الثاني: أنها ترمى من أسفلها استحباباً ويجزىء من أعلاها وأوسطها وما عداها فمن أعلاها.
الثالث: أنه لا يرمي يوم النحر غيرها.
الرابع: أنه لا يوقف عندها للدعاء.
الوجه الرابع: من الكلام على الحديث فيه أيضاً أن الرمي بسبع حصيات, وهو إجماع، فإن رماها بأقل وفاته جبر ذلك وكان عليه دم عند مالك والأوزاعي، وعزى إلى الجمهور أيضاً.
وذهب الشافعي وأبو ثور: إلى أن على تارك حصاة مد من طعام، وفي اثنين مدين، وفي ثلاثة فأكثر دم.
وقال أبو حنيفة [وصاحباه] (١): إن ترك أقل من نصف الجمرات الثلاث، ففي كل حصاة نصف صاع وإن كان أكثر من نصفها فعليه دم.
وقال مالك: إن نسي جمرة [العقبة] (٢) تامة أو الجمار كلها فعليه بدنة فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة.
وقال البصريون: على ناسي الجمرة والجمرتين دم.
وقال عطاء: فيمن رمى خمس، ومجاهد فيمن رمى بست لا شيء عليه (٣).
стр. 3222
[فرع: يجزىء الرمي بكل ما يسمى حجراً فلا يجزىء اللؤلؤ وما ليس بحجر من طبقات الأرض كالنورة والزرنيخ ونحوهما] (١).
فرع: السنة أن يكبر مع كل حصاة رافعاً صوته بالتكبير وهو مذكور في الصحيحين (٢) في حديث ابن مسعود هذا وبه أخذ مالك والشافعي وعمل الأئمة كما نقله القاضي عياض، قال: وأجمعوا على أن من لم يكبر لا شيء عليه.
الخامس: "منى" سلف الكلام عليها في الباب وغيره وهي بين جبلين [أحدها] (٣) ثبير. والآخر: الصائغ.
وليست جمرة العقبة منها كما تقدم ولا الوادي أيضاً، وذرع ما بين الجمرة والوادي سبعة آلاف ذراع ومئتا ذراع وعرضها من مؤخر المسجد الذي يلي الجبال إلى الجبل الذي بحذائه ألف ذراع وئلاثمائة ذراع ومن جمرة العقبة إلى الوسطى إلى الجمرة التي تلي المسجد ثلاثمائة ذراع وخمسة أذرع، قاله القاضي نجم الدين القمولي، في "البحر المحيط" (٤).
стр. 3223
قال النووي في "منسكه": حد منى ما بين وادي محسر وجمرة العقبة ومِنى شعب طوله ميلين وعرضه يسير والجبال المحيطة ما أقبل منها عليه فهو من منى وما أدبر فليس من منى وجمرة العقبة في آخرها.
السادس: في الحديث أيضاً استحباب كون الرمي من بطن الوادي فيقف تحتها في بطن الوادي ويجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه ويستقبل الجمرة ويرمي، وهذا أصح الأوجه عند الشافعية كما نقله النووي (١) عنهم وعزاه إلى جمهور العلماء أيضاً.
والوجه الثاني: أنه يستقبل الجمرة ويستدبر الكعبة، وبه جزم الرافعي.
والثالث: يستقبل الكعبة ويجعل الجمرة عن يمينه.
وأجمعوا: على أنه من حيث رماها جاز سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو يساره أو رماها من فوقها أو أسفلها أو وقف في وسطها ورماها، فأما رمي باقي الجمرات فيستحب من فوقها.
السابع: قوله: "مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة"، أي مكان قيامه ﵊ فهو اسم المصدر الذي هو للقيام، والسورة تقدم الكلام عليها في الحديث الثاني من باب وجوب القراءة في الصلاة (٢).
стр. 3224
الثامن: في الحديث دلالة على جواز قوله سورة كذا، وخالف الحجاج بن يوسف في ذلك كما نقله عنه البخاري ومسلم في صحيحهما (١)، وقال: قال الأعمش: فلقيت إبراهيم فأخبرته بقول الحجاج فسبَّه ورد عليه بهذا الحديث، وقد تقدم الرد على من قال بهذا أيضاً في الحديث الثالث من باب وجوب القراءة في الصلاة (٢).
التاسع: إنما خص سورة البقرة لأن معظم أحكام الحج فيها مذكور فكأنه قال هذا مقام الذي أنزلت عليه المناسك وأخذت عنه الأحكام [فاعتمدوه] (٣) أراد بذلك التنبيه على أن أفعال الحج توقيفية ليس للاجتهاد فيها مدخل فلا يفعل أحد شيئاً من المناسك برأيه.
وقيل: خصها بذلك لطولها وعظم قدرها وكثرة ما تحتويه من الأحكام، وقد خصها ﷺ بعجز البطلة عن حفظها (٤)، وقوله للعباس في يوم حنين: نادي أصحاب السمرة أصحاب البقرة (٥)، يمكن أن يكون خصها بالذكر حين فرارهم لأن فيها: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ
стр. 3225
غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً (١)، وفيها ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٢)، أو لأن فيها ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (٣)، وفيها ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (٤).
العاشر: في الحديث أيضاً دلالة على مراعاة كل شيء في هيئة الحج التي وقعت من الرسول ﷺ , حيث قال ابن مسعود: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة قاصداً بذلك الإِعلام [به] (٥) ليفعل.
الحادي عشر: فيه أيضاً التعلم بالرؤية من غير قول (٦) وتبليغه.
