← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

الشيخ تقي الدين ومن تابعه. والشجر: ما كان على ساق. [الثامن عشر] (١): فيه دلالة على تحريم قطع شجر الحرم وهو إجماع فيما لا يستنبته الآدميون في العادة وسواء الكلأ وغيره وسواء كان له شوك يؤذي أم لا. وقال جمهور أصحاب الشافعي: لا يحرم قطع الشوك لأنه مؤذ فأشبه الفواسق الخمس، ويخصون الحديث بالقياس وصحح المتولي منهم التحريم مطلقاً وهو القوي دليلاً لقوله ﵊ في الحديث الثاني: "لا يعضد شوكه"، ولأن غالب شجر الحرم ذو شوك والقياس المذكور ضعيف لقيام الفارق، وهو أن الفواسق الخمس تقصد الأذى بخلاف الشجر، أما ما يستنبته الآدميون فالأصح عند الشافعية إلحاقه بما لا يستنبت. قال الخطابي (٢): وسمعت أصحاب أبي حنيفة يجعلون النهي مصروفاً إلى ما ينبته الله دون غيره. قال الفاكهي: وهو مذهب مالك. [فروع] (٣): لو قطع ما يحرم قطعه هل يضمنه؟ قال مالك: لا ويأثم.

стр. 2977

وقال الشافعي وأبو حنيفة: نعم. ثم اختلفا فقال الشافعي: في الشجرة الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة كما جاء عن ابن عباس وابن الزبير وبه قال أحمد، وهو راد على قول الفاكهي ناصراً لمذهبه لم يرد [شرع] (١) بذلك. وقال أبو حنيفة: الواجب في الجميع القيمة. قال الشافعي: ويضمن الخلا بالقيمة. فرع: يجوز عند الشافعي ومن وافقه رعى البهائم في كلأ الشجر. وقال أبو حنيفة، وأحمد، ومحمد: لا يجوز. [التاسع عشر] (٢): قوله ﵊: "فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر"، قد يتوهم منه أن فيه دلالة على أن الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الشريعة والصحيح عند [أكثر] (٣) الأصوليين أنهم مخاطبون. وأجاب بعضهم: عن هذا التوهم بأن المؤمن هو الذي ينقاد لأحكامنا وينزجر عن محرمات شرعنا ويستثمر أحكامه فجعل الكلام فيه، وليس فيه أن غير المؤمن لا يكون مخاطباً بالفروع، وقد جاء مثل هذا في الأحاديث كثيراً لقوله ﵊: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره"،

стр. 2978

وكقوله في الحديث السابق: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر" الحديث. قال الشيخ تقي الدين: والذي أراه أن هذا الكلام من باب خطاب التهييج فإن مقتضاه أن استحلال هذا المنهي عنه لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر بل ينافيه فهذا هو المقتضى لذكر هذا الوصف ولو قيل لا يحل لأحد مطلقاً لم يحصل به هذا الغرض. وخطاب التهييج معلوم عند علماء البيان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١)، إلى غير ذلك مما يناسبه من الآي. [الحادي والعشرون] (٢): "فإن أحدٌ ترخص بقتال رسول الله ﷺ " أحدٌ فاعل بفعل مضمر يفسره ما بعده أي فإن ترخص أحد ترخص. وفيه دلالة على أن مكة [شرفها الله تعالى] (٣) فتحت عنوة وهو قول الأكثرين. وقال الشافعي وغيره: فتحت صلحاً وتأولوا الحديث على أن الفتال كان جائزاً له ﵊ فيها, ولو احتاج إليه لفعله ولكن ما احتاج إليه. قال الشيخ تقي الدين: وهذا التأويل يضعف قوله: "فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ " فإنه يقتضي وجود قتال منه ظاهراً

стр. 2979

وأيضاً السِّيَرُ التي دلت على وقوع القتال، وقوله ﵊: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" (١)، إلى غيره من الأمان المعلق على أشياء مخصوصة، تبعد هذا التأويل أيضاً. وتوسط الماوردي (٢) في المسألة فقال: عندي أن أسفلها دخله خالد بن الوليد عنوة، وأعلاها دخله الزبير بن العوام صلحاً، ودخلها النبي ﷺ من جهته، فصار حكم جهته الأغلب، ولم يغتنم أسفل مكة لأن القتال كان على جبالها ولم يكن بها. قال الخطابي (٣): وتأول [بعضهم] (٤) قوله ﵊ في رواية أخرى: "إنما أحلت لي ساعة من نهار" (٥)، معنى دخوله إياها من غير إحرام، لأنه ﵊ دخلها، وعليه عمامة سوداء (٦).

стр. 2980

وقيل: إنما أُحلت له في تلك الساعة إراقة الدم دون الصيد، وقطع الشجر وسائر ما حرم على الناس منه. [الحادي والعشرون] (١): قوله: "فليبلغ الشاهد الغائب" فيه تصريح بنقل العلم وإشاعة السنن والأحكام وهو إجماع، وكل من حضر شيئاً وعاينه فقد شهده، وقيل: له شاهد. والغائب: من غاب عنه وهذا اللفظ جاءت به أحاديث كثيراً، وقد أمر الله تعالى نبيه -عليه أفضل الصلاة والسلام- في كتابه بالتبليغ وحث عليه في غير آية من النصيحة لله ولرسوله وإقامة الكتاب. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (٤). ومن جملة ذلك كله البلاغ. [الثاني والعشرون] (٥): قول عمرو لأبي شريح: "أنا أعلم بذلك منك"، إلى آخره، هو كلامه ولم يسنده إلى رواية، وقد شنع عليه ابن حزم [في ذلك] (٦) في "محلاه" في كتاب الجنايات (٧)، فقال: لا كرامة للطيم الشيطان، الشرطي الفاسق، يريد أن يكون

