[فاحترزوا "بالمتاع" التي تعم الحاجة إليه عما إذا كان الاحتياج إليه نادراً فإنه لا يحرم] (١).
واحترزوا بقولهم: "فيقول البلدي" عما إذا التمس البدوي منه بيعه تدريجاً فإنه لا يحرم، وهل يشترط أن يظهر بيع ذلك المتاع بيعه في البلد حتى لو لم يظهر لقلته أو لكبر البلد أو لعموم وجوده ورخص السعر لا يحرم، فيه وجهان أوفقهما:
لإِطلاق الخبر كما قال الرافعي أنه لا يشترط بل يحرم.
ووجه مقابله انتفاء المعنى وهو الإِضرار وتفويت الربح أو الرزق على الناس، وهذا النهي لمراعاة أهل البلد، واحتمل فيه غبن [البادي] (٢) ومنع من تلقيه نظراً للمصلحة العامة.
فائدة: اعلم أن أكثر هذه الأحكام تدور بين اتباع اللفظ واعتبار
стр. 3327
المعنى؛ قال الشيخ تقي الدين (١): وينبغي أن ينظر في المعنى إلى ظهوره وخفائه، فإن ظهر ظهوراً كثيراً فلا بأس باتباعه، وتخصيص الحديث به، أو تعْميمه على قواعد القيَّاسيين. وإن خفي ولم يظهر ظهوراً قوياً. فاتباع اللفظ أولى.
فأما ما ذكر من اشتراط: "أن يلتمس [البدوي] (٢) ذلك": فلا يقوى لعدم دلالة اللفظ عليه، وعدم ظهور المعنى فيه. فإن الضرر المذكور الذي علل به النهي لا يفترق الحال فيه بين سؤال البلدي وعدمه ظاهراً.
وأما اشتراط: "دعاء الحاجة إلى الطعام" فمتوسط في الظهور وعدمه. لاحتمال أن يراعى مجرد ربح الناس في هذا الحكم على ما أشعر به التعليل من قوله ﵊: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" (٣).
وأما اشتراط: "أن يظهر لذلك المتاع المجلوب سعة في البلد"، فكذلك أيضاً، هو متوسط في الظهور، لما ذكرناه من احتمال أن يكون المقصود مجرد تفويت الربح أو الرزق على أهل البلد.
وهذه الشروط منها: ما يقوم الدليل الشرعي عليه، كشرطنا العلم بالنهي. ولا إشكال فيه.
стр. 3328
ومنها: ما يوجد باستنباط المعنى. فيخرج على قاعدة أصولية: وهي أن النص [إذا] (١) استنبط منه معنى يعود عليه بالتخصيص، هل يصح أم لا؟ ويظهر لك هذا باعتبار ما ذكرناه من الشروط.
تنبيهات:
أحدها: هذا النهي محمول عند مالك على أهل العمود ممن لا يعرف الأسعار، ولفظ "البادي" صريح فيه، وأما من يقرب من المدينة ويعرف السعر فلا يدخل في ذلك (٢).
وعندهم قول آخر: أنه عام في كل بدوي طارٍ على [كل] (٣) بلد وإن كان من أهل الحضر، حكاه القاضي، وقال: إنه قول أصبغ، وكأنه تأول التنبيه بالبدوي على الطارىء والجاهل، ومفهوم العلة في الحديث تقوية قوله ﵊: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض".
وعمم ابن المواز المالكي النهي أيضاً، وقال: لا يبع مدني لمصريًّ، ولا عكسه.
وحمله المازري (٤)، على المدني الجاهل بالأسعار الذي يمكن غبنه وينفع أهل المدينة بوروده عليهم مع كونه غالباً يربح فيما أتى به.
стр. 3329
ثانيها: قال المازري (١):
اختلف عندنا في الشراء هل يمتنع كما امتنع البيع له؟ فقيل: هو بخلاف البيع لأنه إذا صار الثمن في يديه أشبه أهل الحضر فيما يشترونه فيجوز أن يشتري له الحاضر، فإن وقع البيع على الصفة التي نهى عنها، ففي فسخه خلاف.
قلت: وهذه المسألة لا نقل فيها عندنا وتردد فيها ابن الرفعة في "مطلبه"، نعم اختار البخاري (٢) في "صحيحه" المنع، وقال: "باب: لا يشتري حاضر لباد بالسمسرة" قال: وكرهه ابن سيرين وإبراهيم للبائع والمشتري، قال: وقال إبراهيم: [إن] (٣) العرب تقول: بع لي ثوباً، وهي تعني الشراء (٤) ثم روى الحديث مختصراً.
ثالثها: ذهب أبو حنيفة وعطاء ومن قال بقولهم كما حكاه القاضي عنهم إلى أن الحديث معمول به [] (٥) وأن ذلك مباح.
ثم اختلفوا في تأويل الحديث وعلة رده.
فخصه بعضهم: بزمنه ﵊ بخلاف اليوم،
стр. 3330
وظاهر قول هؤلاء: أنه منسوخ (١).
ورده بعضهم: بحديث النصيحة (٢) لكل مسلم وإليه أشار البخاري (٣) حيث قال: "باب: هل يبيع حاضر لباد بغير أجر؟ هل يعينه أو ينصحه؟ وقال النبي ﷺ : "إذا استنصح أحدكم أخاه [فلينصح له] (٤) قال: ورخص فيه عطاء ثم ذكر فيه حديث جرير والنصح لكل مسلم ثم ذكر الحديث من طريق ابن عباس مرفوعاً: "لا تلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد" قال ابن عباس: "لا يكون له سمساراً".
وقيل: كان هذا النهي عن تربص الحاضر بسلعة البادي والزيادة في السوق لا أن يبيعوه بسعر يومه لأن البادي غير مقيم فيبيع بسعر يومه فيرتفق بذلك الناس فإذا قال الحضري: أنا أتربص لك بها وأبيعها لك حرم الناس ذلك الرفق.
وقيل: إنما ذلك في البلاد الضيقة التي يستبين فيها
стр. 3331
[الضرر] (١) وغلاء السعر إذا لم يبيع الجالب متاعه فأما البلاد الواسعة التي لا يظهر الضرر فيها فلا بأس.
