← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

الرابع والعشرون: قوله: "وركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام [ركعتين ثم سلم" فيه دلالة على استحباب فعل ركعتي الطواف] (١) عند المقام أي خلفه فيجعله بينه وبين الكعبة فلو لم يصلهما خلفه لزحمة أو غيرها صلاها في الحجر فإن لم يفعل ففي المسجد فإن لم يفعل فحيث شاء من [الحرم] (٢) وغيره ولا يتعين لهما زمان ولا مكان بل يجوز أن يصليهما بعد رجوعه إلى وطنه وفي غيره ولا يفوتان ما دام حياً ويتعلق بهاتين الركعتين فروع محل الخوض فيها كتب الفقه وقد أوضحناها فيها ولله الحمد. والأصح عند الشافعية: عدم وجوبهما وهو مذهب أبي حنيفة أيضاً وتمتاز هذه الصلاة عن غيرها بأن الأجير إذا صلاها وقعت عن المستأجر على الأصح لا عن الأجير. الخامس والعشرون: قوله: " [فانصرف إلى] (٣) الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف" فيه دلالة على مشروعية السعي عقب طواف القدوم وركعتيه ويجب أن يكون السعي بعد طواف ركن أو قدوم بحيث لا يتخلل بينهما الوقوف بعرفة ولا يتصور وقوعه بعد طواف الوداع لأنه يؤتى به بعد فراغ (٤) المناسك فإذا بقي السعي استحال أن يكون طواف وداع واشترط فيه بعض الفقهاء كما نقله

стр. 3117

الشيخ تقي الدين (١) أن يكون عقب طواف واجب قال: وهذا القائل يرى أن طواف القدوم واجباً وإن لم يكن ركناً قال ابن العطار في "شرحه": لا شك أن هذا الطواف وقع واجباً لأنه ﵊ كان أولاً مفرداً ثم [إنه حل] (٢) فصار متمتعاً قارناً لأجل سوق الهدي ولتبيين جواز العمرة في أشهر الحج ثم قال: ومن العلماء من لم يجعله واجباً بل [هو] (٣) طواف قدوم لمفرد الحج وهو مستحب. قلت: وهذا هو الصواب وإن كان مذهب أبي حنيفة أن القارن يلزمه طوافان. وحكى ابن المنذر: عن طاووس وبعض أهل الحديث أنه لو قدم السعي على الطواف صح وحكاه أصحابنا عن داود ونقله إمام الحرمين في "أساليبه" عن بعض أئمتنا وهو شاذ. السادس والعشرون: قوله: "فانصرف فأتى الصفا" بفاء التعقيب في الانصراف وإتيان الصفا عقب قوله: "ثم سلم من ركعتي الطواف" يقتضي ألا يكون بين ذلك فعل شيء آخر من حيث أن التعقيب بالفاء يقتضي عدم المهلة لكن صح في مسلم (٤) من حديث جابر الطويل رجوعه ﵊ بعد سلامه إلى الحجر

стр. 3118

الأسود فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا". وقال المارودي (١): بعد أن يستلم يقف في الملتزم ويدعوا ويدخل الحجر ويدعوا تحت الميزاب. وفي "الإِحياء" (٢) للغزالي: أنه يأتي الملتزم قبل الصلاة، وقال ابن جرير: يقدم الملتزم على الاستلام والكل شاذ. السابع والعشرون: البدأة بالصفا في السعي واجبة في المرة الأولى من السبع وبالمروة في المرة الثانية [منه ويختم السبع بالمروة صحت به الأحاديث والذهاب من الصفا إلى المروة مرة] (٣) والعود منها إليه أخرى على الصحيح عند الشافعية. ثم السعي بين الصفا والمروة ركن عند الجمهور وخالف بعض الخلف فقال: هو تطوع وهو رواية عن أحمد. وقال أبو حنيفة: إن تركه عمداً أو سهواً لزمه دم وحكاه الدارمي قولاً للشافعي وهو غريب. الثامن والعشرون: قوله: "ثم لم يحل من شيء حرم عليه" إلى آخره إنما لم يحل من عمرته من أجل سوق الهدي لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وفي ذلك دليل على أن ذلك حكم القارن، قال ابن عطية: ومحل الهدى حيث يحل نحره، وذلك لمن لم يحصر بمنى ولمن أُحصر (٤) حيث أحصر إذا لم يمكن إرساله،

стр. 3119

وأما المريض فإن كان له هدى فيرسله إلى محله (١). وقوله: "ثم حل من كل شيء حرم منه" هو إجماع وانفرد ابن عباس (٢) عن الأمة، فقال: إن الحاج يتحلل لمجرد طواف القدوم. التاسع والعشرون: في قوله: "وفعل مثل ما فعل رسول الله ﷺ من أهدى" بيان عدم خصوصيته ﵊ بحكم سوق الهدي وعدم تحلله بسببه وأنه عام له ولغيره ممن ساقه وفي حديث آخر: "بأن لا يحل حتى يحل منهما جميعاً" رواه مسلم (٣) من حديث عائشة ﵂. [الثلاثون] (٤): في هذا الحديث جمل من أحكام مناسك [الحج] (٥) فخذها مختصرة. أولها: جواز إدخال العمرة على الحج وهذا قول قديم للشافعي صححه إمام الحرمين لكن مذهبه الجديد المنع وجعله خاصاً به لضرورة الاعتمار حينئذ في أشهر الحج.