стр. 2981

أعلم من صاحب رسول الله ﷺ ، قال: وهذا الفاسق هو العاصي لله ولرسوله، ومن ولاه أو قلده وما حامل الحرمة في الدنيا والآخرة إلَاّ هو ومن أمره وأيده وصوب قوله. وقال القرطبي (١) أيضاً: قول عمرو ليس بصحيح للذي تمسك به أبو شريح، ولما في حديث ابن عباس يعني الآتي، وحاصل كلام عمرو: أنه تأويل غير معضود بدليل. [الثالث والعشرون] (٢): معنى: "لا يعيذ عاصياً" لا يعصمه والاستعاذة: الاستجارة بالشيء والاعتصام به، يُقال: منه عاذ يعوذ ومعاذاً وعياذاً وأعاذه غيره يعيذه، وقد تقدم الكلام على هذه المادة أيضاً في أول باب (٣) الاستطابة. [الرابع والعشرون] (٤): الفار: الهارب. والخربة: بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء على المشهور (٥)، ويقال: بضم الخاء (٦) ورواه بعضهم كما ذكره ابن بزيزة بخرية بالياء المثناة، وأصلها سرقة الإِبل كما ذكرها المصنف وتطلق على كل جناية سواء كانت في الإِبل أو غيرها.

стр. 2982

وفي "صحيح البخاري" (١): أنها البلية. وقال الخليل: هي الفساد في الدين من الخارب وهو اللص المفسد في الأرض. وقيل: هو العيب. [الخامس والعشرون] (٢): في الحديث دلالة واضحة على تحريم مكة. واختلف العلماء في ابتداء تحريمها فالأكثرون: على أنها لم تزل محرمة من يوم خلق السموات والأرض. وقيل: إن إبراهيم أول من حرمها. استدل الجمهور: بقوله ﵊: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض". واستدل القائل بالثاني: بقوله ﵊: "إن إبراهيم حرم مكة". وأجاب الجمهور عنه: بأن تحريمها كان ثابتاً يوم خلق السموات والأرض، ثم خفى تحريمها ثم أظهره إبراهيم وأشاعه، لا أنه ابتدؤه. وأجاب القائل بالثاني: بأن معناه أن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ أو غيره يوم خلق السموات والأرض أن إبراهيم سيحرم مكة بأمر الله تعالى أي ويكون ذكر إبراهيم لتبؤه بنيانه لأنه بناه وطهره، للطائفين والعاكفين والركع والسجود.

стр. 2983

وقال القرطبي (١): قوله في هذا الحديث: "إن الله حرم مكة ولم يحرمها"، يعني أنه حرمها ابتداء من غير سبب يعزي إلى أحد ولا [تقدمه] (٢)، ولا لأحد فيه مدخل، لا نبي ولا عالم، ولا مجتهد، وأكد ذلك المعنى بقوله: "ولم يحرمها الناس"، لا يقال: فهذا يعارضه الحديث الآخر: "اللهم إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة"، لأنا نقول: إنما نسب الحكم هنا لإِبراهيم لأنه [بلّغ] (٣)، وكذلك نسبته لنبينا ﵊. كما قد ينسب الحكم للقاضي لأنه منفذه، والحكم لله العلي الكبير بحكم الأصالة والحقيقة. وما أحسن ما ذكره وأعلاه، وبه يزول التعارض ولله الحمد. [السادس والعشرون] (٤): أيضاً ما أكرم الله به رسوله -عليه أفضل الصلاة والسلام- من تحليل القتال له بمكة ساعة من نهار، وأنه استمر تحريمها إلى يوم القيامة. [السابع والعشرون] (٥): فيه أيضاً أن الاعتصام إنما هو بالشرع وأتباعه وأن الأماكن الشريفة ونحوها من الأنساب والخلفاء لا تمنع من حق أوجبه الله تعالى ولا يعيذ من حدوده وعقابه. ...

стр. 2984

الحديث الثاني ٢١٩/ ٢/ ٤٤ - عن ابن عباس ﵄[قال] (١): قال رسول الله ﷺ [يوم فتح مكة] (٢) -: "لا هجرة [بعد الفتح] (٣) ولكن جهاد ونية. وإذا استنفرتم فانفروا"، وقال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم تحل ليس إلَاّ ساعة من نهار (٤) فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلَاّ من عرفها ولا يختلا خلاه". فقال العباس: يا رسول الله ﷺ إلَاّ الإِذخر، فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال: "إلَاّ الإِذخر" (٥).

стр. 2985

[القين: الحداد] (١). الكلام عليه من وجوه: الأول: "يوم الفتح" هو فتح مكة وقد سلف في الحديث قبله تاريخه. الثاني: الهجرة من دار الحرب إلى دار الإِسلام باقية إلى يوم القيامة وفي تأويل هذا الحديث قولان: أحدها: "لا هجرة بعد الفتح" من مكة لأنها صارت دار إسلام وإنما تكون الهجرة من دار الحرب وهذا يتضمن معجزة لرسول الله ﷺ بأنها تبقى دار إسلام لا يتصور منها الهجرة بخلاف ما كانت أولاً وبهذا جزم الشيخ تقي الدين في "شرحه" (٢) قال: وإن لم يكن النفي من هذه الجهة فيكون حكماً ورد لرفع وجوب هجرة أخرى بغير هذا السبب. [الثاني] (٣): معناه "لا هجرة بعد الفتح" فضلها كفضلها قبله كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ (٤). وقد أسلفنا في حديث: "إنما الأعمال بالنيات"، وأقسام الهجرة فراجعها منه وكذا اشتقاقها.

стр. 2986

الثالث: قوله: "ولكن جهاد ونية" فيه احتمالان ذكرهما الشيخ تقي الدين: أحدها: أن يريد أن معناه ولكن جهاد ونية خالصة أن جهاده لتكون كلمة الله هي العليا لا لسمعة واكتساب حطام إذ العمل مع غير النية الخالصة كالعدم. ثانيهما: أن يريد ولكن جهاداً بالفعل أو نية الجهاد لمن لم يفعل. كما قال ﵊: "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق" (١). وقال النووي في "شرح مسلم" (٢): معناه ولكن لكم طريق إلى تحصيل الفضائل التي في معنى الهجرة وذلك بالجهاد ونية الخير في كل شيء. الرابع: قوله: "إذا استنفرتم فانفروا" أي إذا طلبتم للجهاد فأجيبوا ولا شك أنه قد تتعين الإِجابة والمبادرة إلى الجهاد في بعض الصور فأما إذا عَيّن الإِمام بعض الناس إلى فرض الكفاية فهل يتعين عليه؟ اختلفوا فيه. كما حكاه الشيخ تقي الدين (٣)، قال: ولعله يؤخذ من لفظ الحديث الوجوب في حق من عُين للجهاد، ويؤخذ غيره بالقياس.