وقيل: ذلك على الندب ليس على الوجوب وهو دعوى وكذا ما سلف.
ثم اختلف من أوجب إذا وقع فعند الشافعي وابن وهب وسحنون: [عصى] (٢).
وعند ابن القاسم: يفسخ ما لم يفت.
رابعها: إذا استشار البدوي البلدي في ادخاره وبيعه على التدريج فهل يرشده؟ وجهان لأصحابنا قال أبو الطيب ابن سلمة (٣)، وأبو إسحق (٤)، نعم. بذلاً للنصيحة (٥).
стр. 3332
وقال أبو حفص بن الوكيل (١): لا. توسيعاً على الناس.
[الوجه الرابع] (٢): قوله ﵊: "ولا تصُروا الغنم" هو -بضم التاء وفتح الصاد المهملة ومد الراء بواو وألف- على مثال "لا تزكوا" ونصب لفظ "الغنم" هذا هو الصحيح تقييداً ولغةً وروى في غير مسلم "بفتح التاء وضم الصاد" من الصّر ورواه بعضهم: "بضم التاء من غير واو الجمع بعد الراء ورفع الغنم" على ما لم يسم فاعله من الصّر أيضاً وهذا لا يصح رفعه مع اتصال ضمير الفاعل وإنما يصح مع إفراد الفعل (٣)، كما قال الشيخ تقي الدين (٤)، قال: ولا نعلم رواية حذف فيها الضمير.
والتصرية: مأخوذة من الجمع تقول صريت الماء في الحوض إذا جمعته فالمعنى: لا تجمعوا اللبن في ضرعها عند إرادة بيعها حتى يعظم ضرعها فيظن المشتري أن كثرة لبنها عادة مستمرة.
وعبارة الشافعي (٥): التصرية ربط أخلافها اليومين والثلاثة لجمع لبنها.
стр. 3333
وقال أبو عبيدة (١). هو من صرّي اللبن في ضرعها إذا حبسه وأصلها حبس الماء، قال: ولو كانت من الربط لكانت مصرورة أو مصررة.
قال الخطابي (٢). وقول أبي عبيدة حسن، وقول الشافعي صحيح. والعرب تَصُرُّ الحلوبات، ويسمى ذلك الرباط: صراراً. واستشهد بقول العرب: [العبد] (٣) لا يحسن الكَرَّ، وإنما يحسن الحلب والصّرَ، قال: ويحتمل أن تكون المصراة، أصلها: مصرورة فأُبدل من إحدى الراءين [ألفاً] (٤) كقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ (٥) أي دسَّها كرهو [اجتماع] (٦) ثلاثة أحرف وإن كانت في الصورة [حرفين] (٧) لكون الحرف المشدد عندهم بحرفين في اللفظ. إذا تقرر ذلك فيتعلق بالتصرية مسائل:
الأولى: لا خلاف أن التصرية حرام لأجل الغش والخديعة التي فيها للمشتري، والنهي يدل عليه مع علم تحريم الخديعة قطعاً من الشرع، قال المتولي: وهي حرام وإن لم يقصد البيع لأنه يضر بالحيوان. قال المازري (٨): والتصرية أصل في تحريم الغش وفي
стр. 3334
الرد بالعيب وقد كان شيخنا أبو محمد بن عبد الحميد يجعلها أصلاً في [أن] (١) النهي إذا كان لحق الخلق لا يوجب فساد البيع، لأن الأمة أجمعت على تحريم الغش في البيع، ووقع النهي عنه هنا ثم خيّره (٢) بعد ذلك بين الرد والإِمساك، والفاسد لا يصح التماسك به.
الثانية: النهي ورد عن فعل المكلف، وهو ما يصدر باختياره وتعمده، ورتب عليه الحكم المذكور. فلو تَحفَلَت بنفسها، أو نسيها المالك بعد أن صرّاها, لا لأجل الخديعة، هل يثبت ذلك الحكم؟
فيه خلاف للشافعي. فمن نظر إلى العيب أثبته، لأن العيب مثبت للخيار، ولا يشترط فيه تدليس البائع.
ومن نظر إلى أن الحكم المذكور خارج عن القياس خصه بمورده، وهو حالة العمد فإن النهي إنما يتناولها فقط. وصحح البغوي في "تهذيبه" (٣) فيما إذا تحفلت بنفسها ثبوت الخيار وقطع الغزالي بعدمه وتبعه "صاحب الحاوي الصغير" لحصول التدليس، والمسألة الثانية لم نرها إلَاّ في كلام الشيخ تقي الدين (٤). ووقع لابن الرفعة في إيرادها عنه نكتة لطيفة ذكرتها في "شرح الحاوي" فراجعها
стр. 3335
منه، وحكى الفاكهي الخلاف المذكور عن الشافعية فيما إذا كان الضرع مملوءاً لحماً وظنه المشتري لبناً، ولم أقف على ذلك عندنا ونقل عن مذهبهم عدم ثبوت الخيار [به] (١).
الثالثة: رواية المصنف ذكر فيها "الغنم" [فقط] (٢) وفي الصحيحين (٣) "الإِبل، والبقر" ملحقة بهما، لأن في "سنن أبي داود" (٤) "من ابتاع محفلة" وهل يتعدى الحكم إلى غير هذه الثلاثة، فيه وجهان لأصحابنا:
أحدهما: لا. جموداً على ما ذكر في الحديث , ولأن لبن غيرها لا يقصد إلَاّ نادراً.
وأصحهما: نعم. فيعم كل مأكول والجارية والأتان نظراً إلى المعنى ولرواية أبي داود المذكورة ولأن كثرة اللبن في الأم مقصود
стр. 3336
لتربية الولد، ولا يرد مع الجارية والأتان شيء على الأصح؛ أما في الجارية فلأن لبنها لا يعتاض عنه غالباً، وأما في الأتان فلنجاسته.
قال الشيخ تقي الدين: ومن هذا يتبين لك أن الأتان لا يقاس على المنصوص عليه في الحديث، لأن شرط القياس: اتحاد الحكم فينبغي أن يكون إثبات الخيار فيها من القياس على قاعدة أخرى وكذا الجارية.