стр. 3120

ثانيها: استحباب سوق الهدي من الميقات. ثالثها: أن من تركه لا إثم عليه لكن فاته الفضل. رابعها: أن من ساقه لا يتحلل من عمرته ومن لم يسقه يتحلل منها ويتمتع فيما [بينها] (١) وبين إحرامه بالحج من مكة. خامسها: وجوب الهدى على المتمتع بشروطه السالفة. سادسها: وجوب الصوم لمن لم يجد الهدي. سابعها: أن الصوم عشرة أيام. ثامنها: طواف القدوم للقارن وانفرد ابن عباس من بين الأمة، فقال: إن طواف القدوم ليس بسنة ولا بد من تأويله وإلَاّ فهو ممن روى أنه ﵊ بدأ بالطواف عند القدوم وأغرب بعض أصحابنا فقال بوجوبه وأنه يجبر بدم وأقامه بعض المالكية مقام طواف الإِفاضة فيما إذا طاف القدوم وسعى ورجع إلى بلده قبل طواف الإِفاضة جاهلاً أو ناسياً. تاسعها: استحباب استلام الحجر الأسود أول قدومه قبل طوافه. العاشر: [استحبابه الرمل فيه بشرط استعقابه السعي] (٢). الحادي عشر: استحباب مشي الأربعة الباقية. الثاني عشر: استحباب ركعتي الطواف خلف المقام.

стр. 3121

الثالث عشر: شرعية السعي بعد فعل الركعتين. الرابع عشر: وجوب البدأة بالصفا في السعي وختمه بالمروة. الخامس عشر: جواز تسمية السعي طوافاً. السادس عشر: أن محل الدم للهدايا والجبرانات المتعلقة بالحج قراناً كان [أو] (١) تمتعاً ونحرها يوم النحر بمنى. السابع عشر: فيه طواف الإِفاضة وأنه يستحب فعله يوم النحر. الثامن عشر: أنه يتحلل من كل شيء حرم عليه بالإِحرام بطواف الإِفاضة وليس في الحديث أنه حلق وقد علم ما فيه من الخلاف. التاسع عشر: فيه الاقتداء به ﵊ في مناسك الحج فعلاً وقولاً وتقريراً. ...

стр. 3122

الحديث الثالث ٢٥١/ ٣/ ٤٧ - عن حفصة زوج النبي ﷺ أنها قالت: [يا رسول الله] (١) ما شأن الناس حلوا من العمرة، ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر" (٢). الكلام [على هذا الحديث] (٣) من وجوه: أحدها: في التعريف براويه وقد سلف في باب فضل الجماعة ووجوبها. [ثانيها: الشأن] (٤) هنا الأمر والحال.

стр. 3123

وقوله: "ولم تحل أنت من عمرتك"، معناه: العمرة المضمومة إلى الحج، وإحلال الناس كان بالفسخ بأمره ﵊[كما سلف (١) في الحديث قبله ولم يحل هو لسوق الهدى فيكون قارناً] (٢) كما سلف (٣) وهو المذهب الصحيح المختار، ومن قال: كان مفرداً قال إن "من" بمعنى الباء أي لم تحل بعمرتك أي العمرة التي تحلل بها الناس فإنهم فسخوا حجهم إلى العمرة وضعفه الشيخ تقي الدين (٤): بوجهين: أحدها: كون "من" بمعنى الباء، قال الفاكهي: وهو ضعيف جداً أو باطل لأنه لا يعلم في لسان العرب استعمال "من" بمعنى الباء، وقد حصر النحويون معاني "من" في سبعة أقسام ليس فيها أن تكون بمعنى الباء فإن شذ عن ذلك شيء لم يلتفت إليه. قلت: سيأتي أنه وقع في القرآن العظيم "من" بمعنى "الباء". الثاني: [إن] (٥) قولها: "من عمرتك" يقتضي الإِضافة فيه تقرر عمرة له تضاف إليه، والعمرة التي يقع بها التحلل لم تكن [متقررة] (٦) ولا موجودة، وقيل: أرادت بالعمرة الزيارة لاشتراكها هي والحج في الموضع اللغوي وهو الزيارة، فمعنى "من عمرتك"

стр. 3124

من حجتك, وضعفه الشيخ تقي الدين [أيضاً]، (١) لأن الاسم [إذا انتقل] (٢) إلى حقيقة عرفية كانت اللغوية [مهجورة] (٣) في الاستعمال. [وقريب] (٤) من الوجه [من قال أنها أرادت بها الإِحرام] (٥) وضعف (٦) النووي في شرحه (٧) هذين التأويلين أيضاً، فقال: تأول من يقول بالإِفراد تأويلات ضعيفة، فذكرهما وذكر تأويلها وهو أنها ظنت أنه اعتمر أي فسخ كما فخسوا، وكذا قال القرطبي (٨): إنها تأويلات بعيدة، قال: وأقربها كون "من" بمعنى "الباء" كما قال تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٩) أي بأمر الله، وكقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)﴾ (١٠)، أي بكل أمر، فكأنها قالت: ما يمنعك أن تهل بعمرة فأخبرها بسبب المنع، وقال محمد بن أبي صفرة: مالك يقول في هذا الحديث: "من عمرتك" وغيره يقول: "من حجك" حكاه القاضي ثم

