← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

وأشهد من عوف حُلُولاً كثيرةً ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبرِقانِ [المزعفرا] (١) يريد أنهم [يقصدونه] (٢) في أمورهم ويختلفون إليه في حاجاتهم مرة بعد أخرى قال: وقد استدلوا بهذا المعنى على إيجاب العمرة [وقالوا: إذا كان الحج قصد فيه تكرار، فإن معناه لا يتحقق إلَاّ بوجوب العمرة] (٣)، لأن القصد في الحج إنما هو مرة واحدة لا يتكرر انتهى (٤). هذا الاستدلال مردود فإنه لا يلزم من تكرار الحج وجوبه قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (٥) أي يرجعون إليه ويتقربون في كل عام ولأن الحاج يكون وروده على البيت عند القدوم وعند [الإِفاضة] (٦) وعند الوداع وذلك غير ما يشتغل به [من] (٧) الطواف فالتكرار حاصل بلا إشكال. قال القاضي عياض: والحج أيضاً العمل.

стр. 2872

وقال الهروي وغيره. إنه الإِتيان مرة، بعد أخرى. وقال الخليل: [هو] (١) كثرة القصد إلى من تعظم. قلت: وهو في الشرع قصدٌ مخصوصٌ من شخصٍ مخصوصٍ إلى محل مخصوصٍ في زمن مخصوصٍ على وجه مخصوصٍ. إذا ثبت ذلك فالإِجماع قائم على أن الحج أحد أركان الإِسلام الخمسة الذي من جحده فقد كفر. ومذهب الشافعي: أنه على التراخي عند الاستطاعة إلَاّ أن ينتهي إلى [حال] (٢) يظن فواته لو أخره عنها، ووافقه أبو يوسف وطائفة وهو مذهب المغاربة. ومذهب أبي حنيفة وأحمد: أنه على الفور وهو مذهب [العراقيين] (٣) من المالكية. والصحيح عند الشافعية: أن العمرة واجبة وهو مذهب الإِمام أحمد. ومذهب المالكية والحنفية: أنها سنة. ...

стр. 2873

٤١ - باب المواقيت المواقيت: جمع ميقات كميعاد ومواعيد كما سلف واضحاً في أول كتاب الصلاة. ومعناه لغة: الحد وذكر المصنف في الباب حديث [ابن عباس وحديث ابن عمر] (١): الحديث الأول ٢١١/ ١/ ٤١ - عن عبد الله بن عباس [﵄] (٢) "أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة، ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة, ولأهل نجد، قرن المنازل، ولأهل اليمن، يلملم، [...] (٣): هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن أراد الحج أو العمرة, ومن كان دون ذلك: فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة" (٤).

стр. 2874

الكلام عليه من وجوه: [الأول] (١): التوقيت ذكر الوقت في الأصل ثم استعمل في تعليق الحكم بالوقت فيصير التحديد من لوازم التوقيت فينطلق عليه [توقيت] (٢). فقوله هنا: "وقت" يحتمل أن يراد به التحديد أي حد المواضع للإِحرام. ويحتمل أن يراد [به] (٣) تعليق الإِحرام بوقت الوصول إلى هذه الأماكن بشرط إرادة الحج أو العمرة. ومعنى توقيت هذه الأماكن [للإِحرام أنه لا يجوز مجاوزتها] (٤) لمريد الحج أو العمرة إلَاّ محرماً [وإن لم يكن في لفظة "وقت" من حيث هي هي تصريح بالوجوب] (٥) فالحديث الثاني في الباب لفظه [يهل أهل المدينة] (٦) وهي صيغة خبر يراد به الأمر وثبت في

стр. 2875

"صحيح مسلم" أيضاً لفظ الأمر (١). قال الخطابي (٢): وقد أجمعوا على أنه لو أحرم دونها حتى يوافي الميقات محرماً أجزأه وليس كتحديد مواقيت الصلاة فإنها إنما ضربت حداً لئلا تقدم الصلاة عليها. قلت: [...] (٣) وأطلق جماعة من الشافعية الكراهة على تقديم الإِحرام على الميقات. واختلف آخرون منهم في أفضليته: والأصح عند الأكثرين منهم أنه أفضل. ومذهب مالك: أيضاً كراهة تقديم الإِحرام على الميقات زماناً ومكاناً ويلزم إن فعل (٤). ثانيها: في ضبط الأماكن الواقعة في هذا الحديث. الأول: "المدينة": زادها الله شرفاً لها اثنان وعشرون اسماً (٥) أوضحتها في "لغات المنهاج" فراجعها منه. وذكر ابن النجار في

стр. 2876

"تاريخ المدينة" (١) عن عبد العزيز بن محمد بن موسى بن عقبة قال: بلغني أن لها في التوراة أربعين اسماً وقد قدمنا في باب الجنابة (٢) في الحديث الثاني منه الاختلاف في اشتقاقها فراجعها من ثم. الثاني: "ذو الحليفة": بالحاء المهملة المضمومة وفتح اللام: [لبني جشم بينهم وبين خفاجة] (٣) على ستة أميال، وقيل: سبعة من المدينة [وذكره] (٤) القاضي عياض (٥) والقرطبي (٦): وقيل: أربع، [ووقع في الرافعي] (٧) أن بينها وبين المدينة ميل وهو غريب لكنه لم ينفرد به فهو كذلك في "الشامل" و"البحر" وهو [من مكة] (٨) عشر مراحل أو تسع فهو أبعد المواقيت منها. وأما ذو الحليفة [الذي في] (٩) حديث رافع بن خديج فهو

стр. 2877

موضع من تهامة نحو ذات عرق فليس بالمهل. الثالث: "الشأم" بالهمز والقصر على الأفصح ويذكر [ويؤنث] (١) وقد قدمنا ذلك في باب الاستطابة (٢) مع سبب تسميته وحده طولاً وعرضاً فراجعه من ثم. الرابع: "الجحفة": -بضم الجيم ثم حاء مهملة ساكنة- قرية جامعة تمتد على طريق المدينة من مكة على سبعة مراحل أو ثمان من المدينة وثلاث من مكة قاله النووي (٣)، وقال المحب الطبري: أربعة، وقال الرافعي: هي على خمسين فرسخاً. وقال ابن الحاج المالكي: على ثلاثة أيام. سميت بذلك: لأن العمالق أخرجوا إخوة عادٍ من يثرب فنزلوا مهيعة فجاء سيل فاجحفهم فسميت الجحفة. والإِجحاف: الاستئصال. ويقال لها: مهيعة بفتح الميم وسكون الهاء. وحكى القاضي عن بعضهم (٤): كسرها كجميلة وهي على ستة أميال من البحر.

