← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

لو وجبت فدية لبينها ﷺ .كذا فرض الخلاف النووي في "شرح مسلم" (١) ولم يتعرض للقطع، وحكاه القاضي في حالة القطع، وكذا القرطبي (٢) قال: [وقول مالك، أولى ولو لزمته لبينها للسائل حين سأله إذ ذلك محل البيان ووقته ولا يجوز تأخير البيان عند وقت الحاجة بالإِجماع. قال: وأيضاً فحينئذ يكون الخف لا معنى له إذ الفدية لازمة بلباسه غير مقطوع] (٣)، وجزم الفاكهي بوجوب الفدية في حالة القطع، وفيه مخالفة لما حكاه القاضي والقرطبي عن مالك. العاشر: لو لبس الخفين المقطوعين مع وجود النعال لزمته الفدية بلبسهما، فإن الشارع إنما أباح له لبسهما مقطوعين بشرط عدم النعلين فلبسهما كذلك غير جائز، هذا قول مالك والليث: واختلف فيه قول الشافعي كما حكاه عنه القاضي والقرطبي والذي نعرفه أن الشافعي نص على التحريم ولأصحابه فيه وجه بالجواز. ونقل القاضي عن أبي حنيفة أنه لا فدية وهو غريب منه، حيث يقول: بعدم الفدية في هذه الحالة وبوجوبها عند عدم النعلين. وقال ابن حبيب: إنما رخص في قطع الخفين لقلة النعال وقد كثرت فلا رخصة ومن فعل افتدى.

стр. 2907

وقال ابن الماجشون: الصواب أن لا فدية على من لم يجد نعلين، وقول ابن حبيب، خلاف مالك. الحادي عشر: اللبس هنا محمول عند الفقهاء على اللبس المعتاد في كل شيء مما ذكر فلو ارتدى بالقميص لم يمنع منه لأنه غير المعتاد في القميص. واختلف في القباء إذا لبس من غير إدخال اليدين في الكمين. فمذهب مالك: وجوب الفدية، والحالة هذه وإن لم يزره لأن ذلك [من] (١) المعتاد فيه أحياناً. وقال بعضهم: لا فدية عليه، وحكى ابن القاسم عن مالك: كراهة إدخال المحرم منكبيه في القباء إن لم يدخل يديه في كميه، ونقل أبو عمر (٢) عن أبي حنيفة، وأبي ثور: أنه لا بأس بذلك. والأصح عند الشافعية: وجوب الفدية إذا لبسه من غير إدخال اليدين في الكمين، وسواء في ذلك جميع الأقبية [وقد] (٣) حكاه الماوردي (٤) وغيره أنه إن كان من أقبية خراسان ضيق الأكمام قصير الذيل وجبت الفدية، وإن لم يدخل يده في كمه، وإن كان من أقبية العراق واسع الكم طويل الذيل لم يجب حتى يدخل يديه [في] (٥) كميه، وهذا الوجه غريب ضعيف.

стр. 2908

ولو القى على بدنه قباء أو فرجيه وهو مضطجع. قال إمام الحرمين: إن صار على بدنه بحيث لو قام عد لابسه لزمته الفدية، وإن كان بحيث لو قام أو قعد لم يستمسك عليه إلَاّ بمزيد أمر فلا فدية، وروى عن مالك كراهة الارتداء بالسراويل، ولعله لقبحه، قال أبو عمر: وكره ابن عمر أن يلقي عليه برنس أو ثوب مخيط وهو مريض محرم وهو ورَع منه (١). الثاني عشر: المنع من الزعفران والورس دليل على المنع من أنوع الطيب والحكمة في تحريمه أنه داعية إلى الجماع وأنه ينافي حال المحرم فإنه أشعث أغبر وسواء في تحريم ذلك الرجل والمرأة، وما اختلفوا في استعماله فاختلافهم بناء على أنه من الطيب أم لا فلو تطيب ناسياً فلا فدية عليه عند [الثوري والشافعي] (٢) وأحمد وإسحاق، وخالف أبو حنيفة ومالك. ولا يحرم على المحرم لبس المعصفر عند الشافعي ومالك. وخالف الثوري وأبو حنيفة: وجعلاه طيباً كالمزعفر وأوجبا فيه الفدية. قلت: ويكره عندنا للمحرم لبس الثياب المصبوغة بغير طيب ولا يحرم، وكره مالك (٣) المفدم منه أي المشبع بالحمرة كما قاله الجوهري.

стр. 2909

قال القاضي (١): واختلف عنه هل على لابسه فدية؟ واختلف أصحابه فيه أيضاً، قال: وأجاز مالك سائر الثياب المصبغة بغير هذا، وكرهها بعضهم لمن يقتدى به، فيظن به جواز لباس كل مصبوغ. وقال الباجي (٢): المعصفر على ضربين: مفدم ومورد. فأما المفدم: ممنوع للرجال والنساء لأنه لا يتخذ غالباً إلَاّ للتجمل، ولأنه يتعلق منه بالجسد ما يشبه ردع (٣) الزعفران. وأما المورد: والمصبوغ بالمغرة. قال ابن المواز: والأصفر بغير ورس ولا زعفران فليس بممنوع لأنه لا يفعل غالباً إلَاّ إبقاء على الثوب، ويكره لمن يقتدى به، رواه محمد بن أشهب (٤)، وروى ابن حبيب: عن مالك لا بأس أن تلبس المحرمة المعصفر المفدم ما لم ينتفض (٥) عليها شيء [منه] (٦)، وروى ابن عبدوس عن أشهب كراهة المعصفر لمن يقتدى به، وإن كان لا ينتفض، فإن غسل المزعفر حتى ذهب ريحه فلا بأس به عند