стр. 3125

القرطبي (١). ثالثها: إذا تقرر أنه كان قارناً فيستدل به إذن على أن القارن لا يتحلل حتى يقضي أفعال الحج كالمنفرد. رابعها: "التلبيد": أن يجعل في الشعر ما يسكنه ويمنعه من الانتعاش كالصبر أو الصبغ أو ما أشبههما. والتقليد: أن تقلد الهدى قلادة في عنقه من خيوط ونحوها وتعلق فيه نعل أو قرن أو جلد، ونحو ذلك عراها ليكون ذلك علامة على أنه هدى لله تعالى فيجتنب عما يجتنب (٢) غيره من الأذى وغيره، وإن ضل رد، وإن اختلط بغيره يتميز ولما فيه من إظهار الشعار، وتنبيه الغير على [فعل] (٣) مثل هذا جميعه، ولا يرجع فيها مهديها، وتجتنب سرقتها ويتبعها المساكين عند مشاهدتها. فرع: قال الماوردي (٤) وتستحب استقبال القبلة عند الإِشعار والتقليد. خامسها: قوله "فلا أحل حتى أنحر" هو اتباع لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٥)، فمن ساق الهدى لا يحل التحلل من عمرته

стр. 3126

حتى ينحر يوم النحر بمنى، واستدل أبو حنيفة، وأحمد بهذا الحديث على أن المتمتع إذا فرغ من [أفعال] (١) العمرة، وكان قد أهدى لم يجز أن يتحلل بل يقيم على إحرامه حتى يحرم بالحج ويتحلل منهما جميعاً بخلاف ما إذا لم يهد فإنه يتحلل. ومذهب الشافعي ومالك: أنه إذا فرغ من أعمال العمرة صار حلالاً وحل له جميع المحظورات سواء كان ساق الهدى أم لا. واحتجوا: بأنه متمتع [أكمل] (٢) أفعال عمرته فيتحلل كما إذا لم يكن معه هدى، وحديث حفصة هذا لا حجة فيه لأنه ﵊ كان مفرداً أو قارناً كما سلف (٣) ولهذا قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدى، ولجعلتها عمرة". وأما حديث عائشة: "من أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه". فجوابه: أنها رواية مختصرة من روايتين ذكرهما قبلها، وبعدها قالت: "فيها من كان معه هدى فليهلل [بالحج والعمرة] (٤)، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً" فهذه الرواية مفسرة للأولى وتقديرها من أحرم بعمرة وأهدى فليهل بالحج ولا يحل حتى ينحر [هديه] (٥) ويتعين هذا التأويل لأن القصة واحدة والراوي واحد.

стр. 3127

سادسها: في الحديث أحكام: أحدها: جواز سؤال المرأة زوجها [الكبير] (١) المقتدى به عما وقع من مخالفة الناس له فيما فعله. ثانيها: الجواب بذكر السبب في مخالفتهم له. ثالثها: جواز تسمية القارن متمتعاً وإن لم يحل من عمرته. رابعها: تلبيد شعر المحرم عند إحرامه وهو سنة بالاتفاق. خامسها: أن من لبد رأسه لم يكفه إلَاّ الحلق يوم النحر، وهو قول قديم للشافعي، والجديد من مذهبه أنه لا يتعين وهما كالقولين: في أن التلبيد والإِشعار هل ينزل منزلة قوله: "جعلتها أضحية". سادسها: أن من ساق الهدى لم يحل حتى ينحر. سابعها: أن القارن لا يتحلل حتى يقضي جميع أفعال الحج كالمفرد ما أسلفناه. ثامنها: أن سوق الهدى سنة مؤكدة. [تاسعها: أن تقليده أيضاً سنة مؤكدة] (٢) وهو اتفاق في الإِبل والبقر، وأما في الغنم فاستحبه الجمهور ومنعه مالك وأبو حنيفة والسنة قاضية عليه، قال القاضي عياض: لم يبلغ مالكاً الحديث. قلت: ووافق ابن حبيب منهم الجمهور.

стр. 3128

[خاتمة] (١): ترجم البخاري (٢) على هذا الحديث: القلائد للبدن والبقر" وسيأتي في الباب بعده أن الهدي يكون من الإِبل والبقر والغنم فأخذ البخاري البدن والبقر من لفظ الهدى، واعترض ابن المنير (٣)، فقال: [ليس في الحديث ذكر البقر] (٤) لكن قد صح أنه ﵊ أهداهما, ولا يرد هذا على البخاري فاعلمه. ثم ساق البخاري عقب هذا حديث عائشة الآتي في أول الباب الآتي على الأثر. ...

стр. 3129

الحديث الرابع ٢٥٢/ ٤/ ٤٧ - عن عمران بن حصين ﵄ قال: "نزلت آية المتعة في كتاب الله تعالى، ففعلناها مع رسول الله ﷺ [ولم ينزل قرآن يحرمها] (١)، ولم ينه عنها حتى مات، قال رجل: "برأيه ما شاء". قال البخاري "يقال: إنه عمر". ولمسلم: "نزلت آية المتعة -يعني متعة الحج- وأمرنا بها رسول الله ﷺ ، ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج، ولم ينه عنها رسول الله ﷺ حتى مات" (٢) ولهما بمعناه. الكلام عليه من وجوه: الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في باب التيمم وذكرنا

