بالقياس. وأخرج الفقهاء من عمومه بيعاً بشرط [القطع] (١) اعتباراً للمعنى الذي لأجله نهى عن بيعها قبل بدو الصلاح، فإنها قبله معرضة للآفات والعاهات، فإذا بدأ صلاحها أَمنت العاهة فيها غالباً وقل غررها وكثر الانتفاع بها لأكل الناس إياها رطباً فلا يقصدون بشرائها الغرر، فإذا اشتريت على القطع لم يكن بذلك بأس لزوال الغرر بالقطع، وهذا إجماع إلَاّ ما شذ مما روي عن ابن أبي ليلى والثوري على ما حكاه القرطبي (٢) عنهما.
قال أصحابنا: ولو شرط [القطع] (٣) أو [ثم] (٤) لم يقطع فالبيع صحيح ويلزمه البائع بالقطع فإن تراضيا على إبقائه جاز وإن باعها بشرط التبقية فالبيع باطل بالإِجماع، لأنه ربما تلفت قبل إدراكها كما أسلفناه فيكون البائع قد أكل مال أخيه بالباطل.
واختلف العلماء في بيعها مطلقاً من غير شرط قطع ولا إبقاء.
فذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء: إلى المنع منه استدلالاً بعموم هذا الحديث وإطلاقه [فإنه] (٥) إذا خرج [من] (٦) العموم بيعها بشرط القطع دخل باقي الصور التي من جملتها الإِطلاق.
стр. 3362
وقال ابن القاسم: إن جذها مكانه فالبيع جائز.
وقال ابن القصار: البيع فاسد حتى يشترط الجذاذ، وبه قال القاضي عبد الوهاب والأبْهري، قال اللخمي: وقول ابن القاسم أحسن عند عدم العادة لأن محل البياعات على التقابض في الثمن والمثمن.
قال ابن الجلاب: فإن شرط قطعها فبقّاها مشتريها ضمن مكيلتا [] (١) إن كانت معلومة أو قيمتها إن كانت مجهولة.
قال [الفاكهي] (٢): وإنما قال ذلك لأنهما ينهيان أن يكونا دخل على التبقية، ومالك ينظر إلى فعلهما لا إلى قولهما، -وعندهم حكاية قولين: الجواز، وعدمه فيما إذا اشترطا وقف البيع حتى ينظر هل تسلم الثمرة فيمضي البيع أو لا؟ (٣).
[الرابع] (٤): مفهوم الحديث أنه إذا بدأ صلاحها صح بيعها وهو كذلك فيجوز بيعها مطلقاً، وبشرط القطع وبشرط الإِبقاء ثم إذا بيعت بشرط الإِبقاء ومطلقاً لزم البائع تبقيتها إلى أوان الجذاذ لأن ذلك هو العادة فيها، وبه قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجب شرط القطع، وشذ ابن حبيب فقال: هي على الجد حتى يشترط البقاء.
стр. 3363
فرع: ذهب مالك والكوفيون وأكثر العلماء إلى جواز بيع السنبل المشتد.
وفصلت الشافعية فقالوا: إن كان السنبل شعيراً أو ذرة أو ما في معناهما مما يرى حباته [جاز بيعه.
وإن كان حنطة ونحوها: مما يستتر] (١) حباته بالقشور التي تزال في الدارس فقولان: أصحهما، وهو الجديد: لا يصح.
وأما قبل الاشتداد: فلا يصح بيع الزرع إلَاّ بشرط القطع، وإذا باعه قبل اشتداده مع الأرض بلا شرط جاز تبعاً للأرض وكذا التمر قبل الصلاح إذا بيع مع الشجر بلا شرط تبعاً.
[وكذا] (٢) حكم البقول في الأرض: لا يجوز بيعها في الأرض، إلَاّ بشرط القطع.
وكذا لا يصح بيع البطيخ ونحوه: قبل بدو صلاحه.
...
стр. 3364
الحديث الخامس
٢٧٧/ ٥/ ٥٣ - عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ : "نهى عن بيع الثمار حتى تُزهى"، قيل: وما تُزهى؟ قال (١): "تحمر"، قال: "أرأيت إذا منع الله الثمرة، بِمَ يستحل أحدكم مال أخيه؟ " (٢).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: هذا الحديث رواه البخاري بهذا اللفظ إلَاّ أنه قال: "يأخذ" بدل "يستحل" وترجم عليه، "باب: إذا باع الثمار قبل بدو الصلاح ثم أصابته عاهة فهو من البائع" (٣)، وفي رواية له: "نهى أن
стр. 3365
تباع ثمرة النخل حتى تزهو" يعني حتى تحمر، وترجم عليها: "بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها" (١)، وفي رواية له: "نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها"، وفي رواية له: "وعن النخل حتى يزهو قيل: وما تزهو؟ قال: يحمار أو يصفار"، وترجم عليها: "بيع النخل قبل أن يبدو صلاحها" (٢)، وفي رواية له: "نهى عن بيع ثمر التمر حتى يزهو". فقلنا لأنس: ما زهوها؟ قال: تحمر وتصفر. أرأيت إن منع [الله] (٣) الثمرة بِم تستحل مال أخيك؟ " (٤) ذكرها في "باب: بيع المخاطرة" (٥).