خاتمة: قيل إن مشروعية الرمي أن إبراهيم ﵊ حين هرب منه الكبش المفدى به الذبيح ﵊ عند الجمرة رماه بسبع حصيات حتى أخذه.
[وروى] (٧) أنه رمى الشيطان حين تعرض له بالوسوسة عند ذبح ولده.
وروى أنه لما ذبحه قال جبريل: الله أكبر الله أكبر، فقال
стр. 3226
الذبيح لا إله إلَاّ الله والله أكبر، فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد، فبقي ذلك سنة (١).
...
стр. 3227
الحديث السابع
٢٦٥/ ٧/ ٥٠ - عن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم ارحم المحلقين" [قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟] (١) قال: "اللهم ارحم المحلقين" [قالوا يا رسول الله] (٢) والمقصرين؟ قال: "والمقصرين" (٣).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: هذا اللفظ الذي ساقه المصنف هو لفظ رواية الصحيحين، قال البخاري: وقال الليث حدثني نافع: "رحم الله المحلقين مرة أو مرتين" [قال] (٤) وقال: عبيد الله حدثني نافع "وقال في الرابعة والمقصرين".
стр. 3228
وأخرج مسلم هذه الرواية من هذا الوجه وكذا التي قبلها فعلى رواية المصنف يكون للمحلقين ثلثا الرحمة وللمقصرين الثلث وعلى رواية عبيد الله يكون لهم ثلاثة أرباع الرحمة وللمقصرين الربع.
ونظير هذا "من أحق الناس بصحبتي؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أبوك" (١) وفي رواية (٢) أنه قال ذلك ثلاثاً في الأم، فعلى الرواية الأولى يكون للأم ثلثا البر وعلى الثانية يكون لها ثلاثة أرباعه.
الثاني: هذا الدعاء كان منه ﷺ في حجة الوداع على الصحيح المشهور كما قاله النووي في "شرح مسلم" (٣).
وقيل: إنه كان يوم الحديبية حين أمرهم بالحلق [فما] (٤) فعله أحد لطمعهم [دخول] (٥) مكة في ذلك الوقت.
وحكى عن ابن عباس قال حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون فقال رسول الله ﷺ (٦): اللهم ارحم المحلقين ثلاثاً قيل:
стр. 3229
يا رسول الله ما بال المقصرين ظاهرت لهم بالترحم؟ قال: لأنهم لم يشكوا" (١).
قال القرطبي (٢): وحاصله أنه أمرهم يوم الحديبية بالحلاق، فما قام منهم أحد، لما وقع في أنفسهم من أمر الصلح، فلما حلق ﷺ ودعا للمحلقين ثلاثاً، وللمقصرين واحدة، تبادروا إلى ذلك.
قال ابن عبد البر (٣): وكونه في الحديبية [هو] (٤) المحفوظ.
قلتُ: وبه جزم من العلماء إمام الحرمين فذكره كذلك في "نهايته"، ونازع القاضي (٥) ابن عبد البر في ذلك فقال: قد ذكر مسلم في الباب خلاف ما قالوه وإن كانت أحاديثه مجملة غير مفسرة موطن، ذلك لأنه ذكر من رواية أم الحصين أنها سمعت النبي ﷺ في حجة الوداع دعا للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة. وروى مسلم (٦) قبل هذا عنها أنها قالت حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع وقد جاء الأمر في حديثها مفسراً أنه في حجة الوداع فلا يبعد أنه ﵊ قاله في الموضعين.
стр. 3230
قال الشيخ تقي الدين (١): وهو الأقرب وقد كان في كلا الوقتين توقف من الصحابة في الحلق أما في الحديبية فلأنهم عظم عليهم الرجوع قبل تمام مقصودهم من الدخول إلى مكة وكمال نسكهم، وأما في الحج فلأنه شق عليهم فسخ الحج إلى العمرة وكان من قصر منهم شعره اعتقد أنه أخف من الحلق إذ هو يدل على الكراهة للشيء أي أو أنه أقرب شبهاً منه ﷺ من حيث أنه لم يحل فكرر ﵊ الدعاء للمحلقين لأنهم بادروا إلى امتثال الأمر وأتموا فعل ما أمروا من الحلق وقد ورد التصريح بهذه العلة في الرواية السالفة حيث قال لأنهم لم يشكوا ورواه ابن ماجه (٢) بسند جيد عن ابن عباس قيل: يا رسول الله ﷺ لم ظاهرت للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة؟ قال: لأنهم لم يشكوا".
الثالث: هذا الحديث مصرح بجواز الاقتصار على أحد الأمرين أما الحلق وإما التقصير ومصرح أيضاً بتفضيل الحلق وقد أجمع العلماء على أن الحلق أفضل من التقصير في حق الرجال وعلى أن التقصير يجزي إلَاّ ما حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري: أنه كان يقول يلزمه الحلق في أول حجة ولا يجزئه التقصير وهذا إن صح عنه مردود بالنص وإجماع من قبله (٣) وإنما كان الحلق أفضل لأمور:
стр. 3231
أحدها: أنه أقرب إلى التواضع والخضوع بين يدي ذي الجلال وأبلغ في العبادة وأدل على صدق النية في التذلل لله تعالى.
الثانى: أن الشعر زينة والمحرم مأمور بتركها فإنه أشعث أغبر.
الثالث: أن المقصود من الإِحرام التجرد مطلقًا وفي حلق جميع الرأس ما يكمل هذا المقصود ولهذا ذهب بعض العلماء إلى استحباب حلق الرأس عند التوبة وما ذاك إلَّا لطلب تغيير الحالة التي كان قبلها (١).
