادي عشر: فيه أيضاً أن الخروج من المعتكف للحاجة الضرورية التي لا يمكن فعلها في المسجد جائز، وهذا الحديث بعمومه يدل على ذلك، وأنه ممنوع من الخروج لغير الحاجة الضرورية من حيث أن الضرورة دعت إليه، والمسجد مانع منه، وكل ما ذكره الفقهاء من الجواز في ذلك، واختلفوا فيه فهذا الحديث يدل على عدم الخروج له كما ذكرنا, ولا بد أن يضم إلى الحاجة المجوزة للخروج قيامُ الداعي الشرعي في بعضه كعيادة المريض وصلاة الجنازة وشبهه، وهذا كله إنما نقول به على سبيل الاستحباب وتأكده، إذ الاعتكاف سنة مؤكدة، ومعلوم أن من دخل في تطوع لا يلزمه إتمامه خلافاً لأبي حنيفة، ومالك. في منع الخروج من صلاة التطوع وصيامه فعندهما أن الخروج لغير حاجة حرام إذن.
الثاني عشر: قد أسلفنا أن حاجة الإِنسان [هنا] (١) كناية عن الخبث، وظاهره حصر الخروج في ذلك وإن كان المعتكف يخرج لغيره كما هو مقرر في كتب الفروع، وكأنها أخبرت بصورة الواقع منه ﷺ فلا يدل ذلك على عدم الخروج لغيره وسيأتي في الحديث الرابع خروجه ﵊ ليقلب صفية ﵂ وهو معتكف.
الثالث عشر: قولها في المريض: "فلا أسأل عنه إلَاّ وأنا مارة" فيه دليل على جواز عيادة المريض على وجه المرور من غير تعريج، وفيه إشارة إلى المنع من العيادة على غير هذه الحالة.
стр. 2846
الرابع عشر: في الحديث أيضاً استقرار المرأة في بيت الزوج، وإن لم يكن له حاجة في الدخول إليها أوله مانع ضروري شرعي أو غيره من دخوله لسفر واعتكاف.
الخامس عشر: فيه أن الكون في المسجد لو لم يكن شرطاً لما فعل ذلك، لأن في إخراج رأسه دون بقية جسده مشقة، فكل من رآه فعل ذلك يتبادر إلى فهمه أن لولا شرطية ذلك في الاعتكاف لما تحمل هذه المشقة.
***
стр. 2847
الحديث الثالث
٢٠٩/ ٣/ ٣٩ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قلت: "يا رسول الله! إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة". وفي رواية: "يوماً في المسجد الحرام". قال: "فأوف بنذرك" (١)، ولم يذكر بعض الرواة يوماً ولا ليلة.
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: رواية اعتكاف يوم قد قدمنا عزوها إلى مسلم، وكلام ابن حبان عليها ومعنى لم يذكر بعض الرواة يوماً وليلة أن عمر قال: نذرت أن أعتكف في الجاهلية فقال: "أوف بنذرك".
ثانيها: قوله: "نذرت" وهو بفتح الذال. ويقال فيه: نَذُرَ بكسر الذال وضمها.
ثالثها: "الجاهلية" ما قبل الإِسلام، سموا بذلك لكثرة
стр. 2848
جهالاتهم، وتطلق الجاهلية على كل فعل ما يخالف الإِسلام والشرع.
رابعها: كان المسجد الحرام فناء حول الكعبة وفضاء للطائفين، ولم يكن في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر جدار يحيط به، وكانت الدور محدقة به وبين الدور أبواب يدخل الناس من كل ناحية منها فلما استخلف عمر ﵁ وكثر الناس وسّع المسجد، واشترى دوراً فهدمها وزاد فيه، واتخذ للمسجد جداراً قصيراً دون القامة، وكانت المصابيح توضع عليه وكان عمر أول من اتخذ الجدار للمسجد الحرام، ثم تتابع الناس على عمارته وتوسيعه: كعثمان وابن الزبير ﵄ ثم عبد الملك بن مروان، ثم ابنه الوليد، ثم المنصور، ثم المهدي.