стр. 2910

جميعهم وروى ابن القاسم عن مالك كراهته ما بقي لونه شيء فإن لم يجد غيره صبغه بالممشق وهو المدر. الثالث عشر: قال الخطابي: المحرم منهى عن الطيب في بدنه وفي لباسه، وفي معناه الطيب في طعامه، لأن بغية الناس في تطييب الطعام، كبغيتهم في تطييب اللباس (١). قلت: ولا يحرم عندنا إذا ظهر لونه وحده على الأظهر، ويحرم إذا ظهرت الرائحة وحدها، وكذا الطعم وحده على الأظهر. وعند المالكية: أنه لا شيء عليه في أكل الخبيص المزعفر. وقيل: إن صبغ الفم ففيه الفدية وما خلط بالطيب من غير طبخ، ففي إيجاب الفدية به روايتان لهم، قالوا: ولو بطلت رائحة الطيب (٢) لم يبح استعماله. الرابع عشر: في الحديث دلالة على تحريم لباس السراويل على المحرم مطلقاً، وبه قال مالك: وجوّزه الشافعي وأحمد والجمهور إذا لم يجد إزاراً من غير قطعه لحديثي ابن عباس، وجابر في إباحته عند عدم الأزار، وكونه لم يذكر في حديث ابن عمر هذا، لأنه ذكر حالة وجود الأزار، فلا منافاة بين الحديثين حينئذ، وهذا أولى من فعل ابن الجوزي في "تحقيقه" حيث أعمل حديث ابن عمر بالوقف كما سلف.

стр. 2911

فرع: إذا لبس السراويل عند عدم الأزار ثم وجد الأزار وجب نزعه عند من جوز لبسه فإن (أصرعصى) (١)، ووجبت الفدية. الخامس عشر: فيه دلالة أيضاً على تحريم لبس القفازين [على المحرمة وهو الصحيح] (٢) من قولي الشافعي كما سبق، والخلاف ثابت، والمعروف عندهم التحريم ووجوب الفدية لأن إحرام المرأة في وجهها وكفيها كما هو مفهوم من هذا الحديث، ولا خلاف عندنا، وعندهم في تحريمه على الرجل. نعم، لو اتخذ الرجل لساعده، أو لعضو آخر شيئاً مخيطاً فهو ملحق بالقفازين على الأصح عند الشافعية، ويحرم عليها أيضاً النقاب. قال الفاكهي: وكذا اللثام فإن فعلت من ذلك شيئاً افتدت. السادس عشر: فيه رجوع الناس إلى علمائهم عند الحوادث، وقد سئل عليه ﷺ في الحج أسئلة كثيرة متفرقة في الأحاديث. ...

стр. 2912

الحديث الثاني ٢١٤/ ٢/ ٤٢ - عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب بعرفات: "من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل (١) للمحرم". الكلام عليه من وجوه: أحدها: "عرفات" (٢): هو موضع الوقوف، ولماذا سميت بذلك؟ فيه أقوال: أحدها: لأن آدم عليه [السلام] (٣) عرف حواء هناك لأن آدم أهبط بالهند، وحواء بجدة فتعارفا في الموقف. ثانيها: لأن جبريل عرّف إبراهيم [﵉] (٤) المناسك هناك.

стр. 2913

ثالثها: للجبال التي فيها والجبال هي الأعراف وكل عال نات فهو عرف ومنه عرف الديك. رابعها: لأن الناس يعترفون فيها بذنوبهم ويسألون غفرانها فتغفر، والمشهور ترك صرف عرفات، قال الجوهري (١) وعرفات موضع بمنى كذا قال: ومراده بقرب مني، قال: وهو اسم في لفظ الجمع فلا يجمع، وهو منون، وإن كان فيه العلمية والتأنيث لأن التنوين فيه تنوين مقابلة يجمع المذكر السالم لا تنوين حرف العلتين المذكورتين قال الفراء: ولا واحد له بصحة، وقول الناس: نزلنا عرفة شبيه بمولَّد فليس بعربي [...] (٢) وهو معرفة، وإن كان جمعاً لأن الأماكن لا تزول فصار كالشيء الواحد، فخالف الزيديين، ومثله أذرعات (٣) وعامات (٤) وعريتنات (٥). [ثانيها] (٦): "الإِزار": معروف يذكر ويؤنث، ويقال: أيضاً إِزاره كوساد ووساده وجمع القلة: أُزره، والكثرة: أُزر كحمار، وأحمرة، وحمر. وقد يعبر عن المرأة بالإِزار والمئزر والإِزار وهو كقولهم: لحاف، وملحف، وقدام، ومقدم. والإِزره: بالكسر هيئة الاتزار كالجلسة والركبة.

стр. 2914

[ثالثها] (١): السراويل تقدم الكلام عليه في الحديث قبله. [رابعها]: قد أسلفنا الكلام في الحديث قبله أن حديث ابن عباس هذا استدل به من لم يشترط قطع الخف عند فقد النعل وجمعنا بينه وبين حديث ابن عمر السالف، والقاعدة: أن مهما أمكن إعمال الحديثين ولو من وجوه كان أولى من إلغاء أحدهما أو نسخه عند عدم تحقق النسخ وهذا الحديث مطلق بالنسبة إلى القطع وعدمه وحديث ابن عمر السالف مقيد فحمل المطلق على المقيد أولى كيف وحديث ابن عمر فيه صيغة الأمر وهو أمر زائد على الصيغة المطلقة فإن لم يعمل بها وأخرنا مطلق الخفين تركنا ما دل عليه الأمر بالقطع وهو غير سائغ وهذا بخلاف ما لو كان المطلق والمقيد في جانب الإِباحة فإن إباحة المطلق حينئذٍ تقتضي بزيادة ما دل عليه إِباحة المقيد فإذا أُخذ بالزائد كان أولى إذ لا تعارض بين إِباحة المقيد وإِباحة ما زاد عليه قال الشيخ تقي الدين: وكذا نقول في جانب النهي لا يحمل المطلق فيه على المقيد لما ذكرنا من أن المطلق دال على النهي فيما زاد على صورة المقيد من غير تعارض فيه وهذا يتوجه إذا كان الحديثان [مثلاً] (٢) مختلفين باختلاف مخرجهما، أما إذا كان المخرج للحديث واحداً ووقع اختلاف على أن من انتهت إليه الروايات فههنا نقول أن الآتي [بالمقيد] (٣) حفظ ما لم يحفظ المطلق من ذلك الشيخ، فكأن الشيخ لم ينطق به إلَاّ مقيداً، فيتقيد من هذا