стр. 2878

وذكر قاسم بن ثابت (١): أن مهيعة قريبة من الجحفة حكاه القاضي وهو غريب فقد فسرت في الحديث بأنها الجحفة وهي ميقات أهل مصر و [كذلك، (٢) المغرب وكذا الشام إن لم يمروا بميقات المدينة وهذا علم من أعلام نبوته أعني توقيته لأهل الشام الجحفة قبل أن يفتح الشام وكذا توقيته لأهل مصر أيضاً كما أخرجه النسائي (٣) من حديث عائشة وتوقيته الجحفة لأهل المغرب رواه الشافعي مرسلاً (٤) ويعضده الإِجماع على مقتضاه. الخامس: "نجد" بفتح النون وهو ما بين جرش إلى سواد الكوفة، وحده من المغرب الحجاز. والنجد: اسم للمكان المرتفع ويسمى المنخفض غوراً. قال صاحب المطالع: ونجد كلها من عمل اليمامة. السادس: "قرن المنازل": وهو بفتح القاف وسكون الراء، ويقال: له قرن الثعالب (٥) وروى في الصحيح غير مضاف وهو

стр. 2879

موضع تلقاء مكة على يوم وليلة منها (١) من أقرب المواقيت إليها وفتح بعضهم راءه وهو خطأ كما قال القاضي (٢). وقال القرطبي: الإِسكان أعرف قالا وقال [الفاسي] (٣): من قاله بالإِسكان أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن فتح أراد الطريق (٤) [تفرق منه فإنه موضع فيه طرق مختلفة] (٥). وقال النووي (٦): لا خلاف في إسكان الراء بين أهل العلم من أهل الحديث واللغة والتاريخ والأسماء وغيرهم، [وغلط] (٧) الجوهري في "صحاحه" فيه غلطين فاحشين فقال القرن: موضع وهو ميقات أهل نجد، ومنه أويس القرني بفتح راءه وزعم أن أويساً منسوب إليه، والصواب إسكان الراء فإن أويساً منسوب إلى قبيلة معروفة يقال لهم بنو قرن [لبطن] (٨) من مراد أي كما بين في الحديث

стр. 2880

الذي فيه ذكر طلب عمر [له] (١). قلت: فتلخص أن الصواب في المكان الإِسكان ولا خلاف في أن القبيلة التي يُنسب إليها أويس القرني بالفتح كما نبه الحفاظ كالدارقطني (٢) والسمعاني (٣) وابن حبيب (٤) وغيرهم ومنهم الصاغاني (٥)، حيث قال: الصواب في الميقات سكون الراء فأما أويس فهو منسوب إلى قرن بن ردمان بن ناجية بن مراد. السابع: "اليمن" هو الإِقليم المعروف سمى يمناً لأنه عن يمين الحجر الأسود والشام عن شماله والحجر الأسود مستقبل مطلع الشمس. قال صاحب المطالع: اليمن كلما كان عن يمين الكعبة من بلاد الغور واليمامة: مدينة اليمن على يومين من الطائف، وعلى أربعة من مكة ولها عمائر قاعدتها حجر اليمامة وهي من عداد أرض نجد، وتسمى العروض بفتح العين وقال السمعاني: في "أنسابه" (٦) اليمني نسبة إلى اليمن وبلاد اليمن بلاد عريضة كبيرة وقد ورد في فضائلها أحاديث عديدة قد ذكرتها في "النزاع إلى الأوطان" وإنما

стр. 2881

قيل لها اليمن لأنها يمين الأرض كما أن الشمال شمال الأرض وينسب إلى اليمن أيضاً يماني. الثامن: "يلملم" بفتح الياء المثناة تحت واللامين والميم ساكنة منها ويقال: فيه ألملم بهمزة بدل الياء وهو الأصل فإن الياء بدل منها وهو جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة قاله الرافعي وغيره، وقال البكري: على ليلتين. وحكى ابن السيد أنه يقال: فيه يرمرم (١) برآين. قال صاحب "الذخيرة": ويلملم أيضاً ميقات بعض أهل المغرب. واعلم: أن المراد بأن يلملم ميقات أهل اليمن أنها ميقات تهامة خاصة فإن نجد اليمن ميقاتهم ميقات نجد الحجاز. التاسع: "مكة" شرفها الله تعالى لها اثنان وعشرون اسماً ذكرتها موضحة في "لغات المنهاج" فراجعها منه. الوجه الثالث: من الكلام على الحديث هذا التوقيت متفق عليه لأرباب هذه الأماكن والجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة على وجوب الدم على مجاوزها (٢) خلافاً لعطاء، والنخعي فإنهما قالا لا شيء على تاركها ووقع في "شرح الفاكهي" بدل "النخعي" "الأصمعي" كذا رأيته في نسختين منه والذي في "شرح القاضي (٣) عياض"

стр. 2882

و"النووي" (١) و"أحكام المحب الطبري": النخعي ليس إلَاّ. وقال سعيد بن جبير: لا يصح حجه. ودليل الجمهور مأخوذ من غير هذا الحديث إذ ليس في لفظه ما يشعر به. وقول سعيد ابن جبير له إلمام بهذا الحديث من وجه وكان يحتاج إلى مقدمة أخرى من حديث آخر أو غيره، وقد روى مالك في "الموطأ" عن ابن عباس "من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً" (٢). فرع: لو أحرم ثم عاد إلى الميقات فالأصح عند الشافعية أنه إن كان قبل تلبسه بنسك فلا دم وإلَاّ فيجب وبه قال الأوزاعي وأبو يوسف. وقال مالك وأبو حنيفة: لا ينفعه رجوعه وعليه دم. وقال زفر: عليه دم رجع أو لم يرجع (٣). فرع: من بلغ ميقاتاً غير مريد نسكاً ثم أراده فميقاته، [موضعه ولا يكلف الرجوع إلى الميقات على قول الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة] (٤) خلافاً لأحمد وإسحاق (٥).

