← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

قال الشيخ تقي الدين (١): ويبقى النظر في قولنا "يحل" هل يتناول المكروه أم لا؟ بناء على أن لفظ "يحل" تقتضي الإِباحة المستوية الطرفين، فإن قلنا: لا يتناول المكروه، فالأمر قريب مما قاله، إلَاّ أنه تخصيص يحتاج إلى دليل شرعي عليه، وإن قلنا: يتناوله، فهو أقرب، لأن ما قاله لا يكون حينئذ منافياً لما دل عليه اللفظ. الخامس: قوله ﵊: "لا يحل لامرأة" هو عام في كل امرأة سواء الشابة والعجوز، وحكى القاضي عياض (٢) عن الباجي (٣): أنه خصه بالشابة فأما الكبيرة فتسافر حيث شاءت كل الأسفار بلا زوج ولا محرم"، قال النووي (٤). ولا نوافق عليه لأن المرأة مظنة الطمع فيها والشهوة ولو كانت كبيرة، وقد قالوا: لكل ساقطة لاقطة. ويجتمع في الأسفار من سفهاء [الناس] (٥) وسقطهم، ما لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته وقلة دينه ومرؤته وكثرة خيانته، ونحو ذلك. قال الشيخ تقي الدين (٦): بعد أن نقل هذا الاعتراض عن بعض المتأخرين من الشافعية، والظاهر أنه أراد به النووي الذي قاله الباجي

стр. 2942

تخصيص للعموم بالنظر إلى المعنى، قال: وقد اختار هذا الشافعي (١) أن المرأة تسافر في الأمن ولا تحتاج إلى أحد، بل تسير وحدها في جملة القافلة وتكون آمنة. وهذا مخالف لظاهر الحديث. قلت: وهذا وجه في المذهب حكاه الماوردي (٢) وقيده بما إذا أمنت خلوة الرجال بها, وحكاه غيره قولاً واختاره جماعة، ولم يجيزه النووي (٣) إن كانت الإِشارة بقول الشيخ تقي الدين. إن هذا اختاره الشافعي له. السادس: قوله ﵊: "أن تسافر" هو مطلق في كل سفر طويلاً كان أو قصيراً، كما أسلفناه، وهل هو عام في [كل سفر] (٤) طاعة أو مخصص؟ أما سفر الهجرة من دار الحرب إلى دار [الإِسلام] (٥) فاتفق العلماء على وجوبه وإن لم يكن معها أحد من محارمها. وأما سفر الحج والعمرة فإن كانا واجبين وهي [تستطيعه] (٦)، كالرجل فالمشهور من مذهب الشافعي أنه لا يشترط المحرم بل يشترط الأمن على نفسها، وبه قال عطاء وسعيد بن جبير، وابن سيرين، ومالك والأوزاعي.

стр. 2943

قال أصحاب الشافعي: ويحصل الأمن: بزوج، أو محرم، أو نسوة ثقات ولا يلزمها الحج إلَاّ بأحد هذه الأشياء وللشافعي قول إن المرأة الواحدة كافية. واشترط أبو حنيفة: المحرم لوجوب الحج عليها إلَاّ أن يكون بينها وبين مكة دون ثلاثة مراحل ووافقه جماعة من أصحاب الحديث والرأي. وحكي أيضاً عن الحسن البصري [والنخعي] (١)، والشعبي والحسن بن حي [...] (٢). قال ابن بزيزة: بعد أن حكى [هذا] (٣) عنهم وقد وقع لمالك أنها إذا لم تجد سبيلاً إلَاّ في البحر، فلا يلزمها جملة من غير تفصيل، قال: لأنها عورة. وقال ابن القاسم: إذا لم تجد ما تركب وقدرت على المشي لم يلزمها الحج إلَاّ أن يكون الموضع قريباً جداً كأهل مكة [ومن في عملهم] (٤)، وقد قيل: إن الحج لازم لها إذا قدرت على المشي، أو على ركوب البحر مع أمان غالب. وقال كثير من أهل [العلم] (٥): إن كان لها زوج ففرض عليه

стр. 2944

أن يحج معها فإن لم يفعل عصى وعليها الحج دونه وليس له منعها من الفرض دون التطوع. وأما من لا زوج لها ولا ذو محرم فالحج واجب عليها. وقال سفيان: إن كانت من مكة على أقل من ثلاث ليال فلها أن تحج مع غير ذي محرم، أو زوج وإن كانت على ثلاث فصاعداً، فلا. قال: والذي عليه جمهور أهل العلم أن الرفقة المأمونة من [المسلمين] (١) تنزل منزلة الزوج أو ذي المحرم، وذكر عن عائشة ﵂ أن المرأة لا تسافر إلَاّ مع ذي محرم، وقالت: ليس كل النساء تجد محرماً. هذا كله في سفر الحج والعمرة الواجبين، فإن كانا تطوعين أو سفر زيارة أو تجارة، ونحوها من الأسفار التي ليست واجبة. فقال الجمهور: لا تجوز إلَاّ مع زوج أو محرم. وقال بعضهم: يجوز لها الخروج مع نسوة ثقات لحجة الإِسلام. وفي مذهب مالك ثلاثة أقوال عند عدم الولي. أحدها: أنها تسافر مع الرفقة المأمونة تقديماً لفريضة الحج. ثانيها: لا. ثالثها: نعم في الفرض دون التطوع. وفرّق سفيان بين المسافة البعيدة والقريبة، فلا تسافر في

стр. 2945

الأولى إلَاّ مع زوج أو محرم، وفي الثانية: مع الرفقة، قال ابن بزيزة: والصحيح عندنا أن فريضة الله لازمة والمؤمنون إخوة، وطاعة الله واجبة، وقد قال ﵊: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"، والمسجد الحرام أجل المساجد فكان داخلاً تحت مقتضى هذا الخبر. قال القاضي عياض: واتفق العلماء على أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة إلَاّ مع ذي محرم إلَاّ الهجرة من دار الحرب، قال: والفرق أن إقامتها في دار الحرب حرام، إذا لم تستطع إظهار الدين وتخشى على دينها ونفسها وليس كذلك التأخر عن الحج كيف وهو مختلف في أنه على الفور أم التراخي؟ وأعلم أن الذين اشترطوا المحرم للوجوب، واستدلوا بهذا الحديث، فإن سفرها للحج من جملة الأسفار الداخلة تحته فيمنع إلَاّ مع المحرم، والذين لم يشترطوه قالوا: المشترط الأمن على نفسها مع رفقة مأمونين رجالاً أو نساء كما تقدم. قال الشيخ تقي الدين: وهذه المسألة تتعلق بالعامين إذا تعارضا (١)، وكان كل واحد منها عاماً من وجه، خاصاً من وجه،