الرابع: الحديث دال أيضًا على أن الحلق أو التقصير نسك يثاب فاعله وهو مذهب الشافعي في المشهور عنه وبه قال العلماء كافة.
وللشافعي قول ضعيف: إنه استباحة محظور كالطيب واللباس وليس بنسك وبه قال أبو ثور وأبو يوسف لأنه ورد بعد الحظر فحمل على الإِباحة كاللباس والطيب والحديث يرد عليهم من وجهين:
الأول: أنه متضمن ثواب كل واحد من الحلق أو التقصير ولو كان مباحًا لاستوى فعله وتركه.
الثاني: تفضيل الحلق على التقصير ولو كانا مباحين لما كان لأحدهما مزية على الآخر في نظر الشرع.
стр. 3232
قال المازري المالكي (١): وقد استقر في الشرع تحريم السلام في أثناء الصلاة المفروضة، وأمر به في آخرها ولم يكن ذلك على أوجه، (٢) الإِباحة بل حُمِل على الوجوب.
الخامس: يؤخذ من الحديث الدعاء بالرحمة لمن فعل ما شرع له وتكرار [الدعاء] (٣) لمن فعل الراجح من الفعلين الجائزين والتنبيه بالتكرار على ترجيح الراجح وسؤال الدعاء لمن فعل الجائز المرجوح.
خاتمة: ثبت في الصحيحين أيضًا من حديث أبي هريرة (٤) الدعاء للمحلقين بالمغفرة ثلاثًا، وللمقصرين مرة، مناسبة ذلك كل واحد من الحلق أو التقصير إزالة الشعث في الصورة وهما سببان لغفر الذنب بإزالته أو ستره.
فروع تتعلق بالحلق:
الأول: أقل ما يجزىء من الحلق أو التقصير عند الشافعي ثلاث شعرات.
وعند أبي حنيفة: ربع الرأس.
وعند أبي يوسف: نصفها.
وعند مالك وأحمد: أكثرها.
стр. 3233
وعن مالك: رواية أنه كلها واقتصر عليها الفاكهي.
وأجمعوا: على أن الأفضل حلق جميعه.
ويستحب ألا ينقص في التقصير عن قدر الأنملة من أطراف الشعر فإن قصر دونها جاز لحصول اسم التقصير.
ومذهب مالك: أنه يفتقر إلى الأخذ من جميع الشعر كما يأخذ في الحلق جميعه.
الثاني: قد يتعين الحلق فيما إذا نذره وكذا فيما إذا لبد رأسه بالإِحرام على قول قديم للشافعي وهو مذهب مالك والجديد المنع.
وقال الفاكهي المالكي: إنه يتعين في كل موضع لا يمكن الإِتيان بالتقصير على وجهه وذلك في صور:
منها: من لبد رأسه.
ومنها: فيمن لا شعر على رأسه فإنه يمر الموسى عليها.
ومنها: فيمن له شعر لطيف لا يمكن تقصيره.
ومنها: ما إذا عقصه أو ظفره.
ونقل القرطبي في "مفهمه" (١) عن جمهور العلماء لزوم الحلق في ذلك أعني فيما إذا عقصه أو ظفره وفيما إذا لبد رأسه وادعى أن المخالف في ذلك أصحاب الشورى.
стр. 3234
الثالث: استحب مالك إذا حلق أن يأخذ من لحيته (١) وشاربه وأظفاره وأن ابن عمر كان يفعله وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر قال: وثبت أنه ﵊ قلم أظفاره إذ ذاك.
الرابع: المشروع في حق النساء التقصير ويكره لها الحلق وقال القاضيان حسين وأبو الطيب يحرم عليهن.
قال الشافعي: واجب أن تجمع ضفائرها وتأخذ من أطرافهما قدر أنملة.
قال الماوردي (٢): إلَاّ الذوائب فإنه يشينها.
وقال مالك: تأخذ قدر الأنملة، أو فوقه بقليل، أو دونه بقليل.
وقال: في الرجل ليس تقصيره أن يأخذ من أطراف شعره ولكن يجز ذلك جزاً وليس مثل المرأة فإن لم يجزه وأخذه فقد أخطأ ويجزيه.
قال القاضي أبو الوليد (٣): يبلغ به الحد الذي يقرب من أصول الشعر.
стр. 3235
الخامس: يقوم مقام الحلق والتقصير النتف والإِحراق والقص وغير ذلك من أنواع إزالة الشعر.
السادس: اتفق العلماء على أن الأفضل في الحلق والتقصير أن يكون بعد رمي جمرة العقبة، وبعد ذبح الهدى إن كان معه، وقبل طواف الإِفاضة وسواء كان قارناً أو مفرداً وخالف ابن الجهم في القارن وقد تقدم الرد عليه في الباب في الحديث الخامس (١).
السابع: استحب بعض أصحابنا أن يمسك المحلوق ناصيته بيده ويكبر ثلاثاً ثم يقول: اللهم هذه ناصيتي فتقبل مني واغفر لي ذنوبي، اللهم اكتب لي بكل شعرة حسنة وامح عني بها سيئة وارفع لي بها درجة واغفر لي وللمحلقين والمقصرين يا واسع المغفرة أمين.
واستحب بعض الحنفية أن يقول عند الحلق: اللهم هذه ناصيتي بيدك فاجعل لي بكل شعرة نوراً يوم القيامة اللهم بارك لي في نفسي واغفر [لي] (٢) ذنبي وتقبل مني عملي برحمتك يا أرحم الراحمين.
