وترجم [عليه البخاري] (١) بأن "لا يعطى الجزار من الهدى شيئاً"، ولا شك في امتناعه إذا كان عطاؤه أجرة الذبح لأنه معاوضة ببعض الهدى وهي في الأجرة كالبيع وهو لا يجوز، وأما إذا أعطاه منها خارجاً عن الأجرة زائد عليها فالقياس الجواز لكن الشارع قال: "نحن نعطيه من عندنا" فأطلق المنع من غير تقييد بالأجرة والذي يخشى من إعطائه منها بأن تقع مسامحته في الأجرة لأجل ما يأخذه الجزار من اللحم فتعود إلى المعاوضة في نفس الأمر ممن يميل إلى سد الذرائع يتمسك بهذا الحديث خشية من مثل هذا.
قلت: لكن رواية مسلم (٢) الأخرى في صحيحه تزيل هذا الإِشكال فإن فيها "ولا يعطى في جزارتها منها شيئاً"، وما أحسن هذه الرواية ولفظ رواية البخاري (٣) "ولا أعطى عليها شيئاً في جزارتها"، وفي لفظ آخر (٤) له "ولا يعطى في جزارتها شيئاً"، وأطلق النووي في "شرحه لمسلم" (٥) أنه يؤخذ من الحديث أن الجزار لا يعطى منها [مفيداً] (٦) أن عطيته عوض عن عمله فيكون في معنى بيع جزء منها وذلك لا يجوز، وكذا قال القرطبي في
стр. 3152
"مفهمه" (١): الحديث دال على أنه لا تجوز المعاوضة على شيء منها لأن الجزار إذا عمل عمله استحق الأجرة على عمله فإذا دفع له منها شيئاً كان ذلك عوضاً على فعله وهو بيع ذلك الجزء منها بالمنفعة التي عملها وهي الجزر، قال والجمهور: على أنه لا يعطى [الجازر] (٢) منها شيئاً تمسكاً بهذا الحديث وخالف الحسن البصري، وعبد الله [ابن عبيد] (٣) بن عمير فجوزا إعطاء الجلد، قال: وقوله: "نحن نعطيه من عندنا" مبالغة في سد الذريعة وتحقيق للجهة التي يجب عليها أجرة [الجازر] (٤) لأنه لما كان الهدي منفعة له، تعينت أجرة التي تتم به تلك المنفعة عليه.
العاشر: فيه أيضاً جواز الاستئجار على النحر ونحوه.
الحادي عشر: فيه أيضاً تحريم بيع جلد الهدي ومثله الأضحية وسائر أجزائهما بعوض من الأعواض سواء كان بما ينتفع به في البيت وغيره أم لا، وسواء كانا تطوعين أو واجبين، لكن إن كانا تطوعاً فله الانتفاع بالجلد ونحوه باللبس وغيره وبه قال عطاء والنخعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق:
وحكى ابن المنذر عن ابن عمر وأحمد وإسحق أنه لا بأس ببيع جلد هديه ويتصدق بثمنه، قال: ورخص في بيعه أبو ثور.
стр. 3153
وقال النخعي والأوزاعي: لا بأس أن يشتري به الغربال والمنخل والفأس والميزان ونحوها.
وللشافعي قول غريب أنه يجوز بيع الجلد ويصرف ثمنه مصرف الأضحية.
ولأصحابه وجه: أنه لا يجوز أن يفرد بالانتفاع بالجلد، بل يجب التشريك فيه كاللحم.
خاتمة (١): ذهب مالك إلى أنه يؤكل من الهدايا كلها إلَاّ أربع: جزاء الصيد، ونسك الأذى، ونذر المساكين، وهدي التطوع، إذا عطب قبل محله.
وعنه قول آخر: أنه لا يأكل من دم الفساد.
وعنه أنه قال: في "المبسوط" في الجزاء [والفدية] (٢) ينبغي أن لا يأكل، فإن أكل فلا شيء عليه.
ومذهب الشافعي كما ذكره النووي في "شرح المهذب" (٣) في فرع مذاهب العلماء أنه لا يجوز الأكل من الأضحية والهدي الواجبين، سواء كان جبراناً أو منذوراً وكذا نقله الخطابي (٤) عن مذهب الشافعي أيضاً أنه يأكل من التطوع كالضحايا والهدايا دون الواجب كدم التمتع والقران والنذر ونحوها.
стр. 3154
وقال الرافعي: يشبه أن يقال: يجوز الأكل إذا كانت معينة ابتداء ويمتنع إذا كانت معينة عن شيء في الذمة لأنه يشبه دم الجبران.
قلت: وقال داود أيضاً: لا يجوز الأكل من الواجب.
وقال أحمد وإسحاق: لا يأكل من النذور ولا من جزاء الصيد ويأكل مما سوى ذلك، وروى ذلك عن عمر ﵁، وقال أصحاب الرأي: يأكل من دم التمتع والقران والتطوع ولا يأكل مما سواها [وبناه] (١) على مذهبه أن دم القران والتمتع دم نسك لا جبران ونقله النووي في "شرح المهذب" (٢) عن أحمد أيضاً وما نقلناه أولاً عن أحمد هو ما نقله الخطابي عنه (٣).
وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري، أنه لا بأس أن يأكل من جزاء الصيد وغيره.
...