стр. 2946

بيانه أن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١). يدخل تحته الرجال والنساء فيقتضي ذلك أنه إذا وجدت الاستطاعة المتفق عليها أنه يجب عليها الحج، وقوله ﵊: "لا يحل لامرأة" الحديث خاص بالنساء، عام في الأسفار. فإذا قيل به: وأخرج عنه سفر الحج، بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾. قال المخالف: بل نعمل بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ فتدخل المرأة، ويخرج سفر الحج عن النهي، فيقوم في كل واحد من النصين عموم وخصوص، ويحتاج إلى الترجيح من خارج. وذكر بعض أهل الظاهر أنه يذهب إلى دليل من خارج، وهو قوله ﵊: "لا تمنعوا إيماء الله مساجد الله" (٢). ولا يتجه ذلك لكونه عاماً في المساجد، فيمكن أن يخرج عنه المسجد الذي يحتاج إلى السفر في الخروج إليه بحديث النهي. السابع: لم يتعرض المصنف في هاتين الروايتين للزوج، وهو موجود في رواية أخرى في الصحيح، ولا بد من إلحاقه في الحكم بالمحرم في جواز السفر معه اللهم [إلَاّ] (٣) أن يستعملوا لفظة الحرمة في إحدى الروايتين في معنى غير المحرمية استعمالاً لغوياً فيما

стр. 2947

يقتضي الإِحرام فيدخل فيه الزوج لفظاً، ويكون ذلك وجه العدول في إحدى الروايتين عن قوله: "ذي محرم" إلى قوله: "ومعها حرمة"، لعموم هذه وخصوص تلك. خاتمة: قام الإِجماع على تحريم خلوة الأجنبي بالأجنبية من غير ثالث معهما، ومع وجوده إذا كان ممن لا يستحى منه لصغره كابن سنتين وثلاث ونحو ذلك، وكذا على اجتماع رجال بأجنبية بخلاف اجتماع رجل بنسوة أجانب فإن الصحيح جوازه لضعف التهمة هنا بخلاف الأول. والمختار تحريم الخلوة بالأمرد والأجنبي الحسن، ولا فرق في تحريم الخلوة بين أن يكون في الصلاة وغيرها قاله أصحابنا وتستثنى مواضع الضرورة بأن يجد امرأة أجنبية منقطعة في الطريق أو نحو ذلك فيباح له استصحابها بل يلزمه إذا خاف عليها لو تركها وشاهد ذلك حديث عائشة ﵂ في قصة الأفك (١). ...

стр. 2948

٤٣ - باب (١) الفدية قال الجوهري (٢): الفِدْيَةُ: والفِدَى والفِداءُ كُلُّهُ بمعنىً واحد انتهى. وكأنها بمعنى البدل عن ما نقص من المناسك. وذكر المصنف في الباب حديثاً واحداً وهو: ٢١٧/ ١/ ٤٣ - حديث عبد الله بن معقل، قال: جلست إلى كعب بن عجرة فسألته عن الفدية؟ فقال: نزلت فيّ خاصة، وهي لكم عامة! حملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: "ما كنت أُرى الوجع بلغ بك ما أرى -أو ما كنت أُرى الجهد بلغ بك ما أرى- أتجد شاة؟ " فقلت: لا، قال: "فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع". وفي رواية: فأمره رسول الله ﷺ "أن يطعم فرقاً بين ستة مساكين، أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام" (٣).

стр. 2949

الكلام عليه من وجوه: الأول: في التعريف بما وقع فيه من الأسماء. أما عبد الله بن معقل: فهو تابعي كوفي ثقة من خيار التابعين وأغرب ابن فيحون فذكر في جملة الصحابة، كنيته: أبو الوليد وهو أخو عبد الرحمن بن معقل مات عبد الله سنة ثلاث وثمانين، قاله ابن قانع. وقال ابن حبان: في "ثقاته" مات سنة بضع وثمانين بالبصرة، ثم روى عن أبي إسحاق أن عبد الله بن معقل صلى بالناس في شهر رمضان، فلما كان يوم الفطر أرسل إليه عبيد الله بن زياد بحلة وخمس مائة درهم فردها عليه، وقال: إنا لا نأخذ على القرآن أجراً. واعلم أن عبد الله بن معقل هذا يشاركه في اسمه واسم أبيه عبد الله بن معقل المحاربي الكوفي يروي عن عائشة وعن أشعب بن سليم نبه على ذلك الحافظ عبد القادر الرهاوي في "أربعينه" (١).

стр. 2950

وأما والده: معقل فهو -بفتح الميم ثم عين مهملة ساكنة ثم قاف مكسورة- له صحبة، وجده مُقرِّن -بضم أوله وقع ثانيه وكسر ثالثه مشدداً-، ثم تنبّه لأمور. أحدها: وهم بعض من علق على هذا الكتاب فظن أن عبد الله بن معقل هذا هو السالف في الطهارة، فقال فيما رأيته بخطه: عبد الله بن معقل: تقدمت ترجمته في أول الكتاب في حديث ولوغ الكلب وهذا مغفل فذاك بالعين المعجمة والفاء وهذا بالمهملة والقاف وذاك صحابي، وذا تابعي فتصحف عليه. ثانيها: ادعى الحافظ عبد القادر الرهاوي في "أربعينه" أنه ليس لعبد الله بن معقل هذا في الصحيحين غير حديث "اتقوا النار ولو بشق تمرة" (١) وهو عجيب منه فحديث الباب الذي ذكره المصنف هو في الصحيحين أيضاً، وقد سبق [في الاعتراض] (٢) عليه النووي، فقال هذه الدعوى غلط، ففي"صحيح البخاري" في كتاب الحج (٣): في باب إطعام المحصَر في الفدية بنصف صاع عن عبد الله بن معقل المزني هذا عن كعب بن عجرة حديث، وهو كما قال لكنه في مسلم أيضاً وبه يتم الرد على الحافظ عبد القادر.