واستحب بعض العلماء: إذا فرغ من الحلق أن يكبر ويقول الحمد لله الذي أعاننا على قضاء نسكنا، اللهم زدنا إيماناً، ويقيناً، وتوفيقاً، وعوناً، واغفر لنا, ولآبائنا، وأمهاتنا، والمسلمين أجمعين (٣). [في حاشية الأصل. قد يتمسك بدعائه للمحلقين ثلاثاً،
стр. 3236
وللمقصرين مرة بقول إيثار أهل الصلاح على غيرهم في إعطاء المال وهو رأي الفاروق منهم. وقال: لا اجعل من قاتل رسول الله ﷺ كمن قاتل معه ورأى الصديق التسوية بينهم ويقول إنما عملوا لله فاجرهم على الله وهذا المال عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر وليس ثمناً لأعماله] (١).
وقد ذكرت في "شرح المنهاج" فروعاً أُخر تتعلق بكيفية الحلق وآدابه فراجعها منه.
الثامن: المحصر في الحلق والتقصير كغيره في كون ذلك نسكاً له.
وقال أبو حنيفة (٢) وصاحباه: ليس على المحصر شيء من ذلك ويرده فعله ﵊ ذلك يوم الحديبية.
...
стр. 3237
الحديث الثامن
٢٦٦/ ٨/ ٥٠ - عن عائشة ﵂، قالت: حججنا مع رسول الله ﷺ فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية، فأراد النبي ﷺ منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله إنها حائض، فقال: "أحابستنا هي"؟ قالوا: يا رسول الله، [إنها قد] (١) فاضت يوم النحر، قال: "أخرجوا".
وفي لفظ قال النبي ﷺ : "عقرى، حلقى، [أفاضت] (٢) يوم النحر؟ قيل: نعم. قال: "فانفري" (٣).
стр. 3238
الكلام عليه من وجوه والتعريف براويه سلف: في الطهارة وممن وقع في الاعتكاف.
الأول: كان حيض صفية ﵂ ليلة النفر كما ثبت في بعض طرق البخاري.
وقوله: "فأفضنا يوم النحر" أي طفنا طواف الإِفاضة وله أسماء طواف: الإِفاضة، والزيارة، والفرض، والركن، والصدر، والأشهر أن طواف الصدر طواف الوداع وكره مالك أن يقال للطواف الزيارة وفي الصحيح "قالوا: يا رسول الله إنها قد زارت يوم النحر، قال: فلتنفر معكم"، وهو حجة للشافعي وأبي حنيفة وأهل العراق على عدم الكراهة.
الثاني: في الحديث دلالة على أن طواف الإِفاضة لا بد منه وهو إجماع.
الثالث: فيه أيضاً دلالة على فعله في يوم النحر وهو السنة كما أسلفته في الحديث الثاني من باب التمتع ويدخل وقته من نصف ليلة النحر، ولا آخر لوقته كما هو موضح في كتب الفروع وإذا أخره لا شيء عليه بالتأخير عند جمهور العلماء.
وقال مالك، وأبو حنيفة: إذا تطاول الزمان لزمه دم.
الرابع: فيه أيضاً إباحة الجماع للأهل بعد الإِتيان بأسباب التحلل في الحج لكن قال الرافعي وغيره: إن المستحب إذا تحلل
стр. 3239
التحلل الثاني أن لا يطأ حتى يرمي أيام التشريق، وفيه نظر إذ لا معنى لتركه لا سيما وأيام التشريق "أيام أكل وشرب وبعال" (١)، كما ورد في الحديث وقد بعث ﷺ أم سلمة لتطوف قبل النحر، وكان يومها فأحب ﷺ أن توافيه، وفيه إشعار بمواقعتها فيه، وعليه، بوب سعيد بن منصور في "سننه" فقال، باب: الرجل يزور البيت ثم يواقع أهله قبل أن يرجع إلى منى"، ثم ذكر الحديث.
الخامس: فيه أيضاً الإِخبار بالأعذار المانعة من الإِجابة إلى ما يجب المبادرة إلى فعله ممن توجه الوجوب إليه ومن غيره.
السادس: فيه أيضاً أن الحائض لا تدخل المسجد ولا تطوف نعم يجوز لها المرور إن أمنت التلويث.
السابع: فيه أيضاً سقوط طواف الوداع عن الحائض لقوله: "فانفري" نعم لو طهرت قبل مفارقة محطة مكة لزمها العود والطواف، وإن طهرت بعد بلوغها مسافة القصر، فلا وإن لم تبلغ فالصحيح من مذهب الشافعي أنه لا يلزمها العود.
فرع: النفساء في هذا كالحائض.
الثامن: فيه أيضاً عدم سقوط طواف الإِفاضة عنها لقوله ﵊: "أحابستنا هي، فقيل: إنها فاضت" إلى آخره.
التاسع: فيه أيضاً عدم وجوب الدم بترك طواف الوداع من
стр. 3240
الحائض لأمره ﵊ لها لما ذكر إنها فاضت يوم النحر بالنفر من غير ذكر دم ولا غيره، وهو قول كافة العلماء وحكى القاضي عياض عن بعض السلف وجوب دم وهو شاذ مردود.