стр. 2915

الوجه، قال: وهذا الذي ذكرناه في الإِطلاق والتقييد مبني على ما يقوله بعض المتأخرين، من أن العام في الذوات مطلق في الأحوال لا يقتضي العموم، وأما على ما يختاره في مثل هذا من العموم في الأحوال، تبعاً لعموم الذوات فهو من باب العام والخاص. خامسها: لبس السراويل إذا لم يجد إزار يدل هذا الحديث على جوازه من غير قطع وهو مذهب الجمهور كما أسلفناه في الحديث قبله قال الشيخ تقي الدين: وهو قوي ههنا، أي دون ما قاله أحمد في الخفين إذ لم يرد بقطعه ما ورد في الخفين. قال المازوي (١): وإنما لم يأخذ مالك بهذا لسقوطه من رواية ابن عمر واعترض عليه القاضي (٢) بأن مسلماً ذكره من رواية جابر أيضاً. وقال مالك: في "الموطأ" (٣) لم أسمع بهذا ولا أرى أن يلبس المحرم السراويل واحتج بأنه -عليه الصلاة السلام- منع لبسه ولم يستثن فيه كما استثنى في الخفين, وظاهر هذا الكلام يدل على أن هذه الزيادة لم تبلغ مالكاً أو لم يبلغه لبسها على حالها، وكذلك قوله: "ولا أرى أن يلبسهما المحرم إلَاّ على الوجه المعتاد" كما قال الشافعي وأحمد: أو لا يلبسهما دون فدية، فأما مالك وأبو حنيفة فيريان في لبسهما الفدية قال: أما لو فتقت السراويل وجعل منها شبه

стр. 2916

الإِزار جاز كما جاز لبس الخف إذا قطع أي من غير فدية والأصح عند الشافعية: أنه لا يكلف في ذلك لإِطلاق الخبر. فرعان: لو تأتي الائتزار بالسراويل على هيئته فلا يجوز له لبسه قاله النووي في "شرح المهذب" (١)، ولو قدر على بيع السراويل وشراء الإِزار قال القاضي أبو الطيب: إن كان مع فعل ذلك لا تبدو عورته وجب وإلَاّ فلا، وأطلق الدارمي في الوجوب، قال في "شرح المهذب" (٢) والصواب الأول. ...

стр. 2917

الحديث الثالث ٢١٥/ ٣/ ٤٢ - عن عبد الله بن عمر [﵄] (١) أن تلبية رسول الله ﷺ : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك له (٢). وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: لبيك لبيك، وسعديك، قال: وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: لبيك، لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل (٣).

стр. 2918

الكلام عليه من وجوه: الأول: قوله: "وكان عبد الله" إلى آخره هذه الزيادة لم أرها في البخاري [بل في مسلم] (١) خاصة وأسقط المصنف منها لبيك بعد قوله: "والخير بيديك" كذا هو في مسلم من طريقين في إحدى روايتيه قالوا يعني سالماً وحمزة [ابني] (٢) عبد الله بن عمر، ونافعاً مولى ابن عمر "كان عبد الله يزيد مع هذا "لبيك لبيك وسعديك" إلى آخره. وقوله: في رواية المصنف قال: "وكان عبد الله" هذا القائل هو نافع مولى ابن عمر وفي رواية له "وكان عبد الله بن عمر يقول كان عمر بن الخطاب يهل بإِهلال رسول الله ﷺ من هؤلاء الكلمات [ويقول] (٣) لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل" فتلخص [أن لفظة لبيك] (٤) بعد [قوله] (٥) والخير في يديك" في "صحيح مسلم" من ثلاث طرق مرتين من طريق عبد الله بن عمر ومرة ثالثة من طريق والده وقد نص على أن هذه الزيادة أعني قوله: "وكان عبد الله يزيد فيها إلى آخره

стр. 2919

من أفراد" [مسلم] (١) قاله عبد الحق في "جمعه بين الصحيحين" فقال: هذه الزيادة لم يذكرها البخاري وأما النووي في "شرح [المهذب] " (٢) [فادعى أنه رواها] (٣) ثم ذكرها وعزاها إليه. الثاني: التلبية مصدر، "لبى" ثُنِي للتكثير والمبالغة [ومعناها] (٤) إجابة بعد إجابة ولزوماً لطاعتك لأنه يقال ألب بالمكان ولب كما سيأتي إذا لزمه وأقام به فثنى تأكيداً لا حقيقة كقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٥) أي نعمتاه على تأويل اليد هنا بالنعمة ونعم الله تعالى لا تحصى. واختلف أهل اللغة في أن لفظة التلبية مثنى أو مفرد فقال يونس بن حبيب البصري: إنها مفرد وألفه إنما انقلبت ياء لأتصالها بالضمير على حد لدى وعلى. وقال سيبويه: مثنى بدليل قلب ألفه ياء مع المظهر قال الشاعر:

стр. 2920

دعوت لما نابني، مسوراً ... فلبى فلبي يَدَيْ مِسْوَرِ (١) وعلى هذا القول أكثر الناس. قال ابن الأنباري: بنوا "لبيك" كما بنوا حنانيك أي تحننا بعد تحنن واصل: لبيك، لبِّ بك [لَبَّبَ بك] (٢)، فاستقلوا الجمع بين ثلاث باءَات، فابدلوا من [الثالثة] (٣) ياء، كما قالوا: [تظنيت، من الظن] (٤) [ومن القص قصيت المغازي] (٥) والأصل [تَظَنَّيْت] (٦) و [قصيت] (٧). ثم اختلفوا في معنى لبيك، واشتقاقها.