стр. 3130

هناك أن الملائكة كانت تسلم عليه، فلما اكتوى تركته فلما تركه عاد سلامهم عليه، وذلك أنه كانت به بواسير فكان يصبر على المها فاكتوى لذلك ولم يخبر ﵁ بذلك إلَاّ في مرض موته وأمر بكتمانه عنه في حياته خوف الفتنة [والمبهم في هذه الرواية قد فسره المصنف نقلاً عن البخاري: أنه عمر ﵁، وقد قدمنا عن عثمان أنه نهى عنها أيضاً] (١). الثاني: المراد بآية المتعة: قوله تعالى: "فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى"، وقد تقدم الكلام على هذه الآية في الباب (٢)، وعلى صفة المتعة وشروط الدم فيها، والمتعة: المنهي عنها ليست متعة النساء، ولا متعة فسخ الحج إلى العمرة، لأن شيئاً منها لم ينزل القرآن بجوازه، بل هي متعة الحج، وقد سلف تأويل النهي عنها، وبهذا يظهر بطلان مقالة من حمل نهي [عمر] (٣) ﵄ على إحدى هاتين المتعتين، وقد فسرها الراوي بقوله: -يعني متعة الحج- وهو أعلم بذلك من غيره وتفسيره مقدم على تفسير غيره. الثالث: في الحديث إشارة إلى جواز نسخ القرآن بالسنة: إذ لو لم يكن كذلك لما كان لقوله: "ولم ينه عنها". فائدةٌ من حيث أن النهي يقتضي رفع الحكم الثابت بالقرآن فلو لم يكن الرفع ممكناً لما احتاج إلى قوله "ولم ينه عنها" إذ لا طريق لرفعه إلَاّ جواز نسخه

стр. 3131

[وورود السنة بالنهي ونسخ الكتاب بالسنة هو قول أكثر أهل الأصول بشرط أن تكون السنة] (١) متواترة ونص الشافعي في الرسالة على المنع (٢). الرابع: قد يؤخذ منه أن الإِجماع لا ينسخ به وهو المختار عند الأصوليين إذ لو نسخ به لقال ولم يتفق على المنع منها لأن الاتفاق حينئذٍ يكون سبباً لرفع الحكم وكان يحتاج إلى نفيه كما نفى نزول القرآن بالنسخ وورود السنة بالنهي (٣). الخامس: يؤخذ منه [جواز نسخ القرآن بالقرآن] (٤) وهو إجماع. السادس: فيه وقوع الاجتهاد من الصحابة، وإنكار بعضهم على بعض [بالنص] (٥). ...

стр. 3132

٤٨ - باب الهدي المراد به ما يهدى إلى الحرم تقرباً إلى الله تعالى من الإِبل أو البقر، أو الغنم (١) المجزىء في الأضحية، ويقال: هدى بإسكان الدال، وتخفيف الياء، وبكسرها وتشديد الياء ذكرها الأزهري (٢) وغيره والأول أشهر وقرىء بهما قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، قال الأزهري: وأصله التشديد والواحدة هدية وهدية، ويقال: منه هديت الهدى، قال ابن عطية (٣): ويحتمل أن يكون "الهدى" مصدراً سمي به [كالمرض] (٤)، ونحوه فيقع [على الإِفراد والجمع] (٥)، وقال أبو عمرو بن العلاء: "لا أعرف لهذه اللفظة نظيراً". ثم ذكر المصنف في الباب خمسة أحاديث: ...

стр. 3133

الحديث الأول ٢٥٣/ ١/ ٤٨ - عن عائشة ﵂ قالت: "فتلت قلائد هدى [رسول] (١) الله ﷺ ثم أشعرها وقلدها (٢)، ثم بعث بها إلى البيت وأقام بالمدينة فما حرم عليه شيء كان له حلاً" (٣). الكلام عليه من وجوه: الأول: "القلائد": حبال ونحوها تكون في حلق البعير أو البقرة أو الغنم كما سلف في الباب (٤) قبله. وجاء في رواية لمسلم أن تلك الفلائد "من عهن" وهو الصوف مطلقاً. وقيل: الصوف المصبوغ ألواناً، كذا حكاه النووي في

стр. 3134

"شرحه" (١) هنا، وعبارته في إيراده في باب صوم عاشوراء (٢). وقيل: الصوف المصبوغ، ولم يذكر بعده شيئاً، وجزم القرطبي في "مفهمه" (٣) في صيام عاشوراء بأنه الصوف الأحمر، ثم حكى الخلاف السالف هنا, وتقلد الإِبل والبقر: بالنعال التي تلبس في حال الإِحرام، والغنم بخرب القرب أي عراها ونحوها من الخيوط المفتولة لضعفها عنها. ويستحب أن تكون لها قيمة ويتصدق بها إذا ذبح الهدى، وكره بعض المالكية التقليد بالنعال، [والأوتار] (٤)، وأجاز مالك أن يكون نعلاً واحداً، قال: والنعلان أحب إلينا (٥). الثاني: "الإِشعار": شق صفحة السنام بحديده، ونحوها طولاً، وسلت الدم عنه واصله من الإِعلام والعلامة، فالإِشعار للهدى علامة له، وتكون باركة مستقبلة (٦) القبلة. واختلف الفقهاء. هل يكون الإِشعار في الصفحة اليمنى

стр. 3135

أو اليسرى؟ فذهب الشافعي (١): إلى الأول وهو قول جمهور الخلف والسلف. وذهب مالك: إلى الثاني، قال: ولا بأس بالأيمن والسنَّة قاضية عليه (٢). فرع: قال: أكثر الأصحاب الأفضل تقديم الإِشعار على التقليد [وظاهر] (٣) حديث ابن عباس في "صحيح مسلم" (٤)، لكن المنصوص عكسه وصح ذلك من فعل ابن عمر. فرع: يسمى الله عند الإِشعار، قالت المالكية: ويكبر، ورواه مالك في الموطأ (٥) عن ابن عمر. ثالثها: الظاهر أن هذا البعث كان في السنة التاسعة ويؤيده رواية البخاري ومسلم (٦) عن عائشة، "ثم بعث بها مع أبي". رابعها: في الحديث استحباب فتل القلائد للهدى.