قال النووي في "الروضة" (١) وغيرها: وعليه استقر بناؤه إلى وقتنا. وقال غيره: زاد فيه المأمون وأتقن بنيانه بعد المهدي باثنين وأربعين سنة.
قال السهيلي (٢): وهو على حاله إلى الآن، وأسقط النووي ذكر عبد الملك بن مروان وذكر ابن الزبير والوليد. وأثبته ابن العطار في "شرحه"، ولو وسع شيئاً آخر جاز الطواف والاعتكاف في جميعه.
واعلم أن المسجد الحرام يطلق ويراد به هذا المسجد وهذا هو الغالب، وقد يراد به الحرم، وقد يراد به مكة.
стр. 2849
وقيل: في قوله -تعالى-: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١). قال الماوردي: كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم، إلَاّ قوله -تعالى-: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فإن المراد به الكعبة.
قلت: وإلَاّ قوله -تعالى-: ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢) أيضاً، وأما قوله -تعالي-: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ...﴾ (٣) الآية فالمراد به مكة مع الحرم وما حولها، وقوله -تعالى-: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٤) فنقل النووي في "تهذيبه" (٥) عن المفسرين أن المراد به مكة.
وحكى أبو شامة في مصنفه "نور المسرى في تفسير آية الإِسراء" فيه أربعة أقوال: هذا أحدها:
وثانيها: أن المراد نفس الكعبة.
وثالثها: أن المراد نفس المسجد الذي فيه الكعبة.
رابعها: أن المراد به جميع الحرم، وأما قوله ﵊: "لا تشد الرحال إلَاّ إلى ثلاثة مساجد" (٦)، إلى آخره
стр. 2850
فالمراد المسجد وما حوله.
خامسها: في الحديث لزوم النذر للقربة، وقد يستدل بعمومه للزوم الوفاء بكل منذور.
سادسها: فيه أيضاً صحة النذر من الكافر وهو وجه في مذهب الشافعي [ورأي البخاري وابن جرير و] (١) المشهور. أنه لا يصح وهو مذهب الجمهور، لأن النذر قربة. والكافر ليس من أهلها. والحديث مؤول على أنه أمر أن يأتي باعتكاف يوم شبيه بما نذر لئلا يخل بعبادة نوى فعلها، فأطلق عليه أنه منذور لشبهه به وقيامه مقامه في فعل ما نواه من الطاعة. وعلى هذا يكون قوله: "أوف بنذرك" من مجاز الحذف أو من مجاز التشبيه، لكن ظاهر الحديث خلافه. فإن دل أقوى من هذا الظاهر على أنه لا يصح اعتكاف الكافر احتيج إلى هذا التأويل وإلَاّ فلا.
وأجابوا أيضاً: إنه يحمل الأمر على الاستحباب، لكن ظاهر الأمر الوجوب، كيف ونص الشافعي على كراهة الابتداء بالنذر، لصحة النهي عنه، مع وجوب الوفاء به قطعاً، ولا يصح بالنية
стр. 2851
وحدها، بل لا بد فيه من القول معها، وبهذا يرد على قول ابن العربي في قبسه (١): لما كان عمر (٢)، نذره في الجاهلية فأسلم أراد أن يكفر ذلك بمثله في الإِسلام، فلما [أراده] (٣) ونواه سأل النبي ﷺ (٤)، فاعلمه أنه لزمه، قال: وكل عبادة أو عمل ينفرد به العبد عن غيره (٥) بمجرد النية [العازمة] (٦) الدائمة كالنذر في العبادات، والطلاق في الأحكام وإن لم يتلفظ بشيء من ذلك. هذا لفظه، وليس بظاهر [أيضاً] (٧) بل الظاهر من كلام عمر ﵁ مجرد الإِخبار بما وقع في الجاهلية مع الاستخبار عن لزومه [وعدم لزومه] (٨) وليس فيه ما يدل على نية في الإِسلام ولا إرادة تنزلنا أنه نواه.