стр. 3155
الحديث الخامس
٢٥٧/ ٥/ ٤٨ - عن زياد بن جبير قال: "رأيت ابن عمر (١) أتى على رجل قد أناخ بدنته، فنحرها، فقال: ابعثها قياماً مقيدة سنّة محمد ﷺ " (٢).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: في التعريف براويه عن ابن عمر وهو زياد بن جبير -بجيم ثم باء ثم مثناة تحت ثم راء- ابن حية بمثناة تحت، وزياد ثقفي تابعي ثقة ووالده تابعي جليل، ووقع في رجال هذا الكتاب للصعبي فضبط [جبير] (٣) والد زياد بحاء مهملة ثم نون ثم ياء مثناة تحت ثم نون كذا رأيته بخطه مضبوطاً وهو وهم فاجتنبه ثم رأيت في
стр. 3156
شرحه لهذا الكتاب بخطه أيضاً على الصواب ثم إن جبير يشتبه بثمانية أشياء (١).
وحية يشبه بأشياء (٢) ذكرتهم في "مختصري مشتبه الشبة".
الثاني: هذا الرجل المبهم الذي قال له ابن عمر، "ابعثها" لم أعثر على تعيينه بعد البحث عنه.
الثالث: في ألفاظه، ومعانيه.
قال الجوهري: "بعثت الناقة" أثرتها.
ومعنى "مقيدة" معقولة اليد اليسرى [وهو قيدها] (٣)، أي انحرها قائمة معقولة.
وفي "سنن أبي (٤) داود" بإسناد جيد صححه ابن السكن والشيخ تقي الدين في "شرحه" (٥)، والنووي في "شرح مسلم" (٦)، قال: إن إسناده على شرط مسلم عن جابر بن [عبد الرحمن] (٧) بن
стр. 3157
سابط (١) "أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة [اليد] (٢) اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها"، والمراد هنا بالبدنة البعير ونحوه من الإِبل، فأما البقر والغنم، فليس هذا حكمها بل يستحب ذبحها مضجعة لجنبها الأيسر، وتبرك رجلها اليمنى.
ووقع في "كفاية" ابن الرفعة اليسرى، ولعله من سبق القلم ويسند باقي القوائم، وهذا الذي قاله ابن عمر لهذا الرجل أصله في كتاب الله وهو قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ...﴾ (٣) الآية، وصواف: جمع صافة أي مصطفة في قيامها، وقرأ ابن مسعود وغيره "صوافن" (٤) بالنون جمع صافنة وهي التي رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب.
والصافن من الخيل: الرافع إحدى يديه لفراهته، وقيل: إحدى رجليه (٥)، ومنه قوله تعالى: ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١)﴾ (٦).
стр. 3158
قال ابن عباس: في معنى "صواف" قياماً على ثلاث قوائم معقولة، استدركه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين (١)، وكذا قال مجاهد: الصواف إذا عقلت رجلها اليسرى وكانت على ثلاث قوائم وحديث جابر السالف (٢) صريح في أن اليد اليسرى هي المعقولة، قال بعض الشراح: والقراءة الشاذة السالفة يساعدها أنه ورد في "صحيح مسلم" ما يدل على أنها تكون معقولة حالة نحرها كذا عزاه إلى "صحيح مسلم" ولا يحضرني الآن.
وظاهر القرآن يشعر بكونها قائمة لقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (٣)، أي سقطت بعد النحر فوقعت جنوبها على الأرض (٤) واصل الوجوب: الوقوع ومنه: وجبت الشمس.
الرابع: في أحكامه.
الأول: استحباب نحر الإِبل معقولة من قيام على الصفة المذكورة وهو مذهب الأئمة الثلاثة. مالك، والشافعي، وأحمد والجمهور.
وقال أبو حنيفة والثوري: يستوي نحرها قائمة وباركة في الفضيلة.
стр. 3159
وحكى القاضي عياض (١) عن عطاء أن نحرها باركة أفضل وإتباع السنة أولى، وحجة عطاء أن ابن عمر فعل ذلك كما رواه: سعيد بن منصور.
وجوابه: أنه إن صح عنه فهو محمول على عذر من نفار ونحوه توفيقاً بينه وبين ما سلف عنه.
[الثاني] (٢) والثالث: تعلم الجاهل وعدم السكوت على مخالفة السنة وفيه أيضاً ما كانت الصحابة عليه من التقييد بالسنة قولاً وعملاً واعتقاداً (٣).
...
стр. 3160
(١) بسم الله الرحمن الرحيم
﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)﴾
٤٩ - باب الغسل للمحرم
ذكر فيه حديث واحد، وهو:
٢٥٨/ ١/ ٤٩ - عن عبد الله بن حنين، أن عبد الله بن عباس، والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء، فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه، [قال] (٢): فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يُستر بثوب، فسلمت عليه. فقال: من هذا؟ قلت: أنا عبد الله بن حنين، أرسلني إليك ابن عباس [يسأل كيف] (٣) كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب يده على الثوب، فطأطأ، حتى بدأ لي رأسه، ثم قال لإِنسان يصب عليه الماء: أصبب فصب. على رأسه، ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، ثم قال: هكذا رأيته ﷺ يفعل.
стр. 3161
وفي رواية: "فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبداً" (١).
القرنان: العمودان اللذان تشد فيهما الخشبة التي تعلق عليها البكرة (٢).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: في التعريف: بما وقع فيه من الأسماء (٣).
عبد الله بن حنين فهو قرشي هاشمي مولى ابن عباس، وقيل: مولى علي تابعي ثقة، قليل الحديث: قال أسامة: دخلت عليه ليالي استخلف يزيد بن عبد الملك ومات قريباً من ذلك.
وأما أبوه حنين: -فهو بحاء مهملة مضمومة ثم نون ثم [ياء] (٤) مثناة تحت ثم نون-.
وأما [عبد الله (٥) بن عباس وأبو أيوب فتقدما في باب الاستطابة.