стр. 3136

خامسها: فيه أيضاً استحباب التقليد، وقد تقدم في الحديث الثالث من الباب قبله أنه سنة مؤكدة في الإِبل والبقر، وكذا في الغنم عند الجمهور خلافاً لمالك وأبي حنيفة. سادسها: فيه أيضاً استحساب الإِشعار وهو قول جمهور الخلف والسلف. وقال أبو حنيفة: إنه بدعة لأنه مثلة (١) وهو مخالف للأحاديث الصحيحة, وليس هو مثلة, بل هو كالفصد والحجامة والختان والوشم، وهذا مخصوص بالنهي عن المثلة. وأجاب الشيخ أبو حامد: بأنها منسوخة. وفيه نظر، وهذا في الإِبل والبقر. واتفقوا على أن الغنم لا يشعر لضعفها عن الجرح، ولأنه يستتر بالصفوف (٢).

стр. 3137

سابعها: فيه أيضاً إستحباب بعث الهدى من البلاد، وإن لم يكن معه صاحبه. ثامنها: فيه أيضاً استحباب إشعاره عند بعثه بخلاف ما إذا سافر صاحبه معه، فإنه لا يستحب إشعاره إلَاّ عند الإِحرام. تاسعها: فيه أيضاً أنه لا يحرم على من بعث الهدى شيء من محظورات الإِحرام، وهو قول الجمهور، ونقل فيه خلاف عن بعض المتقدمين وهو مشهور عن ابن عباس ﵄، وروى أيضاً عن ابن عمر وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير (١)، وحكاه الخطابي (٢) عن أهل الرأي أيضاً: أنه إذا فعله لزمه اجتناب ما يجتنبه المحرم، ولا يصير محرماً من غير نية الإِحرام. عاشرها: فيه أيضاً إعانة أهل الطاعات بما أمكن من المعونات، وإعانة الزوجة زوجها والاستعانة بالغير على العبادة.

стр. 3138

وأعلم أنه وقع في شرح الشيخ تقي الدين (١) في إيراد هذا الحديث "ثم أشعرتها"، والصواب "ثم أشعرها" كما أورده، وكذا هو في الصحيحين، وذكر الشيخ أيضاً في إيراده للحديث "وقلدها" "أو قلدتها"، وتبعه الشراح وهو بلفظ رواية البخاري ولعله من الراوي وهو عائشة ﵂، لكنها صرحت في باقي روايات البخاري وروايات مسلم كلها أنه ﵊ هو الذي قلدها. فرع: يتعلق بما سبق من كون الإِشعار في الصفحة اليمنى لو أهدى بعيرين مقرونين في حبل. قال البندنبجي والروياني: يشعر أحدهما في الصفحة اليمنى والآخر في اليسرى ليشاهدا. ...

стр. 3139

الحديث الثاني ٣٥٤/ ٢/ ٤٨ - عن عائشة ﵂ قالت: "أهدى رسول الله ﷺ مرة غنماً" (١). الكلام عليه من وجوه: أحدها: "الغنم": اسم مؤنث موضوع للجنس يقع على الذكور والإِناث وعليهما جميعاً، وتصغيرها غنيمة. ثانيها: في الحديث، والذي قبله دلالة على استحباب الهدى إلى البيت المكرم وهو إجماع. ثالثها: فيه أيضاً دلالة على إهداء الغنم وهو جائز اتفاقاً، وأبعد أهل العراق فيما [حكاه] (٢) الخطابي في "شرح ألفاظ المختصر" على ما نقله المحب الطبري في "أحكامه" في قولهم إن الغنم

стр. 3140

لا يسمى هدياً (١)، وقد مضى استحباب [تقليدها] (٢) وعدم إشعارها بخلاف الإِبل والبقر فإنه يجمع بينهما في كل منهما. ولم يذكر المصنف في هذه الرواية تقليد الغنم وهو ثابت في رواية مسلم (٣)، وهذا لفظه عن عائشة ﵂، قالت: "أهدى رسول الله ﷺ مرة غنماً إلى البيت فقلدها"، ورواية المصنف هي رواية البخاري (٤)، وقصّر الصعبي في "شرحه" فعزاها إلى رواية أبي داود، وليس بجيد فعزوها إلى "صحيح مسلم" أولى. ووقع في "شرحه" أيضاً أن البقر لا يشعر وكأنه اغتر [بعبارة] (٥) صاحب "التنبيه"، وقد نبه النووي في "تصحيحه" (٦) على أن ذلك من الأغلاط حيث قال: والصواب أنه يسن إشعار البقر كالبدن. وفصّلت المالكية، فقالوا: إن كان لها سنام أشعرت وإلَاّ فلا وحكوا خلافاً في الإِشعار في الإِبل إذا لم تكن مسنمة. ...