стр. 2921

كما اختلفوا في صيغتها. فقيل: معنى لبيك: اتجاهي وقصدي إليك، مأخوذ من قولهم: داري تلُبُّ دارك، أي: تواجهها. وقيل: معناها: محبتي لك [من قولهم امرأة لبة: أي محبة لولدها، عاطفة عليه. وقيل: معناها إخلاصي لك] (١) من قولهم: [خشب] (٢) [الباب] (٣) إذا كان خالصاً محضاً ومنه: لب الطعام ولبابه. وقيل: [من قولهم: لب العقل] (٤) من قولهم: رجل لبيب (٥) أي [أنا] (٦) منصرف إليك، وقلبي مقبل عليك، حكاه الماوردي. وقيل: معناه، أنا مقيم على طاعتك وإجابتك مأخوذ من قولهم: [...] (٧) لَبَّ الرجل بالمكان، وأَلَبَّ: إذا أقام فيه. ولزمه. قال ابن الأنباري: وإلى هذا المعنى كان يذهب الخليل والأحمر.

стр. 2922

وقال الحربي في معنى: لبيك أي قربا منك وطاعة، والألباب: القرب. وقيل: معناه أنا ملب بين يديك أي مخضع، وهذه الإِجابة لقوله تعالى لإِبراهيم ﷺ : ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (١) حكاه القاضي عياض (٢) ونقله أبو عمر (٣) عن جماعة من العلماء. قال ابن عباس: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له أذن في الناس قال [رب] (٤) وما يبلغ الصوت قال: أذَّن وعليّ البلاع. فنادى إبراهيم: أيها الناس: كُتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، قال: فسمعه ما بين السماء والأرض أفلا ترون الناس يجيئون من أقطار الأرض يلبون (٥). وقال مجاهد: قام إبراهيم على مقامه فقال: أيها الناس: أجيبوا ربكم، فقالوا: لبيك اللهم لبيك، فمن حج اليوم فهو ممن أجاب إبراهيم يومئذ (٦)، ويروي أنه كان النداء على أبي قيس. وقال القرطبي: في "مفهمه" (٧) على عرفه.

стр. 2923

قال ابن عطية (١): واختلفت الروايات في ألفاظه ﵊ واللازم أن يكون فيها ذكر البيت والحج، وروى أنه يوم نادى اسمع من يحج إلى يوم القيامة في أصلاب الرجال وأجابه كل شيء في ذلك الوقت من جماد وغيره "لبيك اللهم لبيك" فجرت التلبية على ذلك، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وحكى ابن الخطيب في "تفسيره" عن الحسن أن المأمور بالنداء في قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (٢) النبي ﷺ لأنه المخاطب بالقرآن قال: والمعنى أمره أن يعلمهم الحج. [وقال] (٣) الجُبائي: هو أن يحج فيحجوا معه قال: وقيل: هو ابتداء فرض الحج. وقال عطاء وعكرمة وطاوس: وغيرهم في قوله تعالى. ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ (٤). الفرض: التلبية. وقال ابن عباس. الفرض الإِهلال، والإِهلال: التلبية. وقال [ابن] (٥) مسعود وابن الزبير: الفرض الإِحرام.

стр. 2924

قال ابن عبد البر: [وهو] (١) كله بمعنى واحد. الثالث: قوله: "إن الحمد" يروي بكسر الهمزة وفتحها (٢) , قال الجمهور: الكسر أجود. قال الخطابي (٣): والفتح رواية العامة. وقال ثعلب (٤): الاختيار الكسر وهو أجود معنى من الفتح لأن الذي يكسر يذهب إلى أن المعنى "إن الحمد والنعمة لك" على كل حال والذي يفتح يذهب إلى أن المعنى "لبيك" بهذا لهذا السبب. قال القرطبي (٥): معنى إن لبيك عمل فيها بواسطة لام الجر السببية ثم حذف حرف الجر لدلالة الكلام، قال ثعلب (٦): فمن فتح خص ومن كسر عم. وأبدى الفاكهي ذلك من عنده ثم قال: وليس كذلك إذا أعطى التأمل حقه. الرابع: قوله: "والنعمة" الأشهر فيها النصب عطفاً على الحمد

стр. 2925

ويجوز الرفع على الابتداء والخبر محذوف تقديره "إن الحمد لك والنعمة لك". قال ابن الأنباري. وإن نصبت جعلت خبر "إن" محذوفاً تقديره "إن الحمد لك والنعمة مستقرة لك" (١). [الرابع] (٢): قوله: "وسعديك" إعرابها وتثنيتها كلبيك. ومعناها: مساعدة لطاعتك بعد مساعدة، قاله القاضي (٣) ولم يحك النووي (٤) سواه، وقال أبو عمر (٥): معناه أسعدنا سعادة بعد سعادة، وإسعاداً بعد إسعاد قال: وقيل: سعادة لك. السادس: "الخير بيديك" أي ابتداؤه وانتهاؤه والتوفيق له من فضلك [وهو] (٦) من باب إصلاح المخاطبة كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ (٧). السابع: قوله: "بيديك" قد تقدم تأويل اليد بالنعمة (٨)، وقال