стр. 2883

الوجه الرابع: قوله: "هن" يريد المواقيت. وقوله: "لهن" يريد الأماكن المذكورة، وإن كان المراد أهلها فهو من واوي قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١) وكان الأصل أن يقول: هن لهم لأن المراد الأهل وقد جاء ذلك في بعض روايات البخاري ومسلم وكذا رواه أبو داود وغيره. قال القاضي (٢): وهو الوجه لأنه ضمير أهل هذه المواضع المذكورة وكذا ذكره مسلم في رواية ابن أبي شيبة قال: ووجه الرواية المشهورة [أن الضمير في "لهن" عائد على الأماكن المذكورة أي المواقيت لأهلها] (٣) فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه [قلنا هذه القاعدة من النفائس] (٤). الخامس: "هن" ضمير جماعة المؤنث العاقل في الأصل وقد يعاد على ما لا يعقل وأكثر ما يستعمله العرب فيما دون العشرة وما جاوزها استعملته بالهاء والألف قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (٥) أي من الاثني ثم قال: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي في هذه الأربعة وقيل: في الجميع حكاه القاضي وهو شاذ.

стр. 2884

السادس (١): قوله "ولمن أتى عليهن من غير أهلهن" مقتضاه أنه إذا مر بهن من ليس هن ميقاته أن يحرم منهن ولا يجاوزهن غير محرم كالشامي يمر بميقات المدني فيلزمه الإِحرام منه ولا يتجاوزه إلى الجحفة التي هي ميقاته وكذا الباقي وهذا لا خلاف فيه عند الشافعية. وأما المالكية: فإنهم نصوا على أن له مجاوزته إلى الجحفة وحكاه ابن المنذر عن أبي ثور ومن أطلق من مصنفي الشافعية أنه لا خلاف فيه فمراده مذهبه حكى بعضهم أن ابن الرفعة حكاه وجهاً عن الفوراني فليحرر [نبه عليه الشيخ تقي الدين وكأنه أراد ببعض المصنفين النووي (٢) فإنه نقله غير واحد عنه] (٣) ولا شك أن قوله: "ولمن أتى عليهن" عام فيمن أتى عليهن سواء كان ميقات بلده أو غيره كأهل الشام والجحفة إذا مروا بين يدي هذه المواقيت ومن لم يمر بين يديها. وقوله: "ولأهل الشام الجحفة" عام بالنسبة إلى من يمر بميقات آخر أيضاً فإن قلنا بالعموم الأول دخل تحته هذا الشامي الذي مر بذي الحليفة فيلزمه أن يحرم منها وإذا عملنا بالعموم الثاني وهو أن لأهل الشام الجحفة دخل تحته هذا المار أيضاً بذي الحليفة فيكون له التجاوز إليها فلكل واحد منها عموم من وجه فكما يحتمل

стр. 2885

أن يقال: [لمن أتى عليهن من غير أهلهن مخصوص بمن ليس ميقاته بين يديه] (١) ولأهل الشام الجحفة مخصوص بمن لم يمر بشيء من هذه المواقيت. فرع: يستثني الأجير يحرم من ميقات مستأجره لا ما مر به حكاه ابن الرفعة عن الفوراني بزيادة إنه يحرم أيضاً مما [بإزائه] (٢) الأبعد من مكة وأقره عليه. السابع: قوله "ممن أراد الحج والعمرة" مقتضاه تخصيص هذا الحكم بالمريد لأحدهما أولهما وأنه إذا لم يرد واحد منهما لا يلزمه الإِحرام وله التجاوز غير محرم فيستدل به على أنه لا يلزمه الإِحرام لمجرد دخول مكة وهو الصحيح من قولي الشافعي فيمن قصد مكة لا لنسك لكن هذا الاستدلال أولاً يتعلق بأن المفهوم له عموم من حيث أن مفهومه أن لا يريد حجاً ولا عمرة ولا دخول مكة وأن لا يريدهما [وقد] (٣) يريد الدخول وفي عموم المفهوم نظر (٤) في الأصول وعلى تقدير أن يكون له عموم فإذا دل الدليل على وجوب الإِحرام لدخولها وكان ظاهر الدلالة لفظاً قدم على هذا المفهوم لأن

стр. 2886

المقصود بالكلام حكم الإِحرام بالنسبة إلى هذه الأماكن ولم يقصد به بيان حكم الداخل إلى مكة والعموم إذا لم يقصد فدلالته ليست بتلك القوية إذا ظهر من السياق المقصود من اللفظ. الثامن: قوله: "ممن أراد الحج والعمرة" استنبط منه بعضهم أن الحج على التراخي لقوله: "ممن أراد" لأن من مر بهذه المواقيت لا يريد حجاً ولا عمرة يدخل تحته من لم يحج فيقتضي اللفظ أنه لا يلزمه الإِحرام من حيث المفهوم ولو وجب على الفور للزمه أراد الحج أو لم يرده وفيه من الكلام ما سلف في الوجه السابع، وقد قدمنا الخلاف في وجوبه على الفور أو التراخي أول الباب. ومن قال بالفورية قال: معنى الإِرادة هنا النية لا التخيير وأنها [قد تأتي] (١) للوجوب. واستدل من قال بالتراخي: بأن فريضة الحج كانت سنة خمس أو ست أو ثمان من الهجرة على أقوال في ذلك ولم يحج ﷺ إلَاّ في سنة عشر فلو كان واجباً على الفور لم يؤخره وأبعد من قال إنه فرض سنة عشر حكاه القرطبي وحكى قولاً آخر: أنه فرض سنة سبع ونقل أن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٢) نزلت سنة ثلاث عام أحُد وقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (٣) مكية. التاسع: قوله: "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ" مقتضاه