وأما المسور: فهو بكسر الميم ثم سين مهملة ساكنة، ثم واو
стр. 3162
مخففة مفتوحة، ثم راء، "ابن مخرمة": بميمين مفتوحتين بينهما خاء معجمة [ساكنة ثم راء مفتوحة] (١) وآخره تاء تأنيث ابن نوفل بن أُهيب بن عبد مناف ابن زهرة أبو عثمان، وقال ابن حبان: أبو عبد الرحمن [القرشي] (٢) الزهري بن الشفاء، ويقال: عاتكة بنت عوف أخت عبد الرحمن بن عوف، ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين، وقدم به المدينة في عقب ذي الحجة سنة ثمان عام الفتح، وهو ابن ست سنين. توفي النبي ﷺ وله ثمان سنين، وسمع من النبي ﷺ ، وصح سماعه منه، وفي سنة مولده ولد مروان بن الحكم روى عشرين حديثاً، وزاد بعضهم آخرين، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بحديث، وروى أيضاً عن أبيه وخالد وغيرهما. وعنه أبو [أمامة سعد] (٣) بن سهل بن حنيف، وعروة بن الزبير وغيره. أصابه حجر المنجنيق في حصار الشاميين لابن الزبير وهو في الحجر يصلي فمكث خمسة أيام، ومات في ربيع الآخر سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة اثنين، وقيل: سنة ثلاث ابن سبعين سنة ذكره ابن حبان، وقال: قد قيل: أقل من هذا وصلَّى عليه ابن الزبير ودفن بالحجون، ثم قتل ابن الزبير بعده يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من جمادي الأولى وقيل: الآخرة. قال ابن طاهر وهو أكبر من المسور بأربعة أشهر قال (٤): وكما ماتا في عام واحد [ولدا
стр. 3163
في] (١) عام واحد المسور بمكة وابن الزبير بالمدينة.
وأما أبوه مخرمة: فكنيته أبو صفوان، وقيل: أبو المسور وهو ابن عم سعد بن أبي وقاص بن أهيب أحد العشرة، وكان من مسلمي الفتح: ومن المؤلفة قلوبهم، وحسن إسلامه وشهد حنيناً مسلماً، وكان له سر وعلم بأيام الناس وبقريش خاصة، وكان يؤخذ عنه النسب، مات بالمدينة سنة أربع وخمسين وعمره مائة سنة وخمس عشرة سنة، وعمي في آخر عمره وهو أحد من أقام أنصاب الحرم في خلافة الفاروق أرسله هو وأزهر (٢) بن عبد عوف وسعيد بن يربوع. وحويطب بن عبد العزي فجددوها.
وأما اسم الذي صب على أبي أيوب فلا أعرفه بعد البحث عنه.
فائدة: "مسور" والد مخرمة يشتبه بمُسَوّر بضم الميم، وفتح السين المهملة وتشديد الواو المفتوحة وهو مسوّر بن يزيد الصحابي، ومسوّر بن عبد الملك اليربوعي عنه معن القزاز.
ومخرمة: يشتبه بمخرفة بالفاء العبدي الصحابي. وقيل: إنه بالميم أيضاً وهو وهم.
الوجه الثاني: في ألفاظه: "الأبواء" بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة، وفتح الواو ومد الألف [بعدها] (٣) وهو اسم قرية من عمل
стр. 3164
الفرع من المدينة بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثمانية وعشرون ميلاً. قال صاحب "المطالع": قال بعضهم: سميت [بذلك] (١) لما فيها من الوباء. ولو كان كما [قال] (٢) لقيل الأَوْباءُ أو يكون مقلوباً منه والصحيح أنها سميت بذلك لتبوأ السيول بها [قال ابن دحية في "تنويره": وقيل: هو جمع بَوْءِ وهو جلد الحُوار المحشو بالتبن، قال: وقيدته بالهمزة على السهيلي (٣). وتعتبر همزه، قال سيبويه: لأنه أدخله في مضاعف الواو كالحُوُة] (٤) وبه (٥) توفيت أم رسول الله ﷺ .
والقرنان: تثنية قرن وقد فسرهما المؤلف ولا ينحصر تفسيرها بعمودين بل لو كان عوضهما بناء سميا قرنين كما صرح به صاحب "المطالع" وغيره (٦).
وقال الهروي: قال القتيبي: القرنان: قرنا البئر، وهما
стр. 3165
منارتان تبنيان من حجارة أو مدر على رأس البئر من جانبيها فإن كانتا من خشب فهما زرنوقان، ويقال: للزرنوق أيضاً القامة والنعامة.
وقال الجوهري (١): "القامة" البكرة بأداتها [وقال] (٢) أيضاً: "النعامة" الخشبة المعترضة على الزرنوقين.
ومعنى: "لا أماريك أبداً" لا أجادلك ولا أخاصمك.
وأصل المراء في اللغة: الاستخراج مأخوذ من مريت الناقة إذا ضربت ضرعها ليدر ومريت الفرس إذا استخرجت ما عنده من الجري بصوت أو غيره.
وقال ابن الأنباري (٣): يقال أمري فلان فلاناً إذا استخرج ما عنده من الكلام فكان كل واحد من المتمارين. وهما المتجادلان يمري ما عند صاحبه أي يستخرجه ويقال مريت حظه إذا حجبته واللائق بالمراء في الحديث حمله على المراء الجنائز الذي قصد به استخراج الحق وظهوره لا قصد المبالغة وجحود الحق بعد ظهوره، فإن ذلك هو اللائق بحال الصحابة فإن المراء يكون بحق أو بغير حق، ومنه قوله ﵊: "من ترك المراء وهو محق" (٤) الحديث.
