← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

الثامن: أن العالم إذا حاول إحياء شرع أو سنة أن يتلطف في ذلك بالاستدراج دون البغتة. التاسع: جواز ترك الأفضل لمصلحة أهم منه وهي مراعاة موافقة الأصحاب إذا لم يكن محذور. العاشر: استعمال المبالغة للمقاصد الشرعية. الحادي عشر: جواز ذكر العلل في الأحكام. الثاني عشر: أن الحكم الخاص بزمن أو بشخص لعلة يصير عاماً وإن لم توجد العلة على قول من قال بأن النسخ ليس خاصاً بأولئك على ما تقدم. الثالث عشر: الاعتذار لمخالفة العادة. الرابع عشر: جواز تسمية السعي طوافاً. الخامس عشر: أن من عقل شيئاً من معاني الأحكام أن يذكرها للعلماء بها ليقروه عليها أو يردوه عنها. السادس عشر: جواز تمني الأمور الأخروية. السابع عشر: جواز استعمال "لو" فيها من غير كراهة ولا يكون تركاً للتوكل ولا مخالفة للقضاء والقدر. الثامن عشر: أن الحائض يصح منها جميع أفعال الحج غير الطواف بالبيت ومذهب الجمهور (١) أنه لا يجوز طواف المحدث

стр. 3187

وصححه أبو حنيفة (١) وأحمد (٢) في أحد قوليه ورأيا عليه الدم واعتذروا عن هذا الحديث بأنها إنما لم تطف بالبيت لأجل المسجد وهو عجيب (٣).

стр. 3188

التاسع عشر: أن المحرم لا يحل له الحلق أو التقصير حتى يشرع في أسباب التحلل بمحله. العشرون: تحريم المسجد على الحائض والطواف وغيره من الصلاة والاعتكاف وسواء خافت تلويثه أم لا. نعم يجوز لها العبور إن أمنت التلويث. الحادي والعشرون: جواز الخلوة بالمحارم. الثاني والعشرون: أنه لا يجوز سفر المرأة إلَاّ مع محرم وإن

стр. 3189

قصر السفر وتقييد السفر بيوم أو ليلة أو بهما في بعض الأحاديث خرج على الغالب. الثالث والعشرون: الجمع بين الحل والحرم في الإِحرام بالعمرة. الرابع والعشرون: أن الأفضل أن يحرم بها من الحل. الخامس والعشرون: أن من جهات الحل للإِحرام بها التنعيم وليس في الحديث دلالة على أنه أفضل الجهات للإِحرام بها وإن وقع في "التنبيه" أن الأفضل أن يحرم بها منه فقد غلطوه فيه وإنما الأفضل الجعرانة، ثم التنعيم، ثم الحديبية وإنما أمرها ﵊ بالإِحرام من التنعيم لقربه من الحرم وكان الركب على رحيل. السادس والعشرون: أن العمرة المستقلة لمن أفرد الحج وأراد فعلها لا تجوز إلَاّ بعد الفراغ من الحج. واختلف العلماء في جواز فعلها في أيام التشريق لمن تعجل في يومين فحرمه مالك وطائفة. وجوّزه [الإِمام] (١) الشافعي وطائفة: [مع] (٢) الكراهة إما للخروج من خلاف العلماء وإما بخصوصية أيام التشريق وجواز الذبح والتضحية بها.

стр. 3190

السابع والعشرون: أن تعيين الإِحرام أفضل من إطلاقه وهو الأصح عند الشافعي ووجه أخذه من الحديث قولها: "أهل بالحج". الثامن والعشرون: مشروعية حج الرجل بامرأته وهو إجماع وأجمعوا على أن له منعها من حج التطوع. وأما حج الفرض فقال الجمهور: ليس له منعها وهو أحد قولي الشافعي وأصحهما عنده له المنع لأن حقه على الفور والحج على التراخي. ***

стр. 3191

الحديث الثاني ٢٦٠/ ٢/ ٥٠ - عن جابر [﵁] (١) قال: قدمنا مع رسول الله ﷺ ، ونحن نقول: لبيك بالحج، فأمرنا رسول الله ﷺ فجعلناها عمرة (٢). الكلام عليه من وجوه: أحدها: قوله: "ونحن نقول: لبيك بالحج"، أي بعضنا جمعاً بينه وبين الحديث الآخر من رواية عائشة [﵂] (٣) "فمنا من أهل بحج وما من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة" فإن أراد الراوي بقوله: "نحن" نفسه وبالنون في "قدمنا" نون العظمة فلا إشكال إذن.

стр. 3192

[الثاني] (١): هذا الحديث دال على فسخ الحج إلى العمرة، وقد تقدم ما فيه في باب التمتع (٢)، وإنما أمرهم ﵊[بذلك] (٣) لبيان مخالفة الجاهلية في منعهم العمرة في أشهر الحج كما سبق هناك وكونه يفسخ الحج إليها أبلغ في تقرير جوازها فيه. الثالث: قد يستدل بهذا الحديث على ذكر ما أحرم به في تلبيته والأصح عند الشافعية لأنه لا يستحب لأن إخفاء العبادة أفضل. ووجه من قال: باستحبابه لأنه أبعد عن النسيان، ومحل الخلاف عندهم فيما عدا التلبية [المقرونة] (٤) بالإِحرام، فأما تلك فيستحب أن يذكر فيها ما أحرم به كما قاله الجويني وأقره عليه النووي في "منسكه" (٥) و"مجموعه" (٦) وجزم به في "الأذكار" (٧). [تنبيه] (٨): فيه دلالة على وجوب الرجوع في بيان الأحكام إطلاقاً وتقييداً وعزيمة ورخصة للنبي ﷺ وعلى المبادرة إليه في ذلك جميعه لقوله: فجعلناها عمرة.