стр. 2926

ابن فورك (١): في "مقدماته" ما وصف الله تعالى به نفسه من أن له يدين [كقوله] (٢): ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٣) فهما صفتان له، طريق إثباتهما الخبر ولا يجوز أن يقال هما بعضان أوعضوان أو غيران كما يوصف بذلك غيرها من الأيدي وليس هما بمعنى الملك والقدرة ولا بمعنى النعمة والصلة بل هما بمعنى الصفة والدليل على ذلك قوله تعالى مخبراً عن اليهود: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (٤) فكذّبهم، وقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ فأثبت اليد لنفسه ونفى الغل عنها كما ادعته اليهود. وتواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده وخلق آدم بيده" (٥) وقال أيضاً: "كلتا يدي الرحمن يمين" (٦) فوجب

стр. 2927

قبول ذلك والتسليم له ونفى التشبيه عنه ثم قال: فإن قيل: كيف يعقل يد ليست بجارحة ولا نعمة ولا قدرة ولا ملك؟ قيل: ليس القول في إثبات الحقائق على معقول الشاهد ولو كان كذلك لبطل التوحيد من جهة أن الموجد إذا لم يكن جسماً أو عرضاً ولا جوهراً غير معقول في الشاهد والحي إذا لم يكن حساساً وجاثياً يتحرك ويسكن غير معقول في الشاهد والمتكلم إذا لم يكن ذا لسان وشفتين ولهاة. وأسنان ومخارج غير معقول ومع ذلك لم يمتنع إثبات حي متكلم على خلاف معقول الشاهد من جهة إيجاب الدليل لذلك [كذلك] (١) ورد خبر الصادق الذي خبره حجة توجب إثبات اليدين على الوجه الذي قلنا (٢). الثامن: قوله: "والرغباء إليك" يروى بضم الراء مع القصر وبفتحها مع المد كالنعما، والنعماء، والعلياء، والعليا، وحكى أبو علي القالي: الفتح مع القصر مثل سكرى. ومعناه: هنا الطلب والمسألة إلى من بيده الخير وهو المقصود بالعمل الحقيق بالعبادة. وقوله: "والعمل" فيه محذوف تقديره: والعمل إليك أي إليك

стр. 2928

المقصد به والانتهاء إليك لتجازي عليه ويحتمل أن يقدر والعمل لك نبه عليه الشيخ تقي [الدين] (١). التاسع: التلبية مشروعة إجماعاً. واختلف العلماء هل هي سنة أم واجبة أم شرط لصحة الحج (٢)؟ فقال الشافعي: وآخرون هي سنة لو تركها صح حجه ولا دم عليه وفاتته الفضيلة. وقال مالك: ليست بواجبة لكن لو تركها [لزمه دم] (٣) وصح حجه. وقال بعض أصحاب الشافعي: هي واجبة تجبر بالدم ويصح الحج دونها. وقال بعضهم: هي شرط لصحة الإِحرام فلا يصح الإِحرام ولا الحج إلَاّ بها كذا حكاه النووي في "شرح مسلم" (٤) وحكاه في "روضته" (٥) قولاً وأنه يقوم مقامها سوق الهدي، وتقليده، والتوجه معه. وجزم القاضي عياض: بأن من أهلَّ بما في معناها من التسبيح

стр. 2929

والتهليل لا دم عليه لكن [ظاهر إيراد] (١) "المدونة" لزومه وهو ظاهر كلام ابن حبيب أيضاً. ثم اعلم بعد ذلك أن الحج ينعقد بالنية بالقلب من غير لفظ كما ينعقد الصوم بها فقط عند مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة (٢): لا ينعقد إلَاّ بانضمام التلبية أو سوق الهدى إلى النية ويجزىء غيره عن التلبية ما في معناها من التسبيح والتهليل وسائر الأذكار كما قال إن التسبيح وغيره يجزىء في الإِحرام بالصلاة عن التكبير وما أسلفناه عن مالك في انعقاد الحج بالنية من غير لفظ هو ما حكاه [المازري] (٣) ثم ابن عبد البر ثم القاضي (٤) ثم النووي (٥) عنه وفي كلام غيرهما ما يدل على أنه لا بد معها من قول أو فعل من أفعال الحج وعزى إلى أكثرهم. وقال ابن شاهين: هو المنصوص، قال: [ورأى] (٦) اللخمي إجراء الخلاف فيه من الخلاف في انعقاد اليمين بمجرد النية. وأنكره الشيخ أبو الطاهر، وقال: لم يختلف المذهب أن العبادات لا تلزم إلَاّ بالقول أو بالنية والشروع فيها.

стр. 2930

العاشر: قوله: "أن تلبية رسول الله ﷺ " ظاهره كما قال القاضي أنها التي كان يواظب عليها فلهذا استحب العلماء المجيء بها بلفظها، قال: والاستحباب عند أكثر العلماء ما لبى به النبي ﷺ ، قال مالك: إن اقتصر عليها فحسن وإن زاد فحسن. وقالت الشافعية: يستحب ألا يزيد عليها. وأغرب بعضهم, فقال: تكره الزيادة كما حكاه صاحب "البيان" وهو غلط فقد صح من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال في تلبيته: "لبيك إله الحق لبيك" (١)، رواه أحمد وابن ماجه والنسائي وصححه ابن حبان، ونص الشافعي في "الأم" (٢) على استحبابها مع ما سلف، وحكاه القاضي عياض عن الشافعي أيضاً، فقال: قال الشافعي: الاقتصار عليها أفضل إلَاّ أن يزيد ألفاظاً رويت عن رسول الله ﷺ [مثل قوله] (٣): " [النعمة والملك لا شريك لك] (٤) لبيك إله الحق"، ونحوه. وروى أحمد (٥) وأبو داود (٦)، ولمسلم (٧) معناه عن جابر قال:

стр. 2931

أهل رسول الله ﷺ فذكر التلبية بمثل حديث ابن عمر [شيئاً] (١) قال: والناس يزيدون "ذا المعارج" ونحوه من الكلام والنبي ﷺ يسمع فلا يقول لهم شيئاً. وقد زاد ابن عمر [﵁] (٢) في هذه التلبية وهو شديد الأتباع للآثار وقد أسلفنا أن والده كان يلبي بها أيضاً. ورأيت في كتاب "الخصال" لأبي بكر الخفاف من قدماء أصحابنا أن داود ﵊ كان يقول في تلبيته: "لبيك وسعديك والخير بيديك" فلعل ابن عمر ووالده لحظا ذلك. ونقل الأصبهاني عن قوم من أهل العلم أنه لا بأس بالزيادة على ما ورد من الذكر، وعن آخرين أنه لا يزاد على ما علمه الشارع. وسمع سعد: رجلاً يلبي يقول: "لبيك ذا المعارج لبيك" فقال سعد: "ما هكذا" (٣) كنا نلبي على عهد رسول الله ﷺ " (٤) وقال شراحيل بن القعقاع: سمعت عمرو بن معدى كرب يقول: لقد رأيتنا منذ قريب ونحن إذا حججنا نقول لبيك تعظيماً إليك عدل. هذه زبيد قداتتك قرا. تعدوا مضمرات شزرا. يقطعن حيناً وجبالاً وعراً. قد خلفوا الأنداد خلوا صفراً.

стр. 2932

وحكى بعض قضاة الحنفية: في "منسكه" عن بعض المتأخرين أنه كان يزيد في التلبية إلهنا ما أعد لك. الحول والقوة لك. ما خاب عبداً أمَّلك. أنت له حيث سلك. لولا أنت يا رب هلك. لبيك إن الحمد لك. والنعمة والملك لا شريك لك. [وحكى القاضي عياض: أنه روى عن عمر أنه كان يزيد لبيك ذا النعما والفضل الحسن لبيك مرهوباً منك ومرغوباً إليك حقاً حقاً تعبداً ورقاً] (١). فروع: تتعلق بالتلبية يستحب أن يكررها في كل مرة ثلاث مرات فأكثر ويواليها ولا يقطعها بكلام فإن سُلم عليه رد باللفظ، ويكره السلام عليه في هذا الحال، ويشرع لكل أحد حتى للحائض لقوله ﵊ لعائشة: "اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت" (٢). وفروع التلبية كثيرة مشهورة محل الخوض فيها كتب الفروع ولم يزد الشيخ تقي الدين في هذا الحديث على أن تكلم على ألفاظه فقط. خاتمة: في كتاب "أسرار الحج" أن تلبية يونس -عليه

стр. 2933

السلام- لبيك فرّاج [الكُرب] (١) لبيك. وتلبية عيسى ﵊[لبيك أنا عبدك ابن أمتك بنت عبديك لبيك] (٢). [وتلبية موسى ﵇: لبيك أنا عبدك لديك لبيك] (٣). وعلم إبليس الناس التلبية "لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلَاّ شريكاً هو لك تملكه وما ملك". فلم يزالوا عليها حتى جاء الإِسلام. وفي "صحيح مسلم" من حديث ابن عباس قال: "كان المشركون يقولون لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول الله ﷺ ويلكم قد قد إلَاّ شريكاً هو لك تملكه وما لك يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت" (٤). قوله:"قدٍ قَدٍ" هو بكسر الدال مع التنوين وسكونها أي كفاكم هذا ثم رجع الراوي إلى حكاية كلام الكفار في قولهم: "إلَاّ شريكاً إلى آخره". وفي كتاب "الخصال" لأبي بكر الخفاف: من قدماء [أصحابنا] (٥) أنه كان من تلبية موسى ﵊:

стр. 2934

"لبيك عدد التراب لبيك لبيك مرغوب ومرهوب إليك لبيك". وذكر تلبية داود السالفة ثم قال: وكل ذلك حسن. وحكى الروياني عن الأصحاب عن بعض صلحاء السلف أنه كان يقول: "لبيك أنت مليك من ملك ما خاب عبد أمَّلك" ثم قال الروياني: وهو حسن وقد أسلفنا عن بعض المتأخرين ما يقرب من هذا. ***

стр. 2935

الحديث الرابع ٢١٦/ ٤/ ٤٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلَاّ ومعها حُرمة" (١). وفي لفظ للبخاري: "لا تسافر مسيرة يوم [وليلة] (٢) إلَاّ مع ذي محرم" (٣). الكلام عليه من وجوه: الأول: الجملة التي هي "تؤمن بالله واليوم الآخر" في موضع خفض صفة "لامرأة" قالوا: ويسمى يوم القيامة [باليوم الآخر] (٤) لأنه لا ليل بعده، ولا يقال يوم إلَاّ لما تقدمه ليل ولا يتوهم عدم خطاب الكفار (٥) بالفروع لأن مثل هذا يأتي في كلام الشارع على أن المعنى

стр. 2936

أن المؤمن هو الذي ينقاد لأحكامنا وينزجر عن محرمات شرعنا ويستثمر أحكامه أو يكون ذلك من باب التهييج والإِلهاب وأن مقتضاه أن استحلال هذا المنهى عنه لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر، بل ينافيه حتى لو قيل لا يحل لأحد مطلقاً لم يحصل هذا المعنى، وخطاب التهييج معلوم عند علماء البيان ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ (١). ونبه أيضاً ﷺ بوصف الإِيمان بذلك على العمل بأحكام الشرع والوقوف مع حدوده ظاهراً وباطناً، وأن الحامل على ذلك إنما هو، الإِيمان لا غير فإن من علم أن له ربا يجازي ويعاتب حمله، ذلك على التعبد بفعل المأمور وترك المنهي، وذلك هو المطلوب. الثاني: هذا اللفظ الذي عزاه المصنف إلى البخاري وحده هو في "صحيح مسلم" أيضاً، وهذا لفظه: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله، واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلَاّ مع ذي محرم". فعزوه هذا اللفظ إلى البخاري وحده يوهم انفراده بذلك، وليس كذلك لما علمته فلو حذف العزو واقتصر على قوله. وفي لفظ كان أولى (٢).