стр. 2987

وعند المالكية وغيرهم حكاية قولين: في أن الجهاد هل يسقط فرضه على الجملة إلَاّ أن تقدح قادحة أو يطرق عدواً قوماً وهو باق؟ والأصح عند الشافعية: أنه كان في عهده ﵊ فرض كفاية وأما بعده فقد يكون فرض عين وقد يكون كفاية ومحل بسط ذلك كتب الفروع. قال القرطبي (١): الحديث دال على بقاء فرض الجهاد وتأبيده خلافاً لمن أنكر فرضيته. الخامس: قوله: "إن هذا البلد حرمه [الله] (٢) " قد قدمت الكلام عليه مع ما قد يعارضه فراجعه. ومعنى: "حرمه الله" أي حرم على المحرم وغيره الاصطياد فيه وعلى غير المحرم دخوله إلَاّ أن يحرم ويجري هذا مجرى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٣) أي وطئهن، و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٤) أي أكلها فعرف [الاستعمال]، (٥) دال على تعيين المحذوف وقد دل على صحة هذا المعنى اعتذاره ﵇ عن دخول مكة غير محرم معللاً أنه لم تحل له إلَاّ ساعة من نهار

стр. 2988

الحديث، وبهذا أخذ مالك والشافعي في [أحد] (١) قوليهما. وكثير من أصحابهما، قالوا: لا يجوز لأحد أن يدخل مكة إلَاّ محرماً إلَاّ أن يتكرر دخوله كحطاب وصياد وقد أجاز دخولها بغير إحرام ابن شهاب والحسن والقاسم، وروى عن مالك والشافعي [والليث] (٢) وقال بذلك أبو حنيفة: إلَاّ لمن منزله وراء المواقيت ولا يدخلها إلَاّ بإِحرام. واتفق الكل على أن من أراد الحج والعمرة أنه لا يدخلها إلَاّ محرماً. ثم اختلف أهل القول الأول في من دخلها غير محرم. فقال مالك والشافعي وأبو ثور: أنه لا دم عليه. وقال الثوري وعطاء والحسن بن حي: يلزمه حج أو عمرة ونحوه. قال أبو حنيفة: فيمن منزله وراء الميقات. قال القاضي عياض: ولم يختلف في دخوله ﵇ أنه كان حلالاً لدخوله والمغفر على رأسه ولأنه دخلها محارباً حاملاً للسلاح هو وأصحابه ولم يختلفوا في تخصيصه به. وكذلك لم يختلفوا في أن من دخلها لحرب أو بغى أنه لا يحل له أن يدخلها حلالاً

стр. 2989

قلت: لا. ففيه قول للشافعي أن الخائف من القتال لا يجب عليه الإِحرام وهو الأصح عند أصحابه أيضاً. السادس: قوله: "فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وأنه لم يحل القتال فيه لأحد بعدي" يشتمل على تحريم القتال وعلى أنه ثابت لا ينسخ وقد تقدم ما في تحريم القتال وإباحته في الحديث الذي قبله. وفي رواية لمسلم "القتل" بدل (١) "القتال"، والضمير في "أنه" ضمير الأمر: الشأن. السابع: قوله: "لا يعضد شوكه" قد تقدم ما فيه في الحديث قبله (٢). وكأنه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى لأنه إذا منع من قطع الشوك المؤذى فأحرى أن يمنع من قطع ما ينتفع به وهو يقارب قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٣). الثامن: قوله: "ولا ينفر صيده" أي لا يزعج عن مكانه ولا يعرض له. قال عكرمة: هو أن ينحيه من الظل ينزل مكانه رواه البخاري عنه (٤). قال العلماء: ونبه بالنهي عن الإِزعاج من مكانه وتنحيته عنه على الإِتلاف وسائر أنواع الأذى، تنبيهاً بالأدنى على الأعلى فإِنه إذا حرم الإِزعاج والتنحية فغيره أولى إذ المراد بالصيد هنا المصيد.

стр. 2990

وانفرد داود فقال: إن صيد الحلال في الحرم لا يوجب الجزاء. واختلفوا: في الحلال إذا صاد صيداً في الحل ثم أتى به الحرم وأراد ذبحه به فأجاز ذلك مالك لأن ما كان تحت اليد والقهر لا يسمى مصيداً فلم يكن داخلاً في قوله: "ولا ينفر صيده". ومنعه أبو حنيفة، [وقال: يرسله] (١) ووافقه أحمد. وقال المازري (٢): واختلفوا فيمن صاد في الحرم هل يدخل في جزائه الصيام؟ فأثبته مالك ونفاه أبو حنيفة، ولمالك عموم الآية (٣)، وفيها الصيام. قال القاضي (٤): ولا خلاف أنه إذا نفره فسلم أنه لا جزاء عليه إلَاّ أن يهلك لكن عليه الإِثم لمخالفة نهيه ﵊، إلَاّ شيء، روى عن عطاء أنه يطعم. التاسع: "ولا تلتقط لقطته إلَاّ من عرفها" اللقطة: الشي الملقوط وهو بفتح القاف على [المسموع] (٥) من العرب وعليه أجمع أهل اللغة، ويقال: بإِسكانها نقله الأزهري (٦) عن الخليل، وقاله الأصمعي والفراء وابن الأعرابي.