الرابع: قوله ﵊: "بعد أن يحلبها" هو مطلق في الحلبات لكن [قد] (١) تقيد في الرواية الأخرى في الكتاب "يختار ثلاثة أيام" سواء حلبها مرة أو مرات.
واتفقت المالكية: على أنه إذا حلبها مرة ثانية أن له الرد، إن أراده.
واختلفوا في حلبها الثالثة: هل يكون رضي يمنع الرد أم لا يمنع الرد؟
ورجحوا أنه لا يمنع لإِطلاق الحديث، ولأن التصرية لا تتحقق إلَاّ بثلاث حلبات. لجواز أن يكون نقص الحلبة الثانية لاختلاف المرعى، أو لأمر غير التصرية ولا يتحقق إلَاّ بعد الحلبة الثالثة، وإذا كانت لفظة "حلبها" مطلقة فلا دلالة لها على الثانية والثالثة. وإنما يؤخذ ذلك من حديث آخر.
الخامس: إن قلت كيف خص ﵊ الخيار بعد الحلب وهو ثابت قبله إذا علمت التصرية؟
стр. 3337
فالجواب: أنه خرج على الغالب كما ستعلمه.
السادس: قوله ﵊: "وإن سخطها ردها" يقتضي إثبات الخيار بعد التصرية.
واختلف أصحاب الشافعي هل هو على الفور أم يمتد ثلاثة أيام؟ على وجهين:
أصحهما: عندهم الأول قياساً على خيار الرد بالعيب، ويتأولون الحديث بأنه محمول على الغالب إذ التصرية لا تظهر فيما دون الثلاث غالباً لاحتمال إحالة النقصان على اختلاف العلف كما سبق، أو تأذى الحيوان أو غيرهما.
وصحح الثاني: جماعة كثيرة منهم اتباعاً للنص وهو الحق، وقد نص [على] (١) الشافعي في "الإِملاء" كما أفاده الروياني. وفي "اختلاف العراقيين" كما أفاده القاضي أبو الطيب.
قال الشيخ تقي الدين: وهو الصواب لوجهين:
أحدهما: تقديمه على القياس.
ثانيهما. أنه خولف القياس في أصل الحكم، لأجل النص. فيطرد ذلك، ويتبع في جميع موارده.
تنبيه: "الواو" في قوله: "أو صاعاً من تمر" يجوز أن تكون عاطفة للصاع على الضمير في ردها،
стр. 3338
ويجوز أن تكون "واو" "مع" قاله الفاكهي وبنى على أن الأول لا يقتضي فورية الصالح مع الرد بخلاف الثاني.
السابع (١): يقتضي الحديث رد شيء معها عندما يختار ردها، وهو صاع، -وقد تقدم بيانه في كتاب الزكاة- وفي كلام بعض المالكية: ما يدل على خلافه، من حيث أن الخراج بـ "الضمان"، ومعناه: أن الغلة لمن استوفاها بعقد أو شبهته، تكون له بضمانه، فاللبن المحلوب إذا فات غَلّةِ. فلتكن للمشتري. ولا يرد له بدلاً.
والصواب: الرد، للحديث إذ هو خاص لمعنى أن اللبن يعطى المبيع وليس من الغلة الحاصلة، في يد المشتري، بل كان موجوداً عند البائع وفي حال العقد ووقع العقد عليه وعلى الشاة جميعاً، فهما مبيعان بثمن واحد، وتعذر رد اللبن لاختلاطه بما حدث في ملك المشتري فوجب رد عوضه، ثم لو سلم أن اللبن غلة لكان الخراج بالضمان عاماً والخاص يقضي عليه.
الثامن (٢): الحديث يقتضي رد الصاع مع الشاة بصريحه. ويلزم منه عدم رد اللبن. سواء كان باقياً أو تالفاً، والشافعية قالوا: إن كان اللبن باقياً ولم يتغير فأراد رده على البائع هل يلزمه قبوله؟
وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه أقرب إلى مستحقه.
وأصحها: لا؛ لذهاب طراوته، واتباع الحديث أولى في تعيين
стр. 3339
الرد [فيما] (١) نص عليه. وزادت المالكية على هذا فقالوا: لو رضى البائع باللبن هل يجوز له ذلك؟ فيه قولان.
ووجهوا المنع: بأنه بيع للطعام قبل قبضه من حيث أنه وجب له الصاع بمقتضى الحديث، وكأنه باعه باللبن قبل قبضه وهو ممتنع. ووجهوا الجواز: بأنه بدل ليس بيعاً بناء على عادتهم في اتباع المعاني، دون اعتبار الألفاظ.
[التاسع] (٢): الحديث يقتضي تعيين جنس المردود في الثمن فمنهم من ذهب إلى ذلك وهو الصواب للنص عليه، وقد قال ﵊ أيضاً: "وصاعاً من تمر لا سمراء" وهي البر. رواه مسلم (٣).
ومنهم من عداه: إلى غالب قوت البلد والحديث راد عليهم خصوصاً إن كانت السمراء غالب قوت أهل المدينة.
وأغرب من هذا أن بعض الشافعية قال: لا يتعين القوت بل يقوم غيره مقامه حتى لو عدل إلى مثل اللبن أو قيمته عند إعواز المثل [اجبر] (٤) البائع على قبوله كسائر المتلفات.
فرع: حلب غير المصراة ثم اطلع على عيب بها فمنصوص الشافعي ﵁ جواز الرد مجاناً لأنه قليل غير معتنى بجمعه بخلاف المصراة.
стр. 3340
[وقيل: يرد بدل اللبن، كالمصراة] (١)، قال ابن الرفعة. وهو أظهر.
قال الماوردي (٢): قيمته.
وقال البغوي (٣): يرد صاعاً من تمر، وجزم ابن أبي عصرون (٤) بأنه لا يردها لتلف بعض المبيع، والمسألة مبسوطة في الفروع.
واختلفت المالكية فيما إذا رضى بعيب التصرية ثم رد بعيب آخر غيرها.
فقال محمد: لا يرد عوض [ما حلب] (٥) ورأى [قصر] (٦) الحديث على ما ورد، وذكر عن أشهب: أنه يرد الصاع، ومال إليه بعض المتأخرين منهم.