стр. 2887

أن من منزله ببن مكة والميقات إذا أنشأ السفر للحج أو للعمرة فميقاته منزله ولا يلزمه المسير إلى الميقات المنصوص عليه من هذه المواقيت. ونقل القاضي [عياض] (١) عن مجاهد أن ميقاته مكة قال والجمهور: على أن ميقاته موضعه فإن لم يحرم منه كتارك ميقاته. العاشر: قوله: "حتى أهل مكة من مكة" مقتضاه أن أهل مكة يحرمون منها وهو مخصوص بالإِحرام بالحج وميقاته نفس مكة على الصحيح عند الشافعية. وقيل: كل الحرم وظاهر الحديث يخالفه والأفضل أن يحرم من باب داره. وقيل: من المسجد تحت الميزاب. وعبارة ابن الحاجب من المالكية: في تعيين المسجد الحرام قولان. قال بعض شيوخ المالكية: ممن [أدركناه] (٢) وأظن هذا على الأولوية لا على الوجوب إذ لا دليل عليه. أما الإِحرام بالعمرة فإنه من أدنى الحل كما فعل ﵊ بعائشة ﵂ ليلة النفر فإنه بعثها مع أخيها

стр. 2888

عبد الرحمن ليحرما من التنعيم ويدخل في أهل مكة من بمكة ممن ليس من أهلها. الحادي عشر: في الحديث دلالة على فضيلة مكة والحرم والحج والعمرة من حيث شرعت هذه المواقيت والإِحرام: لمن أراد دخولها تشريفاً وتعظيماً أو تلبس بهما أو بأحدهما. الثاني عشر: لم يذكر في هذا الحديث ميقات أهل المشرق وميقاتهم ذات عرق كما رواه النسائي (١) من حديث عائشة، ورواه مسلم (٢) من حديث أبي الزبير عن جابر لكنه لم يجزم برفعه وتضعيف الدارقطني (٣) له بأن العراق لم تكن فتحت في زمنه ﵊ عجيب منتقض بتوقيته ﵊ لأهل الشام الجحفة ولم تكن فتحت بل حكى ابن بزيزة إجماع النقلة على أنها كانت دار كفر وكذا مصر لم تكن فتحت كما أسلفنا وأن هذا من أعلام نبوته -عليه أفضل الصلاة والسلام- وأخبر ﷺ بفتحها. نعم اختلف العلماء هل هذا الميقات بنص منه ﷺ أو باجتهاد عمر (٤) كما بينه البخاري في صحيحه (٥) كذا نقله عن تصحيح

стр. 2889

أصحابنا وعن نص الشافعي "الأم" (١) والنووي في "شرح مسلم" (٢) وخالف في "الروضة" تبعاً للرافعي أن ميل الأكثرين إلى أنه منصوص عليه كالمواقيت الأربعة. وقال الرافعي في "الشرح الصغير" إنه الأرجح نعم خالف في "شرح المسند" فقال: إن مذهب الشافعي أنه باجتهاد عمر ولم يحك فيه خلافاً. فرع: الأفضل لأهل المشرق أن يهلوا من العقيق وهو واد وراء ذات عرق مما يلي المشرق بالقرب منها وقد ورد في حديث أنه ميقاتهم في حديث فيه مقال (٣) ولو صح لوجب فالجمع بينهما للاحتياط أولى لأن من أحرم منه كان محرماً منها ولا عكس وروى

стр. 2890

عن بعض السلف أنهم يهلوا من الربذة [حكاه القرطبي] (١). الثالث عشر: في الحديث دلالة أيضاً على جواز إطلاق الميقات على الأمكنة وإن كان أصله في الأزمنة ولهذا قال الفقهاء: للحج والعمرة ميقاتان زماني ومكاني وبينوا كل واحد منهما. الرابع عشر: نقل القاضي عن [بعض] (٢) علمائهم أن في المواقيت حجة لنا أن أقل ما يقصر فيه الصلاة ويسمى سفراً مسافة يوم وليلة لأنه أقل مقادير المواقيت [لأهل الآفاق المسافرين حتى يمر لهم سفر وهم محرمون لأن قرن أقرب المواقيت] (٣) من مكة وهو على يوم وليلة منها. الخامس عشر: قال أيضاً في الحديث رِفق النبي ﷺ بأمته لأنه جعل المواقيت لأهل الآفاق بالقرب ولأهل المدينة أبعد منهم لما كانوا أقرب من أهل الآفاق إلى مكة. فلا تلحقهم من مشقة [طول] (٤) السفر ما يلحق غيرهم فلهذا بعدها وقرب تلك. وقال ابن حزم: إنما جعل ذلك لتعظيم أجره ﵊. ...

стр. 2891

الحديث الثاني ٢١٢/ ٢/ ٤١ - عن عبد الله بن عمر [﵄] (١)، أن رسول الله ﷺ قال: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن" (٢). قال عبد الله: وبلغني أن رسول الله ﷺ قال: "ويهل أهل اليمن من يلملم". قد قدمنا الكلام على هذا الحديث في الحديث الذي قبله وأن قوله: "يهل" إلى آخره صيغة خبر يراد بها الأمر وهو أبلغ إذ الخبر من حيث موضوعه لا يتصور فيه الخلف بخلاف الأمر [فذكره له بصيغة الخبر توكيد] (٣).