стр. 3193

[الرابع] (١): وهم الصعبي في "شرحه" لهذا الكتاب فذكر الحديث المذكور من رواية عائشة ثم عقبه بالاختلاف في كيفية إحرامها فاجتنب ذلك، فإن الحديث [الذي ذكره المصنف إنما هو] (٢) من رواية جابر، وكذا ذكره الشيخ تقي الدين ومن تبعه. ...

стр. 3194

الحديث الثالث ٢٦١/ ٣/ ٥٠ - عن عبد الله بن عباس [﵄] (١) قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فقالوا: يا رسول الله ﷺ ، أي الحل؟ قال: "الحل كله" (٢). الكلام عليه وجوه: أحدها: هذا الحديث دال أيضاً على فسخ الحج إلى العمرة وبزيد أن المتحلل [بالعمرة] (٣) تحلل كامل بالنسبة إلى جميع محظورات الإِحرام لقوله: "الحل كله"، وكأن سبب سؤالهم عن [ذلك] (٤) استبعادهم بعض أنواع الحل وهو الجماع المفسد للإِحرام، فأزال ﵊ استبعادهم ذلك بقوله: "الحل كله"، وقريب من هذا الاستبعاد قولهم في الحديث السالف: "ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر".

стр. 3195

[الثاني] (١): يؤخذ منه أن التابع إذا وقع في ذهنه التخصيص في لوازم المأمور به أن يسأل عنه مجملاً. الثالث: فيه البيان بالعموم من غير ذكر المراد في قوله: "صبيحة رابعة" أي من ذي الحجة وهو يوم الأحد فإنه ﵊ قدم مكة يوم الأحد، وخرج منها يوم الخميس فوقف [الجمعة] (٢). ...

стр. 3196

الحديث الرابع ٢٦٢/ ٤/ ٥٠ - عن عروة بن الزبير قال: سئل أسامة بن زيد، وأنا جالس: كيف كان رسول الله ﷺ يسير حين دفع؟ قال: كان يسير العنق. فإذا وجد فجوة نص (١). العمق: انبساط السير، والنص: فوق ذلك. الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف براويه. أما أسامة بن زيد: فسلف التعريف به في باب دخول مكة. وأما عروة بن الزبير: فهو أبو عبد الله القرشي الأسدي أحد الفقهاء السبعة الحافظ الثبت التابعي الجليل البحر الذي لا تكدره الدلأ الصائم الدهر، وقد جمع الشرف من [وجوه] (٢) فرسول الله ﷺ صهره، والصديق جده، والزبير بن العوام والده، وأسماء أمه،

стр. 3197

وعائشة خالته، ومنها تفقه [وخديجة عمة أبيه] (١) روى عنه أولاده: عثمان، وهشام، وعبد الله، وغيرهم، وروى عن أبي هريرة وأبي أيوب الأنصاري وغيرهما، قال ابن طاهر: وانفرد البخاري بإخراج حديثه عن أبيه الزبير وأنكر ذلك عليه، وقيل: إنه لم يسمع من أبيه شيئاً، وقعت الآكلة برجله فنشرت فصبر واحتسب وما ترك حزبه [من القرأة] (٢) تلك الليلة، ولد في خلافة: عثمان، وقيل: في آخر خلافة عمر، ومات وهو صائم سنة أربع وتسعين سنة الفقهاء ووقع في " [شرح] (٣) الفاكهي" تبعاً للصعبي أن الكلاباذي [في] (٤) "رجال البخاري" نقل عن البخاري عن [الفروي] (٥) أنه مات سنة تسع وتسعين ومئة، أو مئة، أو إحدى ومئة، وهذا وهم فالذي في الكلاباذي عن الفروي مات سنة تسع وتسعين، ويقال: سنة مئة، ويقال: سنة إحدى ومئة فأسقط بعد قوله سنة تسع وتسعين لفظة، "ويقال": فاجتنبه. ثانيها: هذا السائل لا يحضرني اسمه بعد البحث عنه. ثالثها: هذا الحديث أجنبي عن الباب لا تعلق له بفسخ الحج إلى العمرة كما نبهنا عليه أول الباب، وإنما يتعلق بصفة سيره ﵊ عند دفعه من عرفة لا غير، وقد ترجم

стр. 3198

البخاري (١) عليه بذلك فقال: باب السير إذا دفع من عرفة. رابعها: "العَنق" بفتح العين المهملة، ثم نون، ثم قاف، وقد فسره المصنف بأنه انبساط السير. وعبارة الجوهري (٢) فيه: ضرب من [سير] (٣) الدابة والإِبل وهو سير [مسبطر] (٤) أي ممتد، وقد أعنق الفرس، وفرس معناق، أي جيد، العنق -يريد بفتح العين أيضاً-. وعبارة القرطبي في "مفهمه" (٥): العنق سير فيه رفق. وعبارة صاحب "المطالع" أنه سير سهل في سرعة ليس بالشديد. "والنَصّ": بفتح النون والصاد المهملة المشددة، وقد فسره المصنف وهو تفسير هشام بن عروة كما أخرجه البخاري ومسلم عنه إثر الحديث. وعبارة الأصمعي: أنه السير الشديد حتى يستخرج أقصى ما عند الناقة، ومنه: نصنصت الشيء رفعته، ومنه أيضاً: منصة العروس ونصنصت الحديث إلى فلان أي رفعته إليه، وسير نص ونصيص، ونص كل شيء منتهاه [وكذا] (٦) قال صاحب "المطالع": معنى نص