стр. 2951

ثالثها: وقع في "شرح الفاكهي" تخليط في ترجمة عبد الله بن معقل بترجمة كعب بن عجرة فإنه ذكر في آخرها مات سنة ثلاث وخمسين بالمدينة عن خمس وسبعين سنة كذا رايته [في نسختين منه] (١) وهذا ليس تاريخ وفاة عبد الله بن معقل وإنما هو تاريخ وفاة كعب بن عجرة، كذا ذكره الشيخ تقي الدين في "شرحه" (٢)، لكنه قال: سنة "اثنين وخمسين" بدل "ثلاث"، ولعل السبب الموقع له في ذلك أن الشيخ تقي الدين لم يفرد ترجمة عبد الله وحدها بعقد وترجمة كعب وحدها بآخر، بل ذكرهما في عقد واحد فظنهما واحداً والله أعلم. رابعها: "معقل" هذا يشتبه بثلاثة أشياء أسلفتها في كتاب الطهارة فراجعها من ثم (٣). وأما كعب بن عجرة: فقد سلف التعريف به في الحديث الثاني من باب التشهد (٤). الوجه الثاني: فيما يتعلق بألفاظه من ضبط وإعراب قوله: "نزلت فيّ" يعني آية الفدية وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا ...﴾ (٥) الآية. وقوله "خاصة" أي اختصاص بسبب النزول بي، فإن لفظ الآية

стр. 2952

عام، وهذه الآية نزلت عام الحديبية كما ثبت في الصحيح (١). وقوله: "والقمل يتناثر على وجهي" هي جملة حالية من التاء في "حُملت"، وفي صحيح مسلم "قمل رأسه ولحيته" (٢). و"أُرى" الأولى، والثالثة، بضم الهمزة أي أظن، والثانية, والرابعة بفتحها أي أشاهد ببصري فهو من رؤية العين وحذف مفعوله للدلالة عليه أي أراه. وقوله "الوجع أو الجهد" هو شك من الراوي هل قال: الأول أو الثاني. "والجهد" بفتح الجيم المشقة وبضمها الطاقة قاله صاحب "العين"، وغيره ولا معنى للطاقة هنا، بل المعنى على المشقة اللاحقة بسبب الوجع. قال الشيخ تقي الدين: إلَاّ أن تكون الصيغتان يعني الفتح والضم بمعنى واحد. قلت: لما حكى القاضي عياض في "إكماله" عن صاحب "العين" أن الجهد بالضم الطاقة وبالفتح المشقة نقل عن الشعبي أنه بالضم في العيش وبالفتح في العمل ثم قال: وقال ابن دريد: هما لغتان صحيحتان بلغ جَهده وجُهده، وقال

стр. 2953

النووي: في "تحريره" (١) في كلامه على الجهد في دعاء الاستسقاء أنه بفتح الجيم، وقيل: يجوز ضمها وهو المشقة وسوء الحال. قلت: فظهر بهذا أنه يجوز قراءة الجهد هنا بالضم أيضاً وأنه لغة. وقوله: "أتجد شاة" هو الصواب ووقع في رواية ابن ماهان "أتجد شيئاً" وهو وهم. والصاع: تقدم الكلام عليه في الحديث الثامن من باب الجنابة. والفرق بفتح الراء، وقد تسكن وهو ستة عشر رطلاً كما قاله الخطابي (٢): وهو ثلاثة آصع كما [فسر] (٣) في الروايتين بقوله في الأولى "لكل مسكين نصف صاع". وبقوله: "في هذه بين ستة" ووقع في رواية العدوي "لكل مسكين صاع" وهو وهم وجوابه رواية غيره "لكل مسكينين" على التثنية (٤).

стр. 2954

وقوله: "أو يهدي" أي يهدى هو -بفتح الياء وضمها- لأنه يقال: هدى الهدي وأهدى الهدي نقلهما صاحب "المطالع"، لكن عبارته: يقال من أهدى هديت الهدى وهديت المرأة إلى زوجها، وقيل: أُهديت. الوجه الثالث: في فوائده وأحكامه. الأولى: فيه الجلوس لمذاكرة العلم ومدارسته. الثانية: فيه أيضاً الاعتناء بسبب النزول وما يترتب عليه من الحكم وأن التفسير المتعلق بسبب النزول من الصحابي مرفوع إذا لم يضفه إليه لقوله: "نزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة". الثالثة: فيه دلالة على تحريم الحلق من غير ضرر للمحرم. الرابعة: فيه أيضاً دلالة على جوازه لأذى القمل وقاسوا عليه ما في معناه من الضرر كالمرض. [الخامس] (١): فيه أيضاً دلالة على أنه إذا حلق لغير عذر أن الفدية تلزمه من باب التنبيه لأنه إذا وجبت في الضرر فالترفه أولى نعم يفترقان في الاسم. السادس: قوله ﵊: "أتجد شاة؟ قال: لا. وفي الثانية "أو يهدي شاة" (٢)، قال: لا"، فأمره بالصوم،

стр. 2955

أو الإطعام أن كل واحد منهما لا يجزىء إلَاّ عند عدم الهدي، بل هو محمول على أن سؤاله عن وجدانه، فإن وجده أخبره ﵊ بأنه مخيّر بينه وبين الصيام والإِطعام وإن عدمه فهو مخيّر بين الصيام والإِطعام ولا شك أن لفظ الآية والحديث معاً يقتضي التخيير بين الخصال الثلاث المذكورة لأن "أو" هنا للتخيير لكنها مجملة في الآية مبينة في الحديث كما قدمناه، فالصيام مبين بثلاثة أيام وأبعد من قال من المتقدمين أنه عشرة أيام فإنه مخالف للحديث، والصدقة بثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع، وأبعد من قال من المتقدمين أنه يطعم عشرة مساكين لمخالفة الحديث وعزاه القاضي (١) فيهما إلى الحسن البصري وبعض السلف وكأنهم قاسوه على كفارة اليمين ولعل الحديث لم يبلغهم. والنسك: في الآية واحدته نسيكة وهي الذبيحة وأعلاها بدنة وأوسطها بقرة وأدناها شاة بصفة الأضحية أي ما شاء ذبح فهذه الفدية مخيرة مقدرة. فرع: كل هدي أو إطعام يلزم المحرم يكون بمكة ويتصدق به على مساكين الحرم إلَاّ الهدي يلزم المحصر فإنه يذبحه حيث أُحصر. وأما الصوم: فإنه يصوم حيث شاء. وعند المالكية: أن له أن يذبح حيث شاء من البلاد إلَاّ إن شاء أن يجعلها هدياً فيوقفها بعرفة وينحرها بمنحره فذلك له لا عليه،