فجواب: ما سلف وقد قال ابن بشير من المالكية: لم يختلف أن العبادات لا تلزم إلَاّ بالقول أو بالنية والدخول فيها وهو الشروع.
قلت: وتأول بعضهم قوله: "في الجاهلية" أي ونحن بمكة قبل فتحها، وأهلها جاهلية فلا يكون ناذراً في الكفر وهو بعيد أيضاً.
стр. 2852
سابعها: فيه أيضاً عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف، كما قررناه في الحديث الأول مع الجواب عن رواية نذر اعتكاف اليوم، والمشترط للصوم أوَّل قوله: ليلة بيوم، فإن الليلة تغلب في لسان العرب، على اليوم يقولون: صمنا خمساً. والخمس تنطلق على الليالي، ولو انطلق على الأيام لقيل: خمسة. فأطلقت الليالي وأراد الأيام، أو يقال: المراد ليلة بيومها.
ثامنها: فيه أيضاً سؤال العلماء عما يجهل من العلم.
تاسعها: فيه أيضاً سؤالهم عما كان من السائل في حال كفره.
عاشرها: فيه وجوب البيان على من سئل عن علم وعدم كتمانه.
خاتمة: روى أبو داود (١) أنه ﵊ قال
стр. 2853
لعمر: "اعتكف وصم" لكن تفرد بها عبد الله بن بديل، كما قاله ابن عدي والدارقطني وضعفاه، ووهم ابن حزم، فادعى جهالته، وهو غريب، فهو معروف العين والحال. وقد أخرج له البخاري تعليقاً، ووثقه ابن معين وابن شاهين وابن حبان، ثم وهم أخرى أفظع من هذه، فقال: لا يعرف هذا الخبر من مسند عمرو بن دينار [أصلاً وما يعرف لعمرو بن دينار] (١) عن ابن عمر حديثاً مسنداً، إلَاّ ثلاثة ليس هذا منها. قال: فسقط الخبر لبطلان سنده.
قلت: لعمرو بن دينار في الصحيح عن ابن عمر نحو عشرة أحاديث، فما هذا الكلام؟!
...
стр. 2854
الحديث الرابع
٢١٠/ ٤/ ٣٩ - عن صفية ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ معتكفاً، فأتيته أزوره ليلاً، فحدثته، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليقلبني -وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد-، فمرَّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا رسول الله ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ : "على رسلكما، إنها صفية بنت حيي"، فقالا: سبحان الله! يا رسول الله! فقال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرّاً -أو قال شيئاً-" (١).
وفي رواية: أنها جاءت تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبي ﷺ معها يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة .. ثم ذكره بمعناه.
стр. 2855
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: صفية هي أم المؤمنين أم يحيى بنت حيي -بضم الحاء- وحُكِيَ كسرها ابن أخطب بن سعية -بفتح السين وإسكان العين المهملتين ثم مثناة تحت ثم هاء- وصحَّفه الصعبي في رجال هذا الكتاب فقال: سفينة: كذا رأيته بخطه، وتبعه الفاكهي في شرحه، فإنه قرأه على مصنفه، وهي من بني إسرائيل من بنات هارون بن عمران أخي موسي -عليهما الصلاة والسلام-، وهما من سبط لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن.
وأمها برة بنت سموأل، وهي أخت رفاعة بن سموأل.
سباها رسول الله ﷺ عام خيبر في شهر رمضان سنة سبع من الهجرة، ثم أعتقها وتزوجها, ولم تبلغ خمس عشرة، وجعل عتقها صداقها، وذلك من خصائصه.
قال أبو عمر: عند أكثر الفقهاء.
قال أبو عبيدة: وتزوجها في شوال أي بني بها، وكانت قبله عند سلام بتخفيف اللام، كما ضبطه الشيخ تقي الدين -ابن مِشْكم شاعر ففارقها، فتزوجها كنانة بن الربيع بن أبي الحُقيق، وهو شاعر فقتل يوم خيبر.