стр. 2892

وقدم المصنف حديث ابن عباس [عليه] (١) لأن فيه التصريح بميقات أهل اليمن عن رسول الله ﷺ خلاف حديث ابن عمر فإنه لم يحفظه بل بلغه بلاغاً وإن كان ابن عمر أحفظ وأضبط لأحاديث المواقيت والمناسك فإنه حج مع النبي ﷺ وضبط أماكن نزوله وصلاته [فيها] (٢) وتتبعها بعده وصلَّى فيها اقتداء وتبركاً (٣). ووقع في "شرح الشيخ تقي الدين" (٤) أن ابن عباس ذكر سماعه لميقات اليمن من النبي ﷺ ، وتبعه الفاكهي وغيره، وليس في الحديث دلالة على ذلك فتأمله، بل أحاديثه التي صرح فيها بالسماع قليلة كما ذكرت عدها في باب الاستطابة (٥). فروع: قال بعض المتأخرين من المالكية: اختلف العلماء في الرجل يجاوز ميقاته إلى ميقات آخر أقرب إلى مكة. فالمنصوص عن مالك وجوب الدم (٦).

стр. 2893

ولأصحابه: قولان: وبالوجوب قال الشافعي (١): وبالسقوط قال أبو حنيفة (٢): والصحيح عندهم في المريض يكون من أهل المدينة أنه يجوز لأن يؤخر إحرامه إلى الجحفة لأنها أقرب إلى مكة وقد قدمنا عنهم أن الشامي إذا مر بالمدينة أن يترك الإِحرام من ذي الحليفة إلى الجحفة وعلله القرطبي في "مفهمه" (٣) بأن الجحفة ميقات منصوب نصباً عاماً لا يتبدل. واختلف العلماء فيمن أفسد حجه من أين يقضيه؟ فعند الحسن بن حي والثوري: من الميقات. وعند أبي حنيفة وأصحابه: أنه مخير. وعند الشافعية تفصيل ذكرته في كتب الفروع (٤). خاتمه: لا يشترط أعيان هذه المواقيت بل ما يحاذيها في معناها والأفضل في كل ميقات أن يحرم في طرفه الأبعد من مكة، ولو أحرم من طرفه الآخر جاز. فائدة: ما الحكمة في كون المواقيت المذكورة بعضها أقرب من بعض.

стр. 2894

فالجواب ما ذكره القرافي أنه يروي أن الحجر الأسود كان له نور يصل آخره إلى هذه [المواقيت] (١) فمنع الشرع من مجاوزتها لمن أراد النسك تعظيماً لتلك" [الآيات] (٢) لكن الذي ذكره أصحابنا أن نور الحجر حيث انتهى كان حداً للحرم لا للميقات، فإنه لما أُهبط إلى الأرض أضاء نوره شرقاً وغرباً ويميناً وشمالاً، فكان حد الحرم حيث انتهى نوره. وسبب تقارب الحرم من البيت وبعده أن آدم ﵊ لما أُهبط إلى الأرض خاف الشيطان فأنزل الله تعالى ملائكة تحرسه، فحيث وقفت من كل جانب كان ذلك حده منه. وقيل: أنزلت خيمة من الجنة فضربها ووقفت الملائكة من ورائها تحرسه فالحرم موقف الملائكة (٣). ...

стр. 2895

٤٢ - باب ما يلبس [المحرم] (١) من الثياب أي وصفة التلبية، ومنع سفر المرأة إلَاّ بزوج أو محرم كما ذكره في آخره، ومجموع ما ذكره فيه أربعة أحاديث: [الحديث] (٢) الأول ٢١٣/ ١/ ٤٢ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رجلاً قال: "يا رسول الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال: لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلَاّ أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئاً مسه زعفران أو ورس (٣).

стр. 2896

وللبخاري "ولا تنتقب [المرأة]، ولا تلبس القفازين" (١). الكلام عليه من وجوه: الأول: هذا [السائل] (٢) لم أقف على اسمه بعد البحث عنه وفي رواية لأحمد (٣) "أنه سمع النبي ﷺ يقول على هذا المنبر"، وذكر معناه. وفي رواية للدارقطني (٤): "أن رجلاً نادى في المسجد ما يترك المحرم من الثياب". الثاني: في ألفاظه: الأول: "الثياب"، وقد قدمنا في باب جامع (٥) أن الثوب لغة غير المخيط كالرداء والإِزار وأنه يطلق على المخيط كالقميص وغيره. [الثاني] (٦): "القمص": جمع قميص وهو معروف، يقال: تقمصت القميص إذا لبسته وتقمصت الأمر استعارة إذا دخلت فيه.

стр. 2897

[الثالث] (١): "العمائم": جمع عمامة وهو ما يلف به الرأس، سميت: بذلك لأنها تعم جميع الرأس بالتغطية. الرابع "السراويلات": جميع سراويل وهي مؤنثة عند الجمهور، وقيل: مذكر والجمهور على أنها أعجمية معربة (٢). وقيل: عربية والجمهور على أنها مفردة وجمعها سراويلات. وقيل: سراويل جمع سروالة. ويقال: [فيها] (٣) سراوين بالنون وبعض الأعراب تقول شروال بالشين المعجمة، ويقال: سرولته مسترول أي ألبسته السراويل والأكثرون على أنه لا ينصرف إذا كان نكرة، وقيل: ينصرف. الخامس: "البرانس": جمع برنس بضم الباء والنون وهو كل ثوب رأسه ملتصق به دراعة أو جبة أو غيرهما. وقال [ابن زيد] (٤)، البرنس: بضم الباء نوع من الطيالسة يلبسه العباد وأهل الخير حكاه صاحب "المطالع"، وقال الجوهري (٥): هو قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإِسلام وهو من [البرنس] (٦) بضم الباء وهو القطن والنون زائدة، وقيل: إنه غير عربي.