стр. 2956

وكذلك كل شاة تجب عن إلقاء التفث وإزالة الشعر وطلب الرفاهية بالترخص في فعل ما يمنع المحرم منه. واختلف قول أبي حنيفة فقال: مرة بقول الشافعي وهو الاختصاص، وقال: مرة إنما ذلك في الدم دون الإِطعام وهو قول أصحابه وقول عطاء. السابع: اتفق العلماء على القول بظاهر هذا الحديث لكن وقع الخلاف في الإِطعام هل يتعين من الحنطة مقداراً وعيناً؟ يحكى عن أبي حنيفة والثوري أن نصف الصاع لكل مسكين إنما هو في الحنطة فأما التمر وغيره فيجب صاع لكل مسكين وهذا خلاف نصه لرواية مسلم ثلاثة آصع من تمر، وذكر مثله في الزبيب في كتاب أبي داود (١). وعن أحمد رواية: "لكل مسكين مد حنطة أو نصف صاع من غيرها". وللشافعية وجه: أنه لا يتقدر ما يعطى لكل مسكين. [فرع] (٢) ينعطف على ما مضى الحالق لغير عذر يتخير في الفدية أيضاً خلافاً لمن قال عليه الدم فقط حكاه المازري (٣) وحكاه الخطابي في "معالمه" (٤) عن أبي حنيفة والشافعي وهذا لا يحضرني

стр. 2957

عن الشافعي وقد صرح النووي في "شرح المهذب" (١) بأن مذهبنا أنه لا فرق بين الحلق للأذى أو لغيره ونقل هذا عن أبي حنيفة [وحده وحكاه القاضي عن أبي حنيفة] (٢) وأبي ثور، [وقال:] (٣)، قال القاضي (٤): ومعظم العلماء على وجوب الدم على الناسي. وقال الشافعي: في أحد قوليه وإسحق وداود لا دم عليه، قال: وحكم الطيب واللباس في هذا سواء عندهم على ما تقدم من التخيير والخلاف في وجوبه. الثامنة: يؤخذ من الحديث أنه يشرع لكبير القوم أو عالمهم إذا رأى ببعض أتباعه ضرراً أن يسأله عنه وأن يرشده إلى المخرج منه إن كان عنده مخرج. التاسعة: ورد في رواية في "صحيح مسلم": "أحلق رأسك ثم اذبح نسكاً"، وهو حجة لما عليه جماعة من العلماء من أن الفدية إنما تكون بعد فعل موجبها حكاه القاضي عنهم. العاشرة: جاء في رواية في "صحيح مسلم" ما يدل على أن نزول هذه الآية قبل الحكم، ورواية أخرى فيه تدل على أن نزولها بعده، فيحتمل كما قال القاضي عياض أنه ﵊ قضى فيها بوحي ثم نزل فيها قرآن يتلى.

стр. 2958

خاتمة: رأيت في "صحيح أبي حاتم ابن حبان" أنه ﵊: "أمره بصيام أو صدقة أو نسك أو ما تيسر" (١) وهذا غريب وصوابه، والله أعلم، "أو نسك ما تيسر"، وقد أخرجه مسلم في صحيحه كذلك في بعض رواياته. استدراك: هل الفدية المذكورة مرتبة، على قتل القمل فقط أو على إزالة الشعر؟ فيه خلاف للمالكية، قال بعض البغداديين: منهم بالثاني، وقال عبد الحق: بالأول, قالوا: وهو الأظهر لقوله ﵊: "أيؤذيك هوام رأسك؟ قلت: نعم، قال فاحلق ... " الحديث، قالوا: وفائدة الخلاف تظهر في المحرم إذا حلق رأس حلال ولم يقتل فيه قملاً. قال ابن القاسم: ليس عليه فدية، ويتصدق بشيء من طعام. وقال مالك: عليه الفدية كاملة. وعند الشافعية (٢): أنه يكره للمحرم أن يفلي رأسه ولحيته فإن فعل فأخرج قملة فقتلها فنص الشافعي على أنه يتصدق ولو بلقمة فقال بعض أصحابه: بوجوب ذلك لما فيه من إزالة الأذى، وقال جمهورهم: باستحبابه. ...

стр. 2959

٤٤ - باب حرمة مكة ذكر فيه [رحمة الله] (١) حديث أبي شريح الخزاعي، وحديث ابن عباس: الحديث الأول ٢١٨/ ١/ ٤٤ - عن أبي شريح -خويلد بن عمرو- الخزاعي [العدوى] (٢) ﵁: أنه قال لعمرو بن سعيد بن العاص -وهو يبعث البعوث إلى مكة- ائذن لي، أيها الأمير، أن أحدثك قولاً قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح، فسمعته أُذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، حيث تكلم به: أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن مكة حرمها الله تعالى، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ [فيها] (٣) فقولوا: إن الله [قد] (٤) أذن لرسوله [ ﷺ ] (٥) ولم يأذن لكم، وإنما

стр. 2960

أُذن [لي] (١) ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب، فقيل لأبي شريح: ما قال لك (٢)؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصياً، ولا فاراً بدم، ولا فاراً بخربة (٣). "الخربة" بالخاء [المعجمة] (٤) والراء المهملة: قيل: [هي] (٥) [الخيانة] (٦). وقيل: البلية. وقيل: [التهمة] (٧)، وأصلها في سرقة الإِبل، قال الشاعر: [وتلك قربى مثل أن تناسبا ... أن تشبه الضرائب الضرائبا] (٨) والخارب اللص يحب الخاربا (٩)

стр. 2961

الكلام عليه من وجوه: أحدها: أبو شريح بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الياء وبالحاء المهملة صحابي مشهور، وهو خزاعي عدوي كما ذكره كعبي أيضاً. وفي اسمه أقوال: أحدها: خويلد بن عمرو كما ذكره المصنف وكذا سماه البخاري ومسلم. ثانيها: عكسه. ثالثها: هاني بن عمرو. رابعها: عبد الرحمن بن عمرو بن صخر بن عبد العزى ابن معاوية. خامسها: كعب. سادسها: مطر حكاه العسكري. ونقل القرطبي في "مفهمه" (١) عن ابن سعد (٢) أنه خويلد بن صخر بن عبد العزى أسلم قبل الفتح، قاله ابن سعد، وأبو عمر.