العاشر (١): أخذ القاضي عياض (٢) من حبسها لأجل الطواف أن الكَرِيَّ يُحبس لها إذا لم تطف طواف الإِفاضة كما قال مالك، حتى تطهير أو تمضي أيامها بأقصى ما يمسك النساء الدم والاستطهار على اختلاف قوله في هذا الأصل خلافاً للشافعي فإنه قال لا يُحبس كَرِيَّ، ولتكر جملها، أو تحمل مكانها غيرها. واستدل أصحاب الشافعي بقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" هذا كله في الأمن, ووجود ذي المحرم. وأما مع الخوف أو عدم ذي المحرم، فلا يُحبس باتفاق، إذ لا يمكن أن يسيرَ بها وحده، وتفسخ الكراء، ولا تُحبس عليها الرفقة إلَاّ أن يبقى لطهرها كاليوم (٣). واليومين قاله مالك ﵀.
وفي الحبس لأجل النفاس قولان له، ووجه المنع تكرر الحيض بخلاف الحمل.
الحادي عشر: قوله ﵊ (٤) -.
الثاني عشر: "عقرى حلقى" بفتح أولهما وإسكان ثانيها,
стр. 3241
وأخرهما ألف تأنيث مقصور تكتب بالياء من غير تنوين، وهو رواية المحدثين جميعهم، ونقله جماعة من أئمة اللغة وغيرهم وهو صحيح فصيح، وبعضهم نونها لأنه يشعر أن الموضع موضع دعاء فأجراهما مجرى سعياً ورعياً وجدعاً وما أشبه ذلك من المصادر التي يدعى بها، وهو ظاهر فإن الموضع موضع دعاء كما قلناه حتى صوبه أبو عبيد (١) قال: لأن معناها عقرها الله عقراً، ومن رواه مقصوراً رأى أن ألف التأنيث فيها نعت لادعاء، وفي معنى عقرى أقوال:
أحدها: عقرها الله أي جرحها.
ثانيها: عقر يومها.
ثالثها: جعلها عاقراً لا تلد.
وفي معنى حلقي أيضاً أقوال: حلق شعرها.
ثانيها: أن يصيبها وجع في حلقها.
ثالثها: أن يحلق يومها لشؤمها.
رابعها: أنها كلمة تقولها اليهود للحائض. حكاه القرطبي (٢) وعلى كل قول فهي كلمة كان أصلها ما ذكرناه، ثم اتسعت العرب فيها فصارت تطلقها, ولا تريد حقيقة ما وضعت أولاً، ونظيره تربت يداه، وقاتله الله ما أشجعه وما أشعره وشبه ذلك. وقد سلَّى ﵊ عائشة بقوله: "هذا شيء
стр. 3242
كتبه الله على بنات آدم"، وفيه دلالة على ميله لها وحنوه عليها، قال القرطبي: وكم بين من يؤنس ويسترضي، ومن يقال له عقرى حلقى (١).
...
стр. 3243
الحديث التاسع
٢٦٧/ ٩/ ٥٠ - عن ابن عباس ﵄، قال: أمر الناس أن يكون أخر عهدهم بالبيت، إلَاّ أنه خفف عن المرأة الحائض (١).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: الحديث حكمه حكم المرفوع على الصحيح عند المحدثين والأصوليين كما بينته في باب الآذان (٢).
الثاني: الحديث دال على وجوب طواف الوداع لظاهر الأمر، وهو الصحيح من مذهب الشافعي وخالف في ذلك مالك وابن المنذر ومجاهد في إحدى الروايتين عنه، ونقله القرطبي (٣) عن الجمهور
стр. 3244
واستدل لذلك, وكذا المازري (١) بحديث صفية حيث رخص لها في تركه لما حاضت قالا: ففهم منه أنه ليس على جهة الوجوب وهو عجيب منهما لأن عدم الوجوب في حقها خرج بالنص المذكور، ونقله ذلك عن الجمهور يعارضه أن النووي في "شرح مسلم" (٢) نقل وجوبه عن أكثر العلماء منهم الحسن البصري وحماد والحكم والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وخالف مالك أيضاً في لزوم الدم. قال القرطبي (٣): الصحيح. ثم استدل بحديث صفية السالف، وقد علمت استناد ذلك في حقها فإنه لا وجوب عليها فلا دم.
الثالث: الحديث دال أيضاً على سقوطه عن الحائض وهو مذهب الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد والعلماء كافة. وحكى ابن المنذر عن عمر وابنه، وزيد بن ثابت ﵃ وجوبه من حديث إنهم أمروها بالمقام له (٤)، قال القرطبي: وهو خلاف شاذ، وهذا الحديث مع حديث صفية السالف حجة عليهم وهو مقتضى التخفيف عنها وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس رخص للحائض أن تنفر إذا فاضت. قال: وسمعت ابن عمر يقول: إنها لا تنفر ثم سمعته بعد يقول إنه ﵊ أرخص لهن (٥).
стр. 3245
فائدة: حائض بحذف الهاء أفصح من حائضه بإثباتها.
الرابع: إنما يعتد بطواف الوداع إذا أراد الخروج بعد قضاء نسكه وجميع أشغاله. نعم لو تشاغل بعده بأسباب الخروج كشراء زاد ونحوه لم يحتاج إلى إعادته في الأصح، ولو أقيمت الصلاة فصلاها لم يعده.
فرع: الخارج إلى التنعيم لأجل العمرة لا وداع عليه عند الشافعي ومالك خلافاً للثوري، قال الفاكهي: وكذا الخارج إلى الجعرانة لأجلها فيه هذا الخلاف.