стр. 3199

رفع في سيره وأسرع قال: وقد جاء في الحديث مفسرًا وكأنه أراد ما قدمناه عن هشام بن عروة. قال: والنص منتهى الغاية في كل شيء. وقال أبو عبيدة: النص التحريك. وقال القرطبي: النص أرفع السير. وقال النووي: هو والعنق نوعان من [أنواع] (١) السير، وفي العنق نوع من الرفق، وتبعه الشيخ تقي الدين (٢) فقال: هما ضربان من السير والنص أرفعهما. وعدد الثعالبي في "فقه اللغة" (٣) أنواع السير، فقال: نقلًا عن الأصمعي [العنق] (٤) من السير [المسبطر] (٧) فإذا ارتفع عنه قليلًا فهو [التزيد] (٦)، فإذا ارتفع عن ذلك فهو [الذميل] (٧) فإذا ارتفع عن ذلك فهو الرسيم، فإذا أدرك المشي، وفيه قرمطة فهو الحفد، فإذا ارتفع عن ذلك وضرب بقوائمه كلها فذلك [الارتباع] (٨) والالتباط، فإذا لم يدع جهدًا فذلك [الإِدرنفاف] (٩).

стр. 3200

وحكى (١) قبله (٢) قوله عن النضر بن شميل أول السير الدبيب، ثم التزيد، ثم [الزميل] (٣) ثم الرسيم، ثم الوخذ، ثم [العسيج] (٤) [ثم] (٥) [الوسيج] (٦) ثم الوجيف، ثم الرتكان، ثم [الإِجمار] (٧) ثم الإِرقال. وقال العسكري في "تلخيصه" (٨): العَنَقُ [الفَسِيحُ] (٩). [والمُسْبَطِرُّ] (١٠) أوسع منه. والتَّزيُّدُ [فوقه] (١١) والذميل (١٢) فوق التزيد [والرتك: تقارب الخطو] (١٣) ومُدَاَركَةُ النِّقال والرَّسِيف: تقارب الخطو، [والحفد] (١٤) مشي فيه قرمطة، والهملجة معروفة،

стр. 3201

فإذا زادت عليها فهو المرفوع، فإذا ارتفع عن ذلك قيل دَأْدَأْ يُدَأْدِيُّ دَأْدَأْةً، والاسم: الدِّئْدَاءُ، فإذا ارتفع عن ذلك فهو الالْتِبَاطُ، فإذا لم يدع جُهْداً قيل: تَشَفَّرَ تَشَفُّراً فإذا [رَقَّقَ] (١) قيل: مشى مشياً [رُقاقاً] (٢) فإذا مَرَّ مَرّاً خفيفاً قيل مَلَعَ يَمْلَعُ مَلْعاً ثم بسط باقي أنواع السير. خامسها: "الفجوة" المكان المتسع ورواه بعض رواة الموطأ "فرجة" بضم الفاء وفتحها بمعنى الفجوة. ووقع في "شرح الصعبي" أن بعض الرواة رواه "فوجة" بتقديم الواو وبفتح الفاء وضمها [وأنه] (٣) بمعنى الفرجة، والظاهر وهمه في ذلك وصوابه ما أسلفناه ومشَّى ابن العطار في "شرحه" على الصواب، فقال: وفي بعض نسخ "الموطأ" (٤) "فرجة" بضم الفاء وفتحها، وبالراء قبل الجيم وهو بمعنى الفجوة. سادسها: فقه الحديث. استحباب الرفق في السير في حال الزحام والإِسراع عند وجود الفرجة مع اقتصاد لما جاء في حديث الفضل في "صحيح مسلم" (٥) "عليكم بالسكينة"، وذلك ليبادر إلى المناسك ويتسع له الوقت،

стр. 3202

وهذا بدل [على أن] (١) أصل المشروعية في ذلك الموضع الإِسراع لكن رفق [به] (٢) في حال الزحام. وفيه من الفقه أيضاً: الحرص على السؤال عن حاله ﵊ في حجته وأموره الواقع فيه منه في حركاته وسكناته ليقتدى به فيه وليمثل قوله تعالى [في حقه] (٣) ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٤). وفيه أيضاً: جواز الرواية والتحمل لمن سمع شيئاً وإن لم يسئل عنه ولا قصد المجيب بروايته إياه. فائدة: السنة في الانصراف من عرفة إلى مزدلفة أن يكون على طريق المأزمين وهو بين العلمين اللذين هما حد الحرم من تلك الناحية. والمأزم: الطريق بين الجيلين، قال عطاء: وهي طريق موسى أيضا ﷺ وعلى جميع النبيين والمرسلين. ...

