ومذهب الشافعي استحباب السنن الراتبة فيه.
الخامس: ثبت في "صحيح مسلم" في حديث جابر الطويل أنه لما جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة "ولم يسبح بينهما شيئاً اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر، حين تبين له الصبح"، وهذا الحديث نص في عدم إحياء تلك الليلة بالصلاة، وكذا رواية المصنف، "ولم يسبح بينهما, ولا على إثر واحدة منهما" لكن استحبه ابن حبيب المالكي والسرى في "منسكه".
***
стр. 3257
٥١ - باب المحرم يأكل من صيد الحلال
ذكر فيه ﵀ حديث أبي قتادة، والصعب بن جثّامة ﵄:
الحديث الأول
٢٦٩/ ١/ ٥١ - عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج حاجاً، فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم, فيهم أبو قتادة وقال: "خذوا ساحل البحر، حتى نلتقي" فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم، إلَاّ أبا قتادة، لم يحرم، فبينما هم يسيرون، إذ رأوا حمر وحش، فحمل أبو قتادة على الحمر, فعقر منها أتاناً، فنزلنا فأكلنا من لحمها، ثم قلنا: أنأكل لحم صيد، ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها فأدركنا رسول الله ﷺ ، فسألناه عن ذلك؟ قال: "منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟ " قالوا: لا. قال: "فكلوا ما بقي من لحمها" (١).
стр. 3258
وفي رواية: "هل معكم منه شيء"؟ فقلت: نعم. فناولته العضد. فأكلها (١).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: التعريف براويه وقد سلف في باب الاستطابة.
الثاني: في ألفاظه:
"الطائفة": تقدم الكلام عليها في باب صلاة الخوف.
"الساحل": شاطىء البحر قال ابن دريد (٢): وهو مقلوب وإنما الماء سحله.
"والبحر": يجمع على أبحر، وبحار، وبحور، وهو الماء الكثير ملحاً كان أو عذباً فممن نص على ذلك ابن سيده في "المحكم" (٣). قال: وقد غلب على الملح حتى قل في العذب وصرفوه على معنى الملوحة.
وقال القزاز: إذا اجتمع الملح والعذب سموا باسم الملح أي بحرين ومنه قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩)﴾ (٤). قال: ويسمى
стр. 3259
بذلك لسعته من قولهم تبحر الرجل في العلم أي اتسع، قال: قال أهل اللغة: وكيف تقلبت حروف (ب ح ر) دلت على الاتساع كبحر ورحب وحبر ونحو ذلك.
وقال الأزهري (١): سميت الأنهار بحارًا لأنها مشقوقة في الأرض شقًا ومنه سميت البحيرة.
وقوله: "فأحرموا كلهم إلَّا أبا قتادة" جاء في رواية لمسلم: "فأهلوا بعمرة غيري".
وقوله: "إذ رأوا حمر وحش" كذا هو ثابت في الصحيحين وفيهما أيضًا: "وإذا أنا بحمار وحشي فحملت عليه".
وقوله: "فعقر منها أتانًا" أي جرح. و"الأتان": هي الأنثى من الحمر.
و"العضد" الساعد، قال الجوهري (٢): وهو من المرفق إلى الكتف وفيه لغات: عضد -بضم الضاد وكسرها- وعضد بفتح العين وكسرها مع سكون الضاد وبضمها حكاه ابن السيد في "مثلثه" (٣) وزاد بن عديس عن ابن سيده عضد بفتح الضاد على وزن
стр. 3260
حمل حكى ذلك اللبلي.
فائدة: في الصحيح أيضًا "الرجل" بدل "العضد" وفي رواية "الذراع" رواها سعيد ويجمع بينهما بتعدد الواقعة (١).
الثالث: إن قيل كيف ترك أبو قتادة الأحرام مع كونه خرج للنسك ومر بالميقات وقد تقرر بأنه لا يجوز لمن أراد الحج والعمرة أن يجاوز الميقات غير محرم؟ وأجيب بوجوه.
أولاها: ما أشار إليه أول الحديث من أنه أرسل إلى جهة أخرى لكشف عدوٌ لهم بجهة الساحل سيعلمه فكان الالتقاء معه بعد مضي مكان الميقات (٢).
وفي صحيح ابن حبان (٣) "أنه بعثه على الصدقة" كما سيأتي.
وأضعفها: أنه لم يكن مريدًا للحج ولا للعمرة.