стр. 3141

الحديث الثالث ٢٥٥/ ٣/ ٤٨ - عن أبي هريرة ﵁: "أن نبي الله ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها. فرأيته راكبها، يساير النبي ﷺ ". وفي لفظ قال: في الثانية أو الثالثة "اركبها ويلك -أو- ويحك" (١). الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الرجل المبهم لا يحضرني تسميته بعد الفحص الشديد عنه. ثانيها: "البدنة": تقدم الكلام عليها في الحديث السادس من باب الجمعة (٢)، وأنها تقع على الواحد من الإِبل والبقر والغنم عند

стр. 3142

جمهور أهل اللغة، وجماعات من الفقهاء والمراد بها هنا: الإِبل لقرينة الركوب إذ البقر لا يركب غالباً، ولا عادة. وقوله: "إنها بدنة"، فقد كان حالها غير خاف على النبي ﷺ فإنها كانت مقلدة كما رواه مسلم ورواية البخاري (١) لفظ "فلقد رأيته راكبها يساير النبي ﷺ والنعل في عنقها"، فلعله ظن أن الهدى لا يركب على ما كان معلوماً عندهم في الجاهلية في أمر السائبة (٢) على ما سيأتي. ثالثها: قوله: "فرأيته راكبها" هو منصوب على الحال، وجاز ذلك، وإن كان اسم الفاعل إذا كان بمعنى المضي. معرفة فإنه من باب قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ (٣)، [فاعل] (٤)، وإن كان بمعنى المضي لما كان حكاية حال، وكذا هنا في انتصابه على الحال نبه عليه الفاكهي. رابعها: تقدم الكلام على لفظة "ويل" مستوعباً في كتاب الطهارة (٥) في حديث "ويل للأعقاب من النار". قال الجوهري: "الويل" [كلمة] (٦) عذاب وهو منصوب بفعل مضمر.

стр. 3143

وقال الحسن البصري: "ويح" كلمه رحمة. وقال ابن الجوزي (١): "ويح" كلمة تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها يرثي له، وكذا ويحك. [وتستعمل ويلك [المخاطبة] (٢) للتغليظ على المخاطب واستحق المخاطبة به] (٣)، لتأخره عن امتثال الأمر حتى روجع مرة أو مرتين، وقد يخاطب بها من غير قصد إلى معناها وموضوعها في عادة العرب في ذلك كقولهم: ويحه، وويله، وفي الحديث "تربت يداك" (٤)، "وأفلح [وأبيه] (٥) " وغير ذلك، قال القاضي عياض (٦):

стр. 3144

وعلى رواية تقديم "ويلك" يريد رواية [مسلم] (١) "ويلك اركبها"، "ويلك اركبها" لا يكون من باب الإِغلاظ لأجل التأديب وهو لفظ يستعمل لمن وقع في هلكة، وهذا يدل على ما جاء في الحديث "أن رآه [قد] (٢) جهد" قال: وقد قيل إن ويلك هذا يكون إغراء بما أمره به من ركوبها إذ رآه قد يتحرج منه. وقوله: "ويلك أو ويحك" هو شك من الراوي، هل قال: ويحك أو ويلك. خامسها: إنما أمره ﵊ بركوبها مخالفة لسير الجاهلية في مجانبة الانتفاع بالسائبة والوصيلة والحام وإهمالها بلا انتفاع بها حتى أوجب بعض العلماء ركوبها لهذا المعنى، ولمطلق الأمر، ويجوز أن يكون أمره بذلك لجهده ويؤيده الرواية السالفة. سادسها: في الحديث دلالة على جواز ركوب البدنة المهداة، وقد اختلف العلماء فيه على مذاهب مع الاتفاق على تحريم الإِضرار بها. أحدها: يجوز للحاجة فقط، ولا يجوز من غير حاجة وهو قول الشافعي وابن المنذر، وجماعة ورواية عن مالك لقوله ﵊ في صحيح مسلم (٣) من حديث جابر: "اركبها

стр. 3145

بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً"، فيرد [الخلاف] (١) حديث أبي هريرة إلى هذا التقييد. ثانيها: يجوز من غير حاجة وهو قول عروة ابن الزبير، ورواية عن مالك، وقول أحمد وإسحاق وأهل الظاهر، وبه قال بعض الشافعية: أخذاً بظاهر حديث أبي هريرة في الباب ولقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا﴾ (٢) الآية. ثالثها: لا يركبها إلَاّ أن لا يجد منه بداً قاله أبو حنيفة. رابعها: وجوب الركوب كما قدمته لمطلق الأمر به، ولقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ (٣) الآية. دليل الجمهور أنه ﵊ أهدي، ولم يركب هديه. وحكى الصعبي في "شرحه" أن بعض الشافعية قال: يجوز ركوب الهدي المتطوع به، وفي الواجب وجهان، ولم أر من حكاه غيره (٤). فرع: إذا احتاج وركب فاستراح ففي النزول قولان عن مالك وحجة عدم النزول، وهو ما ذكره ابن القاسم: إباحة الشارع له الركوب فجاز له استصحابه.