فائدة: الأقرب في الرافعي أن طواف الوداع ليس من المناسك، وإنما يؤمر به من أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر، وكذا دونها على الأصح في "شرح المهذب" (١) للنووي مكياً كان أو أفاقياً تعظيماً للحرم ويستثنى من ذلك ما ذكرنا آنفاً في الخارج للتنعيم للعمرة، وكذا للجعرانة لها، وكذا من أحرم من مكة، ثم غدا إلى الموقف فإنه مستحب في حقه كما نص عليه في البويطي وتابعه الأصحاب.
...
стр. 3246
الحديث العاشر
٢٦٨/ ١٠/ ٥٠ - عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: "استأذن العباس رسول الله ﷺ ، أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقاية العباس، فأذن له" (١).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: الاستئذان طلب الأذن كما سلف في الحديث الرابع من باب فضل الجماعة ووجوبها والتعريف بحال العباس سبق مختصراً في الحديث الخامس من كتاب الزكاة (٢).
الثاني: كانت السقاية للعباس ﵁ في الجاهلية، وكانت قبله في يد قصي بن كلاب، ثم ورثها ابنه عبد مناف، ثم ورثها ابنه عبد المطلب، ثم ورثها ابنه العباس فأقره ﷺ عليها وهي له ولعقبه إلى يوم القيامة.
стр. 3247
قال بعضهم: وفي ذلك إشارة إلى أن الخلافة تكون في ولده.
والسقايه: إعداد الماء للشاربين بمكة يذهب أهلها القائمون بها ليلاً يستقوا الماء من زمزم ويجعلوه في الحياض مسبلاً للشاربين وغيرهم.
قال الطبري: ويجعلون فيه سويقاً والمشهور أنهم ينبذون فيه التمر كما ثبت في الصحيح (١) ومشروعية هذه السقاية من باب إكرام الضيف واصطناع المعروف، قال أصحابنا: والشرب منها مستحب.
الأول: فيما يستنبط منه من الأحكام.
الثاني (٢): استئذان الكبار والعلماء فيما يطرأ من المصالح والأحكام وبدار الكبير أو العالم إلى الأذن عند ظهور المصلحة من غير توقف.
الثالث: أن المبيت ليالي منى نسك من مناسك الحج، وواجباته حيث أذن ﷺ في ترك المبيت للعباس من أجل سقايته فاقتضى ذلك الأذن لهذه العلة المخصوصة وأن الإِذن لم يتعد إلى غيرها نعم رعاة الإِبل كذلك كما سيأتي.
وقد اختلف العلماء في وجوب مبيت ليالي منى وللشافعي قولان:
стр. 3248
أحدها: أنه واجب، وبه قال مالك وأحمد، وصححه النووي (١) للاتباع.
والثاني: أنه سنة وبه قال ابن عباس والحسن وأبو حنيفة ومال إليه الرافعي فقال يشبه ترجيحه ووجوب الدم بتركه مبني على هذا الخلاف ولا يحصل المبيت إلَاّ بمعظم الليل على أظهر قولي الشافعي وله قول آخر أنه يحصل بساعة حكاه النووي في "شرح (٢) مسلم", وحكى في أصل "الروضة" (٣) بدله أن الاعتبار بوقت طلوع الفجر.
الثالث: ترك المبيت لأجل السقاية ولا يختص ذلك بالسقاية الموجودة إذ ذاك بل لو أحدثت أخرى كان للقائم بشأنها ترك المبيت، وهذا هو الصحيح.
وقال بعض الشافعية: تختص بسقاية العباس وهو جمود على الظاهر، وجمود عن المعنى.
الرابع: اختصاص السقاية بالعباس واتفق العلماء على أن الحكم لا يختص به.
واختلفوا في اختصاصها بآله بعده والأصح: عدم الاختصاص بل كل من تولى السقاية كان له هذا.
стр. 3249
وقيل: تختص ببني هاشم من آل العباس وغيرهم.
الخامس: يلحق بأهل السقاية رعاة الإِبل كما صح في حديث آخر خارج الصحيح (١) وألحق أصحابنا بها من له مال يخاف ضياعه (٢)، أو أمر يخاف فوته أو مريض يحتاج أن يتعهده.
وعند المالكية من خاف على ماله الضيعة أو نحوه يلزمه هدي.
...
стр. 3250
الحديث الحادي عشر
٢٦٨/ ١١/ ٥٠ - وعنه قال: جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع، [لكل] (١) واحدة منهما بإِقامة، ولم يسبح بينهما، ولا (٢) إثر واحدة منهما" (٣).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: هذا اللفظ الذي ذكره المصنف هو للبخاري بزيادة وإسقاط، أما الزيادة فهي لفظة "كل" بعد قول [إثر]. (٤).
وأما الإِسقاط: فهو اللام في "لكل واحدة منهما".
стр. 3251
ومسلم ذكره بألفاظ:
أحدها: أنه ﵊ صلَّى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعاً (١).
ثانيها: جمع بين المغرب والعشاء بجمع [ليس] (٢) بينهما سجدة والمراد بها الركعة.
ثالثها: أنه صلاها بإقامة بجمع.
رابعها: جمع بين المغرب والعشاء بجمع وإقامة واحدة.
الثاني: "جمع" بإسكان الميم اسم للمزدلفة، ولماذا سميت بذلك فيه أقوال:
أحدها: لاجتماع الناس بها.
ثانيها: لاجتماع آدم وحواء قاله الطبري (٣).
ثالثها: للجمع فيها بين المغرب والعشاء قاله الوقدي وجزم به صاحب المطالع.