стр. 2962

وقال المزني: أسلم يوم الفتح أو قبله. وقيل: إنه حمل لواءً من ألوية بني كعب يومئذ. روى عن النبي ﷺ عشرين حديثاً اتفقا على حديثين، وللبخاري حديث، روى عنه نافع بن جبير وغيره. مات بالمدينة سنة ثمان وستين وبه جزم النووي في "شرح مسلم" والشيخ تقي الدين ومن تابعهما. وقيل: سنة ثمان وخمسين حكاه العسكري. قال الواقدي: وكان من عقلاء أهل المدينة. فائدة: في الصحابة من يشترك معه في كنيته اثنان: أبو شريح (١)، هانىء بن يزيد الحارثي. وأبو شريح راوي حديث، "إن أعتى [الناس على] الله رجل" الحديث (٢). قالوا: هو الخزاعي وقالوا: غيره.

стр. 2963

ومن الرواة أيضاً أبو شريح المعافري (١)، وآخر أخرج له ابن ماجه (٢). الثاني: "الخزاعي" -بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي ثم ألف، ثم عين مهملة ثم ياء النسب- نسبة إلى خزاعة. والعدوي: -بفتح العين والدال المهملتين، ثم واو، ثم ياء النسب- نسبة إلى بطن من خزاعة وهي نسبة إلى قبائل خمسة. أحدها: هذه، وعمر بن الخطاب ينتسب إلى عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر (٣). الثالث: عمرو بن سعيد بن العاص [أبو عبيد] (٤) الأموي الملقب بالأشدق لقب به لعظم شدقيه، وقيل: لقبه به معاوية لكلام جرى [بينه وبينه] (٥)، وهو مشهور، وزعم المرزباني (٦): عن المدائني عن عوانة [أنه] (٧) سمي الأشدق لأنه صعد فبالغ في شتم عليّ فأصابته لقوة وأنشد له في "المعجم"، وفي كتاب "المنحرفين" أشعاراً، وفي "بارع" الهيثم كان أفقم، وأبوه سعيد

стр. 2964

صحابي كنيته أبو عثمان، ويقال. أبو عبد الرحمن، وقيل: إن لعمرو رواية ولم يثبت، قال أبو حاتم: ليست له صحبة وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، نعم، روى مرسلاً أرسل عن النبي ﷺ ، وروى عن عمر وعائشة وغيرها وعنه بنوه أمية، وسعيد، وموسى، وغيرهم، وليس المدينة لمعاوية وابنه ثم طلب الخلافة بعد، وزعم أن مروان جعله ولي عهد بعد عبد الملك بن مروان، وغلب على دمشق سنة تسع وستين، ثم لاطفه عبد الملك وأمّنه ثم قتله غدراً، بعث إليه يوماً خالياً فعاتبه على أشياء قد عفاها عنه، ثم وثب عليه فقتله، ويقال: ذبحه بيده وهو ابن أخت مروان، وزعم المسعودي: أن أبا الزعيزعة (١) هو الذي قتله، وقيل: كان يسمى لطيم الشيطان، وفي "كامل" المبرد أن عبد الله بن الزبير هو الذي لقبه بذلك، وكان جباراً شديد البأس, وقد ذكرت نبذة من أخباره فيما أفردته في الكلام على رجال هذا الكتاب، فراجعها منه. في وفاته قولان: أحدها. سنة تسع وستين [والثاني: سنة سبعين] (٢) وفي "تاريخ ابن قانع" سنة سبع وستين [والراجح سنة سبعين] (٣). تنبيه: وهم بعض من علق على هذا الكتاب فأبدل عمراً هذا بعمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف

стр. 2965

القرشي الأموي، ونقل عن ابن عبد البر أنه هاجر الهجرتين هو وأخوه خالد، وقدما على النبي ﷺ وأسلم خالد قبل إسلام أخيه عمرو، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وقدم على النبي ﷺ وهو بخيبر سنة سبع وشهد عمرو مع النبي ﷺ الفتح وحنيناً وتبوك فلما خرج المسلمون [إلى] (١) الشام [خرج] (٢) فقتل يوم أجنادين شهيداً، ولما قدم على النبي ﷺ رأى حلفة في يده فقال: ما هذه الحلقة التي بيدك؟ فقال: هذه حلقة أهديها لك يا رسول الله. قال: فما نقشها. قال محمد رسول الله. فقال: أرنيه [فتختم به ونهى أن ينقش] (٣) أحد [عليه] (٤)، ومات وهو في يده ثم أخذه الصديق ثم الفاروق ثم عثمان [وسقط منه في بئر أريس] (٥) , واستعمل النبي ﷺ عمرو بن سعيد على قرى عرينة منها تبوك، وخيبر، وفدك، وقتل عمرو بن سعيد مع أخيه أبان بن سعيد بأجنادين سنة ثلاث عشرة، وقيل: يوم اليرموك، وقيل: يوم مرج الصفر، وهو أيضاً سنة ثلاث عشرة هذا آخر ما نقله عن ابن عبد البر وهو عجيب من هذا الشارح، فعمرو هذا عم والد عمرو الأشدق فانتقل ذهنه من ترجمة إلى ترجمة فتنبه له. الوجه الرابع: "البعوث": جمع بعث بمعنى البعوث وهو من باب تسمية المفعول بالمصدر.

стр. 2966

والمراد: بالبعوث القوم المرسلون للقتال ونحوه، ويعني بها الجيوش التي وجهها يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن الزبير، وذاك أنه لما توفي معاوية وجه يزيد إلى عبد الله يستدعي منه بيعته فخرج إلى مكة ممتنعاً من بيعته فغضب يزيد وأرسل إلى مكة يأمر واليها يحيى بن حكيم بأخذ بيعة عبد الله فبايعه وأرسل إلى يزيد ببيعته فقال: لا أقبل حتى يؤتى به في وثاق فأبى ابن الزبير، وقال: أنا عائذ بالبيت. فأبى يزيد وكتب إلى عمرو بن [سعيد] (١) أن يوجه إليه جنداً فبعث هذه البعوث. الخامس (٢): "مكة" شرفها الله تعالى تقدمت الإِشارة إلى أسمائها في الحديث الأول من باب المواقيت. واختلف في سبب تسميتها بذلك على أقوال: أحدها: لقلة مائها من قولهم: أمتَكَّ الفصيل ضرع أمه إذا امتصه. ثانيها: لأنها تمك الذنوب أي تذهب بها وتمك الظالم أن تهلكه. ثالثها: لأنها بين جبلين مرتفعين عليها وهي بينهما منهبطة بمنزلة المكوك. رابعها: لاجتذابها الناس إليها كما يمتك الفصيل ضرع أمه أي يجذبه.