стр. 3203

الحديث الخامس ٢٦٣/ ٥/ ٥٠ - عن عبد الله بن عمرو [﵄] (١) أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه، فقال: [رجل] (٢) لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح؟ قال: "اذبح، ولا حرج"، وجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: "ارم، ولا حرج" فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا آخر إلَاّ قال: "افعل، ولا حرج" (٣).

стр. 3204

الكلام عليه عن جوه: الأول: هذا الحديث ثابت في الصحيحين من هذا الوجه [أعني] (١) من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص، واللفظ للبخاري. وذكره الشيخ تقي الدين في "شرحه" (٢) من طريق عبد الله بن عمر، وتبعه ابن العطار والفاكهي وغيرهما. وهو غلط وصوابه ما أسلفناه، ولم يذكره الحميدي في "جمعه بين الصحيحين"، ولا عبد الحق في "جمعه" أيضاً [من] (٣) هذا الوجه (٤). الثاني: لم يذكر المصنف في روايته موضع وقوفه ﵊ وسؤال الناس إياه فيه، ولم يعينه البخاري في روايته لحديث ابن عمر وعينه في حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه في حال خطبته بمنى ذكره في كتاب العلم من صحيحه وفي رواية [له هنا أنه] (٥) يوم النحر، وكانت بمنى كما ذكره من حديث ابن عباس، وفي رواية له أنه كان واقفاً على ناقته.

стр. 3205

ورواه مسلم -أعني- حديث عبد الله بن عمر [(١)] بألفاظ. أحدها: " [أن النبي ﷺ ] (٢) بينما هو يخطب يوم النحر فقام إليه رجل". ثانيها: "وقف [رسول الله ﷺ ] (٣) في حجة الوداع، بمنى، للناس يسألونه". ثالثها: "وقف [رسول الله ﷺ ] (٤) على راحلته. فطفق ناس يسألونه". رابعها: "وهو واقف عند الجمرة". وجمع بعضهم بين هذه الروايات بأنه موقف واحد عند الجمرة. والصواب: ما أبداه القاضي عياض (٥) احتمالاً أن ذلك في موضعين: أحدهما: أنه وقف على راحلته عند الجمرة، ولم يقل في هذا خطب وإنما فيه "وقف" و"سُئل". والثاني: بعد صلاة الظهر يوم النحر وقف للخطبة فخطب وهي

стр. 3206

إحدى خطب الحج الأربع المشهورة يعلمهم فيها ما بين أيديهم من المناسك (١). قلت: [ورواية] (٢) ابن عباس في الصحيحين (٣) "رميت بعد ما أمسيت، قال لا حرج"، يدل على أن السؤال وقع ليلاً أو في يوم القر وهو أول أيام التشريق. الثالث: لم أر بعد البحث تعيين السائل في هذا الحديث فليتتبع. الرابع: معنى "لم أشعر" لم أفطن. قال الجوهري (٤): [شعرت] (٥) بالشيء بالفتح [أشعرته] (٦) شِعْراً (٧) أي [فطنت] (٨) له.

стр. 3207

ومنه قولهم: ليت شعري، أي ليتني علمته. قال سيبويه: أصله شعره ولكنهم حذفوا الهاء. وقال الشيخ تقي الدين (١): الشعور العلم. وأصله: من المشاعر، وهي الحواس. فكأنه يستند إلى الحواس. أي في عدم العلم. الخامس: "النحر" ما يكون في اللبة. "والذبح": ما يكون في الحلق. "والحرج": [معناه] (٢) الإِثم، وهو من الألفاظ المشتركة فإنه الضيق أيضاً والناقة الضامرة، ويقال: الطويلة على الأرض. قال الجوهري: والحرج: خشب يشد بعضه إلى بعض يحمل فيه الموتى وربما وضع فوق نعش النساء. والحرج: أيضاً جمع حرجة وهي الجماعة من الإِبل، والحرجة: أيضاً مجمع شجر. والجمع: حرج، وحرجات، وحراج. السادس: وظائف يوم النحر أربعة أشياء: رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي، والأضحية، أو ذبحها، ثم حلق، أو تقصير، ثم طواف الإِفاضة هذا هو الترتيب [المشروع] (٣) فيها ولم يختلفوا في

стр. 3208

[كيفية] (١) هذا الترتيب وجوازه على هذا الوجه إلَاّ أن ابن الجهم (٢) المالكي يرى أن القارن لا يجوز له الحلق قبل الطواف، وكأنه رأى أن القارن حجه وعمرته قد تداخلا والعمرة قائمة في حقه ولا يجوز فيها الحلق قبل الطواف وقد يشهد لهذا قوله ﵊ في القارن "حتى يحل منهما جميعاً" فإنه يقتضي [أن] (٣) الإِحلال منهما يكون في وقت واحد فإِذا حلق قبل الطواف فالعمرة قائمة بهذا الحديث فيقع الحلق فيها قبل الطواف، وفي هذا الاستشهاد نظر، ورد عليه النووي (٤) بنصوص الأحاديث والإِجماع المتقدم عليه [وعزاه] (٥) الشيخ تقي الدين إلى بعض المتأخرين وعني [به] (٦) إياه، ثم قال: وكأنه يريد بالنصوص ما ثبت عنده أنه ﵊ كان قارناً في آخر الأمر، وأنه حلق قبل الطواف، وهذا إنما ثبت بأمر استدلالي لا نصي عند الجمهور، أو كثيراً، أعني كونه ﵊ قارناً، وابن الجهم بني على مذهب مالك والشافعي. ومن قال بأنه ﵊ كان مفرداً (٧)، وأما الإِجماع فبعيد الثبوت، إن أراد به الإِجماع النقلي القولي، وإن أراد السكوتي: ففيه نظر، وقد ينازع فيه أيضاً.