الثالث: "معنى لم يسبح بينهما" لم يصل. نافلة ومنه الحديث
стр. 3252
"واجعلوا صلاتكم معهم سبحة" (١). أي نافلة وسميت الصلاة سبحة وتسبيحاً لما فيها من تعظيم الله تعالى وقد تقدم الكلام على هذه المادة في الحديث الأول من باب استقبال القبلة (٢).
الرابع: في أحكام الحديث وفوائده:
الأول: جواز جمع التأخير بمزدلفة وهي "جمع" لأنه ﵊ كان وقت المغرب بعرفة: [فلم يجمع بينهما بالمزدلفة] (٣) إلَاّ وقد أخر المغرب. وهذا الجمع مجمع عليه لكن اختلفوا: في سببه هل هو النسك أو السفر، وفائدة الخلاف تظهر في أن من ليس مسافراً سفراً يُجمع فيه، هل يجمع بين هاتين الصلاتين أم لا؟
فذهب أبو حنيفة إلى الأول، ومن وافقه من أصحاب الشافعي والصحيح من مذهب الشافعي ولم ينقل صريحاً أنه ﵊ كان يجمع بين الصلاتين في طول سفره ذلك، فإن كان لم يجمع في نفس الأمر فيقوي أن الجمع للنسك. لأن الحكم المتجدد عند تجدد أمر يقتضي إضافة ذلك الحكم إلى ذلك الأمر، وإن كان قد جمع: إما بأن يرد في ذلك نقل خاص، أو يؤخذ من حديث ابن عمر أنه ﵊: "كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء"، فقد تعارض في هذا الجمع سببان السفر،
стр. 3253
والنسك فيبقى النظر في ترجيح الإِضافة إلى أحدهما، على أن في الاستدلال بحديث ابن عمر على هذا الجمع نظر، من حيث إن السير لم يكن مجدّاً في ابتداء هذه الحركة، لأنه -عليه الصلاة- كان نازلاً عند دخول وقت صلاة المغرب، وأنشأ الحركة بعد ذلك, فالجد إنما يكون بعد الحركة، أما في الابتداء فلا، وقد كان يمكن أن تقام المغرب بعرفة. ولا يحصل جد السير بالنسبة إليها, ولا يتناول الحديث ما إذا كان الجد والسير موجوداً عند دخول وقتها فهذا أمر محتمل.
واختلف العلماء أيضاً فيما إذا أراد الجمع بغير مزدلفة, كما لو جمع في الطريق أو بعرفة جمع تقديم، والأحاديث الصحيحة تدل صريحاً على جوازه بعرفة والخلاف فيه هو بسبب النسك أو السفر والذين عللوا الجمع بالسفر يجيزون الجمع مطلقاً.
والذين يعللونه بالنسك قالوا: لا يجمع إلَاّ بالمكان الذي جمع فيه الشارع إقامة لوظيفة النسك على الوجه الذي فعله، وهو مذهب أبي حنيفة وغيره من الكوفيين، وذهب ابن حزم أيضاً.
وقال مالك: لا يجوز أن يصليها قبل المزدلفة إلَاّ من به أو بدابته عذر، فله أن يصليها قبلها بشرط كونه بعد مغيب الشفق وبعدم الوجوب [] (١) جماعات من الصحابة والتابعين، وقاله الأوزاعي والشافعي وأبو يوسف وأشهب و [] (٢) أصحاب الحديث.
стр. 3254
فرع: قال الشافعي والأصحاب يصلي حط الرحل بأن [] (١) كما فعل رسول الله ﷺ .
تنبيه: أطلق أكثر الأصحاب القول بتأخير هاتين الصلاتين إلى المزدلفة، وقال: جماعات يؤخرها ما لم يخف وقت الاختيار للعشاء، فإن خيف لم تؤخر بل يجمع بالناس في الطريق، ونقله صاحب "الشامل" وغيره عن نص الشافعي في "الإِملاء". قال النووي في "شرح المهذب": ولعل إطلاق الأكثرين يحمل على هذه موافقة لنص الشافعي.
الثاني: شرعية الإِقامة لكل واحدة من صلاتي الجمع، ولم يتعرض للآذان لها وثبت في صحيح من حديث جابر (٢) الطويل "إنه صلاها بأذان واحد وإقامتين"، وفي رواية له من حديث ابن عمر: "بإقامة واحدة" وقد أسلفناها، والأولى مقدمة عليها لأن مع راويه زيادة علم، ولأنه أعني بنقل حجته ﵊ وضبطها أكثر من غيره، فكانت أولى بالاعتماد والقبول.
وتحمل الرواية الثانية على أن المراد أن كل صلاة لها إقامة جمعاً بين الروايات.
ومذهب الشافعي الصحيح أنه يؤذن للأولى منهما، ويقيم لكل واحدة، وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور وعبد الملك بن الماجشون والطحاوي.
стр. 3255
وقال مالك يؤذن للثانية أيضاً وهو محكي عن عمر وابن مسعود.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: أذان وإقامة واحدة.
وقال القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر: يصلي كل واحدة بإقامة بلا أذان.
وقال النووي: يصليها جميعاً بإقامة واحدة، وحكى أيضاً عن ابن عمر.