стр. 2991

وحكى ابن مالك (١) أيضاً: لُقاطةٌ [بضم اللام] (٢) ولُقْطةٌ [بفتحها وفتح القاف بلا هاء] (٣) ونضمها في بيت فقال: لُقاطةٌ ولُقْطةٌ [ولُقطَة] (٤) ... ولَقَطٌ ما لاقِطٌ قد لَقَطه ومعنى الحديث: لا تحل لقطة حرم مكة إلَاّ لمن يريد أن يعرفها أبداً من غير توقيت سنة ثم يتملكها كغيرها من البلاد، وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره "لا تحل لقطتها إلَاّ لمنشد" وهو المعرّف مطلقاً، وكذا ذكره المصنف في باب القصاص (٥) "ولا تلتقط ساقطتها إلَاّ لمنشد". وأما ناشدها فهو طالبها وأصل النشيد والإنشاد: رفع الصوت. وذهب مالك وبعض الشافعية (٦): إلى أنها كغيرها في التعريف والتملك. وحمل المازري (٧) الحديث على المبالغة في التعريف لأن

стр. 2992

الحاج يرجع إلى بلده وهو لا يعود إلَاّ بعد أعوام فتدعوا الضرورة لإِطالة التعريف بها بخلاف غير مكة. وذهب إلى الأول الشافعي وابن مهدي وأبو عبيد والداودي والباجي (١) وابن العربي. قال القرطبي: في "مفهمه" (٢) وهو أظهر. وقال النووي (٣): من خالف الحديث أوله بتأويلات ضعيفة. العاشر: "الخَلى" (٤) بالقصر وفتح الخاء الرطب من الكلأ، الواحدة خلاوة. واختلاؤه قطعه. قال أهل اللغة: الكلى والعشب اسم للرطب منه، والحشيش والهشيم: اسم لليابس منه، والكلأ: مهموز مقصور يقع على الرطب واليابس. وقال ابن مكي (٥) وغيره: من أهل اللغة ما يلحن العوام فيه إطلاقهم الحشيش على الرطب وهو مختص باليابس. قلت: قد حكى البطليوسي في "شرح أدب الكاتب" (٦) عن

стр. 2993

أبي حاتم أنه سأل أبا عبيدة عن الحشيش، فقال: يكون للرطب واليابس. وحكى الأزهري (١) أيضاً عن بعضهم: إطلاقه على الرطب أيضاً فإذا تقرر ذلك فالرَّطْبُ يحرم قطعه وقلعه واليابس لا يحرم إلَاّ قلعه [خاصة] (٢). الحادي عشر: "العباس": هو عم النبي ﷺ وقد ذكرت نبذة من أخباره في الحديث الخامس من كتاب الزكاة. الثاني عشر: "الإِذخر": بكسر الهمزة والذال والخاء المعجمتين نبت معروف طيب الرائحة يشبه الحلفاء. "والقين" الحداد كما ذكره المصنف وإنما ذكر القين لأنه يحتاج إليه في عمل النار، وفي معناه الصائغ وورد أيضاً كذلك في رواية للبخاري (٣) "فإنه لصائغينا وقبورنا". ومعنى كونه "لقبورهم" أن يسد به فرج اللحد المتخللة بين اللبنات. ومعنى كونه "لبيوتهم" لأجل تسقيفها من فوق الخشب، ولو قطع للحاجة التي يقطع الإِذخر كتسقيف البيوت ونحوه ففيه الخلاف في قطعه للدواء، وصححوا فيه الجواز، لا جرم جوز "الحاوي الصغير" القطع للحاجة مطلقاً ولم يخصه بالدواء [فيدخل فيه قطع

стр. 2994

الأشجار النابتة في الحوائط لما فيه من إصلاح الثمار بذلك وبه صرح بعض الفقهاء، وقال: يجوز أيضاً قطع ثمر المقل ما لم يدرك وهو النهس وقطع الشجر للبناء] (١). الثالث عشر: إجابته ﵊ للعباس بذلك على الفور يحتمل أنه باجتهاد منه أو بتفويض الحكم إليه من الله -تعالى- وهو قول بعض الأصوليين ومن منع ذلك منهم، قال: يجوز أن يكون موحي إليه في زمن يسير فإن الوحي القاء في خفية [بواسطة الملك وهو خاص بالأنبياء والذي بالألهام يقع للأولياء ومنه الحديث "إن من متى ملهمين وإنك منهم يا عمر" (٢)] (٣) وقد يظهر وقد لا يظهر وقد يورد على هذا أن يقال إذا كانت مكة مما حرمها الله تعالى ولم يحرمها الناس فكيف لأحد أن يحكم بحلية شيء منها وقد حرمها الله. والجواب: كما قال القرطبي (٤) أن الذي حرمه الله هو ما عدا المستثنى [منه] (٥)، لأنه لما جعل لنبيِّه التخصيص مع عِلْمه بأنه يخصِّص كذا، فالمحكومُ به لله تعالى هو ما عدا ذلك المخصّص. الرابع عشر: في الحديث أحكام: أحدها: رفع وجوب الهجرة [لغير الصحابة وغيرهم من مكة إلى المدينة بعد الفتح كما سلف.

стр. 2995

ثانيها] (١): أن حكم الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإِسلام باقٍ إلى يوم القيامة وجوباً أو ندباً. ثالثها: أن الجهاد بقصد الإِخلاص لله -تعالى- والطاعة له مطلوبان إلى يوم القيامة. رابعها: وجوب [النفر] (٢) مع كل إمام براً أو فاجراً. خامسها: تحريم مكة وحرمها بتحريم الله تعالى إلى يوم القيامة. سادسها: تحريم القتال فيه. سابعها: [أن التحريم والتحليل لا يعلمان إلَاّ بالشرع] (٣). [ثامنها: تحريم قطع شجر الحرم] (٤). [ثامنها] (٥): تحريم تنفير صيده وتنحيته من موضعه. [تاسعها]: تحريم لقطته إلَاّ بقصد التعريف دائماً على ما سلف. [عاشرها]: تحريم قطع الرطب من الخَلى وقلعه. [الحادي عشر]: الإِذخر من الخَلى.