стр. 3209

ونقل اللخمي المالكي أن ابن الجهم إنما يقول ذلك في القارن المراهق الذي أخر الطواف والسعي وفرق بينه وبين غير المراهق بأنه قد طاف لعمرته وسعى ولم يبق عليه من عملها شيء، وكل ما يفعله بعد الطواف والسعي الأولين [فإنما] (١) هو من عمل الحج خاصة والعمرة قد انقطعت فيحلق كما يحلق الحاج. وإذا ثبت أن الوظائف أربع في هذا اليوم. فقد اختلفوا فيما إذا قدم بعضها على بعض فاختار الشافعي جواز التقديم وجعل الترتيب مستحباً (٢). ومالك وأبو حنيفة (٣): يمنعان تقديم الحلق على الرمي لأنه حينئذ يكون حلقاً قبل وجود أحد التحللين، وللشافعي قول مثله كذا حكاه الشيخ تقي الدين وهو وجه لأصحابه أنه يمتنع تقديم الحلق على الرمي والطواف نصاً، وحكاه النووي كذلك في "شرحه" (٤) قولاً، وقد بنى الخلاف على أن الحلق نسك أو استباحة محظور. فان قلنا بالأول: جاز تقديمه على الرمي لأنه يكون من أسباب التحلل. وإن قلنا بالثاني: فلا لما تقدم قاله صاحب "البيان" من الشافعية، وكذا النووي في "شرحه لمسلم" (٥).

стр. 3210

قال الشيخ تقي الدين: وفي البناء نظر، لأنه لا يلزم من كون الشيء نسكاً أن يكون [سبباً] (١) من أسباب التحلل، ومالك يرى أن الحلق نسك، ويرى -مع ذلك- أنه لا يقدم على الرمي، إذ معنى كون الشيء نسكاً أنه مطلوب يثاب عليه، ولا يلزم من ذلك أن يكون سبباً للتحلل. ونقل عن الإِمام أحمد: أنه إن قدم بعض هذه الأشياء على بعض فلا شيء عليه إن كان جاهلاً، وإن كان عالماً ففي وجوب الدم روايتان، وهذا القول في سقوط الدم عن الجاهل والناسي دون العامد قوي، كما قال الشيخ تقي الدين: من جهة أن الدليل دل على وجوب اتباع أفعال النبي ﷺ في الحج بقوله: "خذوا عني مناسككم". وهذه الأحاديث المرخصة في التقديم لما وقع السؤال عنه، وإنما [قويت] (٢) بقول السائل "لم أشعر" فتخصيص الحكم بهذه الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب اتباع الرسول في أعمال الحج ويتأيد ذلك برواية مسلم. "فما سمعته يومئذ سئل عن أمر مما ينسى المرء ويجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها إلَاّ قال [رسول الله ﷺ ] (٣) أفعلوا ذلك ولا حرج". ومن قال بوجوب الدم في العمد والنسيان: عند تقديم الحلق على الرمي فإنه يحمل قوله ﵊: "لا حرج" على نفي الإِثم في التقديم مع النسيان، ولا يلزم من نفي الإِثم نفي

стр. 3211

وجوب الفدية. قاله المازري (١) المالكي، وحمله المخالف على نفي الإِثم والفدية جميعاً، قال النووي في "شرح مسلم" (٢): وهو الظاهر، واعترض [عليه] (٣) الشيخ تقي الدين (٤) فقال: كذا ادعاه بعض الشارحين عني به إياه، وفيما ادعاه من الظهور نظر، وقد ينازعه خصومه فيه بالنسبة إلى الاستعمال العرفي، فإنه قد استعمل "لا حرج" كثيراً في نفي الإِثم، وإن كان من حيث الوضع اللغوي يقتضي نفي الضيق. قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٥) [أي من ضيق] (٦) وهذا البحث كله إنما يحتاج إليه بالنسبة إلى الرواية التي جاء فيها السؤال عن تقديم الحلق على الرمي. وأما على الرواية التي ذكرها المصنف فلا تعم من أوجب الدم وحمل نفى الحرج على نفي الإِثم، فيشكل عليه تأخير بيان وجوب الدم، فإن الحاجة تدعو إلى [بيان] (٧) هذا الحكم، فلا يؤخر عنها بيانه، قال: ويمكن أن يقال: [إن] (٨) ترك ذكره في الرواية لا يلزم منه ترك ذكره في نفس الأمر وأما من أسقط الدم، وجعل ذلك