ورواه مسلم بألفاظ: أحدها: نهى عن بيع ثمر النخل حتى تزهو. فقلنا لأنس: وما زهوها؟ قال: تحمر وتصفر. أرأيت إن منع الله الثمرة بِم تستحل مال أخيك؟ (٦).
ثانيها: نهى عن بيع الثمرة حتى تُزهى، قالوا: وما تُزهى؟ قال: تحمر. فقال: إذا منع الله الثمرة بِم تستحل مال [أخيك"؟ (٧)] (٨).
стр. 3366
ثالثها: "إن لم يثمرها الله فبم يستحل أحدكم مال أخيه" (١).
الثاني: قوله: "أرأيت" إلى آخره قال عبد الحق في "جمعه بين الصحيحين" ليس بموصول عنه في كل طريق.
قلت: هذا أمر اختلف فيه قديماً، فالصواب: كما قاله الدارقطني وغيره أنه من قول أنس كما ذكره عبد الحق، قال أبو زرعة: الداروردي، ومالك بن أنس [يرويانه] (٢) مرفوعاً والناس يروونه موقوفاً من كلام أنس. ووقع في كلام الشيخ تقي الدين الجزم برفعه وتبعه ابن العطار وليس بجيد (٣).
стр. 3367
الثالث: قوله: "حتى تُزهى"، قال ابن الأعرابي (١): يقال زها النخل يزهوا إذا ظهرت ثمرته، وأزها يزهى إذا احمر أو اصفر، وقال الأصمعي (٢): لا يقال في النخل أزهى، إنما يقال يزهى. وحكاهما أبو زيد لغتين، وقال الخليل: أزهى النخل بدأ صلاحه.
وقال الخطابي (٣): يروى "حتى تزهو"، والصواب: في العربية حتى "تزهى" بضم التاء لا غير أي لأن الأصل حتى تزهو لأنه
стр. 3368
من الزهو فكان لقلب الواو ياء موجبان: وقوعها رابعة وكسر ما قبلها، فهو كبدعي ويعزى وأشباهها إذا عديت بهمزة النقل، فلما قلبت الواو ياء صار تزهى.
قلت: وما صوَّبه الخطابي فهو مروي أيضاً في الحديث، وعليه اقتصر المصنف وعلى أن بعضهم أنكر ما صوبه.
قال ابن الأثير: منهم من أنكر يزهى كما أن منهم من أنكر تزهو (١).
والصواب: تخريج الروايتين على اللغتين، زهت تزهو، وأزهت تزهي، فمن نقل حجة على من لم ينقل إذا كان ثقة.
قال الخطابي (٢): والإِزهاء في [الثمر] (٣) أن يحمر أو يصفر، وذلك علامة الصلاح فيها، ودليل خلاصها من الآفة.
وقال الجوهري (٤): "الزَّهْوُ" -بفتح الزاي وأهل الحجاز يقولون بضمها- وهو البسر الملون. يقال: إذا ظهرت الحمرة أو الصفرة في النخل فقد ظهر فيه "الزُّهْوُ"، وقد "زَهَا" النخل "زهواً"، وأزْهَى لغة. وقال الشيخ تقي الدين (٥): "الإِزهاء" تغير لون الثمرة [إلى] (٦) حالة الطيب، ولم يذكر في هذه اللفظة غير ذلك.
стр. 3369
الرابع: قوله "حتى تحمر" (١) كذا اقتصر [عليه] (٢) المصنف وقد أسلفت لك في رواية أخرى "وتصفر"، وفي أخرى: "تحمار أو تصفار"، ونقل القاضي عن الخطابي (٣): أنه لم يرد بقوله: "يحمار ويصفار" اللون الخالص [وإنما أراد لون خالص] (٤) في كمودة، ولذلك قال: "تحمار وتصفار"، ولو أراد اللون الخالص لقال: "تحمر وتصفر".
قلت: قد قاله في الرواية الأخرى.
الخامس: قوله: "بم" تكتب هكذا بغير ألف فإن "ما" الاستفهامية إذا كانت مخصوصة بالإِضافة كقولهم: "تجيء وجيت" ومثل: "هأنت" أو بحرف الجر كقوله تعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ (٥)، و ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٦)، حذفت ألفها وهذا بخلاف "ما" الخبرية (٧) كقولك: "رغبت فيما رغبت فيه"، و"جئت لما جئت إليه" [] (٨). فإنها لا تحذف.
والفرق: أن ما كثر استعماله التمس تخفيفه، و"ما" الاستفهامية أكثر من الخبرية.
стр. 3370
وأيضاً: "فما" الاستفهامية اسم تام [غير] (١) مفتقر إلى صلة ولا صفة.