стр. 2967

ومن أسمائها أيضاً: بكة [بالباء] (١)، قال جماعات: هما لغتان [بمعنى] (٢). وقال البكري في "معجمه" (٣): إن عليه أهل اللغة لأن الباء والميم يتعاقبان يقال: سمك رأسه وسبكه، وضرب لازم [و] (٤) لازب، وقال آخرون: هما بمعنيين. واختلفوا في هذا على أقوال: أحدها "إن مكة الحرم كله، وبكة بالباء المسجد خاصة. وثانيها: أن مكة اسم البلد، وبكة اسم البيت ويرده قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ (٥)، فإنه يدل على أن مكة مشتملة عليه. ثالثها: إن مكة البلد، وبكة البيت وموضع الطواف فحينئذ مكة أعم من بكة لكونها اسماً للحرم كله أو للبلد كله، ومكة إما البيت فقط أو مع المطاف، وإما لجميع المسجد. ولماذا سميت بكة؟ قولان: أحدهما: لازدحام الناس بها يبك بعضهم بعضاً أي يدفع في زحمة الطواف.

стр. 2968

وثانيها: لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها والبك الدق. ثم مكة أفضل البقاع عند الشافعي والجمهور. وعند مالك وطائفة: المدينة أفضل، وحكى القاضي عياض: إجماع العلماء على أن موضع قبره -عليه أفضل الصلاة والسلام- أفضل بقاع الأرض، وأن الخلاف فيما سواه. وجعل ابن حزم: الفضل الثابت لمكة ثابتاً لِجميع الحرم، [ولعرفة] (١) وإن كان من الحل. الوجه السادس: أصل "ائذن" أأذن بهمزتين الأولى همزة الأصل والثانية فاء الكلمة فقلبت الثانية ياء لسكون وانكسار ما قبلها فبقيت ائذن. وقوله: "أيها الأمير" الأصل: يا أيها فحذف حرف النداء [قاله أهل العربية] (٢). الوجه السابع: قوله: "أيها الأمير ائذن لي أن أحدثك" إنما استأذنه في تحديثه ليكون أدعى إلى قبول حديثه وتحصيل الغرض منه، ففيه حسن الأدب في مخاطبة الأكابر لا سيما الملوك، لا سيما فيما يخالف مقصودهم، لأنه أدعى إلى القبول لا سيما في حق من يعرف منه ارتكاب غرضه فإن الغلظة عليه قد تكون سبباً لإِثارة نفسه ومعاندة من يخاطبه.

стр. 2969

وفيه أيضاً النصيحة لولاة الأمور وعدم الغش لهم والإِغلاظ عليهم. [الثامن] (١): قوله: "أن أحدثك قولاً قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم [الفتح] (٢) فسمعته أذناي" إلى آخره، إنما قال ذلك تحقيقاً لما يريد أن يخبره به. وقوله: "سمعته أذناي" نفى لتوهم أن يكون رواه عن غيره. وقوله: "ووعاه قلبي"، تحقيقاً لفهمه والتثبت في تعقل معناه. وقوله: "وأبصرته عيناي حين تكلم به أنه حمد الله وأثنى عليه" زيادة في تحقيق السماع والفهم عنه بالقرب منه، والرؤية، وأن سماعه منه ليس هو اعتماد على الصوت دون حجاب بل بالرؤية والمشاهدة ففيه التنبيه على أن شرط الشهادة المشاهدة، ولا يكفي سماع الصوت، وهو المشهور من مذهب الشافعي. وفيه أيضاً التنبيه على قبول علم الإِنسان وتحفظه ووعيه ومعاينته ممن أخذ عنه ليكون أدعى إلى قبوله والتمسك محققاً. [التاسع] (٣): "يوم الفتح" المراد فتح مكة، وكان في عشرين رمضان في السنة الثامنة من الهجرة. [التاسع]: يؤخذ من قوله "ووعاه قلبي"، أن العقل محله

стр. 2970

القلب لا الدماغ، وهو قول الجمهور لأنه لو كان محله الدماغ لقال: ووعاه رأسي، وفي المسألة قول ثالث: أنه مشترك بينهما. العاشر: قوله: "حمد الله وأثنى عليه" يؤخذ منه استحباب الحمد والثناء بين يدي تعليم العلم لتبيين الأحكام، وقد يؤخذ منه وجوب الحمد والثناء على الله تعالى في الخطبة. الحادي عشر: يؤخذ منه أيضاً الخطبة للأمور المهمة والأحكام العامة. الثاني عشر: قوله: "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس"، معناه تفهيم المخاطبين بعظيم قدر مكة بتحريم الله تعالى إياها ونفي ما تعتقده الجاهلية وغيرهم من أنهم يحرموا أو يحللوا كما حرموا الأشياء من قبل أنفسهم وإذا كان الأمر كذلك فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً لأن من آمن بالله تلزمه طاعته ومن آمن [بالله] (١) واليوم الآخر لزمه القيام بما وجب عليه واجتناب ما نهى عنه مخلصاً خوف الحساب عليه. فيؤخذ من الحديث أن التحريم وكذا التحليل [من عند الله تعالى وأن الناس ليس لهم فيه دخل] (٢) وأن الرجوع في كل حالة دنيوية وأخروية إلى الشرع وأن ذلك لا يعرف إلَاّ منه فعلاً وقولاً وتقريراً. ويؤخذ منه أيضاً عظم قدر مكة وشرفها زادها الله شرفاً.