стр. 2996

[الثاني عشر]: جواز تخصيص العام. [الثالث عشر]: جواز تعليل الحكم من السائل ليقع الجواب على تقدير الحكم والعلة. [الرابع عشر]: الجواب على الفور إذا كان عالماً به من غير تأن. خصوصاً إذا اقتضته المصلحة. [الخامس عشر]: مراعاة المصالح العامة والتنبيه عليها من الأئمة والكبار. [السادس عشر]: المبادرة إليها خصوصاً في المجامع والمشاهد وابتداء الأمر. [السابع عشر]: أن تحريم الله تعالى وتحليله يطلقان بما في اللوح المحفوظ وبمعنى الظهور وأن الإِطلاق جائز لمن علمه على ما سبق في الكلام على تحريم مكة في الحديث الذي قبله. ***

стр. 2997

٤٥ - باب ما يجوز قتله ٢٢٠/ ١ /٤٥ - عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "خمس من الدواب كلهن فاسق، يقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور" (١). ولمسلم: "يقتل خمس فواسق في الحل والحرم" (٢). الكلام عليه من وجوه: أحدها: اللفظ الأول (٣) الذي أورده هو لفظ البخاري ولفظ مسلم كذلك إلَاّ أنه قال: "فواسق" بدل "فاسق".

стр. 2998

واللفظ الثاني: الذي عزاه إلى مسلم ليس هو فيه وإنما لفظه: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم". وفي رواية "في الحرم" نعم، في رواية له عنها قالت: "أمر رسول الله ﷺ بقتل خمس فواسق في الحل والحرم". وحينئذ فاللفظ المذكور ليس لفظه ﷺ بل لفظ [كلام] (١) الراوي، فعلى المصنف في [إيراده] (٢) من هذا الوجه مؤاخذة فتأملها. ثم اعلم بعد ذلك أن مسلماً زاد في بعض (٣) رواياته "الحية" وأسقط "العقرب" وفي رواية له تقييد "الغراب بالأبقع" وهو الذي في ظهره [وبطنه] (٤) بياض. والصحيح عند الشافعية: تحريم أكل الغراب الأسود وحل غراب الزرع وفي الغراب الصغير وجهان ظاهر ما في الرافعي حله وصريح أصل "الروضة" (٥) تحريمه. قال القاضي (٦): وذكر في غير مسلم "الأفعى" فجاءت سبعة. قلت: لا. فإن "الحية" تناولت "الأفعى" وغيرها من جنسها وإنما هو خلاف لفظي وقد نبه على ذلك

стр. 2999

القرطبي (١).

стр. 3000

ثانيها: "الدواب": جمع دابة وأصلها داببة كقائمة فأدغمت الباء الأولى في الثانية، وكل ماشٍ على الأرض فهو دابة. ثالثها: أصل الفسق في كلام العرب الخروج من قولهم فَسَقَت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، وفَسَقَ عن أمر ربه أي خرج عنه. يفسِق ويفسُق بالكسر والضم فسقاً وفسوقاً. قال ابن الأعرابي: ولم يُسمع في كلام الجاهلية ولا في شعرهم فاسق [قال] (١) وهذا عجيب، والفِسِّيقُ: الدائم الفِسْقِ. ووصفت هذه الدواب بالفسق لخروجها بالإِيذاء والإِفساد عن طريق معظم الدواب، قاله النووي (٢)، قال: وقيل لخروجها عن حكم الحيوان في تحريم قتله في الحرم، والإِحرام، والصلاة. وجزم بهذا القرطبي (٣)، ثم قال: ويحتمل أن يقال: سميت بذلك لخروجهن من جحرهن لا ضرار بني آدم. وقال القاضي (٤): في القول الثاني [هو] (٥) أولى من قول الفراء، سميت الفأرة بذلك لخروجها عن جحرها واغتيالها الناس في أموالهم.

стр. 3001

وقول ابن قتيبة: سمي الغراب بذلك لتخلفه عن نوح ﵊ إذ لا يسمى كل متخلف وكل خارج فاسقاً عرفاً. وكذلك قول من قال سميت بذلك من التحريم لقوله تعالى بعد ذكر المحرمات ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ (١)، ولقوله: ﴿أَوْ فِسْقًا [أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٢)] (٣)، إذ ليس المراد هنا بالفسق مجرد الأكل بل الأفعال المنهي عنها. قلت: وأكد فسقهن بقوله: "كلهن فاسق". خامسها: المراد بالحرم: ما أطاف بمكة شرفها الله تعالى وأحاط بها من جوانبها جعل الله له حكمها في الحرمة تشريفاً له وهو محدود معروف عليه علامات من جوانبه كلها ومنصوب عليه أنصاب. وذكر الأزرقي في "تاريخ مكة" بأسانيده وغيره أن إبراهيم الخليل عملها وجبريل يريه مواضعها ثم أمر النبي ﷺ فيه بتجديدها ثم عمر ثم عثمان ثم معاوية ﵃ وهي إلى الآن سنة ولله الحمد. والمراد بالحل: ما عدا ذلك وقد ثبت في إباحة قتلهن في الإِحرام أيضاً حديث ابن عمر في صحيح مسلم (٤) ولفظه "خمس لا جناح على من قتلهن في الحرم والإِحرام" فذكرهن.