الثالث: عدم التنفل بين الصلاتين المجموعتين، ويعبر عن ذلك بوجوب الموالاة بينهما وهو مستحب في جمع التأخير، واجب في جمع التقديم عند الشافعية، وقال ابن حبيب المالكي: له أن يتنفل بينهما، فمن أراد أن يستدل بالحديث على عموم جواز التنفل بين صلاتي الجمع فلمخالفه أن يقول: هو فعل والفعل بمجرده لا يدل على الوجوب، ويحتاج إلى ضميمة أمر آخر إليه، ومما يؤكده -أعني كلام المخالف أنه ﵊ لم يتنفل بعدهما، كما في الحديث، مع أنه لا خلاف في جواز ذلك، فيشعر ذلك بأن ترك التنفل لم يكن لما ذكر من وجوب الموالاة، وقد صح في الصحيح أنه فصل بين هاتين الصلاتين بإناخة كل إنسان بعيره في منزله، وهو يحتاج إلى مسافة من الوقت، ويدل على جواز التأخير. في جمع التأخير وهو الصحيح من مذهب الشافعي.
الرابع: عدم صلاة النفل في السفر وهو المشهور من مذهب مالك لكنها دلالة بعدم الفعل، وهي بمجردها لا تدل على عدم الاستحباب بل يدل على تأخير فعل النفل في ذلك الوقت.
стр. 3256
ومذهب الشافعي استحباب السنن الراتبة فيه.
الخامس: ثبت في "صحيح مسلم" في حديث جابر الطويل أنه لما جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة "ولم يسبح بينهما شيئاً اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر، حين تبين له الصبح"، وهذا الحديث نص في عدم إحياء تلك الليلة بالصلاة، وكذا رواية المصنف، "ولم يسبح بينهما, ولا على إثر واحدة منهما" لكن استحبه ابن حبيب المالكي والسرى في "منسكه".
***
стр. 3257
٥١ - باب المحرم يأكل من صيد الحلال
ذكر فيه ﵀ حديث أبي قتادة، والصعب بن جثّامة ﵄:
الحديث الأول
٢٦٩/ ١/ ٥١ - عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج حاجاً، فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم, فيهم أبو قتادة وقال: "خذوا ساحل البحر، حتى نلتقي" فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم، إلَاّ أبا قتادة، لم يحرم، فبينما هم يسيرون، إذ رأوا حمر وحش، فحمل أبو قتادة على الحمر, فعقر منها أتاناً، فنزلنا فأكلنا من لحمها، ثم قلنا: أنأكل لحم صيد، ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها فأدركنا رسول الله ﷺ ، فسألناه عن ذلك؟ قال: "منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟ " قالوا: لا. قال: "فكلوا ما بقي من لحمها" (١).
стр. 3258
وفي رواية: "هل معكم منه شيء"؟ فقلت: نعم. فناولته العضد. فأكلها (١).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: التعريف براويه وقد سلف في باب الاستطابة.
الثاني: في ألفاظه:
"الطائفة": تقدم الكلام عليها في باب صلاة الخوف.
"الساحل": شاطىء البحر قال ابن دريد (٢): وهو مقلوب وإنما الماء سحله.
"والبحر": يجمع على أبحر، وبحار، وبحور، وهو الماء الكثير ملحاً كان أو عذباً فممن نص على ذلك ابن سيده في "المحكم" (٣). قال: وقد غلب على الملح حتى قل في العذب وصرفوه على معنى الملوحة.
وقال القزاز: إذا اجتمع الملح والعذب سموا باسم الملح أي بحرين ومنه قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩)﴾ (٤). قال: ويسمى
стр. 3259
بذلك لسعته من قولهم تبحر الرجل في العلم أي اتسع، قال: قال أهل اللغة: وكيف تقلبت حروف (ب ح ر) دلت على الاتساع كبحر ورحب وحبر ونحو ذلك.
وقال الأزهري (١): سميت الأنهار بحارًا لأنها مشقوقة في الأرض شقًا ومنه سميت البحيرة.
وقوله: "فأحرموا كلهم إلَّا أبا قتادة" جاء في رواية لمسلم: "فأهلوا بعمرة غيري".
وقوله: "إذ رأوا حمر وحش" كذا هو ثابت في الصحيحين وفيهما أيضًا: "وإذا أنا بحمار وحشي فحملت عليه".
وقوله: "فعقر منها أتانًا" أي جرح. و"الأتان": هي الأنثى من الحمر.
و"العضد" الساعد، قال الجوهري (٢): وهو من المرفق إلى الكتف وفيه لغات: عضد -بضم الضاد وكسرها- وعضد بفتح العين وكسرها مع سكون الضاد وبضمها حكاه ابن السيد في "مثلثه" (٣) وزاد بن عديس عن ابن سيده عضد بفتح الضاد على وزن
стр. 3260
حمل حكى ذلك اللبلي.
فائدة: في الصحيح أيضًا "الرجل" بدل "العضد" وفي رواية "الذراع" رواها سعيد ويجمع بينهما بتعدد الواقعة (١).
الثالث: إن قيل كيف ترك أبو قتادة الأحرام مع كونه خرج للنسك ومر بالميقات وقد تقرر بأنه لا يجوز لمن أراد الحج والعمرة أن يجاوز الميقات غير محرم؟ وأجيب بوجوه.
أولاها: ما أشار إليه أول الحديث من أنه أرسل إلى جهة أخرى لكشف عدوٌ لهم بجهة الساحل سيعلمه فكان الالتقاء معه بعد مضي مكان الميقات (٢).
وفي صحيح ابن حبان (٣) "أنه بعثه على الصدقة" كما سيأتي.
وأضعفها: أنه لم يكن مريدًا للحج ولا للعمرة.
وأبعدها: أن المواقيت لم تكن وقتت بعد.
يليه في البعد أن أهل المدينة أرسلوه إلى النبي ﷺ ليعلمه أن بعض العرب عزم على غزو المدينة فإن في