وأبعدها: أن المواقيت لم تكن وقتت بعد.
يليه في البعد أن أهل المدينة أرسلوه إلى النبي ﷺ ليعلمه أن بعض العرب عزم على غزو المدينة فإن في
стр. 3261
الصحيح (١): "أنه كان مع رسول الله ﷺ حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم فرأى حمارًا" الحديث (٢).
стр. 3262
الرابع: هذا الخروج كان عام الحديبية (١) كما ثبت في الصحيحين وفي الصحيح أيضًا: "خرج رسول الله ﷺ حاجًا وأحرمنا
стр. 3263
معه" ومراده بالحج العمرة كما جاء في روايته الأخرى: "فأهلوا بعمرة غيري" (١) وفي الصحيح (٢) أيضاً: "أنه ﵊ حُدث أن عدوا بغيقة (٣) فتوجهنا نحوهم" وهو موضع من بلاد بني غفار بين مكة والمدينة، وقيل: هو قليب ماء (٤) لبني ثعلبة، وفيه أن أبا قتادة لحق برسول الله ﷺ بقرب تعهن (٥) وهو قائل (٦)
стр. 3264
السقيا (١) وهو عين ماء على ميل من السقيا بالقاف وهو وادي العباديد على ثلاث مراحل من المدينة [قائل] (٢) اسم فاعل من القول [أو من القائلة] (٣) أيضاً والأول هو المراد هنا.
والسقيا: اسم مفعول بفعل مضمر كأنه قال اقصدوا السقيا كذا قال القرطبي (٤) وقال: إنه من القيلولة أي وفي عزمه أنه يقيل بالسقيا، والسقيا: قرية جامعة بين مكة والمدينة بينها وبين الفرع (٥) مما يلي الجحفة سبعة عشر ميلاً. وفي الصحيح (٦) أيضاً: "خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بالقاحة فمنا المحرم ومنا غير المحرم إذا بصوت بأصحابي يتراؤن شيئاً فنظرت فإذا حمار وحشي" الحديث.
والقاحة (٧) بالقاف على الصواب ووهم من قالها بالفاء وهو واد على نحو ميل من السقيا وعلى ثلاث مراحل من المدينة، وفي هذه
стр. 3265
الرواية بيان موضع الاصطياد. فاستفده. وفي "صحيح أبي حاتم ابن حبان" (١) من حديث أبي سعيد الخدري. أنه ﵊ بعث أبا قتادة الأنصاري على الصدقة وخرج رسول الله ﷺ وأصحابه محرمون حتى نزلوا بعسفان ثثية الغزال. فإذا هم بحمر وحش ... الحديث.
(الخامس): في الحديث أحكام:
الأول: أن الإِمام وأصحابه إذا خرجوا في طاعة من حج أو غيره وعرض لهم أمر يقتضي تفريقهم فرقهم طلبًا للمصلحة فإن السنة عدم تفرق الرفقة في السفر.
الثاني: جواز اصطياد الحلال الصيد المباح وهو إجماع.
الثالث: أن عقر الصيد ذكاته.
الرابع: عدم الإِقدام على الشيء حتى يعرف حكمه.
الخامس: جواز الاجتهاد في زمنه ﷺ حيث أكلوا بعضه باجتهاد وفي "صحيح مسلم" (٢): "فأكل منه بعض أصحاب النبي ﷺ وأبى بعضهم" الحديث.
السادس: الرجوع إلى النصوص عند تعارض الأدلة بالاشتباه أو الاحتمال.
стр. 3266
السابع: أنه إذا كان للمحرم سبب في اصطياد الصيد بإشارة أو إعانة يمنع من أكله وإلَّا فلا.
الثامن: جواز هدية الحلال للمحرم من لحم الصيد.
التاسع: تحريم لحم الصيد على المحرم إذا صاده هو أو كان له في اصطياده أثر من دلالة عليه أو إعانة، وأجمع العلماء على تحريم الاصطياد عليه.
قال الشافعي وآخرون: ويحرم عليه تملك الصيد بالبيع والهبة وغيرهما وفي إرثه إياه بالإِرث خلاف والأصح عند الشافعية أنه يملك ويلزمه إرساله وفي "الحاوي الصغير" أنه يزول ملكه عقبه والصحيح في "شرح المهذب" (١) للنووي أنه لا يزول ملكه بل يلزمه إرساله حتى لو لم يفعل وباع صح بيعه.
وأما اصطياد الحلال. لنفسه من غير إعانة المحرم ولم يقصد المحرم.