[العاشرة] (٧): الحديث دال على تعيين المقدار في الصاع
стр. 3341
مطلقاً سواء قل اللبن أو كثر , وهو الأصح عند الشافعي.
ومنهم من قال: إنه [يتقدر] (١) بقدر اللبن اتباعاً لقياس الغرامات وهو ضعيف، وحديث أبي داود (٢) "مثله أو مثليّ لبنها قمحاً" ليس إسناده [بذلك] (٣)، وإن لم يضعفه هو.
واختلف المالكية: إذا كانت الغنم التي صرت كثيرة هل يرد بجميعها صاعاً واحداً أو لكل شاة صاعاً.
قال المازري (٤): [والأصوب] (٥) أن يكون حكم الكثير منها غير الواحد إذ من المستبشع في القول أن يغرم متلف [لبن] (٦) ألف شاة كما يغرم متلف لبن شاة واحدة.
فإن احتج بأنه ﵊ ساوى بين لبن الشاة و [لبن] (٧) الناقة مع أن الناقة أكثر.
قلنا: قد قال بعض أهل العلم إنما ذلك لأنه ﵊ أراد أن يكون ذلك حدّاً يرجع إليه ليرتفع الخصام، واعترض
стр. 3342
الفاكهي: بأنه لم لا يكون جودة لبن الشاة وإن قل مقابلاً لكثرة لبن الناقة فيكونان كالمتساويين من حيث المعنى.
وأجاب: بأنه يعارضه اختلاف الإِبل أنفسها بكثرة الحلب وقلته.
الحادية عشرة: لم يقل أبو حنيفة بهذا الحديث وروى عن مالك قول أيضاً بعدم القول به، والذي أوجب ذلك: أن قيل إنه حديث مخالف لقياس الأصول المعلومة. وما كان كذلك لم يلزم العمل به.
أما الأول: وهو أنه مخالف لقياس الأصول المعلومة فمن وجوه:
الأول: أن المعلوم من الأصول: أن ضمان [المثليات] (١) بالمثل. وضمان المتَقَوَّمات بالقيمة من النقدين. وههنا إن كان اللبن مثلياً كان ينبغي ضمانه بمثله لبناً، وإن كان متقوماً ضمن بمثله من النقدين، وقد وقع ههنا مضموناً بالتمر. فهو خارج عن [الأصليين] (٢) جميعاً.
الثاني: أن القواعد الكلية تقتضي تقدير ضمان المضمون بقدر التالف.
والمضمون هنا مختلف بقدر الضمان بمقدار واحد. وهو
стр. 3343
الصاع مطلقاً. فخرج عن القياس الكلي من اختلاف ضمان المتلفات باختلاف قدرها وصفتها.
الثالث: أن اللبن التالف إن كان موجوداً عند العقد فقد ذهب جزء من المعقود عليه من أصل الخلقة، وذلك مانع من الرد، كما لو ذهب بعض أعضاء المبيع، ثم ظهر على عيب، فإنه يمتنع الرد، وإن كان حادثاً بعد الشراء فقد حدث على ملك المشتري. فلا يضمنه، وإن كان مختلطاً بما كان منه موجوداً عند العقد منع الرد، وما كان حادثاً بعده لم يجب [ضمانه] (١).
الرابع: إثبات الخيار ثلاثاً من غير شرط مخالف للأصول فإن الخيار الثابت بأصل الشرع لا يتقدر بالثلاث، كخيار العيب، وخيار الرؤية عند من يثبته، وخيار المجلس عند من يقول به.
الخامس: يلزم من القول بظاهره الجمع بين الثمن والمثمن للبائع في بعض الصور، وهو ما إذا كانت قيمة الشاة صاعاً من تمر، فإنها ترجع إليه مع الصاع الذي هو مقدار ثمنها.
السادس: أنه مخالف لقاعدة الربا في بعض الصور، [و] (٢) هو ما إذا اشترى شاة بصاع فإذا استرد معها صاع تمر، فقد استرجع الصاع الذي هو الثمن، [فيكون قد باع شاة مع صاع بصاع] (٣) وذلك خلاف قاعدة الربا عندكم [فإنكم] (٤) تمنعون مثل ذلك.
стр. 3344
السابع: إذا كان اللبن باقياً لم يكلف رده عندكم فإذا أمسكه فالحكم كما لو تلف فيرد الصاع، وفي ذلك ضمان الأعيان مع بقائها والأعيان لا تضمن بالبدل إلَاّ مع فواتها كالمغصوب وسائر المضمونات.
الثامن: قال بعضهم: إنه أثبت الرد من غير عيب ولا شرط. فإن نقصان اللبن لو كان عيباً لثبت به الرد من غير تَصْرِية، ولا يثبت الرد في الشرع إلَاّ بعيب أو شرط.
وأما المقام الثاني: -وهو أن ما كان من أخبار الآحاد مخالفاً لقياس الأصول المعلومة: لم يجب العمل به- فلأن الأصول المعلومة مقطوع بها من الشرع, وخبر الواحد مظنون، والمظنون لا يعارض المعلوم.
أجاب القائلون: بظاهر الحديث: بالطعن في المقامين جميعاً، أعني أنه مخالف للأصول، وأنه إذا خالف الأصول لم يجب العمل به.
أما [(١)] الأول: -وهو أنه مخالف للأصول- فقد فرق بعضهم بين مخالفة الأصول، ومخالفة قياس الأصول. وخص الرد بخبر الواحد بالمخالفة في الأصول، لا بمخالفة قياس الأصول. وهذا الخبر إنما يخالف قياس الأصول (٢). وفي هذا نظر. وسلك
стр. 3345
آخرون [تخريج] (١) جميع هذه الاعتراضات والجواب عنها.
أما الاعتراض الأول: فلا نسلم أن جميع الأصول تقتضي الضمان بأحد الأمرين على ما ذكرتموه فإن الحر يضمن بالإِبل، وليست بمثل له ولا قيمة، والجنين يضمن بالغُرّة وليست بمثل له ولا قيمة، وأيضاً فقد يضمن المثل بالقيمة إذا تعذرت [المماثلة] (٢) وهنا تعذرت.