و"ما" الخبرية موصولة، والموصول والصلة كالشيء الواحد، فلو حذفت ألف الخبرية لوقع الجر فيه حشو الكلمة، ومحل الحذف إنما هو الظرف وليس كذلك التامة إذ لا صلة لها فوقع الحذف فيها طرفاً لا حشواً.
السادس: في هذه الرواية إشارة إلى ما تقدم من كون الثمار قبل بدو صلاحها عرضة للآفات والعاهات وهي قوله: " [أرأيت] (٢) إن منع الله [الثمرة] (٣) " إلى آخره. ووقع في شرح الشيخ تقي الدين (٤): عند ذكر حديث أنس هذا سبق قلم عن الكاتب فإن فيه: "مثل هذا في المعنى حديث أنس الذي بعده", وصوابه: "مثل هذا في المعنى حديث ابن عمر الذي قبله، فتنبه له".
السابع: فيه أيضاً دلالة على منع بيع الثمرة قبل الإِزهاء وقد تقدم الكلام عليه واضحاً في الحديث قبله (٥).
الثامن: فيه أيضاً دلالة على أنه يكتفي بمسمى الإِزهاء
стр. 3371
وابتدائه، من غير اشتراط [تكماله] (١)، لأنه جعل مسمى الإِزهاء غاية للنهي، وبأوله يحصل المسمى، ويحتمل أن يستدل به على العكس، لأن الثمرة المبيعة قبل الإِزهاء -أعني ما لم يُزْه من الحائط- إذا دخل تحت اسم الثمرة، فيمتنع بيعه قبل الإِزهاء. ذكره الشيخ تقي الدين (٢) وقال: إن قال بهذا قائل فله أن يستدل بذلك. انتهى، وإنما يقول بذلك إن قاله ظاهري محض لا يُراعى المعنى الذي سنذكره على الأثر.
التاسع: فيه أيضاً دلالة على أن زهو [بعض] (٣) الثمرة كافٍ في جواز البيع من حيث ينطلق عليها أنها أزهت بإِزهاء بعضها مع حصول المعنى، من الأمن من العاهة غالباً، ولولا وجود المعنى كان تسميتها "مزهية" بإِزهاء بعضها قد لا يكتفي به لكونه مجازاً (٤)، وأيضاً لو قيل بإِزهاء الجميع لأدى إلى فساد الحائط أو أكثره، والله تعالى أمتن علينا فجعل الثمار لا تطيب دفعة وإحدة إطالة لزمن التفكه.
وعند المالكية (٥) أنه لو كان الذي أزهى باكورة لم يجز بيع متأخره معه، بل تباع الباكورة وحدها، قالوا: وإنما منع أن تباع معه لاستقبال المتأخر بعدم الإِزهاء فهو داخل تحت النهي، قال: الأبهري منهم، ولأنه لا يؤمن فيه الجائحة إذا بيع في هذا الوقت،
стр. 3372
فيكون بيعه غرراً وقد تهى عنه، وكذا لو كان في الحائط نوعان من النخل صيفي وشتوي، لم يبع أحدها بطيب الآخر كما لا يجوز بيع ثمرة السنة الثانية مع الأولى.
واختلفوا فيما إذا لم يزه الحائط ويزهى ما حوله من الحوائط، فقال مالك: يجوز بيعه.
وقال ابن القاسم: أحب إليّ أن لا يبيعه حتى يزهى.
قال ابن يونس: والأول أقيس لأنه لو ملك ما حوله من الحوائط جاز بيع بعضها بإزهاء بعض.
قال القاضي عبد الوهاب: ولأن الزمان الذي تؤمن فيه العاهة غالباً قد حصل.
والأصح عند الشافعية: أنه إذا اختلف الحائط لا يتبع أحدهما الآخر.
العاشر: فيه دلالة أيضاً كما قال القاضي: على أن المعتبر بدو صلاحها سواء كان في الوقت الذي جرت العادة بطيبها فيه. أم لا وأنه لا يعتبر الوقت الذي جرت العادة بطيبها فيه، قال: وذهب بعض العلماء إلى اعتبار الوقت فلو بكرت لم تعتبر الباكورة، قال: وإنما يعتبر الوقت في غير الباكورة أما هي فيجوز بيعها وإن بكرت عن الوقت، وهذا قد قدمناه عن المالكية.
الحادي عشر: يؤخذ من قوله: "أرأيت" إلى آخره أن مال الغير لا يحل ولا يستحل إلَاّ بالوجوه الشرعية لا بالحيل ولا ببعض شروط الحل دون بعض.
стр. 3373
الثاني عشر: قد يؤخذ منه أيضاً وضع الجوائح، وفيه حديث في "صحيح مسلم" (١) من حديث جابر أنه ﵊: "أمر بوضع الجوائح" وهو مذهب الإِمام أحمد.
ومذهب الشافعي وأبي حنيفة والليث وآخرين المنع.
وقال مالك (٢): إن كانت دون الثلث، لم يجب وضعها وإن كانت الثلث، فأكثر وجب والمسألة مبسوطة في الفروع والخلافيات.