стр. 3002

واختلف في ضبط الحرم في هذه الرواية, فضبطه جماعة من المحققين بفتح الحاء والراء أي الحرم المشهور وهو حرم مكة. وقيل: -بضم الحاء والراء- ولم يذكر القاضي عياض في "مشارقه" وشرحه غيره، قال: وهو جمع حرم كما قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (١). قال: المراد من المواضع المحرمة. قال النووي (٢): والفتح أظهر ووهم الصعبي في "شرحه" فنقل هذا الخلاف في رواية المصنف وكذا بعض من علق على هذا الكتاب، والمحكي فيه الخلاف إنما هو في رواية ابن عمر لا في رواية عائشة التي في الكتاب كما صرح به النووي في "شرحه". ثم إن الصعبي وقع لَهُ وهم آخر في هذا الوهم فقال: ضبطه جماعة من المحققين. بفتح الحاء والراء ولم يذكر القاضي في "مشارقه" (٣) غيره هذا لفظه ومن خطه نقلته وسقط منه. وقيل: بضم الحاء والراء فإنه الذي لم يذكر القاضي غيره، وكأنه انتقال نظري من الراء إلى الراء أو سقط من نسخته فتنبه له. خامسها: "الغراب" معروف وجمعه في القلة: أغربة، وفي الكثرة: غربان. وقد نظم ابن مالك جموعه [في بيت] (٤) فقال: بالغُرْب اجمع غُرَاباً ثم أَغْرِبةٌ ... وأَغْرُبُ وغَرَابِينُ وغِرْبَانٌ

стр. 3003

سادسها "الحِدَأَةُ": بكسر الحاء المهملة وفتح الدال كما ضبطه المصنف في بعض النسخ مقصورة وبالهاء وجمعها حِدَأ كذلك بغير "هاء" كعنبة وعنب قاله ثعلب (١). قال القاضي عياض: وقد يكون مفرداً يراد به الذكر. قال صاحب العين: وهي طائر يأكل الجرذان. وقال ابن قتيبة: جمعها حِدَاءٌ وحِدآن. قال ابن سيده (٢): والحِدَأَ: أيضاً بالكسر وبالمد جمع: الحدأة وهو نادر. قال ابن درستويه: من العرب من يقول الحِدَوْ. وقال الأزهري (٣): كأنها لغة فيها. قال ابن عديس: وهو الحدي. أيضاً مثل القرى. وأهل الحجاز: يقولون حُدَيه، والجمع: حدادي. وقال أبو حاتم: أهل الحجاز يخطئون فيقولون الحُدَيا. وحكى ابن الأعرابي حداية وحَدَا. وحكى ابن الأنباري في "مقصوره" الحِدَأُ جمع حِدَأَة وربما فتحوا الحاء فقالوا حَدَأةٌ وحَدأ والكسر أفصح. وجاء في رواية لمسلم (٤) "الحُديا" بضم الحاء مقصور ومشدد الياء.

стр. 3004

قال ثابت: وصوابه الهمز على معنى التذكير وإلَاّ فحقيقته "الحُديثة" (١) وكذا قيده الأصلي في صحيح البخاري (٢) في موضع (٣) "الحدية" على التسهيل والإِدغام. سابعها: "العَقْرَبُ" مؤنثة، ويقال: أيضاً عَقْرَبةٌ وعَقْرَباءُ بالمد غيرُ مصروف وللذكر عُقْرُبانٌ بضم العين والراء. ثامنها: "الفَأْرَةُ" مهموز ويجوز تسهيلها معروفة. تاسعها: "الكلب العقور" معروف وحمله زفر على الذئب وحده، وعداه الجمهور إلى كل عاد مفترس غالباً. وروى سعيد بن منصور عن أبي هريرة "أنه الأسد". ومعنى العقور: العاقر الجارح. عاشرها: في رواية مسلم التي ذكرناها "خمس فواسق يقتلن" هو بتنوين "خمس"، وقول عائشة الذي نبهنا عليه "بقتل خمس فواسق" هو بإضافة "خمس" لا بتنوينه كما ضبطه النووي في "شرح مسلم" (٤). وقال الشيخ تقي الدين (٥): المشهور في الرواية "خمس" بالتنوين أي "وفواسق" صفة له، ويجوز: "خمسُ فواسق" بالإِضافة

стр. 3005

من غير تنوين، قال: و [في] (١) رواية المصنف يعني الأولى يدل على صحة المشهور، فإنه أخبر عن "خمس" بقوله: "كلهن فاسق" [وذلك] (٢) يقتضي أن ينون "خمس" وتكون "فواسق" خبراً، وبين التنوين والإِضافة في هذا فرق دقيق في [المعنى] (٣)، وذلك أن الإِضافة تقتضي الحكم على خمس من الفواسق بالقتل، وربما أشعر التخصيص بخلاف الحكم في غيرها بطريق المفهوم .. [وأما] (٤) مع التنوين [فإنه] (٥) يقتضي وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى وقد يشعر بأن الحكم المرتب على ذلك -وهو القتل- معلل بما جُعل وصفاً، وهو الفسق. فيقتضي ذلك التعميم لكل فاسق من الدواب وهو ضد ما اقتضاه الأول من المفهوم، وهو التخصيص. حادي عشر: [لا] (٦) خلاف في استعمال هذا الحديث والأخذ به في جواز قتل الست المذكورة في الحل والحرم إلَاّ شذوذاً، روى عن علي ومجاهد أنه لا يقتل الغراب ولكن يرمي ولا يصح عن علي، وروى في ذلك حديث فيما يقتل المحرم "ويرمي الغراب ولا يقتله" (٧). أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه.

стр. 3006

وقالت طائفة: لا يقتل [من] (١) الغربان إلَاّ الأبقع للرواية السالفة التي أسلفناها. وحكى الباجي (٢): عن النخعي أنه لا تقتل الفأرة وإن قتلها فداها وهو خلاف النص.

стр. 3007

وحكى الخطابي (١): عن مالك أنه لا يقتل الغراب الصغير وتأوله على نوع من الغربان يأكل الجيف. قال القاضي (٢): هو عندي تحريف على مالك من قوله في قتل صغارها -يعني فراخها- فإن مالكاً وكثيراً من أصحابه يقولون: لا يقتلها المحرم حتى تكبر وتؤذى، [ولم يرد بذلك جنساً من الغربان صغاراً]. واختلف العلماء في معنى جواز قتلهن مع اتفاقهم على أنه يجوز للمحرم أن يقتل ما في معناهن. فقال الشافعي: المعنى فيه كونهن غير مأكولات فكل ما لا يؤكل ولا هو متولد من مأكول وغيره فقتله جائز للمحرم ولا فدية عليه. وقال مالك: المعنى فيهن كونهن مؤذيات فكل مؤذ يجوز للمحرم قتله وما لا فلا. قال الشيخ تقي الدين (٣): وهذا عندي فيه نظر فإن جواز القتل غير جواز الاصطياد وإنما يرى الشافعي جواز الاصطياد وعدم وجوب الجزاء بالقتل لغير المأكول، وأما جواز الإِقدام على قتل كل مأكول ما ليس فيه ضرر فغير هذا. وفي كتب الحنفية الاقتصار على ما في الحديث وعدم التعدية، ونقل غير واحد من المصنفين المخالفين