أما الأول: فمن أتلف شاة لبوناً كان عليه قيمتها مع اللبن. ولا يجعل بإزاء لبنها لبناً آخر، لتعذر المماثلة.
وأما الثاني: -وهو أنه تعذرت المماثلة ههنا- فلأن ما يرده مع اللبن عوضاً عن اللبن التالف لا تتحقق مماثلته له في المقدار لجواز أن يكون حال رده وعند العقد أكثر من اللبن الموجود أو أقل.
وأما الاعتراض الثاني فقيل في جوابه: أن بعض الأصول لا تتقدر بما ذكرتموه، كالموضحة فإن أرْشها مقدر، مع اختلافها
стр. 3346
بالكبر والصغر، والجنين مقدر أرشه ولا يختلف بالذكورة والأنوثة واختلاف الصفات، والحرُّ ديته مقدرة وإن اختلف في الكبر والصغر وسائر الصفات، والحكمة فيه أن ما يقع فيه التنازع والتشاجر بقصد قطع النزاع فيه بتقدير شيء معين. وتُقدّم هذه المصلحة في مثل هذا المكان على تلك القاعدة.
وأما الاعتراض الثالث، فجوابه أن يقال: متى يمتنع الرد بالنقص؟ إذا كان لاستعلام العيب؛ [و] (١) إذا لم يكن الأول ممنوع، والثاني مسلم. وهذا النقص لاستعلام العيب، فلا يمنع الرد.
وأما الاعتراض الرابع: فإنما يكون الشيء مخالفاً لغيره إذا كان مماثلاً له وخولف في حكمه.
وهذه الصورة هنا انفردت عن غيرها، [لأن] (٢) الغالب أن هذه المدة [هي التي يتبين بها أن اللبن المجتمع بأصل الخلقة جبلة] (٣) واللبن المجتمع بالتدليس. [فهي] (٤) مدة يتوقف [علم] (٥) العيب عليها غالباً، بخلاف خيار الرؤية والعيب فإنه يحصل المقصود من غير هذه المدة فيها، وخيار المجلس ليس [للاستعلام] (٦).
стр. 3347
وأما الخامس فقد قيل فيه: أن الخبر وارد على العادة، والعادة أن لا تباع شاة بصاع. وفيه ضعف.
وقيل: إن صاع التمر بدل عن اللبن لا عن الشاة: فلا يلزم الجمع بين العوض والمعوض.
وأما السادس فقد قيل في الجواب عنه: إن الربا إنما يعتبر في العقود لا في الفسوخ بدليل أنهما لو تبايعا ذهباً بفضة لم يجز أن يفترقا قبل القبض ولو تقابلا في هذا العقد لجاز أن يفترقا قبل القبض.
وأما السابع فقيل في جوابه: أن اللبن الذي كان في الضرع حال العقد يتعذر رده لاختلاطه باللبن الحادث بعد العقد، وأحدهما للبائع، والآخر للمشتري.
وتعذر الرد لا يمنع من الضمان مع بقاء العين كما لو غصب عبداً فأبق، فإنه يضمن قيمته مع بقاء عينه، لتعذر الرد.
وأما الثامن فقيل فيه: إن الخيار يثبت بالتدليس كما لو باع رحاً دائرة بماء قد جمعه لها ولم يعلم به المشتري بل قد يقال أن ها هنا شرطاً معنوياً وهو أن المشتري رأى ضرعاً مملوءاً فظن أن ذلك عادتها فكانه اشترط له ذلك من حيث المعنى فجاء الأمر بخلافه فوجب الرد لفقدان الشرط المعنوي فإنه كاللفظ.
وأما المقام الثاني: -وهو النزاع في تقديم قياس الأصول على خبر الواحد- فقيل فيه: إن خبر الواحد أصل بنفسه، يجب اعتباره لأن الذي أوجب اعتبار الأصول نص صاحب الشرع عليها، وهو
стр. 3348
موجود في خبر الواحد، فيجب اعتباره. وأما تقديم القياس على الأصول باعتبار القطع، وكون خبر الواحد مظنوناً، فتناول الأصل لمحل خبر الواحد غير [المقطوع] (١) به، لجواز استثناء محل الخبر [عن] (٢) ذلك الأصل.
قال الشيخ تقي الدين (٣): وعندي أن التمسك بهذا الكلام أقوى من التمسك بالاعتذارت، ومن الناس من سلك طريقة أخرى في الاعتذار عن هذا الحديث، وهي ادعاء النسخ وأنه يجوز أن يكون ذلك حيث كانت العقوبة بالمال جائزة (٤)، وهو ضعيف، فإنه إثبات نسخ بالاحتمال والتقدير، وهو غير سائغ.
стр. 3349
ومنهم من قال: يحمل الحديث على ما إذا اشترى شاة بشرط أنها تحلب خمسة أرطال مثلاً وشرط الخيار، فالشرط فاسد، فإن اتفقا على إسقاطه في مدة الخيار صح العقد، وإلَاّ بطل وأما رد الصاع، فلأنه كان قيمة اللبن في ذلك الوقت.
وأجيب عنه: بأن الحديث يقتضي تعليق الحكم بالتصرية، وما ذكر يقتضى تعليقه بفساد الشرط، سواء [وجدت] (١) التصرية أم لا.
ثم اعلم بعد ذلك أن الصحيح الذي قال به فقهاء المحدثين العمل بالحديث وهو الموافق للسنة وممن قال به الشافعي والليث وابن أبي ليلى وأبو ثور وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة والسنة إذا وردت لا يعترض عليها بالمعقول. ومن الحكايات الصحيحة (٢) في هذا الباب ما أنبأنا به عن أبي الفضل أحمد بن عساكر عن أبي المظفر عبد الرحيم السمعاني عن والده الحافظ عبد الكريم عن أبي المعمر المبارك الأزجي عن أبي القاسم [يوسف] (٣) بن علي الزنجاني عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، قال سمعت القاضي أبي الطيب الطبري قال: كنا في حلقة الذكر بجامع المنصور فجاء شاب خراساني فسأل عن مسألة المصراة فطالب بالدليل فاحتج المستدل بحدبث أبي هريرة الوارد فيها، فقال الشاب: وكان حنفياً أبو هريرة غير مقبول الحديث، قال القاضي: فما إن استتم كلامه حتى سقطت عليه حية عظيمة من سقف الجامع فوثب الناس من
стр. 3350
أجلها وهرب الشاب من يديها وهي تتبعه فقيل له تب تب، فقال: تبت فغابت الحية فلم ير لها أثراً وهذا إسناد جليل صحيح رواته كلهم ثقات.