стр. 3146

وصوب القاضي إسماعيل منهم: النزول. فرع: يجوز الحمل عليها دون الإِجارة، وعند المالكية خلاف في جواز حمل الزاد عليها، فقال اللخمي: بالمنع، وقال ابن القاسم: بالجواز فماذا وجد غيرها نقله. فرع: لو نقصها الركوب المباح فعليه قيمة ذلك النقصان، ويتصدق [كما قاله] (١) أبو حنيفة والشافعي كما حكاه القرطبي (٢). الوجه السابع: يؤخذ من الحديث أن الكبير إذا رأى مصلحة تتعلق ببعض اتباعه أن يأمره بها. الثامن: يؤخذ منه أيضاً المبادرة إلى قبول الأمر. التاسع: يؤخذ منه أيضاً إذا لم يبادر إلى قبوله زجر بالكلام الغليظ بعد تنبيهه على الأمر ثانياً وثالثاً، وفي مسلم (٣) من حديث أنس أنه ﵊ قال له: "اركبها مرتين أو ثلاثاً"، وفي رواية للبخاري (٤) ثلاثاً وفي رواية لمسلم قال: "إنها بدنة أو هدية"، فقال: "وإن" أي وإن كانت بدنة أو هدية. [العاشر] (٥): يؤخذ منه أيضاً جواز مسايرة الكبار في الركوب

стр. 3147

في السفر ونحوه. ومن تراجم البخاري (١)، على هذا الحديث "باب: هل ينتفع الواقف بوقفه"؟، وذكره بلفظ فقال: "اركبها" قال: يا رسول الله إنها بدنة قال: "اركبها، ويلك في الثانية أو الثالثة"، وذكره من حديث أنس (٢) أيضاً بلفظ "فقال في الثالثة أو الرابعة اركبها ويلك أو ويحك". ...

стр. 3148

الحديث الرابع ٢٥٦/ ٤/ ٤٨ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: أمرني النبي ﷺ أن أقوم على بُدنه، وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها، وأن لا أعطي الجزار منها شيئاً، وقال: "نحن نعطيه من عندنا" (١). الكلام عليه من وجوه: أحدها: قوله: "على بدنه" هو بضم الباء وإسكان الدال ويجوز ضمها وهو جمع بدنة. ثانيها: معنى القيام عليها إصلاح شأنها في علفها ورعيها وسقيها وسوقها وإزالة الضرر عنها والعمل فيها بما يجب ويشرع ويحدد.

стр. 3149

ثالثها: "الأجلة": جمع جلال ما يتخذ من الثياب يشق على الأسنمة إذا كانت قليلة الثمن لئلا يسقط وليظهر الشعار ولا تستتر تحتها وتعقد أطراف الجلال على أقتابها ويكون ذاك بعد إشعارها لئلا تتلطخ بالدم. رابعها: "الجزار": معروف وهو الذي يتولى السلخ والقطع وعمالته تسمى جُزارة بالضم. خامسها: في الحديث جواز الاستنابة في القيام على الهدى وذبحه والتصدق به. سادسها: فيه أيضاً التصدق بالجميع ولا شك أنه أفضل وواجب في بعض الدماء. سابعها: فيه أيضاً أن الجلود تجري مجرى اللحم في التصدق لأنها من جملة ما يتصدق به فحكمها حكمه. ثامنها: فيه أيضاً أستحباب تجليل الهدايا وهو سنة ثابتة مختص بالإِبل وهو مما اشتهر فعله من عمل السلف (١) ورواه مالك والشافعي وأبو ثور وإسحاق. قال العلماء: ويستحب أن تكون فيه الجلال ونفاسته بحسب حال المهدي، وكان بعض السلف: يجلل [بالوشي] (٢) وبعضهم: بالحبرة. وبعضهم: بالقباطي والملاحف والأزر.

стр. 3150

قال مالك: ويشق على الأسنمة إن كانت قليلة الثمن لئلا يسقط، وقد سبق له فائدة أخرى، قال: وما علمت من ترك ذلك إلَاّ ابن عمر استبقاء للثياب لأنه كان يجلل الأجلال المرتفع (١)، من الأنماط والبرود والحبر، قال: وكان لا يجلل حتى يغدو من منى إلى عرفات وروى عنه أنه كان يجلل من ذي الحليفة وكان يعقد أطراف الجلال على أذنابها، فإذا مشى ليلة نزعها [فإذا كان يوم عرفة جللها، فإذا كان عند النحر نزعها] (٢) لئلا يصيبها الدم، قال مالك: أما الجلال فتنزع ليلاً لئلا يخرقها الشوك، قال: واستحب إن كانت الجلال مرتفعة أن يترك شقها وأن لا يجللها حتى يغدو إلى عرفات، فإن كان بثمن يسير فمن حين يحرم يشق ويجلل، قال: وكان ابن عمر أولاً يكسو الجلال الكعبة فلما كسيت تصدق بها على الفقراء. قلت: لا زالت الكعبة تكسى من لدن تُبع إلى الآن [كما تقدم] (٣)، فلينظر في هذه الرواية (٤). تاسعها: فيه أيضاً عدم إعطاء الجزار منها شيئاً مطلقاً بكل وجه كما هو ظاهر [الحديث بالـ] (٥) ـلفظ [الذي] (٦) أورده المصنف