стр. 3008

لأبي حنيفة عنه أنه ألحق الذئب بها وعدوا ذلك من مناقضاته. قلت: لا تناقض إن أرادوا المنصوص في الحديث مطلقاً دون ما في حديث عائشة هذا ونحوه. وقد روى أبو داود (١) في "مراسيله" عن سعيد بن المسيب رفعه يقتل المحرم الذئب، ورواه الدارقطني (٢) مرفوعاً من رواية ابن عمر وفيه الحجاج بن أرطأة. نعم بمقتضى مذهب أبي حنيفة الذي حكيناه. أنه لا يجوز اصطياد الأسد والنمر وما في معناها من بقية السباع العادية وأصحاب الشافعي يردون هذا بظهور المعنى في المنصوص عليه في الحديث وهو الأذى الطبيعي والعدوان المركب في هذه الحيوانات، والمعنى إذا ظهر في المنصوص عليه عداه القائسون إلى كل ما وجد فيه معنى ذلك الحكم كما في الأشياء الستة الموقوفات. وقد وافق أبو حنيفة على التعدية فيها، وإن اختلف هو والشافعي في المعنى الذي تعدى به. قال الشيخ تقي الدين (٣): وأقول: المذكور ثَمّ وهو تعليق

стр. 3009

الحكم بالألقاب، وهو لا يقتضي مفهوماً عند الجمهور، فالتعدية لا تنافي مقتضى اللفظ، والمذكور ههنا مفهوم عدد، وقد قال به جماعة، فيكون اللفظ مقتضياً للتخصيص، وإلَاّ بطلت فائدة التخصيص بالعدد، وعلى هذا المعنى [يقول] (١) بعض مصنفي الحنفية في التخصيص بالمنصوص عليه في الحديث -أعني مفهوم العدد- وذكر [غير] (٢) ذلك مع هذا أيضاً. قال: واعلم أن التعدية بمعنى الأذى إلى كل مؤذٍ قوي، بالإِضافة إلى تصرف القائسين، فإنه ظاهر من جهة الإِيماء بالتعليل بالفسق، وهو الخروج عن الحد، وأما التعليل بحرمة الأكل ففيه إبطال ما دل عليه إيماء النص من التعليل بالفسق لأن مقتضى [العلة] (٣) أن يتقيد الحكم بها وجوداً وعدماً فإن لم يتقيد وثبت الحكم حيث تقدم بطل تأثيرها بخصوصها في الحكم حيث ثبت الحكم مع انتفائها وذلك بخلاف ما دل عليه النص من التعليل بها. قلت: وأما القاضي عياض (٤) فنقل عن ظاهر كلام الجمهور أن المراد أعيان ما ورد في الحديث لأمور اختصت بها، قال: وهو ظاهر قول مالك وأبي حنيفة ولذلك. قال مالك (٥): لا يقتل المحرم الوزغ وإن قتله فداه ولا خنزيراً

стр. 3010

ولا قرداً مما لا ينطلق عليه اسم كلب إذ جعل الكلب صفة لا اسماً، قال: وهو قول العلماء كافة أنه لا يختص بالكلب نفسه، ولا من الطير ذوات المخالب سوى ما ذكر، ورأى أن لفظ الكلب لا يختص بالإِنسي وأنه ينطلق على كل عاد مفترس غالباً كالسباع والنمور، والفهد والذئب ووافقه أكثر العلماء على أنه لم يرد بالكلب المسمى به عرفاً بل كل ما ينطلق هذا الاسم من السباع العادية [المفترسة] (١) وهو قول الثوري وأحمد وابن عيينة وزيد بن أسلم، وإليه نحا الشافعي ثم نقل عن أبي حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح والأوزاعي أنه يقصر اسم الكلب على العرفي، وقالوا: الذئب مثله، وحمل زفر الكلب على الذئب وحده كما سلف. قال: ونحا ابن القصار في تفسير المذهب إلى أن المراد بتعيين هذه الفواسق التنبيه على ما شابهها في الأذى، وقاسوا على الكلب العقور سائر [ما يتعدى] (٢) للافتراس من السباع، وعلى الحدأة والغراب ما في معناهما وإنما خُصا لقربهما من الناس ولو وجد ذلك من الرخم والسنور لكانت مثلها، وبالفأرة ما ضرره مثلها وأشد منها كالوزغ، وبالعقرب على الزنبور، وبالحية والأفعى على ما أشبههما من ذوات السموم المهلكات. ثم قال: وذهب الشافعي إلى أن التنبيه بذكر ما ذكر على تحريم أكلهن وجعله علة في كل ما يقتله المحرم فيقتل عنده كل سبع وكل ذي مخلب من الطير كالنسر والرخم والبازي وكل ما ليس بصيد

стр. 3011

ويقتل صغار كل ذلك عنده وكباره ولا يقتل عنده الضبع والثعلب والهر لجواز أكلها عنده. قلت: الأصح عنده في الشهر المنع ولا يقتل السبع عنده ولا عند مالك لأنه ليس مفترساً غالباً ولا مما سمى كلباً ولا عند أبي حنيفة لأنه ليس مما نص عليه. واتفقوا على أنه إذا صال عليه فقتله لا فدية عليه سواء ما يباح قتله وما لا يباح قتله، ابتداء فداه وإن صال عليه. قال: ووقع لبعض أصحابنا في سباع الطير غير الغراب والحدأة أن على المحرم في قتلها الفدية وإن ابتدأ به والمعروف خلافه. وروى عن مالك في الغراب والحدأة لا يقتلها إلَاّ أن يفديه، والمشهور والظاهر من مذهبه خلافه. وروى عنه أن الذئب لا يقتله ابتداء وكأنه ضعف عنده أمر افتراسه غالباً ولم يختلف في قتل الحية والعقرب ولا في قتل الحلال الوزغ في الحرم. قال مالك: ولو تركت لكثرت (١). وقد صرح مسلم بالأمر بقتلها في آخر صحيحه. ولما حكى المازري، عن مالك أن المعنى في قتل هذه الفواسق كونها مضرة، قال فذكر الكلب العقور [تنبيهاً على ما يضر