стр. 3166
ثم اعلم أن اختلاف ابن عباس لم يكن في جواز أصل غسل الرأس لأنه من المعلوم عندهما أنه يغتسل من الجنابة إن أصابته ولدخول مكة وللوقوف بعرفة، وإنما كان الاختلاف بينهما في كيفيته، هل يدلكه أم لا؟ لأنه يخاف منه قتل الهوام، وانتاف الشعر فمنع المسور من ذلك. وخالفه ابن عباس لأنه إذا ترفق أمن من ذلك، وقد كان ابن عباس علم ذلك من حديث أبي أيوب، ولذلك أحال عليه وأرسل إليه.
والبكرة: في كلام المصنف يجوز أن تكون بفتح الكاف وإسكانها، وهما لغتان.
الوجه الثالث: في أحكامه.
الأول: جواز التناظر في مسائل الاجتهاد والاختلاف فيها إذا غلب على ظن كل واحد من المتناظرين فيها على حكم.
الثاني: الرجوع إلى من يظن أن عنده علماً فيما اختلف فيه.
الثالث: قبول خبر الواحد، وأن العمل به سائغ بين الصحابة لأن ابن عباس أرسل إلى أبي أيوب عند اختلافه هو، والمسور ليستعلم منه حكم المسألة برسول واحد، وهو ابن حنين، ومن ضرورته قبول خبره عن أبي أيوب فيما أُرْسل فيه.
стр. 3167
الرابع: أخذ الصحابي عن الصحابي بواسطة التابعي.
الخامس: الرجوع إلى النص عند الاجتهاد والاختلاف.
السادس: ترك الاجتهاد والقياس عند وجود النص وهو إجماع.
السابع: التستر عند الغسل.
الثامن: جواز الاستعانة للمتطهر بمن يستره أو يصب عليه، وقد ثبتت الاستعانة بأحاديث صحيحة، وما ورد في تركها لا يقابلها في الصحة.
التاسع: جواز الكلام في حال الطهارة.
العاشر: جواز السلام على المتطهر في الوضوء والغسل للحاجة بخلاف الجالس على الحدث ونحوه.
الحادي عشر: جواز تحريك اليد على الرأس حال الغسل للمحرم إذا لم يؤد إلى نتف الشعر.
الثاني عشر: أن الإِنسان إذا كان عنده علم من الشيء ووقع فيه اختلاف لا بأس أن يراجع غيره فيه ممن عنده علم به لأن سؤال ابن عباس عن كيفية غسل النبي ﷺ يشعر بأنه كان عنده علم به إذ لا يحسن السؤال عن كيفية الشيء إلَاّ بعد العلم بأصله، وكأن غسل البدن عنده متقرر الجواز في الإِحرام كما مضى إذ لم يسأل عنه، وإنما سأل عن كيفية [غسل] (١) الرأس (٢).
стр. 3168
ويحتمل أن يكون خص الرأس بالسؤال لأنها موضع الإِشكال في المسألة إذ الشعر عليها وتحريك اليد عليها يخاف منه نتف الشعر بخلاف البدن.
الثالث عشر: جوار اغتسال المحرم في [رأسه وجسده] (١)، وهو مجمع عليه إذا كان الغسل واجباً من جنابة أو حيض ونحوهما.
وأما إذا كان لمجرد التبرد فمذهب الشافعي والجمهور: جوازه من غير كراهة.
وجوّز أصحاب الشافعي (٢) الغسل بالسدر والخطمي بحيث لا ينتف شعراً ولا فدية عليه لأن ذلك لإِزالة الأوساخ بخلاف الدهن ذاته، نعم الأولى أن لا يفعل. بل حكى [الحناطي] (٣) كراهته عن القديم.
وقال مالك وأبو حنيفة (٤): هو حرام -أعني غسل رأسه بالخطمي وما في معناه-، وعليه فدية لأنه ترفه إلَاّ أن يكون له وفرة
стр. 3169
فالأمر فيه خفيف، كما قالت المالكية فإن استدل بالحديث على هذا المختلف فيه، فلا يقوي كما قاله الشيخ تقي الدين (١) لأن المذكور حكاية حال لا عموم فيه وحكاية الحال تحتمل المختلف فيه ويحتمل غيره، ومع الاحتمال لا تقوم الحجة.
فروع: من مذهب مالك.
قال مالك (٢): لا يغمس رأسه في الماء خشية قتل الدواب، يريد من كانت له وفرة فإن لم تكن وعلم أنه لا شيء برأسه فلا بأس.
وقال أيضاً في كتاب ابن المواز: لا يدخل الحمام (٣)، فإن فعل فليفتد إذا أنقى وسخه وتدلك فإن لم يبالغ في ذلك فلا شيء عليه.
قال اللخمي: وأرى أن يفتدى وإن لم يتدلك لأن الشأن فيمن دخل الحمام ثم اغتسل أن يزول الشعث عنه وإن لم يتدلك.
قال الأبهري: وإنما كره للمحرم دخول الحمام خيفة أن يقتل الدواب من رأسه أو جسده وهو ممنوع من ذلك لأنه لا يجوز له أن يميط الأذى عنه حتى يرمي جمرة العقبة فمتى فعل ذلك كانت عليه الفدية، وأما الواجب فلا يلزمه إلَاّ فيما تيقن.
стр. 3170
الرابع عشر: قوله: "ثم حرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر" يدل لابن عباس على صحة ما ذهب إليه من أن المحرم يغتسل ويغسل رأسه ويدلكه، وعليه الجمهور كما سلف.
الخامس عشر: قال القرطبي (١): فيه دلالة لمالك على اشتراط التدلك في الغسل لأنه لو جاز الغسل بدون تدلك لكان المحرم أحق بأن يجاز له تركه، قال: وفيه دليل على أن حقيقة الغسل لغة لا يكفي فيها صب الماء فقط بل لا بد من التدلك وما ينزل منزلته.