قال الجاحظ: في كتاب "الموالي" ولدَ صفية بنت حيي مائة نبي ومائة ملك، ثم صيرها الله -تعالى- أمة لنبيه ﷺ .
قال ابن عبد البر: وكانت فاضلة عاقلة حليمة، روت عن
стр. 2856
النبي ﷺ عشرة أحاديث، اتفقا منها على هذا الحديث، ولم يذكر الحميدي في جمعه لها غيره، روى عنها ابن أخيها وجماعة. ورأى النبي ﷺ بوجهها أثر خضرة قريباً من عنقها، فسألها، فقالت: رأيت في المنام قمراً أقبل من يثرب حتى وقع في حجري. فذكرت ذلك لزوجي كنانة. فقال: أتحبين أن تكوني تحت هذا الملك الذي يأتي من المدينة. وضرب وجهي هذه الضربة، وفي رواية قالت صفية لأهلها: رأيت كأني وهذا الذي يزعم أن الله أرسله وملك يسترنا بجناحه. فردوا عليها رؤياها، وقالوا لها في ذلك قولاً شديداً، وقد أوضحت ترجمتها في رجال هذا الكتاب أكثر من هذا، وذكرت فيه خمسة أقوال في وفاتها.
أحدها: سنة خمسين في خلافة معاوية في رمضان.
ثانيها: سنة ست وثلاثين في خلافة علي، وضعفه النووي.
ثالثا: سنة اثنين وخمسين.
رابعها: سنة عشرين.
خامسها: سنة إحدى وعشرين ودفنت بالبقيع ﵂.
الثاني: الرجلان المبهمان في هذا الحديث لم أر من تعرض لبيانهما إلَاّ ابن العطار في شرحه، فإنه قال: قيل إنهما أسيد بن حضير، وعباد بشر صاحبا المصباحين.
الثالث: قولها: "ليقلبني" هو بفتح أوله أي يصرفني إلى منزلي، يقال: قلبه يقلبه، وانقلب إذا انصرف، قال -تعالى-:
стр. 2857
﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١)﴾ (١) وكان أبو هريرة يقول لمعلم الصبيان: اقلبهم أي اصرفهم إلى منازلهم.
الرابع: قوله: "على رسلكما" هو بفتح الراء وكسرها، فقيل هما بمعنى من التؤدة وترك العجلة أي اثبتا ولا تعجلا.
وقيل: بالكسر التؤدة، وبالفتح اللين والرفق والمعنى متقارب، وجزم الفاكهي بالكسر أي على هيئتكما حتى أخبركما ومنه الحديث (٢): "إلَاّ من أعطى في نجدتها ورسلها".
قال الجوهري (٣): يريد الشدة والرخاء. والرِسّلُ أيضاً: اللبن.
وأما الرَسَل -بفتح الراء والسين- فالقطيع من الإِبل والغنم.
الخامس: [وقولهما] (٤): "سبحان الله! " هو تنزيه لله ومعناه هنا استعظام الأمر وتهويله.
السادس: قوله ﵊: "يجري من ابن آدم مجرى الدم"، فيه قولان:
أحدها: أنه على ظاهره، وأن الله -تعالى- جعل له قوة وقدرة في الجري في باطن الإِنسان مجاري دمه.
والثاني: [أنه على الاستعارة لكثرة أعوانه ووسوسته، فكأنه لا يفارق الإِنسان كما لا يفارقه دمه.
стр. 2858
السابع] (١): أم سلمة ﵂: تقدم الكلام على ترجمتها في باب الجنابة مستوفى فراجعه منه. وأسامة بن زيد يأتي التعريف به في باب دخول مكة.
الثامن: في الحديث دلالة على أحكام يحضرنا منها اثني عشر حكماً.
أحدها: جواز خروج المرأة ليلاً.
ثانيها: جواز زيارتها المعتكف.
ثالثها: جواز التحدث معه.