فجمهور العلماء: على حل أكله للمحرم بالهدية وهو قول الشافعي ومالك وأحمد وداود فإن قصده فحرام سواء صاده بإذنه أو بغير إذنه.
وقال أبو حنيفة (٢): لا يحرم عليه لحم ما صيد له بغير إعانة منه.
стр. 3267
وقالت طائفة: لا يحل له لحم الصيد أصلاً بل هو حرام عليه مطلقاً وهو محكي عن [عمر] (١) وعلي وابن عباس وجماعة من السلف منهم الثوري وإسحاق وذكر نحوه عن مالك أيضاً والليث لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٢) قالوا: والمراد بالصيد المصيد ولرده ﵊ لحم الصيد في حديث الصعب بن جثّامة الآتي عليه، وعلله بأنه محرم دون شيء آخر من قصده ﷺ به ولا غيره وحديث أبي قتادة هذا يرد هذا القول فإنه أكله وأمر بأكله وفي رواية لمسلم (٣): "إنما هي طعمة أطعمكموها الله" وفي "سنن أبي داود" (٤) و"الترمذي" (٥) و"النسائي" (٦) وصحيحي ابن حبان (٧) والحاكم (٨) عن جابر مرفوعاً:
стр. 3268
"صيد البر لكم حلالاً ما لم تصيدوه أو يصاد لكم". قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وقال الشافعي: هو أحسن شيء روى في الباب وأقيس.
قلت: فيجب إذن الجمع بين الأحاديث وحديث جابر هذا صريح في الفرق وهو ظاهر في الدلالة للجمهور وراد للمذهبين الآخرين ويحمل حديث أبي قتادة على أنه لم يقصدهم باصطياده وحديث صعب الآتي على قصدهم به.
وتحمل الآية الكريمة: على الاصطياد وعلى لحم ما صيد للمحرم للأحاديث المبينة للمراد من الآية.
وأما قولهم في حديث الصعب: علل بأنه محرم فلا يمنع كونه صيد له لأنه إنما يحرم الصيد على الإِنسان إذا صيد بشرط أنه محرم فبين في حديث الصعب الشرط الذي يحرم به.
فرع (١): لو خالف المحرم فأكل ما حرم عليه فهل يلزمه الجزاء
стр. 3269
وهو القيمة بقدر ما أكل فيه قولان للشافعي الجديد منهما عدم اللزوم.
وقال أبو حنيفة: يلزمه جزاء آخر في صيد الإحرام ووافقنا في صيد الحرم.
وروى عن ابن القاسم: أنه إن كان عالمًا أنه صيد من أجله أو من أجل محرم سواه فالجزاء عليه وإن لم يعلم فلا شيء عليه.
وروى عن مالك في "المختصر" و"كتاب ابن المواز" و"العتبية" أنه لا جزاء على من لم يصد من أجله من المحرمين.
وقال أصبغ: لا جزاء عليه وإن صيد من أجله وإن علم كمن أكل ميتة محرمة وغير هذا خطأ (١).
العاشر: تبسط الإِنسان إلى صاحبه بطلب ما يؤكل.
الحادي عشر: تطييب قلوب الاتباع بأكل ما شكوا في حله
стр. 3270
أو كان عندهم وفيه إذا كان عنده علم من جوازه وحله وموافقتهم في الأكل وقد تقدم مثل هذا في قوله ﵊: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت" (١) إشارة إلى موافقتهم في الحلق وتطييب قلوبهم.
الثاني عشر: المبالغة في بيان الأحكام حيث قال: "هل معكم منه شيء؟ وأكل منه"، واستدل بعض المالكية على أن المدني يجوز له تأخير الإِحرام إلى الجحفة إذا كان مريدًا للحج أو للعمرة.
وحكى ابن عبد البر (٢) خلافًا عن أصحاب مالك في وجوب الدم لمجاوزته.
واستدل به بعضهم أيضًا: على أن الآمر بقتل الصيد كالقاتل نفسه وأن الدال على الخير والشر كفاعله.
قال بعض المالكية: وانظر لو دل أحد على مال رجل أو على قتله فأخذ أو قتل بجرم الدال يقاد منه كما قال أشهب في المحرم الدال على قتل الصيد.
قلت: وهذه المسألة اختلف الناس فيها.
فقال مالك والشافعي وأبو ثور: لا شيء على المحرم الدال للحلال.