الوجه الثامن: من الكلام على الحديث يستنبط منه تحريم التدليس وأنه موجب للخيار، وإن كان بتحسين المبيع الذي يؤدي إلى الخدع والغرر وإقامة الفعل مقام النطق في مثل هذا كما إذا سوّد شعر الجارية [الشابة] (١) أو جعّد شعر السبطة ونحو ذلك.
والأصح عند الشافعية أنه إذا لطخ ثوب العبد بالمداد ليخيل به كتابته أنه لا خيار به لتقصير المشتري بعدم الامتحان والسؤال.
وقيل: نعم للتلبيس والتدليس، وهو محكى عن المالكية.
الوجه التاسع: في أحكام الحديث ملخصة.
الأول: تحريم تلقي الركبان وقد سلف شرطه.
الثاني: تحريم البيع على بيع أخيه وقد سلف شرطه أيضاً.
الثالث: تحريم النجش.
الرابع: تحريم (٢) الحاضر للبادي وقد تقدم شرطه أيضاً.
الخامس: تحريم التصرية.
السادس: ثبوت الخيار بها.
السابع: ثبوت الرد بها بعد حلبها إن اختاره المشتري.
стр. 3351
الثامن: أن البدل عن اللبن مقدر من الشرع بصاع تمر مطلقاً كما سلف.
التاسع: امتداد خيار الرد بالتصرية ثلاثة أيام وقد سلف ما فيه.
العاشر: رواية الخيار ثلاثاً جعلها أبو حنيفة والشافعي أصلاً في ضرب أجل الخيار وأنه لا زيادة فيه على هذه المدة.
وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد بن الحسن: قليل الخيار وكثيره جائز.
ومالك لا يرى للخيار أصلاً محدود لا يتعدى بل قدر ما يتخير فيه المشتري؛ ويختلف ذلك باختلافه؛ فليس اختيار الثوب كاختيار العبد وسكنى الدار.
وبيع الخيار عند المالكية [جائز] (١) ضرب له أجلاً أم لا، ويضرب الحاكم للبيع من الأجل قدر ما يتخير فيه مثلاً، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في إبطاله إذا لم يضرب له أجل وهو رخصة خارجة عن الأصل للضرورة الداعية للبحث عن المشتري ويقضي معرفته وأخذ رأي من [يريد] (٢) مشورته فيه.
الحادي عشر: فيه أيضاً أن العقد المنهى عنه المحرم إذا كان لأجل الآدمي لم يدل على الفساد ولا يفسخ العقد ألا ترى أن التصرية غش محرم ثم إنه ﵊ لم يفسخ العقد ولكن جعل الخيار للمشتري.
стр. 3352
الثاني عشر: فيه أيضاً أن بيع الخيار موضوع لتمام البيع واستقراره لا للفسخ، وهو أحد القولين، [عند المالكية] (١).
وقيل: إنه موضوع للفسخ.
قال القرطبي في "مفهمه" (٢): والأول أولى لقوله ﵊: "إن رضيها أمسكها"، والإِمساك: إنما هو استدامة التمسك لما قد ثبت وجوده كما قال ﵊ لغيلان: "أمسك أربعاً وفارق سائرهن" (٣) أي [استدم] (٤) حكم العقود السابقة.
...
стр. 3353
الحديث الثالث
٢٧٥/ ٣/ ٥٣ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ : "نهى عن بيع حبل الحبلة" وكان بيعاً يتبايعه أهل الجاهلية، وكان الرجل يبتاع الجزور إلى أن ننتج الناقة ثم تنتج [الذي] (١) في بطنها (٢).
стр. 3354
قيل: إنه كان يبيع الشارف -وهي الكبيرة المسنة- بنتاج الجنين الذي في بطن ناقته.
الكلام عليه من وجوه:
الأول: حبل الحَبَلَة: -بفتح الباء فيهما- وروى بعضهم حبْل بإسكانها وهو غلط.
والحبلة: هنا جمع حابل، كظالم وظَلَمة، قال الأخفش: يقال حبلت المرأة فهي حابل والجمع نسوة حبلة، وقال [ابن] (١) الأنباري (٢): الهاء في الحبلة للمبالغة ووافقه بعضهم.
واتفق أهل اللغة: على أن الحبل مختص بالآدميات، ويقال: في غيرهن الحمل، يقال: حملت المرأة ولداً وحبلت بولد، وحملت الشاة بسخلة، ولا يقال حبلت، قال أبو عبيد (٣): لا يقال لشيء من الحيوان حبلى إلَاّ ما جاء في هذا الحديث.
стр. 3355
الثاني: [اختلف العلماء] (١) في المراد بالنهي عن بيع حبل الحبلة، فقال جماعة: هو البيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة ويلد ولدها، وهذا التفسير ثابت في الصحيحين عن ابن عمر وبه قال مالك والشافعي ومن تابعهم.
وقال آخرون: هو بيع ولد ولد الناقة الحابل في الحال، وهو تفسير أبي عبيدة معمر بن المثنى وصاحبه [أبي] (٢) عبيد القاسم بن سلَاّم (٣) وآخرين من أهل اللغة، وبه قال أحمد وإسحق وهو أقرب إلى اللغة (٤) لكن تفسير الراوي مقدم على تفسير غيره عند الشافعي ومحققي الأصوليين إذا لم يخالف الظاهر لأنه أعرف (٥)، وفيه قول ثالث حكاه القاضي (٦) ثم القرطبي (٧) عن المبرد أنه قال: حبل الحبلة عندي حمل الكرمَةِ قبل أن تبلغ، والحبلة: الكرمة (٨) بسكون
стр. 3356
الباء وفتحها ولم يذكر القرطبي التفسير الذي قبله بل اقتصر على هذا وعلى الأول وما قاله المبرد هو عين نهيه ﵊ عن بيع الثمار حتى يبدوا صلاحها وسيأتي.