стр. 3212

مخصوصاً بحالة عدم الشعور فإنه يحمل "لا حرج" على نفي الإِثم والدم معاً، فلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، ومشى أيضاً على القاعدة في أن الحكم إذا رتب على وصف يمكن أن يكون معتبراً لم يجز إطراحه وإلحاق غيره مما لا يساويه به، ولا شك أن عدم الشعور وصف مناسب لعدم التكليف والمؤاخذة. والحكم علق به، فلا يمكن إطراحه بإلحاق العمد به، إذ لا يساويه. فإن تمسك بقول الراوي "فما سئل عن شيء قُدّم ولا أخر إلَاّ قال: افعل، ولا حرج"، فإنه قد يشعر بأن الرتيب مطلقاً غير مراعياً في الوجوب. فجوابه: أن الراوي لم يحك لفظاً عاماً عن الشارع يقتضي جواز التقديم والتأخير مطلقاً. وإنما أخبر بقوله ﵊: "لا حرج" بالنسبة إلى كل ما سئل عنه من التقديم والتأخير حينئذ، وهذا الإِخبار من الراوي [(١)] إنما تعلق بما وقع السؤال عنه. وذلك مطلق بالنسبة إلى حال السؤال وكونه وقع عن العمد أو عدمه. والمطلق لا يدل على أحد الخاصين بعينه. فلا يبقى حجة في حال العمد. السابع: مشهور مذهب مالك أنه لا فدية على من حلق قبل الذبح لظاهر هذا الحديث، ويحمل قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّه﴾ أي وصوله إلى منى. وخالف ابن الماجشون فقال: يجب عليه وحمل قوله -عليه

стр. 3213

الصلاة والسلام-: [لا حرج] (١) على نفي الإِثم لا الفدية كما سلف، وقد عرفت ما فيه. واختلف قول مالك (٢) إذا قدم طواف الإِفاضة على الرمي فقيل يجزيه، وعليه الهدى وتؤيده رواية مسلم: "أفضت إلى البيت قبل أن أرمي. قال: ارم ولا حرج"، وقيل: لا يجزيه وهو كمن لم يفيض. وقيل: يعيده بعد الرمي والنحر، وكذلك إذا رمى ثم أفاض قبل الحلق، فقال: مرة يجزيه، وقال: مرة يعيد الإِفاضة بعد الحلق، وقال في "الموطأ": أحب إلى أن يهريق دماً، وإن قدمها على الذبح وقد أنصف القاضي عياض [المالكي] (٣) فقال: إن ظاهر الحديث مع الشافعي وفقهاء أصحاب الحديث في جماعة من السلف في أنه لا شيء عليه في الجميع قدم منها ما قدم وأخر منها ما أخر، وتبعه القرطبي (٤) على ذلك، فقال: الظاهر من الأحاديث مذهب الشافعي وأصحاب الحديث. وهو كما قالا لكنه ظاهر في الجاهل والناسي دون العامد، وقد أسلفنا عن أبي حنيفة (٥) وجوب الدم على من حلق قبل الرمي، وكذا نقل عنه في حق من حلق قبل الذبح وخالفاه صاحباه, وقال: إن كان قارناً فحلق [قبل] (٦) يوم النحر فدمان

стр. 3214

وخالفه (١) زفر، فقال: عليه ثلاثة وفي رواية شاذة (٢) عن ابن عباس وجوب الدم على من قدم شيئاً من النسك أو أخره، ونحوه عن ابن جبير وقتادة (٣) والحسن والنخعي ولم يختلفوا فيمن نحر قبل الرمي أنه لا شيء عليه. الثامن: معنى قوله ﵊: "إرم ولا حرج" افعل ما بقي عليك وقد أجزاك ما فعلته ولا حرج عليك في التقديم [أو] (٤) التأخير لا أنه أمر بالإِعادة كأنه قال افعل ذلك كما فعلته أو متى شئت، ولا حرج عليك لأن السؤال إنما كان عما مضى وتم. وقوله: "فما سئل رسول الله ﷺ عن شيء قدم ولا أُخر" يعني من هذه الأربعة. التاسع: ترجم البخاري على هذا الحديث: "باب الفتيا، وهو واقف على الدابة [و] (٥) غيرها" (٦) ثم ترجم فقال: " [باب] (٧) من أجاب الفتيا بإِشارة اليد والرأس" (٨)، ثم روى من حديث ابن عباس

стр. 3215

أنه ﵊ سئل في حجته. فقال: ذبحت قبل أن أرمي، فأومأ بيده [قال] (١) ولا حرج. وقال: حلقت قبل أن أذبح، فأومأ بيده: "ولا حرج"، وفي رواية له من حديث ابن عباس أيضاً "زرت قبل أن أرمي، قال: لا حرج [قال] (٢): رميت بعد ما أمسيت قال: لا حرج". العاشر: يؤخذ من الحديث وجوب اتباع أفعاله ﵊ فإنهم لما خالفوا ترتيبه سألوا عنه ووجوب البيان على المسؤول إذا علم الحكم في المسؤول عنه. خاتمة: روى الهروي (٣) في "صحيحه المستدرك على الصحيحين" (٤) على ما عزاه إليه المحب [الطبري] (٥) في "أحكامه"، والدارقطني (٦) أيضاً عن أسامة بن شريك، قال: خرجت مع

стр. 3216

رسول الله ﷺ حاجاً فكان الناس يأتونه، فمن قائل يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف بالبيت، أو أخرت شيئاً، أو قدمت شيئاً. فكان يقول [لهم] (١) لا حرج [...] (٢) إلَاّ [رجل] (٣) اقترض عرض مسلم وهو [ظالم] (٤) [فذاك] (٥) الذي حرج وهلك". وقوله: "سعيت قبل أن أطوف بالبيت"، يحمل على تقديمه مع طواف القدوم وشذ عطاء فأخذ بظاهره فاعتد بالسعي قبل الطواف، وهو من أفراده. وقوله: "اقترض" روى بالقاف والضاد من القرض أي نال منه وعابه، وبالفاء والصاد المهملة وهو القطع أيضاً والمعراض الحديدة التي يقطع بها الفضة. ...