وقال الكوفيون وأحمد وإسحاق وجماعة من الصحابة والتابعين: عليه الجزاء.
стр. 3271
وكذلك اختلفوا في المحرم إذا دل محرمًا آخر.
فذهب الكوفيون وأشهب إلى أن على كل واحد منهم جزاء.
وقال مالك والشافعي وأبو ثور: الجزاء على المحرم القاتل.
وكذلك الخلاف فيما لو أعانه بالرمح أو بالسوط وبأي مؤنة كانت.
قال القرطبي وقال بعض شيوخنا: ولو أشار إليه ليصيد لكان دالًا ويجري فيه الخلاف المذكور.
فائدة: روى الدارقطني (١) والبيهقي (٢) بإسناد صحيح في هذا الحديث أن أبا قتادة ذكر شأنه لرسول الله ﷺ وأنه إنما اصطاده له قال: "فأمر النبي ﷺ أصحابه فأكلوا، ولم يأكل [منه] (٣) حين أخبرته أني اصطدته [له] (٤) ". قال الدارقطني: قال أبو بكر النيسابوري (٥): قوله: "إنما اصطدته لك"، وقولهم: "لم يأكل منه" لا أعلم أحدًا ذكره في هذا الحديث غير معمر قال البيهقي: وهذه الرواية غريبة والذي في الصحيحين أنه ﵊ أكل منه، قال: وإن كان سندها صحيح.
стр. 3272
قال النووي في "شرح المهذب" (١): ويحتمل أنه جرى لأبي قتادة في تلك السفرة قضيتان للجمع بين الروايتين.
خاتمة: ترجم البخاري على هذا الحديث جزاء الصيد ونحوه (٢) وإذا رأى المحرمون صيدًا فضحكوا ففطن الحلال (٣) وساق الحديث وفيه: "فبصر أصحابي بحمار وحشي، فجعل بعضهم يضحك إلى بعض، فنظرت فرأيته، فحملت عليه" الحديث، وترجم عليه أيضًا لا يعين المحرم الحلال في قتل الصيد (٤)، ولا يشير المحرم إلى الصيد لكي يصطاده الحلال (٥).
...
стр. 3273
الحديث الثاني
٢٧٠/ ٢/ ٥١ - عن الصعب بن جثّامة الليثي أنه أهدى إلى النبي ﷺ حماراً وحشياً، وهو بالأبواء -أو بودان- (١) فلما رأى ما في وجهه، قال: "إنا لم نرده عليك إلَاّ أنا حرم" (٢).
وفي لفظ لمسلم: رجْل حمار (٣).
وفي لفظ: شق حمار (٤).
وفي لفظ: عجز حمار (٥).
قال المصنف: وجه هذا الحديث أنه ظن أنه صيد لأجله، والمحرم لا يأكل ما صيد لأجله.
стр. 3274
الكلام عليه من وجوه:
الأول: التعريف براويه هو الصعب بفتح الصاد وسكون العين المهملتين ثم باء موحدة بن جثّامة بفتح الجيم وتشديد الثاء المثلثة ثم ألف ثم ميم مخففة مفتوحة، ثم هاء تأنيث ابن قيس بن ربيعة بن عبد الله بن يعمر وهو الشدَّاخ (١) لأنه شدخ الدماء بين بني أسد وخزاعة أي أهدرها ابن عود بن كعب بن عامر بن الليث ابن بكر الحجازي المدني الليثي أخو محلم بن جثّامة.
هاجر إلى النبي ﷺ وعداده في أهل الطائف روى عن النبي ﷺ ستة عشر حديثاً اتفق البخاري ومسلم على حديث واحد وهو هذا، روى عنه ابن عباس وغيره وكان ينزل بودان من أرض الحجاز مات بالكوفة في خلافة الصديق (٢)، وقال ابن حبان في "ثقاته" (٣): مات في آخر خلافة عمر والمشهور الأول.
واسم أمه: فاختة.
الثاني: في نسبه "الليثي" -بفتح اللام المشددة والياء المثناة
стр. 3275
تحت ثم الثاء المثلثة ثم ياء النسب -نسبة إلى ليث جد من أجداده كما أسلفناه والليثي أيضاً نسبة إلى ليث بن كنانة كذا ذكره السمعاني (١)، واعترض عليه ابن الأثير (٢)، فقال: هو يرجع إلى الأول فإن ليث كنانة هو ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر.