стр. 3012

بالأجسام على جهة الاختلاس] (١) (٢) والحدأة والغراب للتنبيه على ما يضر بالأموال مجاهرة، [وبالفأرة على ما يضر بها خفية] (٣). وقال الشيخ تقي الدين (٤): من علل بالأذى عند من قال بالتعدية، قال نبه بالحية والعقرب على ما يشاركهما في الأذى باللسع كالبرغوث مثلاً عند بعضهم، وبالفأرة على ما تؤذي بالنقب والقرض كابن عرس. قلت: الأصح عند الشافعية حله. ومذهب أبي حنيفة وأحمد: حرمته -وبالغراب والحدأة على ما يؤدي بالاختطاف كالصقر والباز، وبالكلب العقور على كل عادٍ بطبعه كالأسد والفهد والنمر وتكون الدلالة على المذكورات من باب التنبيه على أنواع الأذى وهو مختلف، ومن قال بالتعدية إلى كل ما لا يؤكل في حال التخصيص في الذكر بهذه لما نص عليه على الغالب، فإنها الملابسات للناس والمخالطات في الدور، بحيث يعم أذاها، فكان ذلك سبباً للتخصيص، والتخصيص لأجل الغلبة [ليس له] (٥) مفهوم على ما عرف في الأصول، إلَاّ أن خصومهم جعلوا هذا

стр. 3013

المعنى معترضاً عليهم في تعدية الحكم إلى بقية السباع المؤذية وتقريره: أن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق قياساً شرطه مساواة الفرع للأصل أو رجحانه، أما إذا انفرد الأصل بزيادة يمكن أن تعتبر، فلا إلحاق، ولما كانت هذه الأشياء عادة الأذى -كما ذكرتم-[أمكن] (١) أن يكون ذلك سبباً لإِباحة قتلها لعموم ضررها، وهذا المعنى معدوم فيما لا يعم ضرره مما لا يخالط في المنازل. فلا تدعوا الحاجة إلى إباحة قتلها، كما دعت إلى إباحة قتل ما يخالط من المؤذيات، فلا يلحق به. وأجاب الأولون عن هذا بوجهين: أحدهما: أن الكلب العقور أذاه نادر وقد أبيح قتله. وثانيها: معارضة [الندور] (٢) في غير هذه الأشياء بزيادة قوة الضرر. ألا ترى أن تأثير [الفساد] (٣) بالفأرة [بالنقب] (٤) -مثلاً- والحدأة تخطف شيئاً يسير لا يساوي ما في الأسد والفهد من إتلاف الأنفس؟ فكان بإباحة القتل أولى. فرع: قالت الشافعية يكره للمحرم تنقية القمل من بدنه وثيابه ولا كراهة. ويكره له أن يفلي رأسه ولحيته فإن فعل فاخرج منها قملة

стр. 3014

وقتلها تصدق ولو بلقمة استحباباً على الأصح كما أسلفته في باب الفدية (١) وكأن القائل بالوجوب يحتج إلى منع التفدية في جواز قتل ما سوى المنصوص عليه في الحديث. الوجه الثاني عشر: اختلف العلماء في المراد بالكلب العقور. فقيل: هو الإِنسي المتخذ. وقيل: كل عاد مفترس كما تقدم، والجمهور على الثاني، ويدل له بأنه ﵊ لما دعا على عتبة بن أبي لهب بأن يسلط عليه كلباً من كلابه (٢) افترسه سبع فدل على تسميته بالكلب. ورجح من قال بالأول: بأن إطلاق اسم الكلب على غيره خلاف العرف، وإذا نقل اللفظ من المعنى اللغوي إلى العرف كان حمله عليه أولى وهذا إذا لم يكن ثم [قرينة تقوي] (٣) أحدها فإن كانت مما اقترنت به أولى سواء اقترنت باللغوي أو العرفي. الثالث عشر: اختلفوا في صغار هذه الأشياء، وعموم الحديث شاهد للجواز وهي عند المالكية منقسمة فأما صغار الغراب والحدأة ففي قتلها قولان لهم وأشهرهما القتل كما قاله ابن شاس والشيخ تقي الدين (٤)، ودليلهم عموم الحديث ومن منع اعتبر الصفة التي

стр. 3015

عَلل القتلَ بها، وهي "الفسق" على ما شهد به إيماء اللفظ. وهو معدوم في الصغار حقيقة. والحكم يزول بزوال علته. وأما صغار الكلاب ففيها لهم قولان أيضاً: وعدم القتل فيه أولى لأنه أبيح قتله [في حالة تقييد و] (١) الإِباحة بها وهي كونه عقوراً، وهي مفقودة في الصغير غير معلومة الوجود في حالة الكبر على تقدير البقاء بخلاف غيره من المذكورات فإنه ينتهي بطبعه عند الكبر إلى الأذى طبعاً. وأما صغار باقي المذكورات: فتقتل وهو ما حكاه ابن يونس عن ابن المواز وظاهر اللفظ والإِطلاق يقتضيه. قال القاضي عبد الوهاب: ولا يكره قتلها. قال: وكذا الزنبور. وحكى [العبدي] (٢) منهم خلافاً فيه وأطلق المازري حكاية قولين في صغار ما يجوز قتله قال: وعلى أنها لا تقتل ففي الجزاء فيها إن قتلت قولان. الرابع عشر: يقاس على قتل هؤلاء الفواسق في الحرم كل من يجب قتله فيه وإقامة الحدود به ممن اجترحها فيه أو في غيره ثم لجأ إليه وهو قول مالك والشافعي وغيرهما كما قدمناه في الباب قبله (٣).
следующие страницы →