стр. 3217

الحديث السادس ٢٦٤/ ٦/ ٥٠ - عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي، أنه حج مع ابن مسعود، فرآه يرمي الجمرة الكبرى بسبع حصيات، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ثم قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه [سورة] (١) البقرة ﷺ " (٢). الكلام عليه من وجوه: أحدها (٣): في التعريف براويه. وأما ابن مسعود: فتقدم [الكلام عليه] (٤) في باب المواقيت. وأما عبد الرحمن: هذا فهو كوفي تابعي ثقة وهو أخو الأسود سمع عثمان وابن مسعود وغيرهما، وعنه ابنه محمد وأبو إسحاق الهمداني وغيرهما، في وفاته قولان:

стр. 3218

أحدهما: سنة ثلاث وسبعين، قاله يحيى بن بكير. والثاني: سنة ثلاث وثمانين في الجماجم، قاله الفلاس. والنخعي: -بفتح النون والخاء، ثم عين مهملة- نسبة إلى النخع وهي قبيلة كبيرة من مذحج. اسم النخع: جسر بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك بن أدد، وقيل له النخع، لأنه انتخع من قومه أي بعد عنهم، نزل بيشة ونزلوا في الإِسلام الكوفة. ينسب إليهم من العلماء الجم الغفير، منهم عبد الرحمن هذا وأخوه علقمة وإبراهيم. الثاني: المراد "بالجمرة الكبرى": جمرة العقبة، وليست من منى، بل هي حد منى من الجانب الغربي جهة مكة وهي التي بايع النبي ﷺ الأنصار عندها على الإِسلام والهجرة. والجمرة: اسم لمجتمع الحصى، لا ما سال منه، ولماذا سميت [جمرة] (١) فيه أقوال: أحدها: لاجتماع الناس بها يقال: تجمر بنو فلان إذا اجتمعوا ومنه نهيه ﵊ عن التجمر أي اجتماع الرجال والنساء في الغزوات (٢). ثانيها: أن إبراهيم، وقيل: آدم لما عرض له إبليس هناك

стр. 3219

فحصبه جمر بين يديه -أي أسرع (١). ثالثها: [لأنها تجمر] (٢) بالحصى والعرب تسمى الحصى الصغار جماراً فيكون من باب تسمية الشيء بلازمه كالغائط، والراوية. رابعها: في الحديث إثبات رمي جمرة العقبة، وقد أجمعوا على أن الحاج يرميها يوم النحر، وهو واجب يجبر بدم وسماه المالكية سنة مؤكدة. وقال عبد الملك منهم: إنه ركن، فإن تركه بطل حجه كسائر الأركان. وحكى ابن جرير: عن بعض الناس أن رمي الجمار إنما شرع حفظاً للتكبير، فإن تركه وكبر أجزأه، ونحوه عن عائشة وهو خلاف شاذ. تنبيهات: أحدها: رمي جمرة العقبة أحد أسباب التحلل وهي ثلاثة: أحدها: رميها يوم النحر. ثانيها: طواف الإِفاضة مع سعيه إن لم يكن سعى. ثالثها: الحلق إذا قلنا أنه نسك وهو الصحيح عندنا. ثانيها: يدخل وقت رمي جمرة العقبة بنصف الليل ويبقى إلى

стр. 3220

آخر يوم النحر وفي امتداده تلك الليلة وجهان أصحهما في الرافعي و"الروضة" (١) لا لعدم وروده. والثاني: نعم تشبيهاً بالوقوف، وصححه النووي في "مناسكه الكبرى" في الكلام على رمي أيام التشريق. ووقع في الرافعي: نقلاً عن الأئمة أن وقته إلى الزوال، وينبغي أن يحمل على الفضيلة وبه صرح الماوردي (٢). ولو تركه ففي تداركه في أيام التشريق. [طريقان أصحهما: نعم ولو تركه حتى فاتت أيام التشريق] (٣) فعليه دم. واتفقوا (٤): على أنه بخروج أيام التشريق يفوت الرمي. إلَاّ ما قاله أبو مصعب أنه يرمي متى ما ذكر كمن نسي صلاة يصليها متى ذكرها. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يدخل وقت الرمي إلَاّ بطلوع الفجر ووافقهما أحمد. ثالثها: جمرة العقبة تمتاز عن غيرها بأربعة أشياء: [الأول] (٥): ترمي قبل زوال الضحى.