قلت: واللَّيْثي يشتبه باللِّيني -بكسر اللام وسكون الجاء ثم نون ثم ياء النسب- نسبة إلى قرية الليِّن منها محمد بن نصر بن الحسين بن عثمان المروزي العابد الصالح روى عن وكيع وغيره مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، قال السمعاني (٣): كذا ذكره ابن ماكولا ولا أعرفه، قال: وظني أنها قرية آللين بالألف الممدودة.
قلت: ويشتبه أيضاً بأربعة أشياء أُخر ذكرتهم في مشتبه النسبة (٤).
الثالث: في ضبط. ما وقع فيه من الأمكنة:
أما الأبواء: فهو بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة والمد قرية جامعة من عمل الفرع بضم الفاء وإسكان الراء المهملة من المدينة بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً سميت بذلك
стр. 3276
لتبوء السيول بها، وقيل غيره، وبها توفيت آمنة أم رسول الله ﷺ ودفنت (١).
وأما ودان: فهو بفتح أوله ثم دال مهملة مشددة ثم ألف ثم نون غير منونة قرية جامعة من عمل الفرع بينها وبين هَرْشَي نحو من ستة أميال، وبينها وبين الأبواء نحو من ثمانية أميال قريبة من الجحفة، وهي والأبواء بين مكة والمدينة (٢)، وروى البيهقي (٣) عن عمرو بن أمية الضمري أن الصعب أهدى للنبي ﷺ عجز حمار وهو بالجحفة فأكل منه وأكل القوم وإسنادها صحيح (٤) كما سيأتي مع
стр. 3277
الجواب عنها.
الرابع: فيما يتعلق به من لغة وإعراب.
الأصل أن "أهدي" تتعدى بإلى كما في رواية المصنف، وفي رواية لمسلم تعديه بـ "اللام فتكون بمعنى "إلى" ويحتمل على ضعف أن تكون بمعنى أجل. وحقيقة الهدية: ما نقل إلى مكان الموهوب له على سبيل الإِكرام.
وقوله ﵊: "إنا لم نرده عليك إلَاّ أنا" همزة الأولى مكسورة لكونها ابتدائية، وهمزة "أن" الثانية مفتوحة لكونها تعليلية وحذفت لام التعليل منها والتقدير: لأنَّا حرمٌ أو لأجل أنَّا حرم، و"الدال" في قوله: "نردَه عليك" مفتوحة (١) عند الأكثرين، وهو المشهور عند المحدثين، وهو مخالف لمذهب المحققين من النحاة كسيبويه وغيره، فإن عندهم أنها مضمومة وذلك في كل مضاعف مجزوم، اتصل به هاء ضمير المذكر نحو "رده" ولم "يرده" أو "صبه" و"لم يَصُبَّه", وأشباه ذلك وهو متصل عندهم بأن الهاء حرف خفي، فكأن الواو التي كان حقها أن تَثبُت خطاً بعد الهاء، أُثبتت الألف بعد الهاء في "ردها"، وليت الدال وما قبل هذا بالواو لا يكون إلَاّ مضموماً.
وعبر بعضهم. أن الضم لاتباع ضم ما قبله وهذا إنما هو فيما إذا لم يتصل به ضمير المذكر.
стр. 3278
ووجه المشهور عند المحدثين مقابلة التثقيل بعذوبة الفتحة.
وفيه لغة ثالثة: كسر الدال على أصل التقاء الساكنين وأُشهِد، وأعلِمْهَا:
قال أبو ليلى لحُبْلَى مده:
حتى إذا مَدَدْتِه فَشُدِّهِ ... إن أبا ليلي نسيجَ وحدِه
وأنشدوا على الفتح:
إذا أنت لم تنفع فضرُ فإنما ... يراد الفتى كيما يضرَ وينفعُ
كذا رواه يونس بضم الراء في قوله "فضرُ" حكاه محمد بن سلاّم عنه وحكى ثعلب (١) في "فصيحه" زر القميص وزره الحركات الثلاث، قال النووي (٢): والأصح وجوب الضم في "ردهُ" ونحوه للمذكر (٣) والكسر ضعيف وأضعفها [] (٤)، وغلطوا صاحب "الفصيح" فيه لكونه أوهم فصاحته ولم ينبه على ضعفه.
стр. 3279
واحترزنا بضمير المذكر عن ضمير المؤنث، فإنه يتعين الفتح ليس إلَّا نحو "ردها ولم يردها" لما تقدم من أن الهاء حرف خفي فكأن الألف أيضًا، وليت الدال والألف لا يكون قبلها غير مفتوح.