قلت: ممنوع أعني أن الصب لا يسمى غسلاً وكذا الأول فإن الدلك [هنا] (٢) سيق لبيان محل المختلف فيه.
السادس عشر: أنه لا يكره أن يقول "أنا" إذا أضاف إليه الاسم بخلاف ما إذا أفرد "أنا".
...
стр. 3171
٥٠ - باب فسخ الحج إلى العمرة
ذكر فيه غير ذلك من الأحكام ككيفية الدفع وتقديم بعض أعمال يوم النحر على بعض وكيفية رمي جمرة العقبة، وأن الحلق أفضل من التقصير ونفر الحائض بلا وداع وتخفيف المبيت عن أهل السقاية والجمع بمزدلفة فلو قال باب فسخ الحج إلى العمرة وغيره. كان أولى ثم ذكر في باب أحد عشر حديثاً:
[الحديث] (١) الأول
٢٥٩/ ١/ ٥٠ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أهل النبي ﷺ وأصحابه بالحج، وليس مع أحد منهم هدى، غير النبي ﷺ وطلحة، وقدم على من اليمن، فقال: أهللت بما أهل به النبي ﷺ . فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يجعلوها عمرة. فيطوفوا، ثم يقصروا [وأن] (٢) يحلوا، إلَاّ من كان معه الهدى، فقالوا: ننطلق إلى منى، وذكر أحدنا يقطر [منياً] (٣). فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال:
стр. 3172
"لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت" وحاضت عائشة، فنسكت المناسك كلها، غير أنها لم تطف بالبيت، فلما طهرت طافت بالبيت، قالت: يا رسول الله، تنطلقون بحجة وعمرة وانطلق بحج؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد (١) الحج" (٢).
الكلام عليه من وجوه: وهو حديث عظيم يشتمل على فوائد جمة.
الأولى: في التعريف براويه وقد سلف في باب الجنابة واضحاً. وأما ما وقع فيه من الأسماء فعائشة سلف التعريف بها في الطهارة. وعبد الرحمن في باب السواك. وعلي في باب المذي.
وطلحة: أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإِسلام وأحد الستة [أصحاب] (٣) الشورى. والخمسة الذين أسلموا على يد الصديق قال ﵊ في حقه قبل أن يقتل " [طلحة] (٤) ممن قضى نحبه. وما بدلوا تبديلا" أتاه سهم يوم الجمل لا يدري من رماه فكان أول قتيل. اتهم به مروان بن
стр. 3173
الحكم أصاب حلقه. فقال: وكان أمر الله قدراً مقدوراً. وقيل: أصاب رجله فقطع [عرق] (١) النسا فنزف دمه فمات سنة ست وثلاثين ودفن بالبصرة وهو ابن أربع وستين وقيل: غير ذلك وقد بسطت ترجمته فيما أفردته في الكلام على رجال هذا الكتاب فراجعها.
الثاني: أصل الإِهلال رفع الصوت ثم استعمل في التلبية استعمالاً شائعاً ويعبر به عن الإِحرام [إلَاّ] (٢) أن رفع الصوت بالتلبية مختصة بالرجال دون النساء فإن رفعت صوتها فالصحيح عند الشافعية لا يحرم.
الثالث: اختلف فيمن يطلق عليه صاحب أو صحابي على أقوال سلفت الإِشارة إليها في ديباجة الكتاب.
الرابع: قوله "بالحج" ظاهره يدل على الإِحرام وهي رواية جابر. قال القاضي عياض: وهذا ما يدل على أنهم كلهم أحرموا بالحج حيث أحرم به ﵊ وأصحابه مفرداً ويؤيده توقفهم عن التحلل بالعمرة ما لم يتحلل حتى أغضبوه واعتذر إليهم بسبب سوق الهدي.
الخامس: قوله: "وليس مع أحد منهم هدى غير النبي ﷺ وطلحة" هذا الكلام كالمقدمة لما أمروا به من فسخ الحج إلى العمرة إذا لم يكن هدى وتقدم الكلام على الهدي في بابه واضحاً.
السادس: قولها: "وقدم علي من اليمن" جاء في رواية لمسلم
стр. 3174
"أنه قدم من سِعايته" والسِعاية: بكسر السين تستعمل في مطلق الولاية ليس كما قال القاضي أنها تختص بالعمل على الصدقة حتى يرد استعماله بني هاشم على الصدقات.
السابع: علق أبو موسى ﵁ إحرامه أيضاً بمثل إحرام النبي ﷺ كما أخرجه الشيخان في صحيحهما (١) من حديثه وهذا النوع هو أحد وجوه الإِحرام الجائزة وهي خمسة: الإِفراد، والتمتع، والقران، والإِطلاق، والتعليق. فينعقد كإِحرامه.
واختلف أصحابنا فيما إذا علق على إحرام غيره في المستقبل أو على طلوع الشمس على وجهين، وميل الرافعي إلى الجواز.
قال القاضي عياض: أخذ الشافعي بظاهر الحديث وجوز الإِهلال بالنية [المبهمة] (٢)، قال: ثم له بعد أن ينقلها إلى ما شاء من حج أو عمرة، وله عنده أن ينتقل من نسك إلى نسك وخالفه سائر العلماء والأئمة لقوله ﵊: "إنما الأعمال بالنيات" (٣). ولقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٤) ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ (٥). ولأن هذا كان لهؤلاء خصوصاً إذ كان شُرع الحج بعد، وما يفعله الشارع لم يستقر ولم يكمل بعد، فلم يمكنها الإِقدام
стр. 3175
على أمر بغير تحقيق. قال القرطبي (١): ولا تتم حجة الشافعي لهذين الحديثين حتى يتبين أنهما حيث ابتدأ الإِحرام لم يعلما عين ما أحرم به ﷺ إذ يجوز علمهما به فنقله إليهما ولفظهما محتمل.