стр. 2898

السادس: "الخفاف" جمع: خف وتجمع على أخفاف أيضاً ذكره صاحب "المطالع" وهو معروف. السابع: "الزعفران": نبت يكون باليمن وورد في الحديث ذكره كثير. الثامن: "الورس": نبت أصفر تصبغ به الثياب معروف، الحديث "ثياب ورسية"، و"ملحفة ورسية" (١) أي مصبوغة به. وقال ابن العربي: الورس نبات يزرع في اليمن زرعاً ولا يكون بغيره ولا يكون قوياً نباته مثل السمسم [فإذا جف] (٢) تفتقت خرائطه [فينفض] (٣) فينتفض منه الورس أحمر يزرع سنة فيقيم بالأرض عشر سنين ينبت وينمو وأَجوده حديثه يقال: أورس فهو وارس وتورس لغة ضعيفة. وقال أبو حنيفة الدينوري: لا ينبت الورس إلَاّ باليمن، وكذا نقله السهيلي عنه. وقال ابن البيطار: في "جامعه" (٤) يؤتى بالورس من الصين، واليمن، والهند وليس هو بنبات يزرع كما زعم من زعم قال: وهو يشبه زهر العصفر ومنه شيء يشبه نشارة البابونج، ومنه شيء يشبه البنفسج، ويقال: إن الكركم عروقه.

стр. 2899

ووقع في "الجيلي" أن الورس هو العُصفر وهو غلط فإنه غيره. وعبارة البغوي والرافعي: هو شجر يُخرج شيئاً كالزعفران. التاسع: "القفاز": بضم القاف وتشديد الفاء تلبسه نساء العرب في أيديهن تغطي الأصابع والكف والساعد من البرد محشي بقطن ويكون له أزرار تزرُّ على الساعدين، وهما قفازان. وقيل: هو ضرب من الحلى تتخذه المرأة ليديها. العاشر: معنى: "لا تنتقب المرأة" أي لا تستر وجهها لأجل إحرامها. والنقاب: شد الخمار على الأنف. وقيل: على المحجر. الوجه الثالث: في أحكامه وفوائده: الأول: الأصل في الجواب المطابقة والزيادة المقيدة عليها حسنة ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨)﴾ (١) فهذا هو الجواب المطلق، ثم زاد: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ الآية. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)﴾ (٢). فقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ جاء بعد المطابقة أي إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا

стр. 2900

أولى ما توقنون به لظهوره وإثارة دليله وهذا السائل سأل عما يلبس فأجابه ﵊ بما لا يلبس وهو من بديع الكلام وجزله فإن المسؤول عنه غير منحصر إذ الأصل الإِباحة، فأجاب بالمنحصر الذي كان من حق السؤال أن يقع به على أن سفيان رواه مرة عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: سأل رجل رسول الله ﷺ ما يترك المحرم من الثياب، فقال: الحديث كما رواه الإِمام أحمد (١) في مسنده [وأبو داود والدارقطني في سننه] فجاء على الأصل. الثاني: الألف واللام في "المحرم" للجنس، ولذلك جمع ﵊ القمص وما بعدها, ولو أريد المحرم الواحد لقيل: ولا يلبس قميصاً ولا عمامة، ونحو ذلك بالإِفراد وإن كان في بعض الروايات إفراد القميص. الثالث: الإِجماع قائم على أن ما ذكر لا يلبسه المحرم وعداه القياسيون إلى ما وراه في معناه وأنه ﵊[نبه] (٢) بكل واحد من المذكورات على ما في معناه، فنبه بالقميص والسراويل على كل مخيط أو مخيطة معمول على قدر البدن أو عضو منه كالجوشن والتبان وغيرهما، ونبه بالعمائم والبرانس على كل ساتر الرأس مخيطاً [كان] (٣) أو غيره حتى العصابة فإنها حرام، فإن

стр. 2901

احتاج إليها لصداع أو شجة ونحوها شدها ولزمته الفدية، ونبه بالخفاف على كل ساتر من مداس وجورب وغيرهما ونبه بالزعفران والورس على كل طيب فيحرم على كل محرم رجلاً كان أو امرأة جميع أنواع الطيب الذي يقصد له [أما] (١) ما لا يقصد له كالأترج والتفاح وأزهار البراري كالقيصوم ونحوه فليس بحرام لأنه لا يقصد للطيب. أما المرأة: فإنه يباح لها ستر جميع البدن بكل ساتر إلَاّ وجهها وكفيها بغير القفازين وكذا بها في أظهر القولين عن الشافعي لرواية البخاري المذكورة. وعن أبي حنيفة: جوازه بهما لأن سعد بن أبي وقاص كان يأمر بناته بلبسهما في الإِحرام. الرابع: السر في تحريم هذه المذكورات على المحرم ما فيها من الترفه والتزين ليتصف بصفة الخاشع الذليل، وليتذكر أنه محرم في كل وقت، فيكون أقرب إلى كثرة أذكاره، وأبلغ في مراقبته وصيانته لعبادته وامتناعه من ارتكاب المحظورات، وليتذكر به الموت والأكفان والبعث حفاة عراة مهطعين إلى الداعي. الخامس: لفظ: "المحرم" يتناول من أحرم بالحج والعمرة معاً أو بأحدهما، والإِحرام الدخول في أحد النسكين والتشاغل بأعمالهما، قال الشيخ تقي [الدين] (٢): وقد كان شيخنا العلامة