الثالث عشر: فيه أيضاً السؤال عن معنى اللفظ الغريب والجواب عنه وبيان حكمته.
...
стр. 3374
الحديث السادس
٢٧٨/ ٦/ ٥٣ - عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تتلقى الركبان، وأن يبيع حاضر لبادٍ"، قال: فقلت لابن عباس: ما قوله "حاضر لباد؟، قال: لا يكون له سمساراً" (١).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: "السمسار" الدلال وأصله القيم بالأمر الحافظ له ثم استعمل في متولى البيوع، والشراء لغيره وكأنها لفظة أعجمية (٢)،
стр. 3375
ويقال لجماعة السمسار: السماسرة وسماهم ﵊ تجاراً (١).
[و] (٢) السمسرة: [البيع] (٣) والشراء.
الثاني: تقدم الكلام على فقه الحديث في الحديث الثاني من الباب واضحاً فليراجع منه.
الثالث: فيه أيضاً دلالة على تحريم تعاطي أسباب الشيء المنهى عنه لأن الدلال لما كان سبباً لتعاطي هذا البيع المحرم حرم عليه الكلام والدخول فيه وكما حرم عليه السمسرة فيه كذلك يحرم عليه أن يكون وكيلاً في بيعه تبعاً.
الرابع: فيه السؤال عما يجهله الإِنسان والجواب عنه بمقتضى ما يعلمه المجيب.
...
стр. 3376
الحديث السابع
٢٧٩/ ٧/ ٥٣ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة: [(١)] أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلاً بتمر كيلاً، وإن كرماً: أن يبيعه بزبيب كيلاً، أو كان زرعاً: أن يبيعه بكيل طعام. نهى عن ذلك كله" (٢).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: "المزابنة" مأخوذة من الزبن وهو الدفع، ومنه الزبانية، لأن الغبن فيها يكثر غالباً لبنائها على التخمين فيزيد المغبون رفعه والغابن إمضائه فيتدافعان.
الثاني: ذكر في الحديث أمثلة لها وحاصلها يرجع إلى بيع معلوم بمجهول من جنسه، ووجه النهي فيها أنه بيع مال الربا بجنسه
стр. 3377
من غير تحقق المساواة في المعيار الشرعي -وهو الكيل- فنهى عنه لما يقع فيه من الغبن والجهالة.
الثالث: قوله "ثمر حائطه" هو بالثاء المثلثة.
وقوله: "بتمر كيلاً" هو بالمثناة فوق لأنه اليابس، والأول الرطب، وإن كان حكم الرطب في الأرض والتمر على رؤوس النخل بعكسه، ولو باع الرطب على رؤوس النخل والبسر على الأرض فهو كبيعه بالرطب، ولو باعه بالطلع ففيه ثلاثة أوجه في الماوردي.
ثالثها: يجوز بطلع الذكر دون طلع الإِناث.
والحائط: البستان.
[الرابع] (١): في الحديث دلالة على تحريم بيع الرطب بالتمر في غير العرايا على ما سيأتي في الباب (٢) بعده.
واتفقوا: على أنه ربا.
وأجمعوا: على تحريم بيع العنب بزبيب إلَاّ في العرايا.
وأجمعوا أيضاً: على تحريم بيع الحنطة في سنبلها بحنطة صافية وهي المحاقلة مأخوذة من الحقل وهو الحرث ومواضع الزرع وسواء عند جمهورهم كان الرطب والعنب على الشجر أو مقطوعاً.
وقال أبو حنيفة: إن كان مقطوعاً جاز بيعه بمثله من اليابس لكنه داخل تحت نهيه ﵊ عن بيع الرطب بالتمر.
стр. 3378
الخامس: صح النهي (١) عن تسمية العنب كرماً فإن الكرم الرجل المسلم، قيل: سمى كرماً من الكرم -بفتح الراء- لأن الخمرة المتخذة منه تحمل عليه (٢)، فكره أن يسمى به وجعل المؤمن أحق ما يستحق من الكرم، ويقال: لرجل كرْم -بإسكان الراء وفتحها- أي كريم، وقال الزمخشري: أراد أن يقرر ما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٣) بطريقة أنيقة ومسلك لطيف (٤)، وليس الغرض حقيقة النهي عن تسمية العنب كرماً، ولكن الإِشارة إلى أن المسلم التقي جدير بأن لا يشارك فيما [سماه] (٥) الله [(٦)] به.
وقوله: "إنما الكرم الرجل المسلم" أي المستحق للاسم المشتق من الكرم: الرجل المسلم، وهذا [الذي] (٧) قاله حسن
стр. 3379
[لكنه] (١) يمتنع أن يراد المعنيان؛ النهي بدلالة النص والمعنى الآخر بإشارته، إذا تقرر ذلك. فقوله هنا "وإن كان كرماً" إن كان من كلامه ﷺ فتحتاج إلى الجمع بين قوله ونهيه، فتأمله ولا تخفى على الفطن (٢).