رابعها: جواز اشتغال المعتكف بالأمر يعرض له، سواء كان مندوباً أو مباحاً، وعند المالكية حكاية قولين فيما إذا قل الاشتغال بالعبادة وصلاة الجنازة وأداء الشهادة والحكم، فإن كثر فلا يفعله بالاتفاق، كما نقله الباجي منهم.
خامسها: تأنيس الزائر بالمشي معه، ويتأكد ذلك في المضيف عند خروجه لا سيما إذا دعت الحاجة إلى ذلك كالليل.
سادسها: جواز خروج المعتكف من المسجد فيما لا [غاية به] (٢)، كذا استدل به بعضهم، وهو عجيب. فالرواية الثانية تثبت
стр. 2859
الغاية في مشيه معها إلى باب المسجد فقط، وإن كان الخروج من المسجد للمعتكف للحاجة الشرعية جائز قطعاً.
قال الفاكهي: فعلى هذا يكون مرور الرجلين في المسجد دون الطريق.
قلت: لا يلزم ذلك. وقد ترجم البخاري على هذا الحديث بما قلناه فقال: "باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد" (١) ثم ذكره.
سابعها: التحرز مما يقع في الوهم من نسبة الإِنسان إليه مما لا ينبغي، وأن لا يؤئم الناس بسببه فإنه ﵊ أكرم الخلق على الله, ومع هذا خشي على الرجلين وسوسة الشيطان، يقذف شيئاً في قلوبهما، فيكون مؤدياً إلى الكفر أو هو كفر.
وقد نقل الشيخ تقي الدين (٢): عن بعض العلماء أن لو وقع ببالهما شيء لكفرا، ولكن أراد تعليم أمته، وهو كما قال إذا اعتقداه أو ظناه. قال -تعالى-: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ وإلَاّ لمجرد خطوره بالبال من غير استقرار، ففيه وقفة، لأنه أمر غير مقدور على دفعه، اللهم إلَاّ أن يخص ذلك بهذا الجناب الشريف.
стр. 2860
وما نقله الشيخ تقي الدين عن بعض العلماء أراد به الشافعي ﵁ فإن سفيان بن عيينة. قال للشافعي: ما فقه هذا الحديث؟ فقال: إن كان القوم اتهموا رسول الله ﷺ كانوا بتهمتهم إياه كفاراً، لكن النبي ﷺ أدب من بعده من أمته فقال: إذا كنتم هكذا، فافعلوا هكذا لئلا يظن بكم ظن السوء. فقال سفيان بن عيينة: جزاك الله خيراً ما يجيئنا منك إلَاّ ما نحب. هذا كلامه (١).
قال الشيخ تقي الدين: وهذ متأكد في حق العلماء. ومن يُقْتَدى به، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلاً يوجب ظن السوء بهم، وإن كان لهم فيه مخلص، لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم، وقد قال العلماء: ينبغي للحاكم أن يبين وجه الحكم للمحكوم عليه إذا خفي، وذلك من باب نفي التهمة بالنسبة إلى الجور في الحكم.
قلت: أو من باب وجوب البيان وإزالة اللبس.
ثامنها: فيه أيضاً دلالة على هجوم خواطر الشيطان على النفس، وما كان من ذلك غير مقدور على دفعه، لا يؤاخذ به لقوله -تعالى-: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢)، وقوله ﵊ في الوسوسة التي يتعاظم الإِنسان أن يتكلم بها:
стр. 2861
"ذلك محض الإِيمان" (١)، وقد فسروه بأن التعاظم لذلك محض الإِيمان لا نفس الوسوسة.
قال الشيخ تقي الدين: وكيف ما كان ففيه دلالة على أن تلك الوسوسة لا يؤاخذ بها، نعم. في الفرق بين الوسوسة التي لا يؤاخذ بها، وبين ما يقع شكّاً إشكال (٢) انتهى.
стр. 2862
وقد أخطأ من جعل الوسوسة نفسها دليلاً على خير الإِنسان والعناية به، وإنما الخير والعناية يقع بدفعها.