стр. 2902

أبو محمد بن عبد السلام ﵀ يستشكل معرفة حقيقة الإِحرام (١) جداً ولبحث فيه كثيراً، وإذا قيل له أنه النية اعترض عليه بأن النية شرط الحج الذي الإِحرام ركنه وشرط الشيء غيره ويعترض عليه أنه التلبية بأنها ليست بركن والإِحرام ركن هذا أو قريب منه، وكأنه [يحرم] (٢) على [تعيين] (٣) فعل تتعلق به النية في الابتداء. السادس: في الحديث تنبيه على عظم عبادة الحج والعمرة باعتبار مشروعية ما فيهما من الشرائط والأركان والواجبات والسنن والآداب والخروج عن العادة المألوفة. السابع: فيه أيضاً جميع ما يلبس فيهما لمقاصد الآخرة، والأعراض عن مقاصد الدنيا وملاذها وترفهها. الثامن: فيه أيضاً اعتقاد ما منع الشرع من إتلافه بسببهما وهو قطع الخف أسفل من الكعبين إذا لم يجد نعلين مع نهيه ﵊ عن إضاعة المال. وجوزت الحنابلة جواز لبسه له من غير قطعه لأن حديث ابن عباس الآتي لم يذكر فيه قطعه [وكذا حديث جابر في مسلم كأنهم يزعمون نسخ حديث ابن عمر هذا وأن قطعه إضاعة مال وخالفهم الإِئمة الثلاثة في ذلك.

стр. 2903

وجمهور العلماء قالوا: لا يجوز لبسه إلَاّ بعد قطعه أسفل من الكعبين] (١)، والنسخ لا يصار إليه إلَاّ بتعيين تاريخ متأخر، كيف وحديث ابن عباس وجابر مطلق وحديث ابن عمر مقيد، والمطلق يحمل على المقيد والزيادة من الثقة مقبولة. وقولهم: إنه إضاعة مال لا يقبل فإن الإِضاعة إنما تكون فيما نهى عنه لا فيما أذن فيه، بل هو حق يجب الإِذعان إليه. قال الخطابي (٢): والعجب من أحمد في هذا فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، وقلَّت سنة لم تبلغه، ويشبه أن يكون إنما ذهب إلى حديث ابن عباس، وليست هذه الزيادة فيه، وإنما رواها ابن عمر إلَاّ أن الزيادات مقبولة، قال: وقول عطاء أن قطعها فساد يشتبه أن يكون لم يبلغه حديث ابن عمر، وإنما الفساد أن يفعل ما نهت عنه الشريعة، فأما [ما أذن فيه الرسول ﷺ فليس بفساد] (٣). وأعل ابن الجوزي في "تحقيقه" (٤) حديث ابن عمر بالوقف فقال: احتجوا بهذا الحديث، والجواب: أن رواته اختلفوا، قال:

стр. 2904

أبو داود رواه موسى بن عقبة، وعبيد الله بن عمر، ومالك، وأيوب [موقوفاً] (١)، على ابن عمر، والجواب: عن هذا أن الرافع معه زيادة علم فقدمت روايته. وقد أجاب هو في غير ما موضع بهذا، وإنما فعل هذا هنا نصرة لمذهبه وصرح صاحب "المنتقى" (٢) منهم بالنسخ، فقال: لما روى حديث ابن عباس الآتي، وفي رواية، عن عمرو بن دينار: أن أبا الشعثاء أخبره عن ابن عباس ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "من لم يجد أزاراً ووجد سراويل فليلبسهما، ومن لم يجد نعلين ووجد خفين فليلبسهما"، قلت: ولم يقل ليقطعهما؟ قال: لا. رواه أحمد (٣)، وهذا بظاهره ناسخ لحديث ابن

стр. 2905

عمر بقطع الخفين لأنه قال بعرفات في وقت الحاجة: وحديث ابن عمر كان بالمدينة كما سبق هذا لفظه وجوابه ما سلف، ثم إنما يتم له استدلاله أيضاً أنه لو كان السؤال بالمدينة قبل وقوفه ﵊ بعرفات من الجائز كون السؤال بعد ذلك. وقال القرطبي (١): حديث ابن عمر رَاد، وقال القاضي: الزيادة التي حفظها ابن عمر تحكم على حديث ابن عباس وجائز على من قال: إنه إضاعة مال، قال: وهذا من هذا القائل حكم بالعموم على الخصوص وهو عكس ما يجب إذ هو إعمال المرجوح وإسقاط الراجح، وهو فاسد بالإِجماع. فرع: إذا وجد النعلين غاليين فله لبس الخفين المقطوعين صرح به من المالكية ابن الجلاب (٢)، وهو ظاهر كما في نظيره من التيمم. فرع: إذ لبس الخف المقطوع لضرر بقدميه مع وجود النعل افتدى كما قاله ابن القاسم المالكي معللاً بأن لباسه كالدواء. التاسع: لابس الخفين لعدم النعلين يجب عليه الفدية عند أبي حنيفة وأصحابه كما إذا احتاج إلى الحلق يحلق ويفتدي. وقال مالك والشافعي ومن وافقهما: لا شيء عليه لأنه

стр. 2906

لو وجبت فدية لبينها ﷺ .كذا فرض الخلاف النووي في "شرح مسلم" (١) ولم يتعرض للقطع، وحكاه القاضي في حالة القطع، وكذا القرطبي (٢) قال: [وقول مالك، أولى ولو لزمته لبينها للسائل حين سأله إذ ذلك محل البيان ووقته ولا يجوز تأخير البيان عند وقت الحاجة بالإِجماع. قال: وأيضاً فحينئذ يكون الخف لا معنى له إذ الفدية لازمة بلباسه غير مقطوع] (٣)، وجزم الفاكهي بوجوب الفدية في حالة القطع، وفيه مخالفة لما حكاه القاضي والقرطبي عن مالك. العاشر: لو لبس الخفين المقطوعين مع وجود النعال لزمته الفدية بلبسهما، فإن الشارع إنما أباح له لبسهما مقطوعين بشرط عدم النعلين فلبسهما كذلك غير جائز، هذا قول مالك والليث: واختلف فيه قول الشافعي كما حكاه عنه القاضي والقرطبي والذي نعرفه أن الشافعي نص على التحريم ولأصحابه فيه وجه بالجواز. ونقل القاضي عن أبي حنيفة أنه لا فدية وهو غريب منه، حيث يقول: بعدم الفدية في هذه الحالة وبوجوبها عند عدم النعلين. وقال ابن حبيب: إنما رخص في قطع الخفين لقلة النعال وقد كثرت فلا رخصة ومن فعل افتدى.