...
стр. 3380
الحديث الثامن
٢٨٠/ ٨/ ٥٣ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "نهى النبي ﷺ عن المخابرة والمحاقلة والمزابنة، وعن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وأن لا تباع إلَاّ بالدينار والدرهم إلَاّ العرايا" (١).
المحاقلة: بيع الحنطة في سنبلها بصافية.
الكلام عليه من وجوه:
وينبغي أن نعلم قبل الخوض فيها أن هذا الحديث ليس في نسخ شرح الشيخ تقي الدين رأساً (٢).
стр. 3381
الأول: "المحاقلة" قد فسرها المصنف، وهي مأخوذة من الحقل وهي المساحات التي تزرع كما أسلفته في الحديث قبله فسميت محاقلة لتعلقها بزرع في حقل.
وقال الماوردي (١): الحقل هو السنبل وهو في لسان العرب الموضع الذي يكون فيه الشيء كالمعدن.
وذكر النسائي في "سننه" أن المحاقلة والمخابرة: بيع الكرم بكذا كذا صاعاً. قال المحب في "أحكامه": وهو تفسير غريب غير مشهور.
ووجه النهي عن هذا العقد أنه بيع [مقصود] (٢) مستتر بما ليس من صلاحه، وبيع حنطة وتبن بحنطة، فإن الصافية الخالصة من التبن] (٣) وحينئذ فهو من باب قاعدة: مد عجوة. لعدم العلم بالمماثلة أيضاً، ولو باع شعيراً في سنبله بحنطة صافية وتقابضا في المجلس، أو باع زرعاً قبل ظهور الحب بحب من جنسه جاز لأن الحشيش غير ربوي.
стр. 3382
الثاني: "المزابنة" تقدم الكلام عليها في الحديث قبله، الثمرة حتى يبدو صلاحها تقدم أيضاً في الحديث الرابع.
الثالث: "المخابرة" من الخَبِيرُ وهو الأكَّار -أي الفلاح- أو من الخَبارِ، وهي الأرض الرخوة، أو من الخُبْر وهو شرب [الماء] (١) أو الزرع أو من الخُبْرَةُ، -بضم الخاء- وهي النصيب، أو من خَيْبر لأنه ﵊ عامل أهل خيبر عليها. أقوال (٢) الجمهور على الأول.
وحقيقتها: عمل الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر من العامل وهي قريبة في المعنى من المزارعة إلَاّ أن البذر فيها من المالك كذا فرق بينهما جمهور الشافعية وهي ظاهر نص الشافعي.
وقيل: هما بمعنى ونقله صاحب "البيان" عن أكثر الأصحاب ولا يوافق عليه. نعم جزم به الجوهري في"صحاحه" (٣). وكذا ابن الأثير في "جامعه" (٤).
وقال البندنيجي: إنه لا يعرف في اللغة فرق بينهما، وأشار الشافعي إلى أن القياس التسوية بينهما وبين المساقاة، لكن السنة فرقت [بينهما] (٥)، والمعنى أن تحصيل منفعة الأرض ممكنة
стр. 3383
بالإِجارة, فلم يجز الحمل عليها ببعض ما يخرج منها كالمواشي بخلاف الشجر.
وقال ابن سريج: بجواز المزارعة، وهو مذهب أحمد ووافق الشافعي أبو حنيفة.
[وقال مالك: لا تجوز؛ لا منفرداً ولا تبعاً إلَاّ ما كان من الأرض بين الشجر.] (١).
وقال: بجواز المزارعة والمخابرة ثلاثة من كبار [] (٢) الشافعية ابن خزيمة وصنف فيه، وابن المنذر، والخطابي. وقال (٣): ضعف الإِمام أحمد حديث النهي. وقال: إنه مضطرب، كثير الألوان. قال: ومن أبطلها لم يقف على علته. وقال النووي في "الروضة" (٤): المختار جوازهما وتأويل الأحاديث على ما إذا شرط الواحد زرع قطعة ولآخر أخرى.
стр. 3384
قلت: أو تحمل أحاديث النهي عن المزارعة على شيء مجهول يدل عليه حديث رافع بن خديج الآتي في باب الرهن (١) وغيره إن شاء الله [أو على أن النهي على التنزيه والإِرشاد إلى عمارتها كالنهي عن بيع (٢) الهر فإنه محمول على التنزيه من [حيث] (٣) أن الناس يتواهبون وهذا التأويل نقل معناه عن ابن عباس وأشار إليه البخاري (٤) وغيره] (٥).
فرع: من أجاز المزارعة والمخابرة هل يشترط فيها ما يشترط في المساقاة من اللزوم والتأقيت مقتضى مذهبنا الاشتراط وبه صرح الحنفية، وعمل الناس على خلافه.
فرع: جوز الشافعي وأبو حنيفة وكثيرون إجارة الأرض بالذهب والفضة والطعام والنبات وسائر الأشياء سواء كان بجنس ما يزرع فيها أم غيره، ويستثنى إجارتها بجزء ما يخرج منها كالثلث والربع كما سلف.