قلت: الظاهر عدم علمهما به.
وفي كتاب "الذخيرة" في مذهبهم في كتاب الصلاة لو قال أحرمت بما أحرم به الإِمام، فقال أشهب: يجزئه، قال: وللشافعي قولان, قال: ويعتمد الجواز حديث علي، قال: وهو مشكل فإن الحج لا يفتقر إلى تعيين عند الإِطلاق لأنه منصرف إلى حجة الإِسلام إجماعاً بخلاف الصلاة.
وقال الشيخ تقي الدين (٢): من الناس من عَدَّى هذا إلى صورة أُخرى أجاز فيها التعليق، ومنعه غيره، قال: ومن أبى ذلك يقول الحج مخصوص بأحكام ليست في غيره. ويجعل محل النص منها.
[السابع] (٣): أمر ﷺ علياً بالبقاء على إحرامه لأنه ساق الهدى كما ساقه ﵊ بخلاف أبي موسى فإنه ﵊ أمره بالتحلل في الحديث الذي أسلفناه لأنه لم يسق الهدي وصار له حكم النبي ﷺ لو لم يكن معه هدي بقوله: "لولا أن معي الهدي لأحللت" فلهذا اختلف أمر إحرامهما فاعتمده ولا تلتفت إلى غيره مما أول.
стр. 3176
[الثامن] (١): قوله: "فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يجعلوها عمرة" فيه عموم لجميع الصحابة وهو مخصوص بأصحابه الذين لم يكن معهم هدي وهو مبين في حديث أخر كما سبق في الحديث الثاني من باب التمتع (٢) وتقدم هناك اختلاف العلماء هل كان [ذلك] (٣) خاصاً للصحابة تلك السنة أم هو باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة؟ فراجعه من ثم، والمراد بجعلها عمرة أن يعملوا أعمالها من غير استئناف إحرام ولهذا عقبها بالفاء في قوله: "فيطوفوا" وهذا الأمر ظاهر الروايات أنه أمر متحتم [و] (٤) علقه في بعضها "بالمحبة" والجمع بينهما بأنه خيرهم أولاً بين الفسخ وعدمه ملاطفة لهم وإيناساً بالعمرة في أشهر الحج لأنهم كانوا يرونها من أفجر الفجور ثم حتم عليهم بعد ذلك الفسخ.
العاشر: قوله: "فيطوفوا" يريد واسعوا لما علم أنه لا بد من السعي في العمرة وإنما ترك ذلك للعلم به ويحتمل أن يكون عبر بالطواف عن مجموع الطواف والسعي فإن السعي يسمى طوافاً قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
وقوله: "ثم يقصروا" لعل والله أعلم إنما أمرهم به دون الحلق لتأخيره إلى الحج كما سلف التنبيه عليه في الحديث الثاني من باب التمتع (٥).
стр. 3177
الحادي عشر: "منى" الأجود صرفها وتذكيرها كما سبق في الحديث الثالث من باب المرور بين يدي المصلى مع سبب تسميتها بذلك.
الثاني عشر: قوله: "فقالوا ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر" فيه دلالة على استعمال المبالغة في الكلام فان المراد هنا لا حقيقة الإِمناء أو الإِنزال لأنهم إذا حلوا من العمرة وواقعوا النساء كان ذلك قريباً من إحرامهم بالحج لقرب الزمان من الإِحرام والمواقعة والإِنزال، فقيل: مبالغة "وذكر أحدنا يقطر" إشارة إلى اعتبار المعنى في الحج وهو الشعث وترك الترفه وطوله من الإِحرام يحصل هذا المقصود وقصره [يضعفه] (١) بعدم الشعث ووجود الترفه وكأنهم استنكروا زوال المقصود وضعفه لقرب إحرامهم من تحللهم.
الثالث عشر: قوله ﵊: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت" فيه جواز قول "لو" وإن كان ورد النهي عنها في الصحيح في قوله: "إن لو تفتح عمل الشيطان" (٢) وقد
جمع بينهما بأن قيل إن كراهة استعمالها مخصوص بالتلهف على أمور الدنيا إما طلباً، كما يقال: لو فعلت كذا لحصل لي كذا وهذا كقولك لو كان كذا وكذا لما وقع كذا وكذا، لما في ذلك من صورة عدم التوكل ونسبة الأفعال إلى القضاء والقدر فقط أما إذا استعملت في معنى القربات كما في هذا الحديث فلا كراهة ويلزم من ذلك أن يكون ما تمناه ﵊ أفضل وهو التمتع لو وقع وهو الوجه الثالث عشر: والجواب: أن الشيء قد يكون أفضل لذاته وقد يكون أفضل لما يقترن به من مصلحة لا لذاته فالتمتع مقصود للترفه ويجبره بالدم ولكنه لما اقترن به قصد موافقة الصحابة في فسخ الحج إلى العمرة لما شق ذلك عليهم وهذا أمر زائد على مجرد التمتع، اقتضى ذلك أفضليته من هذا الوجه خاصة لا من حيث هو [هو] (١) ولا يلزم من ذلك أن يكون التمتع بمجرده أفضل فاقتضى ترجيحه لذلك لا لذاته.
واعلم أن الشيخ تقي الدين (٢) نقل هذا الاستدلال وهو أن التمتع أفضل عند بعضهم وقرره كما [سقناه] (٣) وفيه نظر لأن هذا غير
стр. 3180
[المتمتع] (١) المذكور بإزاء الإِفراد والقران فإنه فسخ الحج إلى العمرة ولا قائل بأفضليته بل الخلاف الآن في أصل جوازه كما سلف.