стр. 2907

وقال ابن الماجشون: الصواب أن لا فدية على من لم يجد نعلين، وقول ابن حبيب، خلاف مالك. الحادي عشر: اللبس هنا محمول عند الفقهاء على اللبس المعتاد في كل شيء مما ذكر فلو ارتدى بالقميص لم يمنع منه لأنه غير المعتاد في القميص. واختلف في القباء إذا لبس من غير إدخال اليدين في الكمين. فمذهب مالك: وجوب الفدية، والحالة هذه وإن لم يزره لأن ذلك [من] (١) المعتاد فيه أحياناً. وقال بعضهم: لا فدية عليه، وحكى ابن القاسم عن مالك: كراهة إدخال المحرم منكبيه في القباء إن لم يدخل يديه في كميه، ونقل أبو عمر (٢) عن أبي حنيفة، وأبي ثور: أنه لا بأس بذلك. والأصح عند الشافعية: وجوب الفدية إذا لبسه من غير إدخال اليدين في الكمين، وسواء في ذلك جميع الأقبية [وقد] (٣) حكاه الماوردي (٤) وغيره أنه إن كان من أقبية خراسان ضيق الأكمام قصير الذيل وجبت الفدية، وإن لم يدخل يده في كمه، وإن كان من أقبية العراق واسع الكم طويل الذيل لم يجب حتى يدخل يديه [في] (٥) كميه، وهذا الوجه غريب ضعيف.

стр. 2908

ولو القى على بدنه قباء أو فرجيه وهو مضطجع. قال إمام الحرمين: إن صار على بدنه بحيث لو قام عد لابسه لزمته الفدية، وإن كان بحيث لو قام أو قعد لم يستمسك عليه إلَاّ بمزيد أمر فلا فدية، وروى عن مالك كراهة الارتداء بالسراويل، ولعله لقبحه، قال أبو عمر: وكره ابن عمر أن يلقي عليه برنس أو ثوب مخيط وهو مريض محرم وهو ورَع منه (١). الثاني عشر: المنع من الزعفران والورس دليل على المنع من أنوع الطيب والحكمة في تحريمه أنه داعية إلى الجماع وأنه ينافي حال المحرم فإنه أشعث أغبر وسواء في تحريم ذلك الرجل والمرأة، وما اختلفوا في استعماله فاختلافهم بناء على أنه من الطيب أم لا فلو تطيب ناسياً فلا فدية عليه عند [الثوري والشافعي] (٢) وأحمد وإسحاق، وخالف أبو حنيفة ومالك. ولا يحرم على المحرم لبس المعصفر عند الشافعي ومالك. وخالف الثوري وأبو حنيفة: وجعلاه طيباً كالمزعفر وأوجبا فيه الفدية. قلت: ويكره عندنا للمحرم لبس الثياب المصبوغة بغير طيب ولا يحرم، وكره مالك (٣) المفدم منه أي المشبع بالحمرة كما قاله الجوهري.

стр. 2909

قال القاضي (١): واختلف عنه هل على لابسه فدية؟ واختلف أصحابه فيه أيضاً، قال: وأجاز مالك سائر الثياب المصبغة بغير هذا، وكرهها بعضهم لمن يقتدى به، فيظن به جواز لباس كل مصبوغ. وقال الباجي (٢): المعصفر على ضربين: مفدم ومورد. فأما المفدم: ممنوع للرجال والنساء لأنه لا يتخذ غالباً إلَاّ للتجمل، ولأنه يتعلق منه بالجسد ما يشبه ردع (٣) الزعفران. وأما المورد: والمصبوغ بالمغرة. قال ابن المواز: والأصفر بغير ورس ولا زعفران فليس بممنوع لأنه لا يفعل غالباً إلَاّ إبقاء على الثوب، ويكره لمن يقتدى به، رواه محمد بن أشهب (٤)، وروى ابن حبيب: عن مالك لا بأس أن تلبس المحرمة المعصفر المفدم ما لم ينتفض (٥) عليها شيء [منه] (٦)، وروى ابن عبدوس عن أشهب كراهة المعصفر لمن يقتدى به، وإن كان لا ينتفض، فإن غسل المزعفر حتى ذهب ريحه فلا بأس به عند

стр. 2910

جميعهم وروى ابن القاسم عن مالك كراهته ما بقي لونه شيء فإن لم يجد غيره صبغه بالممشق وهو المدر. الثالث عشر: قال الخطابي: المحرم منهى عن الطيب في بدنه وفي لباسه، وفي معناه الطيب في طعامه، لأن بغية الناس في تطييب الطعام، كبغيتهم في تطييب اللباس (١). قلت: ولا يحرم عندنا إذا ظهر لونه وحده على الأظهر، ويحرم إذا ظهرت الرائحة وحدها، وكذا الطعم وحده على الأظهر. وعند المالكية: أنه لا شيء عليه في أكل الخبيص المزعفر. وقيل: إن صبغ الفم ففيه الفدية وما خلط بالطيب من غير طبخ، ففي إيجاب الفدية به روايتان لهم، قالوا: ولو بطلت رائحة الطيب (٢) لم يبح استعماله. الرابع عشر: في الحديث دلالة على تحريم لباس السراويل على المحرم مطلقاً، وبه قال مالك: وجوّزه الشافعي وأحمد والجمهور إذا لم يجد إزاراً من غير قطعه لحديثي ابن عباس، وجابر في إباحته عند عدم الأزار، وكونه لم يذكر في حديث ابن عمر هذا، لأنه ذكر حالة وجود الأزار، فلا منافاة بين الحديثين حينئذ، وهذا أولى من فعل ابن الجوزي في "تحقيقه" حيث أعمل حديث ابن عمر بالوقف كما سلف.
следующие страницы →