وقال ربيعة: يجوز بالنقدين فقط.
وقال مالك: يجوز بهما وبغيرهما إلَاّ الطعام.
وقال المازري (٦): مشهور مذهب مالك النهي عن كرائها بما تنبته وإن لم يكن طعاماً.
стр. 3385
وقال أحمد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وجماعة من المالكية وآخرون: تجوز إجارتها بالنقدين وتجوز المزارعة بالثلث والربع وغيرها.
وقال طاووس والحسن: لا يجوز مطلقاً سواء أَكْراهَا بطعام أو نقداً وبجزء من زرعها لإِطلاق النهي عن كراء الأرض إلَاّ أن يمنحها أخاه وجوابه ما سلف.
الرابع: في الحديث دلالة أيضاً على منع بيع الثمرة بجنسها يابساً إلَاّ في العرايا وسيأتي في الباب بعده وعلى جواز بيعها بعد بدو صلاحها بالذهب والفضة مطلقاً.
وقوله: "إلَاّ العرايا" استثناء من المزابنة للرخصة في ذلك على ما سيأتي في (١) بابها وهي مستثناة أيضاً من الغرر ومن ربا التفاضل والنسآ والذي سوغها ما فيها من المعروف والرفق وإزالة الضرر. وهي جمع عرية وسيأتي في بابها سبب تسميتها (٢) بذلك وقد سمت العرب عطايا خاصة بأسماء خاصة كالمنيحة: لشاة اللبن، والإِفقار: لما [يركب] (٣) فقارة وغيرهما.
...
стр. 3386
الحديث التاسع
٢٨١/ ٩/ ٥٣ - عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ : "نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن" (١).
الكلام عليه من وجوه:
والتعريف براويه سبق في الحديث السابع من باب الإِمامة. الأول: مقتضى النهي عن ثمن الكلب تحريم بيعه والعموم في كل كلب سواء المعلم وغيره وسواء ما يجوز اقتناؤه وغيره. وهو صريح في أنه لا يحل ثمنه ويلزم من ذلك أنه لا قيمة على متلفه وبهذا، قال جمهور العلماء: منهم أبو هريرة والحسن البصري وربيعة والأوزاعي والحكم وحماد والشافعي وأحمد وداود وابن المنذر وغيرهم.
стр. 3387
وقال أبو حنيفة: يصح بيع الكلاب التي فيها منفعة وتجب القيمة على متلفيها.
وحكى ابن المنذر عن عطاء وجابر والنخعي جواز بيع كلب الصيد دون غيره.
وعن مالك روايات (١):
أحدها: لا يجوز بيعه لكن تجب القيمة على متلفه.
ثانيها: يصح بيعه وتجب القيمة.
وثالثها: لا. فيهما، ونقل الفاكهي عن بعضهم: أنه حكى عن مالك جواز بيع الكلب في ثلاثة مواضع في الشركة، وفي التفليس، وفي المغنم.
وقال ابن القاسم: يكره للبائع، ويجوز للمشتري للضرورة. حكاه القرطبي في "مفهمه" (٢).
وقال المازري (٣) منهم: سبب اختلاف أصحابنا في بيع كلب الصيد أن من لم يبلغه النهي فيه عدد منافع الكلب ونظر هل جميعها يحرم فيمنع البيع أو محلل فيجيزه أو مختلفة فينظر هل المقصود المحرم أو المحلل ويجعل الحكم للغالب أو يكون فيه منفعة واحدة محرمة خاصة وهي مقصودة فيمتنع أو يلتبس كونها مقصودة فيقف أو يقول بالكراهة؟
стр. 3388
قال: ومن كره البيع، قال: ليس إباحة المنفعة تجيز البيع كأم الولد ينتفع بها ولا تباع، قال: ومن أجازه حمل الحديث على ما لا يحل اقتناؤه واتخاذه أو على أنه كان حين أمر بقتل الكلاب (١) فلما وقعت الرخصة في كلب [الزرع] (٢) وما ذكر معه وأجيز اقتناؤه وقعت الرخصة.
واختلف أيضاً قول مالك في ما أبيح منها: [فقيل] (٣) بالإِجازة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وقيل: بالمنع.
قلت: وحجة الجمهور هذا الحديث والذي بعده وغيرها من الأحاديث الصحيحة كحديث ابن عباس ﵁ قال [نهى] (٤) رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، وقال: "إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه تراباً"، رواه أبو داود بإسناد صحيح (٥). وكحديث
стр. 3389
أبي هريرة رفعه: "لا يحل ثمن الكلب ولا حلوان الكاهن ولا مهر البغي". رواه أبو داود بإسناد حسن (١) وصح من حديث ابن عباس أنه ﵊ قال: "إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه" رواه أبو داود بإسناد صحيح (٢).