الرابع عشر: قوله ﵊: "لولا أن معي الهدي لأحللت". هذا معلل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢) فإن فسخ الحج إلى العمرة يقتضي التحلل بالحلق عند الفراغ من العمرة ولو تحلل به عند فراغه بها لحصل الحلق قبل بلوغ الهدى محله وفي معنى الحلق التقصير فيمتنع كما يمتنع الحلق قبل بلوغ الهدى محله وحينئذ يؤخذ من هذا التمسك بالقياس كما نبه عليه الشيخ تقي الدين مع أن النص لم يرد إلَاّ في الحلق. فلو وجب الاقتصار على النص لم يمكن التحلل من العمرة بالتقصير ويبقى النص معمولاً به في [منع] (٣) الحلق حتى يبلغ الهدى محله فحيث حَكَم بامتناع التحلل من العمرة وعلل بهذه العلة دل ذلك على أنه أجرى التقصير [مجرى] (٤) الحلق في امتناعه قبل بلوغ الهدى محله، مع أن النص لم يدل عليه بلفظه، وإنما ألحق به بالمعنى.
خامس عشر: وقوله: "وحاضت عائشة ﵂" كان ابتداء حيضها يوم السبت لثلاث خلون من ذي الحجة سنة عشر
стр. 3181
عام حجة الوداع وطهرها كان يوم السبت في يوم النحر ذكره ابن حزم في كتابه "حجة الوداع" (١).
стр. 3182
السادس عشر: قوله: "فنسكت المناسك كلها غير أنها لم تطف بالبيت" فيه دلالة على امتناع الحائض من الطواف إما لذاته أو لملازمته دخول المسجد. بخلاف سائر أعمال الحج وأنه لا تشترط الطهارة في بقية أعماله.
السابع عشر (١): قوله: "غير أنها لم تطف بالبيت" يريد ولم تسع وتبين ذلك برواية أخرى صحيحة ذكر فيها "أنها بعد أن طهرت طافت وسعت" ويؤخذ من هذا أن السعي لا يصح إلَاّ بعد طواف صحيح فإنه لو صح لما لزم من تأخير الطواف بالبيت تأخير السعي، لأنها قد فعلت المناسك كلها غير الطواف [بالبيت] (٢)، فلولا اشتراط تقدم الطواف على السعي لفعلت في السعي ما فعلت في غيره. من المناسك. وهذا الحكم متفق عليه بين أصحاب الشافعي ومالك.
وزاد المالكية قولاً آخر: أن السعي لا بد أن يكون بعد طواف واجب. وإنما صححوه بعد طواف القدوم. لأنه عند القائل بصحة السعي بعده واجب لا مندوب [يخالف] (٣) في أمر "من" الشرطية المذكورة، ووجوب طواف القدوم.
ووقع في "الأساليب" (٤) لإِمام الحرمين أن بعض أئمتنا، قال:
стр. 3183
لو قدم السعي على الطواف اعتد به وهو غلط.
[السابع عشر] (١): قولها: "ينطلقون بحجة وعمرة" فهذه العمرة التي فسخوا الحج إليها والحج الذي أنشاؤه من مكة.
وقولها: "وانطلق بحج" هذا يشعر بأنها لم تحصل لها العمرة إما لأنها لم تحلل بفسخ حجها الأول إلى العمرة، وإما لأنها فسخته ثم حاضت فيتعذر عليها إتمام العمرة والتحلل منها وإدراك الحج فأحرمت به فصارت قارنه والأول ظاهر قولها: "وانطلق بحج" لكنه لما ثبت في روايات أخر صحيحة اقتضت أن عائشة اعتمرت حيث أمرها ﵊ بترك عمرتها ونقض راسها وامتشاطها، وبالإِهلال بالحج لما حاضت لامتناع التحلل من العمرة بوجوه منها: الحيض، ومنها: مزاحمة وقت الحج، ومنها: إتمام أعمال العمرة وهو الطواف، ودخول المسجد، وحُمل أمره بترك العمرة على ترك المضي في أعمالها لا على رفضها بالخروج منها. ولم [يمكن] (٢) رفض العمرة وأهلت بالحج مع بقاء العمرة فصارت قارنة فأشكل قولها: "ينطلقون بحجة وعمرة وانطلق بحج" إذ هي على التقدير التالي قد حصل لها حج وعمرة فهي قارنة فاحتاج العلماء إلى تأويل ذلك فقالوا: المراد ينطلقون بحج مفرد عن عمرة وعمرة مفردة عن حجه وانطلق بحج غير مفرد عن عمرة فأمرها ﵊ بالعمرة ليحصل لها قصدها في عمرة
стр. 3184
مفردة عن حج، وحج مفرد عن عمرة، والجمع بين الروايات ألجأهم إلى ذلك وإن كان الظاهر خلافها، بالنسبة إلى هذا الحديث وفي جميعه دلالة على الرد [على] (١) من يقول إن القران أفضل.
[الثامن عشر] (٢): قوله: "فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر" يعني أخا عائشة لأبويها وكان أكبر أولاد الصديق ﵁ أن يخرج معها إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج وكان إحرامها بها ليلة الرابع عشر من ذي الحجة.
والتنعيم: مكان عند طرف الحرم من جهة المدينة على ثلاثة أميال، وقيل: أربعة من مكة وهو عند مسجد عائشة، قال الفاكهي: هناك مسجدان يزعم بعض المكيين أن الأدنى إلى مكة مهل عائشة وبعضهم زعم أنه الأقصى.
قال المطرزي في المعرب (٣): والتنعيم: مصدر نعمة إذا ترفه، قال: ومنه سمى التنعيم وهو موضع قريب من مكة، قال: والتركيب دال على اللين والطيب.