تاسعها: فيه أيضاً كمال شفقته بأمته ﵊ من حيث إنه لما خشي عليهما شر الشيطان بادر إلى دفعه عنهما باليقين وقد وصفه الله -تعالى- في كتابه بكونه رحيما فقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ (١)، وقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾.
عاشرها. فيه جواز التعجب: بسبحان الله! والتعجب بها [يقع] (٢) على أوجه:
أحدها: لتعظيم الأمر وتهويله كما سلف.
ثانيها: للحياء من ذكره.
ثالثها: كون المحل ليس قابلاً للأمر، ومن تتبع الأحاديث النبوية وجد ذلك.
الحادي عشر: فيه أيضاً الأمر بالتؤدة وترك العجلة في الأمور إذا لم تدع إليه الضرورة.
الثاني عشر: فيه أيضاً جواز خطاب الرجال الأجانب إذا كان مع المخاطب زوجة أو أحدٌ من محارمه خصوصاً إذا دعت إلى المخاطب حاجة شرعية من بيان حكم أو دفع شر ونحوهما. وإن كان ذلك لا يكون نقصاً للمروءة، ومن أحكامه أيضاً: الاستعداد للتحفظ من الشيطان ومكائده، فإنه يتمكن منه كما وصفه الشارع،
стр. 2863
ومن كانت هذه حاله، فليس له خلاص منه إلَاّ بالالتجاء إلى المعبود حمانا الله منه بمنه وكرمه (١).
...
стр. 2864
انتهى الجزء الخامس ويليه الجزء السادس وأوله كتاب الحج ويتبعه بقية الأجزاء
الإِعلامُ بفوائِد عُمدة الأَحْكام
للإِمَام الحَافظ العَلّامَة
أبي حَفص عُمْر بْن عَليٍّ بْن أَحْمد الأَنْصَاريِّ الشَّافِعيِّ
المعروف بابن الملقن
(٧٢٣ - ٨٠٤) هـ
تقديم
فضيلة الشيخ
صالح بن فوزان الفوزان
عضو هَيئة كبَار العُلمَاء وعضو اللجنة الدائمة للافتاء
فضيلة الشيخ
بكر بن عبد الله أبو زيد
عضو هَيئة كبَار العُلمَاء وعضو اللجَنة الدائمة للافتَاء
حقّقهُ وضَبط نصَّه وعزا آياته وخرّج أحاديثه وَوثّق نقوله وعَلّق عَليه
عبد العزيز بن أحمد بن محمّد المشيقح
غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين
الجزء السَّادس
كتاب الحجّ
(٢١١ - ٢٧٠) حديث
دَارُ العَاصَمة
للنَشْرِ وَالتوزيع
стр. 2868
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2869
كتاب الحج
стр. 2870
٤٠ - [كتاب] (١) الحج
الحج: بفتح الحاء وكسرها فقيل [هما] (٢) لغتان.
وقيل: بالفتح المصدر وبالكسر الاسم.
وقيل: عكسه.
وقال القاضي (٣) عياض، والنووي (٤): هو بالفتح المصدر وبالكسر وبالفتح جميعاً الاسم منه زاد القاضي وبالكسر أيضاً الحجاج وأهله القصد.
وقال الخطابي: قصدٌ فيه تكرار، ومنه قول الشاعر:
стр. 2871
وأشهد من عوف حُلُولاً كثيرةً ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبرِقانِ [المزعفرا] (١)
يريد أنهم [يقصدونه] (٢) في أمورهم ويختلفون إليه في حاجاتهم مرة بعد أخرى قال: وقد استدلوا بهذا المعنى على إيجاب العمرة [وقالوا: إذا كان الحج قصد فيه تكرار، فإن معناه لا يتحقق إلَاّ بوجوب العمرة] (٣)، لأن القصد في الحج إنما هو مرة واحدة لا يتكرر انتهى (٤).