قال ابن المنذر: لا معنى لقول من جوز بيع الكلب لأنه مخالف للثابت عن رسول الله ﷺ , قال: ونهيه ﵊
стр. 3390
عام يدخل فيه جميع الكلاب، قال: ولا يعلم خبراً عارض الأخبار الثابتة، يعني: صحيحاً.
وقال البيهقي (١): الاستثناء المذكور في كلب الصيد [ليس] (٢) ثابتاً في الأحاديث الصحيحة.
قلت: وأما الأحاديث الواردة في النهي عن ثمن الكلب إلَاّ [كلب] (٣) صيد فرواية: "ثلاث كلهن سحت فذكر كسب الحجام ومهر البغي وثمن الكلب إلَاّ كلباً ضارياً" (٤)، وعن عثمان ﵁ أغرم إنساناً ثمن كلب قتله عشرين بعيراً" (٥). وعن ابن عمرو بن العاص التغريم في إتلافه فقضي في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهماً، وفي كلب ماشية بكبش (٦)، وكلها ضعيفة باتفاق أئمة الحديث كما نقله عنهم النووي في شرح مسلم (٧).
стр. 3391
وقال الشيخ تقي الدين (١): ورد في بيع المعلم منه حديث في ثبوته بحث يحال على علم الحديث.
واحتج من جوز البيع من القياس بأنه حيوان يجوز الانتفاع به فأشبه الفهد ولأنه يجوز الانتفاع به والوصية به فأشبه الحمار.
والجواب: عن الأول [أنه] (٢) لا يسلم القياس المذكور، فإنه ظاهر بخلاف الكلب. وعن الثاني: بأن الوصية تحتمل ما لا يحتمل غيرها بدليل جوازها بالمجهول والمعدوم والآبق والعلة في منع ثمنه عند الشافعي نجاسته مطلقاً وهي قائمة في المعلم وغيره.
ومن يرى طهارته اختلف قوله في المعلم منه وعلة المنع غير عامة عنده.
وقال القرطبي (٣): جل مذهب مالك ومشهوره على جواز الاتخاذ، وكراهة البيع, ولا يفسخ إن وقع، قال: وكأنه لما لم يكن الكلب عنده نجساً، وكاد مأذوناً في اتخاذه لمنافعه الجائزة، كان حكمه حكم جميع المبيعات، لكن الشرع نهى عن بيعه تنزيهاً، لأنه ليس من مكارم الأخلاق، وهذا انتصاراً منه لمذهبه. ثم قال: فإن قيل: فقد سوى ﵊ بين ثمنه، وبين مهر البغي،
стр. 3392
وحلوان الكاهن، والمهر، والحلوان، محرمان بالإِجماع، فليكن ثمن الكلب كذلك.
الجواب: أنا كذلك نقول لكنه محمول على الكلب الغير مأذون فيه [قال] (١) [لئن] (٢) سلمنا: أنه [مساوٍ] (٣) للكل، [لكان] (٤) هذا النهي هنا قُصد به القدر المشترك الذي بين التحريم والكراهة إذ كل واحد منهما منهي عنه. ثم تؤخذ خصوصية كل واحد منهما من دليل آخر، كما اتفق ها هنا فإنا إنما علمنا تحريم مهر البغي، وحُلوان الكاهن بالإِجماع، لا بمجرد النهي سلمنا ذلك، لكنا لا نسلم: أنه يلزم من الاشتراك في مجرد العطف الاشتراك في جميع الوجوه، إذ قد يعطف الأمر على النهي، والإِيجاب و [القبول] (٥) على النفي. وإنما ذلك في محل مخصوص كما هو مبين في الأصول.
تنبيه: وقع في "جواهر" القاضي نجم الدين القمولي ﵀ حكاية وجه في مذهب الشافعي في بيع الكلب الذي يجوز اقتناؤه وهو وهم منه [وقد] (٦) حكاه هو في "البحر" أصل "الجواهر" (٧) عن بعض أصحاب مالك فاجتنب ذلك.
стр. 3393
فرع: اختلف أصحابنا في صحة إجارة الكلب للصيد والحراسة على وجهين:
أحدهما: يصح لأنها منافع تستحق بالإِعارة، فاستحقت بالإِجارة كسائر المنافع.
وأصحها: لا. لأنه لا قيمة لعينه فكذا منفعته.
فرع: تصح الوصية بالكلب المعلم كما سبق لثبوت الاختصاص فيه وانتقاله من يد إلى يد بالإِرث.
قاعدة: منافع الأعيان المقصودة للمكلفين إما أن تكون كلها مباحة، أو محرمة، أو بعضها حراماً، وبعضها مباحاً.
فالأول: كالعروض.
والثاني: كالخمر والخنزير فيجوز بيع الأول إجماعاً دون الثاني.
أما الثالث: فإن كان الأغلب هو المقصود فالحكم له كالدابة تركب ولا تؤكل ولا يشرب لبنها وإن كان كلاهما مقصود غلب التحريم.