وقال غيره: سمى بذلك لأنه عن يمينه جبلاً، يقال له: نعيم وعن شماله جبل، يقال له: ناعم، والوادي نعمان، والعلة في الإِحرام بالعمرة من الحل قصد الجمع بين الحل والحرم فيها كما وقع في الحج من الجمع بينهما فإِن عرفة من الحل والوقوف بها ركن
стр. 3185
فإن لم يخرج إليه وأحرم بها من مكة أو من الحرم وأتى بأفعالها أجزأه في أظهر القولين للشافعي فإن خرج إلى الحل بعد إحرامه بها وقبل الطواف والسعي سقط الدم على أظهر الطريقين لأصحابه.
وقال مالك: لا يصح.
وشذ بعضهم: فشرط الخروج إلى التنعيم بعينه ولم يكتف بالخروج إلى مطلق الحل وليس بشيء بل المفهوم منه الخروج إلى مطلق الحل. وإنما أمر عائشة بالخروج مع أخيها للعمرة إلى التنعيم لقربه من الحرم فإنه أقرب جهات الحل من الحرم لا لعينه.
[التاسع عشر] (١): في أحكام الحديث ملخصة على وجه الاختصار.
الأول: استحباب التلبية، ورفع الصوت بها.
الثاني: وجوب الإِحرام على من أراد الحج والعمرة أو هما.
الثالث: أن السُّنة سوق الهدي من الميقات.
الرابع: أن الأفضل الإِحرام بالحج مفرداً.
الخامس: جواز إدخال العمرة على الحج ويصير قارناً وقد سلف ما فيه من الخلاف.
السادس: أن من ساق الهدي لا يجوز له التحلل من العمرة.
السابع: مخالفة الجاهلية في جواز الاعتمار في أشهر الحج.
стр. 3186
الثامن: أن العالم إذا حاول إحياء شرع أو سنة أن يتلطف في ذلك بالاستدراج دون البغتة.
التاسع: جواز ترك الأفضل لمصلحة أهم منه وهي مراعاة موافقة الأصحاب إذا لم يكن محذور.
العاشر: استعمال المبالغة للمقاصد الشرعية.
الحادي عشر: جواز ذكر العلل في الأحكام.
الثاني عشر: أن الحكم الخاص بزمن أو بشخص لعلة يصير عاماً وإن لم توجد العلة على قول من قال بأن النسخ ليس خاصاً بأولئك على ما تقدم.
الثالث عشر: الاعتذار لمخالفة العادة.
الرابع عشر: جواز تسمية السعي طوافاً.
الخامس عشر: أن من عقل شيئاً من معاني الأحكام أن يذكرها للعلماء بها ليقروه عليها أو يردوه عنها.
السادس عشر: جواز تمني الأمور الأخروية.
السابع عشر: جواز استعمال "لو" فيها من غير كراهة ولا يكون تركاً للتوكل ولا مخالفة للقضاء والقدر.
الثامن عشر: أن الحائض يصح منها جميع أفعال الحج غير الطواف بالبيت ومذهب الجمهور (١) أنه لا يجوز طواف المحدث
стр. 3187
وصححه أبو حنيفة (١) وأحمد (٢) في أحد قوليه ورأيا عليه الدم واعتذروا عن هذا الحديث بأنها إنما لم تطف بالبيت لأجل المسجد وهو عجيب (٣).
стр. 3188
التاسع عشر: أن المحرم لا يحل له الحلق أو التقصير حتى يشرع في أسباب التحلل بمحله.
العشرون: تحريم المسجد على الحائض والطواف وغيره من الصلاة والاعتكاف وسواء خافت تلويثه أم لا. نعم يجوز لها العبور إن أمنت التلويث.
الحادي والعشرون: جواز الخلوة بالمحارم.
الثاني والعشرون: أنه لا يجوز سفر المرأة إلَاّ مع محرم وإن
стр. 3189
قصر السفر وتقييد السفر بيوم أو ليلة أو بهما في بعض الأحاديث خرج على الغالب.
الثالث والعشرون: الجمع بين الحل والحرم في الإِحرام بالعمرة.
الرابع والعشرون: أن الأفضل أن يحرم بها من الحل.
الخامس والعشرون: أن من جهات الحل للإِحرام بها التنعيم وليس في الحديث دلالة على أنه أفضل الجهات للإِحرام بها وإن وقع في "التنبيه" أن الأفضل أن يحرم بها منه فقد غلطوه فيه وإنما الأفضل الجعرانة، ثم التنعيم، ثم الحديبية وإنما أمرها ﵊ بالإِحرام من التنعيم لقربه من الحرم وكان الركب على رحيل.
السادس والعشرون: أن العمرة المستقلة لمن أفرد الحج وأراد فعلها لا تجوز إلَاّ بعد الفراغ من الحج.
واختلف العلماء في جواز فعلها في أيام التشريق لمن تعجل في يومين فحرمه مالك وطائفة.
وجوّزه [الإِمام] (١) الشافعي وطائفة: [مع] (٢) الكراهة إما للخروج من خلاف العلماء وإما بخصوصية أيام التشريق وجواز الذبح والتضحية بها.
стр. 3190
السابع والعشرون: أن تعيين الإِحرام أفضل من إطلاقه وهو الأصح عند الشافعي ووجه أخذه من الحديث قولها: "أهل بالحج".
الثامن والعشرون: مشروعية حج الرجل بامرأته وهو إجماع وأجمعوا على أن له منعها من حج التطوع.
وأما حج الفرض فقال الجمهور: ليس له منعها وهو أحد قولي الشافعي وأصحهما عنده له المنع لأن حقه على الفور والحج على التراخي.
***