واعلم أن في الصحيح في تفسير ابن عمر بحبل الحبلة "ثم تنتج الذي في بطنها" كما ذكره المصنف ورأيت في نسخة صحيحة من البخاري "التي" (١) بدل "الذي" وفيه عنه أيضاً "ثم تحمل الذي نتجت".
الثالث: هذا البيع كانت الجاهلية تبتاعه -كما ذكره في الحديث- فأبطله الشارع للمفسدة المتعلقة به لأنه بيع إلى أجل مجهول على التفسير الأول (٢) ولانتفاء الملك وغيره من شروط البيع على التفسير الثاني (٣)، وكذا على التفسير الذي ذكره المصنف، وكان السر فيه أنه يفضي إلى أكل المال بالباطل، والتشاجر والتنازع المنافي للمصلحة الكلية.
стр. 3357
الرابع: على التفسير الأول يصير هذا أصلاً في النهي عن البيع بثمن إلى أجل مجهول كالبيع إلى عطاء السلطان حقوق المرتزقة لأنه يتقدم أو يتأخر. نعم إن كان وقته معلوماً جاز.
قال المازري (١): واختلف في المذهب عندنا في البيع إلى العطاء فمن أجازه رآه معلوماً في العادة، ومن أباه رآه يختلف في العادة.
الخامس: الجزور: -بفتح الجيم- من الإِبل يقع على الذكر والأنثى، وهي مؤنثة، والجمع الجزر قاله الجوهري، وقد سلف الكلام عليها أيضاً في الحديث الأول من باب التمتع.
والنتاج: الولادة، يقال: نُتِجَت الناقة على ما لم يسم فاعله تُنْتَجُ نَتَاجاً، وقد نَتَجها أهلها نتجاً، وأنتجت الفرس إذا حان نتاجها، وقال يعقوب: إذا استبان حملها وكذلك الناقة فهي نَتُوجٌ، ولا يقال مُنْتِجٌ، وأتت الناقة على منتجها أي الوقت الذي تنتج فيه، وهو مفعل -بكسر العين-، ويقال: للشاتين إذا كانتا بسناً واحدة نتيجة، وغنم فلان نتائج أي في سن واحدة، قاله الجوهري (٢).
...
стр. 3358
الحديث الرابع
٢٧٦/ ٤/ ٥٣ - وعنه أن رسول الله ﷺ : "نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، [نهي] (١) البائع والمشتري" (٢).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: معنى: "يبدو" يظهر، وهو بفتح الواو غير مهموز، ويقال: بدا إذا ظهر -من غير همز- وبدأ في الشيء إذا شرع فيه -بالهمزة-، قال النووي (٣): ومما ينبغي أن تتنبه له أنه يقع في كثير من كتب المحدثين وغيرهم: "حتى يبدوا" -بالألف في الخط- وهو خطأ، والصواب: حذفها في مثل هذا للناصب. وإنما اختلفوا في إثباتها إذا لم يكن ناصب، مثل: زيد يبدوا، والاختيار
стр. 3359
حذفها أيضاً , ويقع مثله: "حتى يزهو" وصوابه: حذف الألف كما ذكرنا. واعترض الفاكهي، فقال: تخصيصه "يبدوا" أو "تزهوا" [بمفردهما] (١) عجيب، فإن ذلك يقع كثيراً في غيرهما في كتب المحدثين وغيرهم نحو يغزو، ويلهو، وأشباههما.
قلت: لا عجيب مما ذكره فتأمله، قَالَ: وقَولُه: "والصواب حذفها للنَّاصِب" أعْجب (٢) من الذي قبله، إذ ليس في العربية ألف يحذفها الناصب، وإنما يحذف الناصب النون من الأمثلة الخمسة لا غير، قال: ثم إن قوله: "والصواب حذفها للناصب" ليشعر بأنها كانت موجودة قبل دخول الناصب، وليس الأمر كذلك قطعاً.
وقوله: "إن إثباتها في ذلك خطأ" ليس متفقاً عليه، بل اختيار الكسائي لحاق هذه الألف في حال النصب فرقاً بين الاتصال والانفصال، قال ابن عصفور: فيكتب عنده أن يغزوا زيد عمر -بالألف بعد الواو- ولن يغزوك -بغير ألف- لانفصال الفعل من الظاهر في المسألة الأولى، واتصاله بالضمير في الثانية، كما كتبوا: ضربوا زيداً -بالألف بعد الواو- ولم يثبتوا الألف في ضربوك، فكان اللائق به أن يقول لا يجوز إثباتها عند الجمهور ونحو ذلك.
وقوله: "وإنما اختلفوا في إثباتها إذا لم يكن ناصب" ليس كذلك كما تقدم آنفاً من كلام الكسائي ومن قال بقوله، قال: "فكان عدم هذا التنبيه خيراً من وجوده هذا كلامه ولا يخلوا من تحامل".
стр. 3360
الثاني: قوله: "حتى يبدو صلاحها" فسيأتي تفسيره في الحديث الخامس (١): "حتى يحمر" وفي رواية، "قيل: وما تزهوا؟ قال: تحمار أو تصفار" وضبط بعض أصحابنا: بدو الصلاح: بظهور مبادىء النضج والحلاوة فيما لا يتلون، وفي غيره بأن يأخذ في الحمرة والسواد، وهو حد بدخوله كما بينته في كتب الفروع فإنه محله.
الثالث: قوله: "نهى البائع والمشتري" هو تأكيد للمنع وإيذاناً بأن المنع وإن كان احتياطاً لحق الإِنسان فليس له تركه مع ارتكاب النهي فيقول: أسقطت حقي من الاحتياط ليس فإن الاحتياط هنا لمصلحة مشتري الثمار، وهي قبل بدو الصلاح معرضة للآفات والعاهات فإذا حصل عليها شيء منها أجحف به ولهذا ورد في الحديث الآتي: "أرأيت إذا منع الله الثمرة بِمَ يستحل أحدكم [مال] (٢) أخيه؟ "، فلذلك وقع المنع منه للبائع والمشتري لأجل منع الشرع وكأنه لقطع النزاع والتخاصم.