الوجه الثاني: "مهر البغي" هو ما تأخده الزانية على الزنا وسماه مهراً مجازاً أما مجاز التشبيه به صورة، إن لم يكن "المهر" في الوضع ما يقابل به النكاح. وإما المجاز اللغوي: إن كان وضعه فيها ذلك والإِجماع قائم على تحريم ذلك لما فيه من مقابلة الزنا بعوض.
الثالث: "البغي" -بفتح الباء وكسر الغين- الزانية، ووزن بغي فعول بمعنى فاعله.
стр. 3394
وقيل: فعيل بمعنى فاعل ورد بأنه لو كان فعيلاً لزمه التاء كرجيمه بمعنى راجمة وأجيب، عن عدم لحاقه التاء بوجهين:
أحدهما: أنه للمبالغة.
ثانيهما: أنه على النسب كطالق وطامث.
وجمع البغي: بغايا، والبِغا في قوله تعالى: ﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾ (١) ممدود وهو الزنى والفجور، يقال: بغت المرأة تبغي بغا -بكسر الياء والمد- وامرأة بغي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (٢).
وأصل البغي: الطلب غير أنه أكثر ما يستعمل في طلب الفساد وفي الزنا كما قاله القرطبي (٣).
وحديث أبي هريرة أنه ﵊: "نهى عن كسب الإِماء" رواه البخاري (٤) والمراد به كسبهن بالزنا أيضاً وشبهه لا بالغزل والخياطة ونحوها بدليل رواية أبي داود (٥) من حديث
стр. 3395
رفاعة بن رافع: "إلَاّ ما عملت يدها" هكذا بإصبعه نحو الخبز والغزل والنفش، قال الخطابي (١): والنفش: نتف الصوف أو ندفه. وفي حديث آخر (٢): "نهى عن كسب الأمة، حتى يعلم من أين هو".
فرع: لو أكرهت على الزنا فليست ببغي ولها المهر إن كانت حرة ولا حد عليها. ولو طاوعت. وهي أمة فقيل: يجب المهر للسيد إذ لا يملك إسقاطه وإلَاّ صح المنع لهذا الحديث.
الرابع: "حلوان الكاهن" ما يعطى على كهانته وهو حرام بالإِجماع لما فيه من أخذ العوض على أمر باطل وفي معنى ذلك: حل ما يمنع منه الشرع من الرجم بالغيب كالتنجيم.
والحلوان: مصدر حلوته حلواناً إذا أعطيته. قال الهروي وغيره: أصله من الحلاوة شبه بالشيء الحلو من حيث أن مأخذه سهلاً بلا كلفة ولا في مقابلة مشقة، يقال: حلوته إذا أطعمته الحلو كأعسلته إذا أطعمته العسل.
стр. 3396
قال أبو عبيد (١): ويطلق الحلوان أيضاً على غير هذا وهو أن يأخذ الرجل مهر ابنته لنفسه وذلك عيب عند النساء قالت امرأة: تمدح زوجها.
لا يأخذ الحلوان عن بناتنا (٢).
والحلوان: أيضاً الرشوة.
ونَقل الخطابي (٣) عن ابن الأعرابي: أنه يقال: لحلوان الكاهن النَّشْغُ، والصِّهْميم، ونقل البغوي (٤) والقاضي عياض: إجماع المسلمين علي تحريم حلوان الكاهن لأنه عوض عن محرم ولأنه أكل المال بالباطل وكذلك أجمعوا على تحريم أُجرة المغنية بالغناء والنائحة بالنوح، قال الخطابي (٥): وحلوان العراف أيضاً حرام.
والفرق بين الكاهن والعراف:
أن الكاهن: إنما يتعاطى الأخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار.
والعراف: هو الذي يدعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوها من الأمور، وقال في موضع آخر الكاهن هو الذي يدعي مطالعة الغيب ويخبر الناس عن الكوائن، قال: وكان في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيراً من الأمور فمنهم من كان يزعم أن له رئياً من الجن وتابع يلقي إليه الأخبار ومنهم من كان يدعي أنه يستدرك الأمور بفهمه الذي أعطيه، وكان منهم من يسمى عرافاً وهو الذي يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقفها كالشيء يسرق فيعرف المظنون به السرقة، ومتهم المرأة بالريبة فيعرف من صاحبها ونحو ذلك من الأمور، ومنهم من كان يسمى المنجم كاهناً، قال: وحديث النهي عن إتيان الكاهن (١) يشتمل على النهي عن إتيان هؤلاء كلهم وعن النهي عن تصديقهم والرجوع إلى قولهم.
стр. 3400
ومنهم من كان يدعو الطبيب كاهناً وربما دعوه عرافاً فهذا غير داخل في جعلة النهي وإنما هو مغالطة في الأسماء وقد ثبت عن رسول الله ﷺ الطب وأباح العلاج والتداوي هذا آخر كلامه (١).
قال الماوردي في آخر "أحكامه السلطانية" (٢): ويمنع المحتسب من يكتسب بالكهانة واللهو ويؤدب عليه الآخذ والمعطي.
...