стр. 2937

ثم أعلم بعد ذلك أن هذا الحديث [روي] (١) في الصحيح على أوجه: منها ما في الكتاب. ومنها: "مسيرة ليلة" (٢) ومنها: "مسيرة ثلاثة أيام" (٣). ومنها: "فوق ثلاث" (٤). ومنها: "ثلاث ليال" (٥). ومنها: "يومين" (٦).

стр. 2938

ومنها: إطلاق ذكر السفر (١)، وكل هذه الروايات في "صحيح مسلم". وفي رواية لأبي داود (٢)، وابن حبان (٣) , والحاكم (٤) على شرط مسلم "لا تسافر بريداً" والبريد: نصف يوم. قال العلماء (٥): اختلاف هذه الالفاظ لاختلاف السائلين، واختلاف المواطن, وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإِباحة اليوم أو الليلة أو البريد. وقال البيهقي (٦): كأنه ﷺ [سئل] (٧) عن المرأة تسافر ثلاثاً بغير محرم، فقال: لا. وسئل عن سفرها يومين بغير محرم، فقال: لا. وسئل عن يوم، فقال: لا، وكذلك البريد. فأدى كل منهم ما سمعه، وما جاء منها مختلفاً عن راو واحد، فسمعه في مواطن فروى تارة هذا وتارة هذا، وكله صحيح، وليس في هذا كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يرد -عليه الصلاة

стр. 2939

والسلام- أقل [تحديد] ما يسمى (١)، سفراً فالحاصل أن كل ما يسمى سفراً تنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يوماً أو ليلة أو بريداً، أو غير ذلك، والرواية المطلقة تتناول جميع ما يسمى سفراً. الثالث: المحرم من النساء التي لا يحرم النظر إليها، والخلوة بها والمسافرة معها, ولا ينتقض الوضوء بمسها كل من حرم نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها فخرج "بالتأبيد" أخت المرأة وعمتها وخالتها ونحوهن، وبـ"المباح" أم الموطؤة بشبهة وبنتها فإنهما محرمان على التأبيد، وليسا محرمين لأن وطء الشبهة لا يوصف بالإِباحة لأنه ليس بفعل مكلف، والمراد شبهة الفاعل لا شبهة المحل فإنه حرام، [وكذا الطريق] (٢) كالوطء بالنكاح، والشراء الفاسدين، فإنه حرام، ولو تزوج الموطوءة بشبهة، ودخل بها فالذي يظهر الحكم على أمها وبناتها بالمحرمية، وحينئذ فيرد على الضابط لأن سبب العقد والدخول لم يحرمهن لأنهن حرمن قبل ذلك ويستحيل تحصيل الحاصل، وخرج بحرمتها الملاعنة، فإنها محرمة على التأبيد بسبب مباح، وليست محرماً لأن تحريمها ليس لحرمتها بل عقوبة وتغليظاً، وهذا الضابط للشافعية.

стр. 2940

قال الفاكهي: ولا أعلم للمالكية ما يخالفه ونقله الشيخ تقي [الدين] (١) عن بعض أصحاب الشافعي، وأقره وهو منتقض طرداً بأمهات المؤمنين فإن الحد صادق عليهن، وَلَسن بمحارم كما اقتضاه كلام الرافعي في الظهار، وصرح به غيره. وقد يجاب: بأن التحريم لحرمته لا لحرمتهن. وعكساً بالموطؤة في الحيض والنفاس والإِحرام والصوم الواجب وبأم الزوجة، إذا عقد على ابنتها عقداً حراماً بأن وقع بعد خطبة الغير ونحو ذلك، وينتقض أيضاً بالعبد [فإنه] (٢) ليس محرم لها ونكاحها حراماً على التأبيد. الرابع: ذكر المحرم عام في محرم النسب والرضاع والمصاهرة كأبي زوجها وابن زوجها واستثنى بعضهم (٣): ابن زوجها فكره السفر معه لغلبة الفساد في الناس بعد العصر الأول، ولأن كثيراً من الناس لا ينزل زوجة الأب في النفرة عنها منزلة محارم النسب والمرأة فتنة، إلَاّ فيما جبل الله النفوس عليه في النفرة عن محارم النسب والحديث عام. فإن كانت هذه الكراهة للتحريم مع محرمية ابن الزوج، فهو بعيد مخالف لظاهر الحديث، وإن كان للتنزيه للمعنى المذكور فهو أقرب تشوفاً إليه، ويقويه استثناء السفر مع المحرم فيصير التقدير إلَاّ مع ذي محرم فيحل.

стр. 2941

قال الشيخ تقي الدين (١): ويبقى النظر في قولنا "يحل" هل يتناول المكروه أم لا؟ بناء على أن لفظ "يحل" تقتضي الإِباحة المستوية الطرفين، فإن قلنا: لا يتناول المكروه، فالأمر قريب مما قاله، إلَاّ أنه تخصيص يحتاج إلى دليل شرعي عليه، وإن قلنا: يتناوله، فهو أقرب، لأن ما قاله لا يكون حينئذ منافياً لما دل عليه اللفظ. الخامس: قوله ﵊: "لا يحل لامرأة" هو عام في كل امرأة سواء الشابة والعجوز، وحكى القاضي عياض (٢) عن الباجي (٣): أنه خصه بالشابة فأما الكبيرة فتسافر حيث شاءت كل الأسفار بلا زوج ولا محرم"، قال النووي (٤). ولا نوافق عليه لأن المرأة مظنة الطمع فيها والشهوة ولو كانت كبيرة، وقد قالوا: لكل ساقطة لاقطة. ويجتمع في الأسفار من سفهاء [الناس] (٥) وسقطهم، ما لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته وقلة دينه ومرؤته وكثرة خيانته، ونحو ذلك. قال الشيخ تقي الدين (٦): بعد أن نقل هذا الاعتراض عن بعض المتأخرين من الشافعية، والظاهر أنه أراد به النووي الذي قاله الباجي