وعبارة النووي في شرحه (٣): "أما البائع فلأنه يريد أكل المال بالباطل، وأما المشتري فلأنه يوافقه على حرام، ولأنه يضيع ماله وقد نهينا عن إضاعة المال".
الرابع: أكثر الأمة على أن النهي المذكور للتحريم وحمله أبو حنيفة على التنزيه، وبناه على أصله في رد أخبار الآحاد
стр. 3361
بالقياس. وأخرج الفقهاء من عمومه بيعاً بشرط [القطع] (١) اعتباراً للمعنى الذي لأجله نهى عن بيعها قبل بدو الصلاح، فإنها قبله معرضة للآفات والعاهات، فإذا بدأ صلاحها أَمنت العاهة فيها غالباً وقل غررها وكثر الانتفاع بها لأكل الناس إياها رطباً فلا يقصدون بشرائها الغرر، فإذا اشتريت على القطع لم يكن بذلك بأس لزوال الغرر بالقطع، وهذا إجماع إلَاّ ما شذ مما روي عن ابن أبي ليلى والثوري على ما حكاه القرطبي (٢) عنهما.
قال أصحابنا: ولو شرط [القطع] (٣) أو [ثم] (٤) لم يقطع فالبيع صحيح ويلزمه البائع بالقطع فإن تراضيا على إبقائه جاز وإن باعها بشرط التبقية فالبيع باطل بالإِجماع، لأنه ربما تلفت قبل إدراكها كما أسلفناه فيكون البائع قد أكل مال أخيه بالباطل.
واختلف العلماء في بيعها مطلقاً من غير شرط قطع ولا إبقاء.
فذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء: إلى المنع منه استدلالاً بعموم هذا الحديث وإطلاقه [فإنه] (٥) إذا خرج [من] (٦) العموم بيعها بشرط القطع دخل باقي الصور التي من جملتها الإِطلاق.
стр. 3362
وقال ابن القاسم: إن جذها مكانه فالبيع جائز.
وقال ابن القصار: البيع فاسد حتى يشترط الجذاذ، وبه قال القاضي عبد الوهاب والأبْهري، قال اللخمي: وقول ابن القاسم أحسن عند عدم العادة لأن محل البياعات على التقابض في الثمن والمثمن.
قال ابن الجلاب: فإن شرط قطعها فبقّاها مشتريها ضمن مكيلتا [] (١) إن كانت معلومة أو قيمتها إن كانت مجهولة.
قال [الفاكهي] (٢): وإنما قال ذلك لأنهما ينهيان أن يكونا دخل على التبقية، ومالك ينظر إلى فعلهما لا إلى قولهما، -وعندهم حكاية قولين: الجواز، وعدمه فيما إذا اشترطا وقف البيع حتى ينظر هل تسلم الثمرة فيمضي البيع أو لا؟ (٣).
[الرابع] (٤): مفهوم الحديث أنه إذا بدأ صلاحها صح بيعها وهو كذلك فيجوز بيعها مطلقاً، وبشرط القطع وبشرط الإِبقاء ثم إذا بيعت بشرط الإِبقاء ومطلقاً لزم البائع تبقيتها إلى أوان الجذاذ لأن ذلك هو العادة فيها، وبه قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجب شرط القطع، وشذ ابن حبيب فقال: هي على الجد حتى يشترط البقاء.
стр. 3363
فرع: ذهب مالك والكوفيون وأكثر العلماء إلى جواز بيع السنبل المشتد.
وفصلت الشافعية فقالوا: إن كان السنبل شعيراً أو ذرة أو ما في معناهما مما يرى حباته [جاز بيعه.
وإن كان حنطة ونحوها: مما يستتر] (١) حباته بالقشور التي تزال في الدارس فقولان: أصحهما، وهو الجديد: لا يصح.
وأما قبل الاشتداد: فلا يصح بيع الزرع إلَاّ بشرط القطع، وإذا باعه قبل اشتداده مع الأرض بلا شرط جاز تبعاً للأرض وكذا التمر قبل الصلاح إذا بيع مع الشجر بلا شرط تبعاً.
[وكذا] (٢) حكم البقول في الأرض: لا يجوز بيعها في الأرض، إلَاّ بشرط القطع.
وكذا لا يصح بيع البطيخ ونحوه: قبل بدو صلاحه.
...
стр. 3364
الحديث الخامس
٢٧٧/ ٥/ ٥٣ - عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ : "نهى عن بيع الثمار حتى تُزهى"، قيل: وما تُزهى؟ قال (١): "تحمر"، قال: "أرأيت إذا منع الله الثمرة، بِمَ يستحل أحدكم مال أخيه؟ " (٢).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: هذا الحديث رواه البخاري بهذا اللفظ إلَاّ أنه قال: "يأخذ" بدل "يستحل" وترجم عليه، "باب: إذا باع الثمار قبل بدو الصلاح ثم أصابته عاهة فهو من البائع" (٣)، وفي رواية له: "نهى أن
стр. 3365
تباع ثمرة النخل حتى تزهو" يعني حتى تحمر، وترجم عليها: "بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها" (١)، وفي رواية له: "نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها"، وفي رواية له: "وعن النخل حتى يزهو قيل: وما تزهو؟ قال: يحمار أو يصفار"، وترجم عليها: "بيع النخل قبل أن يبدو صلاحها" (٢)، وفي رواية له: "نهى عن بيع ثمر التمر حتى يزهو". فقلنا لأنس: ما زهوها؟ قال: تحمر وتصفر. أرأيت إن منع [الله] (٣) الثمرة بِم تستحل مال أخيك؟ " (٤) ذكرها في "باب: بيع المخاطرة" (٥).
ورواه مسلم بألفاظ: أحدها: نهى عن بيع ثمر النخل حتى تزهو. فقلنا لأنس: وما زهوها؟ قال: تحمر وتصفر. أرأيت إن منع الله الثمرة بِم تستحل مال أخيك؟ (٦).
ثانيها: نهى عن بيع الثمرة حتى تُزهى، قالوا: وما تُزهى؟ قال: تحمر. فقال: إذا منع الله الثمرة بِم تستحل مال [أخيك"؟ (٧)] (٨).