هذا الاستدلال مردود فإنه لا يلزم من تكرار الحج وجوبه قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (٥) أي يرجعون إليه ويتقربون في كل عام ولأن الحاج يكون وروده على البيت عند القدوم وعند [الإِفاضة] (٦) وعند الوداع وذلك غير ما يشتغل به [من] (٧) الطواف فالتكرار حاصل بلا إشكال.
قال القاضي عياض: والحج أيضاً العمل.
стр. 2872
وقال الهروي وغيره. إنه الإِتيان مرة، بعد أخرى.
وقال الخليل: [هو] (١) كثرة القصد إلى من تعظم.
قلت: وهو في الشرع قصدٌ مخصوصٌ من شخصٍ مخصوصٍ إلى محل مخصوصٍ في زمن مخصوصٍ على وجه مخصوصٍ.
إذا ثبت ذلك فالإِجماع قائم على أن الحج أحد أركان الإِسلام الخمسة الذي من جحده فقد كفر.
ومذهب الشافعي: أنه على التراخي عند الاستطاعة إلَاّ أن ينتهي إلى [حال] (٢) يظن فواته لو أخره عنها، ووافقه أبو يوسف وطائفة وهو مذهب المغاربة.
ومذهب أبي حنيفة وأحمد: أنه على الفور وهو مذهب [العراقيين] (٣) من المالكية.
والصحيح عند الشافعية: أن العمرة واجبة وهو مذهب الإِمام أحمد.
ومذهب المالكية والحنفية: أنها سنة.
...
стр. 2873
٤١ - باب المواقيت
المواقيت: جمع ميقات كميعاد ومواعيد كما سلف واضحاً في أول كتاب الصلاة.
ومعناه لغة: الحد وذكر المصنف في الباب حديث [ابن عباس وحديث ابن عمر] (١):
الحديث الأول
٢١١/ ١/ ٤١ - عن عبد الله بن عباس [﵄] (٢) "أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة، ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة, ولأهل نجد، قرن المنازل، ولأهل اليمن، يلملم، [...] (٣): هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن أراد الحج أو العمرة, ومن كان دون ذلك: فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة" (٤).
стр. 2874
الكلام عليه من وجوه:
[الأول] (١): التوقيت ذكر الوقت في الأصل ثم استعمل في تعليق الحكم بالوقت فيصير التحديد من لوازم التوقيت فينطلق عليه [توقيت] (٢).
فقوله هنا: "وقت" يحتمل أن يراد به التحديد أي حد المواضع للإِحرام.
ويحتمل أن يراد [به] (٣) تعليق الإِحرام بوقت الوصول إلى هذه الأماكن بشرط إرادة الحج أو العمرة.
ومعنى توقيت هذه الأماكن [للإِحرام أنه لا يجوز مجاوزتها] (٤) لمريد الحج أو العمرة إلَاّ محرماً [وإن لم يكن في لفظة "وقت" من حيث هي هي تصريح بالوجوب] (٥) فالحديث الثاني في الباب لفظه [يهل أهل المدينة] (٦) وهي صيغة خبر يراد به الأمر وثبت في
стр. 2875
"صحيح مسلم" أيضاً لفظ الأمر (١).
قال الخطابي (٢): وقد أجمعوا على أنه لو أحرم دونها حتى يوافي الميقات محرماً أجزأه وليس كتحديد مواقيت الصلاة فإنها إنما ضربت حداً لئلا تقدم الصلاة عليها.
قلت: [...] (٣) وأطلق جماعة من الشافعية الكراهة على تقديم الإِحرام على الميقات.
واختلف آخرون منهم في أفضليته: والأصح عند الأكثرين منهم أنه أفضل.
ومذهب مالك: أيضاً كراهة تقديم الإِحرام على الميقات زماناً ومكاناً ويلزم إن فعل (٤).
ثانيها: في ضبط الأماكن الواقعة في هذا الحديث.
الأول: "المدينة": زادها الله شرفاً لها اثنان وعشرون اسماً (٥) أوضحتها في "لغات المنهاج" فراجعها منه. وذكر ابن النجار في