стр. 2942

تخصيص للعموم بالنظر إلى المعنى، قال: وقد اختار هذا الشافعي (١) أن المرأة تسافر في الأمن ولا تحتاج إلى أحد، بل تسير وحدها في جملة القافلة وتكون آمنة. وهذا مخالف لظاهر الحديث. قلت: وهذا وجه في المذهب حكاه الماوردي (٢) وقيده بما إذا أمنت خلوة الرجال بها, وحكاه غيره قولاً واختاره جماعة، ولم يجيزه النووي (٣) إن كانت الإِشارة بقول الشيخ تقي الدين. إن هذا اختاره الشافعي له. السادس: قوله ﵊: "أن تسافر" هو مطلق في كل سفر طويلاً كان أو قصيراً، كما أسلفناه، وهل هو عام في [كل سفر] (٤) طاعة أو مخصص؟ أما سفر الهجرة من دار الحرب إلى دار [الإِسلام] (٥) فاتفق العلماء على وجوبه وإن لم يكن معها أحد من محارمها. وأما سفر الحج والعمرة فإن كانا واجبين وهي [تستطيعه] (٦)، كالرجل فالمشهور من مذهب الشافعي أنه لا يشترط المحرم بل يشترط الأمن على نفسها، وبه قال عطاء وسعيد بن جبير، وابن سيرين، ومالك والأوزاعي.

стр. 2943

قال أصحاب الشافعي: ويحصل الأمن: بزوج، أو محرم، أو نسوة ثقات ولا يلزمها الحج إلَاّ بأحد هذه الأشياء وللشافعي قول إن المرأة الواحدة كافية. واشترط أبو حنيفة: المحرم لوجوب الحج عليها إلَاّ أن يكون بينها وبين مكة دون ثلاثة مراحل ووافقه جماعة من أصحاب الحديث والرأي. وحكي أيضاً عن الحسن البصري [والنخعي] (١)، والشعبي والحسن بن حي [...] (٢). قال ابن بزيزة: بعد أن حكى [هذا] (٣) عنهم وقد وقع لمالك أنها إذا لم تجد سبيلاً إلَاّ في البحر، فلا يلزمها جملة من غير تفصيل، قال: لأنها عورة. وقال ابن القاسم: إذا لم تجد ما تركب وقدرت على المشي لم يلزمها الحج إلَاّ أن يكون الموضع قريباً جداً كأهل مكة [ومن في عملهم] (٤)، وقد قيل: إن الحج لازم لها إذا قدرت على المشي، أو على ركوب البحر مع أمان غالب. وقال كثير من أهل [العلم] (٥): إن كان لها زوج ففرض عليه

стр. 2944

أن يحج معها فإن لم يفعل عصى وعليها الحج دونه وليس له منعها من الفرض دون التطوع. وأما من لا زوج لها ولا ذو محرم فالحج واجب عليها. وقال سفيان: إن كانت من مكة على أقل من ثلاث ليال فلها أن تحج مع غير ذي محرم، أو زوج وإن كانت على ثلاث فصاعداً، فلا. قال: والذي عليه جمهور أهل العلم أن الرفقة المأمونة من [المسلمين] (١) تنزل منزلة الزوج أو ذي المحرم، وذكر عن عائشة ﵂ أن المرأة لا تسافر إلَاّ مع ذي محرم، وقالت: ليس كل النساء تجد محرماً. هذا كله في سفر الحج والعمرة الواجبين، فإن كانا تطوعين أو سفر زيارة أو تجارة، ونحوها من الأسفار التي ليست واجبة. فقال الجمهور: لا تجوز إلَاّ مع زوج أو محرم. وقال بعضهم: يجوز لها الخروج مع نسوة ثقات لحجة الإِسلام. وفي مذهب مالك ثلاثة أقوال عند عدم الولي. أحدها: أنها تسافر مع الرفقة المأمونة تقديماً لفريضة الحج. ثانيها: لا. ثالثها: نعم في الفرض دون التطوع. وفرّق سفيان بين المسافة البعيدة والقريبة، فلا تسافر في

стр. 2945

الأولى إلَاّ مع زوج أو محرم، وفي الثانية: مع الرفقة، قال ابن بزيزة: والصحيح عندنا أن فريضة الله لازمة والمؤمنون إخوة، وطاعة الله واجبة، وقد قال ﵊: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"، والمسجد الحرام أجل المساجد فكان داخلاً تحت مقتضى هذا الخبر. قال القاضي عياض: واتفق العلماء على أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة إلَاّ مع ذي محرم إلَاّ الهجرة من دار الحرب، قال: والفرق أن إقامتها في دار الحرب حرام، إذا لم تستطع إظهار الدين وتخشى على دينها ونفسها وليس كذلك التأخر عن الحج كيف وهو مختلف في أنه على الفور أم التراخي؟ وأعلم أن الذين اشترطوا المحرم للوجوب، واستدلوا بهذا الحديث، فإن سفرها للحج من جملة الأسفار الداخلة تحته فيمنع إلَاّ مع المحرم، والذين لم يشترطوه قالوا: المشترط الأمن على نفسها مع رفقة مأمونين رجالاً أو نساء كما تقدم. قال الشيخ تقي الدين: وهذه المسألة تتعلق بالعامين إذا تعارضا (١)، وكان كل واحد منها عاماً من وجه، خاصاً من وجه،
следующие страницы →