وقوله: "حُرُمٌ" هو -بضم الحاء والراء- أي محرمون وهو جمع حرام، وقيل: إنه "كرضى" يقع على الواحد والجمع والحرام الذي يدخل الإِحرام أو الحرم، ويقال: أيضًا للمذكر والمؤنث.
وقوله: قبل هذا "فلما رأى ما في وجهه" أي من الكراهة لرد هديته. وصرح بذلك في بعض الروايات "فلما رأى ما في وجهي من الكراهة".
الخامس: في فقه الحديث وقد تقدم الكلام عليه في الحديث الذي قبله وجمعنا بينهما.
وما ذكره المصنف من قوله: "وجه هذا الحديث" إلى آخره، هو ما نقله الترمذي عن الشافعي كما عزاه، هو إليه في "عمدته الكبرى" واختصره هنا، والشافعي قاله احتمالًا كما ستعلمه.
السادس: قوله: "حمارًا وحشيًا" ظاهره أنه أهداه بجملته حيًا وعليه بوب البخاري باب إذا أهدى المحرم حمارًا وحشيًا حيًا لم يقبل. وكذا البيهقي (١): حيث قال: باب لا يقبل المحرم ما يهدى له من الصيد حيًا. وقيل: إنه تأويل مالك ﵀، وهو ما فهمه أصحابنا فإنهم احتجوا به في هدية الصيد الحي، وجعلوه حمارًا حيًا، وعلى مقتضاه: يستدل به على منع وضع المحرم يده على
стр. 3280
الصيد بطريق التملك بالهدية، ويقاس عليها ما في معناها من البيع والهبة، وهذا ترده الروايات المذكورة في الكتاب عن مسلم من قوله: "عجز" أو "شق"، أو "رجْل حمار" فإنها مصرحة بالبعض دون الجملة وبكونه مذبوحًا لا سيما رواية مسلم "عجز حمار وحش يقطر دماً"، وليت المصنف ذكرها على هذا الوجه، فإنها كذلك فيه وروايته الأخرى "من لحم حمار وحش"، فيحمل قوله "حمارًا وحشيًا" على المجاز من باب تسمية البعض باسم الكل، أو على حذف مضاف، ولا تبقى فيه دلالة على منع تملك الصيد بالهبة بل فيه دلالة على منعه من وجه آخر لأنه إذا منع ملك بعض الصيد بالهبة، فلأن يحرم ملك كله من باب أولى.
ويحتمل أن الصعب ظن أنه إنما رد الحمار عليه لمعنى يخصه بجملته، فذكاه ثم جاء بجزء منه فأعلمه بامتناعه بأنه "حرم"، وأن حكم الجزء حكم الكل.
وأعلم أن البيهقي طرق حديث الصعب، وأوضحها، قال: وابن عيينة خالف أصحاب الزهري حيث قال "لحم حمار" وهم قالوا: "حمار وحش"، قال الحميدي: وكان سفيان فيما خلا ربما قال: هذا ثم صار إلى "لحم" حتى مات، قال البيهقي (١): وانفرد الحكم بذكر اللحم وما في معناه، ثم نقل عن الشافعي أنه قال: إن كان الصعب أهداه حيًا فليس لمحرم ذبح حمار وحش حي، وإن كان أهدى الحمار فيحتمل أنه علم أنه صيد له فرده عليه [وأيضاً
стр. 3281
جاء] (١) في حديث جابر بن عبد الله يعني "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم". قال الشافعي: وحديث مالك "إن الصعب أهدى حماراً" أثبت من حديث من حدث أنه أهدى له "من لحم حمار"، قال البيهقي: وقد روى في حديث الصعب أنه أكل منه، قال: وإسناده صحيح، قال: وإن كان محفوظاً، وكأنه رد الحمار وقبل اللحم.
السابع (٢): تعليله ﵊ بقوله: "إنا حرم" يقتضي منع أكل المحرم الصيد مطلقاً. حيث علل به محرماً، والذين أباحوا أكله لا يكون مجرد الإِحرام علة عندهم بل العلة عندهم كونه صيد لأجله جمعاً بينه، وبين حديث أبي قتادة كما أسلفناه، ويقوى هذا أنه ﵊ قبل حمار البهزي (٣) وقسمه بين الرفاق، قال الأصيلي: وإنما قبله لأنه كان مكتسباً بالصيد فحمله على عادته ورد بإجابة الصعب لظنه أنه صاده من أجله.