стр. 3221

الثاني: أنها ترمى من أسفلها استحباباً ويجزىء من أعلاها وأوسطها وما عداها فمن أعلاها. الثالث: أنه لا يرمي يوم النحر غيرها. الرابع: أنه لا يوقف عندها للدعاء. الوجه الرابع: من الكلام على الحديث فيه أيضاً أن الرمي بسبع حصيات, وهو إجماع، فإن رماها بأقل وفاته جبر ذلك وكان عليه دم عند مالك والأوزاعي، وعزى إلى الجمهور أيضاً. وذهب الشافعي وأبو ثور: إلى أن على تارك حصاة مد من طعام، وفي اثنين مدين، وفي ثلاثة فأكثر دم. وقال أبو حنيفة [وصاحباه] (١): إن ترك أقل من نصف الجمرات الثلاث، ففي كل حصاة نصف صاع وإن كان أكثر من نصفها فعليه دم. وقال مالك: إن نسي جمرة [العقبة] (٢) تامة أو الجمار كلها فعليه بدنة فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة. وقال البصريون: على ناسي الجمرة والجمرتين دم. وقال عطاء: فيمن رمى خمس، ومجاهد فيمن رمى بست لا شيء عليه (٣).

стр. 3222

[فرع: يجزىء الرمي بكل ما يسمى حجراً فلا يجزىء اللؤلؤ وما ليس بحجر من طبقات الأرض كالنورة والزرنيخ ونحوهما] (١). فرع: السنة أن يكبر مع كل حصاة رافعاً صوته بالتكبير وهو مذكور في الصحيحين (٢) في حديث ابن مسعود هذا وبه أخذ مالك والشافعي وعمل الأئمة كما نقله القاضي عياض، قال: وأجمعوا على أن من لم يكبر لا شيء عليه. الخامس: "منى" سلف الكلام عليها في الباب وغيره وهي بين جبلين [أحدها] (٣) ثبير. والآخر: الصائغ. وليست جمرة العقبة منها كما تقدم ولا الوادي أيضاً، وذرع ما بين الجمرة والوادي سبعة آلاف ذراع ومئتا ذراع وعرضها من مؤخر المسجد الذي يلي الجبال إلى الجبل الذي بحذائه ألف ذراع وئلاثمائة ذراع ومن جمرة العقبة إلى الوسطى إلى الجمرة التي تلي المسجد ثلاثمائة ذراع وخمسة أذرع، قاله القاضي نجم الدين القمولي، في "البحر المحيط" (٤).

стр. 3223

قال النووي في "منسكه": حد منى ما بين وادي محسر وجمرة العقبة ومِنى شعب طوله ميلين وعرضه يسير والجبال المحيطة ما أقبل منها عليه فهو من منى وما أدبر فليس من منى وجمرة العقبة في آخرها. السادس: في الحديث أيضاً استحباب كون الرمي من بطن الوادي فيقف تحتها في بطن الوادي ويجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه ويستقبل الجمرة ويرمي، وهذا أصح الأوجه عند الشافعية كما نقله النووي (١) عنهم وعزاه إلى جمهور العلماء أيضاً. والوجه الثاني: أنه يستقبل الجمرة ويستدبر الكعبة، وبه جزم الرافعي. والثالث: يستقبل الكعبة ويجعل الجمرة عن يمينه. وأجمعوا: على أنه من حيث رماها جاز سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو يساره أو رماها من فوقها أو أسفلها أو وقف في وسطها ورماها، فأما رمي باقي الجمرات فيستحب من فوقها. السابع: قوله: "مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة"، أي مكان قيامه ﵊ فهو اسم المصدر الذي هو للقيام، والسورة تقدم الكلام عليها في الحديث الثاني من باب وجوب القراءة في الصلاة (٢).

стр. 3224

الثامن: في الحديث دلالة على جواز قوله سورة كذا، وخالف الحجاج بن يوسف في ذلك كما نقله عنه البخاري ومسلم في صحيحهما (١)، وقال: قال الأعمش: فلقيت إبراهيم فأخبرته بقول الحجاج فسبَّه ورد عليه بهذا الحديث، وقد تقدم الرد على من قال بهذا أيضاً في الحديث الثالث من باب وجوب القراءة في الصلاة (٢). التاسع: إنما خص سورة البقرة لأن معظم أحكام الحج فيها مذكور فكأنه قال هذا مقام الذي أنزلت عليه المناسك وأخذت عنه الأحكام [فاعتمدوه] (٣) أراد بذلك التنبيه على أن أفعال الحج توقيفية ليس للاجتهاد فيها مدخل فلا يفعل أحد شيئاً من المناسك برأيه. وقيل: خصها بذلك لطولها وعظم قدرها وكثرة ما تحتويه من الأحكام، وقد خصها ﷺ بعجز البطلة عن حفظها (٤)، وقوله للعباس في يوم حنين: نادي أصحاب السمرة أصحاب البقرة (٥)، يمكن أن يكون خصها بالذكر حين فرارهم لأن فيها: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ

стр. 3225

غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً (١)، وفيها ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٢)، أو لأن فيها ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (٣)، وفيها ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (٤). العاشر: في الحديث أيضاً دلالة على مراعاة كل شيء في هيئة الحج التي وقعت من الرسول ﷺ , حيث قال ابن مسعود: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة قاصداً بذلك الإِعلام [به] (٥) ليفعل. الحادي عشر: فيه أيضاً التعلم بالرؤية من غير قول (٦) وتبليغه. خاتمة: قيل إن مشروعية الرمي أن إبراهيم ﵊ حين هرب منه الكبش المفدى به الذبيح ﵊ عند الجمرة رماه بسبع حصيات حتى أخذه. [وروى] (٧) أنه رمى الشيطان حين تعرض له بالوسوسة عند ذبح ولده. وروى أنه لما ذبحه قال جبريل: الله أكبر الله أكبر، فقال
следующие страницы →