стр. 2971

الرابع عشر: قدمنا في الكلام على حديث "إنما الأعمال بالنيات" أنه يقال امرؤ ومرء. وقدمنا أيضاً في الحديث الرابع من كتاب الحج الكلام على قوله: "اليوم الآخر". الخامس عشر: قوله "أن يسفك بها دماً" هو بكسر الفاء وحكي ضمها يقال: سفك ويسفك، وبالكسر قراءة السبعة والضم قراءة شاذة في قوله تعالى: ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (١)، والسفك: لغة صب الدم قال: المهدوي ولا يستعمل السفك إلَاّ في الدم، وقد يستعمل في نشر الكلام إذا نشره. السادس عشر: سياق الحديث ولفظه يدلان على تحريم القتال لأهل مكة وبه قال القفال: في "شرح التلخيص" (٢) في أول كتاب النكاح في ذكر الخصائص، قال: حتى لو تحصن، جماعة من الكفار بمكة لم يجز لنا قتالهم فيها. قلت: وهو أحد القولين في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٣) من الغارات، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (٤) وهو منقول من عادة العرب في احترامهم مكة وقال الماوردي (٥) في "أحكامه": من خصائص (٦) مكة

стр. 2972

أن لا يحارب أهله فلو بغى أهله على أهل العدل، فإن أمكن ردهم عن البغى بغير قتال لم يجز قتالهم، وإن لم يمكن ردهم عنه إلَاّ به. فقال جمهور الفقهاء: يقاتلون لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إضاعتها فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها. وقال بعض الفقهاء: يحرم قتالهم ويضيق عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة، ويدخلوا في أحكام أهل العدل، قال النووي: ﵀ في "شرح الأول" (١) والأول هو الصواب، وقد نص عليه الشافعي في "اختلاف الحديث من كتاب "الأم" ونص عليه أيضاً في آخر الكتاب المسمى بـ"سير الواقدي" من كتاب الأم قال: وقول القفال غلط نبهت عليه لئلا يغتر به (٢). وأجاب الشافعي: في "سير الواقدي" عن الأحاديث بأن معناها تحريم نصب القتال عليهم [وقتالهم] (٣) بما يعم كالمنجنيق وغيره إذا أمكن إصلاح الحال بدون ذلك بخلاف إذا تحصن الكفار ببلد آخر فإنه يجوز قتالهم على كل وجه وبكل شيء، وأكد الشيخ تقي الدين (٤): في "شرحه" هذا الجواب والنص بلفظ الحكاية، وكأنه أراد النووي ثم قال وأقوال هذا التأويل على خلاف الظاهر القوي الذي دل عليه عموم النكرة في سياق النفي في قوله: "فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً" وأيضاً فإنه -عليه

стр. 2973

الصلاة والسلام- بين خصوصية إحلالها له ساعة من نهار، وقال: "فإن أحدٌ ترخص بقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم" فأبان بهذا اللفظ أن المأذون للرسول فيه لم يؤذن فيه لغيره والذي أُذن للرسول فيه إنما هو مطلق القتال، ولم يكن قتال النبي ﷺ لأهل مكة بمنجنيق وغيره مما يعم كما حصل عليه الحديث في هذا التأويل، وأيضاً فالحديث وسياقه يدل على أن هذا التحريم لإِظهار حرمة البقعة بتحريم مطلق القتال فيها، وسفك الدم، وذلك لا يختص بما يستأصل وأيضاً [فتخصيص الحديث بما يستأصل] (١) ليس لنا دليل على تعيين هذا الوجه بعينه لأنه يحمل عليه هذا الحديث فلو أن قائلاً أبدى معنى آخر وخص في الحديث لم يكن بأولى من هذا. وقال القرطبي في "مفهمه": الحديث نص على الخصوصية واعتذار منه مما أبيح له من ذلك مع أن أهل مكة كانوا إذ ذاك مستحقين للقتال والقتل بصدهم عنه وإخراجهم أهله منه وكفرهم بالله وبرسوله، وهذا هو الذي فهمه أبو شريح من هذا الحديث، وقد قال: بذلك غير واحد من أهل العلم. السابع عشر: ربما استدل به أبو حنيفة على أن الملتجىء إلى الحرم إذا وجب عليه قتل لا يقتل به لأن قوله: "لا يحل لامرىء أن يسفك بها دماً" عام يدخل فيه صورة النزاع. قال أبو حنيفة: بل يلجأ إلى أن يخرج من الحرم ليقتل خارجه وذلك بالتضييق. ونقل هذا عن ابن عباس، فقال: من أصاب حداً ثم

стр. 2974

دخل الحرم لم يجالس ولم يبايع حتى يضطر إلى الخروج من الحرم، فإذا خرج أقيم عليه الحد. قال ابن بزيزة: وهو قول عمر بن الخطاب وسعيد بن جبير، والحكم بن عتبة، وابن جريج وابن الزبير، قال: وقال ابن عمر لو وجدت فيه قاتل [أبي ما تعرضت له وفي لفظ آخر: ما ندهته، وروي مثله عن عائشة، وقال: ابن عباس أيضاً: لو وجدت فيه] (١)، قاتل أبي ما عرضت له. وقال أبو يوسف ومالك وجماعة من العلماء: يخرج فيقام عليه الحد، وروى مثله عن عائشة، وحكاه القاضي عن الحسن ومجاهد، وابن الزبير وحماد لقوله ﵊: "اقتلوه ولو تعلقوا بأستار الكعبة" (٢)، أي وإن كان لقائل أن يقول إن ذلك كان خاصاً به كما سلف. ولم يخالف أبو حنيفة في إقامة الحدود بالحرم غير حد القتل خاصة، وقد أخرج ابن الزبير قوماً في الحرم إلى الحل فصلبهم (٣). وقال حماد بن أبي سليمان: من قتل ثم لجأ إلى الحرم يخرج منه فيقتل، وأما من تعدى عليه في الحرم فليدفع عن نفسه. قال تعالي: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ (٤) الآية. وقال ابن الجوزي: انعقد الإِجماع على أن من جنا في الحرم يقاد منه فيه ولا بؤمن لأنه هتك حرمة الحرم ورد الأمان.

стр. 2975

واختلف فيمن ارتكب جناية خارج الحرم، ثم لجأ إليه فروي عن أبي حنيفة وأحمد أنه لا يقام عليه الحد فيه، ويلجأ إلى الخروج إلى الحل، ويمنع المعاملة والمبايعة حتى يضطر إلى الخروج فيخرج إلى الحل فيقام عليه الحد فيه، ونقل هذا عن ابن الجوزي القرطبي في "مفهمه" (١) وأقره. ومذهب [مالك] (٢) والشافعي وغيرهما جوازه. ونقل ابن حزم في "محلاه" عن عمر وابنه عبد الله، وابن عباس وابن الزبير، وأبو شريح المنع، ثم قال: ولا مخالف لهم من الصحابة ثم نقل عن عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير والزهري وغيرهم من التابعين موافقتهم، قال: وقد خالف مالك والشافعي في هذا هؤلاء الصحابة والكتاب والسنة، وسيأتي لنا عود إلى هذه المسألة في الباب الآتي إن شاء الله ذلك وقدره (٣). [السابع عشر] (٤): قوله ﵊: "ولا يَعْضِدَ بَها شجرةً" أي يقطع بالعضد وهو سيف يمتهن في قطع الشجر، ويقال: المعضاد أيضاً يقال: [فيه] (٥) عضَد بالفتح يعضِد بالكسر كضرب يضرب، ويعضُد بالضم، إذا أعاد، والمعاضدة: المعاونة فقوله: "ولا يعضِد" هو بكسر الضاد فقط (٦)، وعليه اقتصر