ولمسألة أكل المحرم تعلق بقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٤)، وهل المراد بالصيد نفس الاصطياد، أو المصيد؟
стр. 3282
فيه ما أسلفناه في الحديث قبله, ولكن تعليله ﵊ بأنه حرم قد يكون إشارة إليه (١).
الثامن: يؤخذ من الحديث أحكام.
الأول: جواز الهدية وقبولها إذا لم يكن مانع يقتضي ردها، والهدية مباحة له ﷺ بخلاف الصدقة.
الثاني: منع وضع اليد على الصيد المحرم بطريق التملك كما أسلفناه.
الثالث: الاعتذار إلى المهدي إذا لم تقبل هديته فيطيب قلبه بتعيين العذر، قال أبو علي (٢) النيسابوري: هذا أصح حديث في الاعتذار.
الرابع: جواز الاصطياد لغير المحرم.
стр. 3283
الخامس: حل أكل حمار الوحش لغير المحرم وحله للمحرم إذا صاده الحلال، ولم يكن للمحرم في صيده إعانة ولا سبب.
السادس: مراعاة جانب الشرع، وتقديمه على جانب الخلق وحظوظ النفس.
السابع: تعيين الأحكام الشرعية، وإيضاحها.
الثامن: تحريم أجزاء الصيد على المحرم: رجله، وشقه، وجانبه، وعجزه، وغيرهما والحمد ﷺ رب العالمين.
اننهى الجزء السادس ويليه الجزء السابع
كتاب البيوع
***
стр. 3284
الإِعلامُ بفوائِد عُمدة الأَحْكام
للإِمَام الحَافظ العَلّامَة
أبي حَفص عُمْر بْن عَليٍّ بْن أَحْمد الأَنْصَاريِّ الشَّافِعيِّ
المعروف بابن الملقن
(٧٢٣ - ٨٠٤) هـ
تقديم
فضيلة الشيخ
صالح بن فوزان الفوزان
عضو هَيئة كبَار العُلمَاء وعضو اللجنة الدائمة للافتاء
فضيلة الشيخ
بكر بن عبد الله أبو زيد
عضو هَيئة كبَار العُلمَاء وعضو اللجَنة الدائمة للافتَاء
حقّقهُ وضَبط نصَّه وعزا آياته وخرّج أحاديثه وَوثّق نقوله وعَلّق عَليه
عبد العزيز بن أحمد بن محمّد المشيقح
غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين
الجزء السَّابع
كتاب البيوع
(٢٧١ - ٣١١) حَديث
دَارُ العَاصَمة
للنَشْرِ وَالتوزيع
стр. 3285
كتاب البيوع
стр. 3286
٥٢ - باب البيوع (١)
هو جمع بيع، وجمع لاختلاف أنواعه، ويستعمل بمعنى الشراء أيضاً، وشريت أيضاً يستعمل لمعنيين، وكل واحد مبيع وبائع، لأن الثمن والمثمن كل واحد منهما مبيع.
ويقال: بعته وأبتعته فهو مبيع ومبيوع (٢)، والمحذوف من مبيع الواو لزيادتها، إذ عين الكلمة [فالأول] (٣) للخليل (٤)، والثاني: للأخفش (٥).
стр. 3287
قال المازني (١): كلاهما حسن، والثاني, أقيس.
وبيع الشيء: بالكسر والضمّ بالإِشمام وبوع لغة فيه، وكذا القول في كيل (٢).
وحكى الزجاج عن أبي عبيدة: أباع بمعنى باع وهو غريب شاذ.
والبيع في اللغة: مقابلة شيء بشيء.
وفي الشرع: مقابلة مال بمال ونحوه مقابلة ملك بعوض وهو والنكاح عقدان يتعلق بهما قوام عالم الإِنسي لاحتياجه إلى الغذاء والغشيان.
وذكر المصنف ﵀ في الباب حديث ابن عمر، وحديث حكيم بن حزام:
...
стр. 3288
الحديث الأول
٢٧١/ ١/ ٥٢ - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عهما- عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً. أو يخير أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع" (١).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: هذا الحديث أخرجه البخاري (٢) بهذا اللفظ بزيادة بعد: "فقد وجب البيع"، "وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وجب البيع". وقد ذكره بهذه الزيادة المصنف في "عمدته الكبرى"، وترجم عليه البخاري (٣)، "باب: إذا خير أحدهما
стр. 3289
صاجه بعد البيع فقد وجب البيع". وفي رواية له (١): "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه اختر"، وربما قال: "أو يكون بيع خيار"، وترجم عليها "باب: إذا لم يوقت في الخيار هل يجوز البيع أم لا". وذكره بألفاظ أخر وترجم عليه أبواباً.