стр. 3151

وترجم [عليه البخاري] (١) بأن "لا يعطى الجزار من الهدى شيئاً"، ولا شك في امتناعه إذا كان عطاؤه أجرة الذبح لأنه معاوضة ببعض الهدى وهي في الأجرة كالبيع وهو لا يجوز، وأما إذا أعطاه منها خارجاً عن الأجرة زائد عليها فالقياس الجواز لكن الشارع قال: "نحن نعطيه من عندنا" فأطلق المنع من غير تقييد بالأجرة والذي يخشى من إعطائه منها بأن تقع مسامحته في الأجرة لأجل ما يأخذه الجزار من اللحم فتعود إلى المعاوضة في نفس الأمر ممن يميل إلى سد الذرائع يتمسك بهذا الحديث خشية من مثل هذا. قلت: لكن رواية مسلم (٢) الأخرى في صحيحه تزيل هذا الإِشكال فإن فيها "ولا يعطى في جزارتها منها شيئاً"، وما أحسن هذه الرواية ولفظ رواية البخاري (٣) "ولا أعطى عليها شيئاً في جزارتها"، وفي لفظ آخر (٤) له "ولا يعطى في جزارتها شيئاً"، وأطلق النووي في "شرحه لمسلم" (٥) أنه يؤخذ من الحديث أن الجزار لا يعطى منها [مفيداً] (٦) أن عطيته عوض عن عمله فيكون في معنى بيع جزء منها وذلك لا يجوز، وكذا قال القرطبي في

стр. 3152

"مفهمه" (١): الحديث دال على أنه لا تجوز المعاوضة على شيء منها لأن الجزار إذا عمل عمله استحق الأجرة على عمله فإذا دفع له منها شيئاً كان ذلك عوضاً على فعله وهو بيع ذلك الجزء منها بالمنفعة التي عملها وهي الجزر، قال والجمهور: على أنه لا يعطى [الجازر] (٢) منها شيئاً تمسكاً بهذا الحديث وخالف الحسن البصري، وعبد الله [ابن عبيد] (٣) بن عمير فجوزا إعطاء الجلد، قال: وقوله: "نحن نعطيه من عندنا" مبالغة في سد الذريعة وتحقيق للجهة التي يجب عليها أجرة [الجازر] (٤) لأنه لما كان الهدي منفعة له، تعينت أجرة التي تتم به تلك المنفعة عليه. العاشر: فيه أيضاً جواز الاستئجار على النحر ونحوه. الحادي عشر: فيه أيضاً تحريم بيع جلد الهدي ومثله الأضحية وسائر أجزائهما بعوض من الأعواض سواء كان بما ينتفع به في البيت وغيره أم لا، وسواء كانا تطوعين أو واجبين، لكن إن كانا تطوعاً فله الانتفاع بالجلد ونحوه باللبس وغيره وبه قال عطاء والنخعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق: وحكى ابن المنذر عن ابن عمر وأحمد وإسحق أنه لا بأس ببيع جلد هديه ويتصدق بثمنه، قال: ورخص في بيعه أبو ثور.

стр. 3153

وقال النخعي والأوزاعي: لا بأس أن يشتري به الغربال والمنخل والفأس والميزان ونحوها. وللشافعي قول غريب أنه يجوز بيع الجلد ويصرف ثمنه مصرف الأضحية. ولأصحابه وجه: أنه لا يجوز أن يفرد بالانتفاع بالجلد، بل يجب التشريك فيه كاللحم. خاتمة (١): ذهب مالك إلى أنه يؤكل من الهدايا كلها إلَاّ أربع: جزاء الصيد، ونسك الأذى، ونذر المساكين، وهدي التطوع، إذا عطب قبل محله. وعنه قول آخر: أنه لا يأكل من دم الفساد. وعنه أنه قال: في "المبسوط" في الجزاء [والفدية] (٢) ينبغي أن لا يأكل، فإن أكل فلا شيء عليه. ومذهب الشافعي كما ذكره النووي في "شرح المهذب" (٣) في فرع مذاهب العلماء أنه لا يجوز الأكل من الأضحية والهدي الواجبين، سواء كان جبراناً أو منذوراً وكذا نقله الخطابي (٤) عن مذهب الشافعي أيضاً أنه يأكل من التطوع كالضحايا والهدايا دون الواجب كدم التمتع والقران والنذر ونحوها.

стр. 3154

وقال الرافعي: يشبه أن يقال: يجوز الأكل إذا كانت معينة ابتداء ويمتنع إذا كانت معينة عن شيء في الذمة لأنه يشبه دم الجبران. قلت: وقال داود أيضاً: لا يجوز الأكل من الواجب. وقال أحمد وإسحاق: لا يأكل من النذور ولا من جزاء الصيد ويأكل مما سوى ذلك، وروى ذلك عن عمر ﵁، وقال أصحاب الرأي: يأكل من دم التمتع والقران والتطوع ولا يأكل مما سواها [وبناه] (١) على مذهبه أن دم القران والتمتع دم نسك لا جبران ونقله النووي في "شرح المهذب" (٢) عن أحمد أيضاً وما نقلناه أولاً عن أحمد هو ما نقله الخطابي عنه (٣). وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري، أنه لا بأس أن يأكل من جزاء الصيد وغيره. ...

стр. 3155

الحديث الخامس ٢٥٧/ ٥/ ٤٨ - عن زياد بن جبير قال: "رأيت ابن عمر (١) أتى على رجل قد أناخ بدنته، فنحرها، فقال: ابعثها قياماً مقيدة سنّة محمد ﷺ " (٢). الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف براويه عن ابن عمر وهو زياد بن جبير -بجيم ثم باء ثم مثناة تحت ثم راء- ابن حية بمثناة تحت، وزياد ثقفي تابعي ثقة ووالده تابعي جليل، ووقع في رجال هذا الكتاب للصعبي فضبط [جبير] (٣) والد زياد بحاء مهملة ثم نون ثم ياء مثناة تحت ثم نون كذا رأيته بخطه مضبوطاً وهو وهم فاجتنبه ثم رأيت في
следующие страницы →