стр. 2976

الشيخ تقي الدين ومن تابعه. والشجر: ما كان على ساق. [الثامن عشر] (١): فيه دلالة على تحريم قطع شجر الحرم وهو إجماع فيما لا يستنبته الآدميون في العادة وسواء الكلأ وغيره وسواء كان له شوك يؤذي أم لا. وقال جمهور أصحاب الشافعي: لا يحرم قطع الشوك لأنه مؤذ فأشبه الفواسق الخمس، ويخصون الحديث بالقياس وصحح المتولي منهم التحريم مطلقاً وهو القوي دليلاً لقوله ﵊ في الحديث الثاني: "لا يعضد شوكه"، ولأن غالب شجر الحرم ذو شوك والقياس المذكور ضعيف لقيام الفارق، وهو أن الفواسق الخمس تقصد الأذى بخلاف الشجر، أما ما يستنبته الآدميون فالأصح عند الشافعية إلحاقه بما لا يستنبت. قال الخطابي (٢): وسمعت أصحاب أبي حنيفة يجعلون النهي مصروفاً إلى ما ينبته الله دون غيره. قال الفاكهي: وهو مذهب مالك. [فروع] (٣): لو قطع ما يحرم قطعه هل يضمنه؟ قال مالك: لا ويأثم.

стр. 2977

وقال الشافعي وأبو حنيفة: نعم. ثم اختلفا فقال الشافعي: في الشجرة الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة كما جاء عن ابن عباس وابن الزبير وبه قال أحمد، وهو راد على قول الفاكهي ناصراً لمذهبه لم يرد [شرع] (١) بذلك. وقال أبو حنيفة: الواجب في الجميع القيمة. قال الشافعي: ويضمن الخلا بالقيمة. فرع: يجوز عند الشافعي ومن وافقه رعى البهائم في كلأ الشجر. وقال أبو حنيفة، وأحمد، ومحمد: لا يجوز. [التاسع عشر] (٢): قوله ﵊: "فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر"، قد يتوهم منه أن فيه دلالة على أن الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الشريعة والصحيح عند [أكثر] (٣) الأصوليين أنهم مخاطبون. وأجاب بعضهم: عن هذا التوهم بأن المؤمن هو الذي ينقاد لأحكامنا وينزجر عن محرمات شرعنا ويستثمر أحكامه فجعل الكلام فيه، وليس فيه أن غير المؤمن لا يكون مخاطباً بالفروع، وقد جاء مثل هذا في الأحاديث كثيراً لقوله ﵊: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره"،

стр. 2978

وكقوله في الحديث السابق: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر" الحديث. قال الشيخ تقي الدين: والذي أراه أن هذا الكلام من باب خطاب التهييج فإن مقتضاه أن استحلال هذا المنهي عنه لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر بل ينافيه فهذا هو المقتضى لذكر هذا الوصف ولو قيل لا يحل لأحد مطلقاً لم يحصل به هذا الغرض. وخطاب التهييج معلوم عند علماء البيان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١)، إلى غير ذلك مما يناسبه من الآي. [الحادي والعشرون] (٢): "فإن أحدٌ ترخص بقتال رسول الله ﷺ " أحدٌ فاعل بفعل مضمر يفسره ما بعده أي فإن ترخص أحد ترخص. وفيه دلالة على أن مكة [شرفها الله تعالى] (٣) فتحت عنوة وهو قول الأكثرين. وقال الشافعي وغيره: فتحت صلحاً وتأولوا الحديث على أن الفتال كان جائزاً له ﵊ فيها, ولو احتاج إليه لفعله ولكن ما احتاج إليه. قال الشيخ تقي الدين: وهذا التأويل يضعف قوله: "فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ " فإنه يقتضي وجود قتال منه ظاهراً

стр. 2979

وأيضاً السِّيَرُ التي دلت على وقوع القتال، وقوله ﵊: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" (١)، إلى غيره من الأمان المعلق على أشياء مخصوصة، تبعد هذا التأويل أيضاً. وتوسط الماوردي (٢) في المسألة فقال: عندي أن أسفلها دخله خالد بن الوليد عنوة، وأعلاها دخله الزبير بن العوام صلحاً، ودخلها النبي ﷺ من جهته، فصار حكم جهته الأغلب، ولم يغتنم أسفل مكة لأن القتال كان على جبالها ولم يكن بها. قال الخطابي (٣): وتأول [بعضهم] (٤) قوله ﵊ في رواية أخرى: "إنما أحلت لي ساعة من نهار" (٥)، معنى دخوله إياها من غير إحرام، لأنه ﵊ دخلها، وعليه عمامة سوداء (٦).

стр. 2980

وقيل: إنما أُحلت له في تلك الساعة إراقة الدم دون الصيد، وقطع الشجر وسائر ما حرم على الناس منه. [الحادي والعشرون] (١): قوله: "فليبلغ الشاهد الغائب" فيه تصريح بنقل العلم وإشاعة السنن والأحكام وهو إجماع، وكل من حضر شيئاً وعاينه فقد شهده، وقيل: له شاهد. والغائب: من غاب عنه وهذا اللفظ جاءت به أحاديث كثيراً، وقد أمر الله تعالى نبيه -عليه أفضل الصلاة والسلام- في كتابه بالتبليغ وحث عليه في غير آية من النصيحة لله ولرسوله وإقامة الكتاب. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (٤). ومن جملة ذلك كله البلاغ. [الثاني والعشرون] (٥): قول عمرو لأبي شريح: "أنا أعلم بذلك منك"، إلى آخره، هو كلامه ولم يسنده إلى رواية، وقد شنع عليه ابن حزم [في ذلك] (٦) في "محلاه" في كتاب الجنايات (٧)، فقال: لا كرامة للطيم الشيطان، الشرطي الفاسق، يريد أن يكون
следующие страницы →