ورواه مسلم: بألفاظ منها لفظ المصنف بزيادة بعد قوله (٢): "أو يخير أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر" إلى آخره بالزيادة إلى ذكرها من عند البخاري أيضاً ومنها (٣):
"إذا تبايع المتبايعان بالبيع فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا، أو قال: يكون بيعهما عن خيار. فإذا كان بيعهما عن خيار، فقد وجب البيع".
الثاني: معنى قوله: "أو يخير أحدهما الآخر" أن يقول له اختر إمضاء البيع، فإذا اختار امضاءه وجب البيع -أي لزم، وانبرم- فإن خَير أحدهما الآخر فسكت لم ينقطع خيار الساكت وفي انقطاع خيار القائل وجهان لأصحابنا.
أصحهما: الانقطاع لظاهر الحديث.
الثالث: الحديث دال على ثبوت خيار المجلس لكل واحد من المتبايعين بعد انعقاد البيع حتى يتفرقا من ذلك المجلس بأبدانهما، وبه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من
стр. 3290
الفقهاء والمحدثين وغيرهم، وهو قول البخاري (١) والشافعي وأحمد وابن حبيب من المالكية.
ونفاه مالك (٢) وأبو حنيفة (٣) ...................
وربيعة (١). وحكى عن النخعي (٢) وهو رواية عن الثوري (٣) والأحاديث الصحيحة ترد عليهم وليس لهم عنها جواب صحيح.
فمن اعتذاراتهم: أنه حديث خالفه راويه فإن مالكاً رواه ولم يقل به. وروى البيهقي (٤) عن ابن عيينة أنه حدث الكوفيين بحديث ابن عمر هذا فحدثوا به أبا حنيفة، فقال أبو حنيفة: ليس هذا بشيء،
стр. 3293
أرأيت إن كانا في سفينة. قال ابن المديني: إن الله سائله عما قال (١).
ومنها: أنه خبر واحد فيما تعم به البلوى.
ومنها: أنه يخالف القياس الجلي والأصول القياسية المقطوع بها.
ومنها: أنه معارض لإِجماع أهل المدينة وعملهم.
ومنها: أنه حديث منسوخ.
ومنها: أنه محمول على خيار الشرط أو صار إلحاق الزيادة بالثمن والمثمن.
стр. 3294
ومنها: حمل المتبايعين على المتساومين وكل هذه اعتذارات عجيبة، وقد قررها الشيخ تقي (١) الدين في "شرحه"، وذكر الجواب عنها.
وقد أغلظ ابن أبي ذئب على مالك لما بلغه مخالفة الحديث بعبارات مشهورة حتى قال: يستتاب مالك (٢) من ذلك فأين إجماع أهل المدينة؟ وقد قال به أيضاً من أهل المدينة سعيد بن المسيب والزهري. وهذا عبد الله بن عمر رأس المفتين في وقته بالمدينة كان يرى به أيضاً، "وكان إذا اشترى شيئاً يعجبه فارق صاحبه" ورواية البيهقي (٣) من حديث عبد الله بن عمر، كما رواه عنه نافع آخر
стр. 3295
الحديث (١)، وتفسير الراوي مقدم على تفسير غيره، ويعضده "حتى يتفرقا من مكانهما" (٢)، وهي صريحة في أن المراد بالتفرق هو التفرق من المكان لا التفرق بالأقوال، وهو لفظ البيع وفي "سنن أبي داود" (٣)، و"جامع الترمذي" (٤)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، إلَاّ أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله"، قال الترمذي: حديث حسن.
قال المصنف: في "عمدته الكبرى" فلو كانت الفرقة بالكلام ولم يكن خيار بعد البيع لم يكن لهذا الحديث معنى حيث قال: "ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله"، وكذا جعل الترمذي في "جامعه" (٥) هذا الحديث دليلاً لإِثبات خيار المجلس، واحتج به على المخالف لأن معناه أن يختار الفسخ فعبر بالإِقالة عن الفسخ. لأنها فسخ وما سلف عن أبي حنيفة من قوله: "أرأيت إن كانا في سفينة"