بالميسرة لحديث مختلف فيه.
السابع: يصح السلم في الحيوان خلافاً لأبي حنيفة، وقد يستدل له بقوله: "من أسلم في شيء" على الصحة، لكن المراد به هنا التمر لقوله في رواية أخرى: "من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم" إلى آخره.
خاتمة: لصحة السلم شروط عندنا، بسَّطناها في كتب الفروع.
ومن شروطه عند المالكية: أن لا يكون أكثر منه، لأنه سلف جر منفعة.
وليس من شرطه أن يكون المسلَم إليه مالكاً للمسلِّم فيه خلافاً لبعض السلف.
ولا أن يكون موجوداً عند العقد خلافاً لأبي حنيفة.
وأقل الأجل في السلم عند ابن القاسم خمسة عشر يوماً، وهو المشهور عندهم، وقال غيره: ثلاثة أيام، ولم يحدها ابن عبد الحكم في روايته عن مالك، بل قال أياماً يسيرة، حكاه القرطبي عنه (١) قال: وهذا في البلد الواحد، وأما البلدين فيُغنى ما بينهما من المسافة عن اشتراط الأجل إذا كانت معلومة وتعين وقت الخروج.
стр. 3502
فرع: رؤية مال السلم يكفي عن معرفة قدره على الأظهر عند الشافعي خلافاً لمالك وأحمد.
فرع: يجوز عند المالكية (١) أن يتأخر رأس السلم ثلاثة أيام بشرط ودونه، ولا يجوز الزيادة على ذلك بالشرط، فإن وقع بطل.
وعند الشافعية وأهل الكوفة لا بد من تسليمه في المجلس.
...
стр. 3503
٥٦ - باب الشروط في البيع
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
الأول
٢٩٠/ ١/ ٥٦ - عن عائشة ﵂ قالت: جاءَتني بريرة فقالت: كاتَبْتُ أَهلي عَلى تسعِ أوَاقٍ، في كلِّ عَامٍ أُوقيةٌ، فأعينيني. فقلت: إن أحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أعُدَّها لَهُم، [ويَكُونَ] (١) وَلَاؤُكِ لي فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أهْلِهَا، فقالت لَهُمْ، فأبَوْا عَلَيْهَا. فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِم، ورَسولُ الله ﷺ جَالِسٌ، فقالت: إنِّي عَرَضْتُ ذلِكَ عَلَيْهِمْ، فأبَوْ إلَاّ أنْ يكُونَ لَهُم الْوَلاءُ (٢)، فأخْبَرَتْ عَائِشَةُ ﵂ النبي ﷺ فقالَ: (خُذِيَها، وَاشْتَرطِي لهُم الوَلَاءَ، فإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ)، فَفَعَلَتْ عائشة، ثم قام النبي ﷺ في النَّاسِ، فحمدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد: ما بالُ رجالٍ يشترطونَ شرُوطاً لَيْسَتْ في كتابِ اللهِ ما كانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ في كتاب اللهِ:
стр. 3504
فَهُوَ باطلٌ وَإنْ كانَ مَائَةَ شَرْط، فقضاءُ الله أحق, [وَشَرْطُهُ] (١) أوْثَقُ, [فإنما] (٢) الولاء لمن أعتق) (٣).
هذا حديث عظيم كثير الأحكام، والقواعد والفوائد والفرائد، وقد اعتنى الأئمة بتعداد فوائده وآدابه وعنوا به ونكته وبلَّغوها عدداً جماً كابن جرير الطبري وابن خزيمة إمام الأئمة وغيرها ونحن نذكر مهم ذلك فنقول:
الكلام عليه من وجوه:
الأول: بريرة -بفتح الباء الموحدة ثم راء مهملة ثم مثناة تحت ثم راء مهملة ثم هاء- على وزن فعلية مأخوذة من البرير وهو ثمر الأراك.
ويجوز كما قال القرطبي (٤): أن تكون من البِرِّ وأن تكون بمعنى: مفعولة. أي: مَبْرُورة كأكيلة السّبُع بمعنى مأكولة.
ويجوز أن تكون بمعنى: فاعلة. كرحيمة بمعنى: راحمة.
كانت لعتبة بن أبي لهب.
стр. 3505
وقال ابن عبد البر (١): كانت مولاة لأبي أحمد بن جحش.
وقيل: لأناس من الأنصار وزعم النووي في "تهذيبه" (٢): أنها بريرة بنت صفوان ولم ير له سلفاً.
ذكرها: بقي بن مخلد فيمن روى عن النبي ﷺ حديثاً واحداً (٣).
وفي النسائي (٤) من حديث يزيد بن رومان عن عروة عن بريرة كان فيّ ثلاث سنن قال: وحديث يزيد بن رومان خطأ وروى عبد الملك (٥) عنها حديث: "إن الرجل يدفع عن باب الجنة بعد أن
стр. 3506
ينظر إليها بملء محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق" ورواية عبد الملك عنها تدل على تأخيرها إلى بعد الأربعين.
وذكر العسكري: أن أمها لها صحبة.
الثاني: لفظ "بريرة" اسم جليل في الأصل غير صفة وهي واحدة البربر كما سلف فليس من الصفة في شيء فلذلك لم يغير -عليه الصلاة-. اسمها وإنما غير "برة" إلى "جويرية" و"برة بنت أبي سلمة" وبنت جحش إلى "زينب"، وقال: "لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم" (١) لأنه صفة.
وقول القرطبي (٢) السالف: أنه يجوز أن تكون فعلية من البِرَّ ليس بجيد.
стр. 3507
قولها "كاتبت" قيل: إنها أول كتابة كانت في الإِسلام وأول مكاتب في الإِسلام سلمان (١).
وقيل: أول من كوتب عبد لعمر بن الخطاب يكنى أبا أمية (٢).
قال الروياني: والكتابة إسلامية لا تعرف في الجاهلية (٣).
الرابع: "كاتبت" فاعلت من الكتابة التي هي العقد وإما من معنى الإِلزام كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ (٤). كأن السيد ألزم نفسه عتق العبد عند الأداء
стр. 3508
والعبد ألزم نفسه المال الذي كاتب عليه.
الخامس: "الأهل" (١) هنا السادة والملاّك وقد أسلفنا في شرح الخطبة أن ظاهر نص الشافعي أن الأهل كالآل وأنه وجه عندنا في الوصايا الأشبه دخول الزوجة أيضاً.
وحكى المتولي عن ثعلب: أنهم نسل الآباء: كالإِخوة، والأخوات، والأعمام، والعمات، وأولادهم دون الأولاد، قال: فيحمل عليه وهذا كله في أهل بيت الرجل.
وفي "أهله" دون لفظ "البيت" وجوه عندنا أرجحها في "الروضة" (٢) أنه كل من تلزمه نفقته والمسئلة مبسوطة في "شرحي للمنهاج" في باب الوقف والوصايا فمن أراد الإِمعان في ذلك وقف عليه.
стр. 3509
وأغرب بعضهم: فاستنبط من قولها: "إن أحب أهلكِ" ومن قولها "فأبوا" إن بريرة كانت مشتركة.
السادس: "الأواق" (١) جمع أوقية كما سلف بيانه واضحاً في الحديث الثاني من كتاب الزكاة وذكرنا هناك مقدارها ووقع في بعض نسخ مسلم "وقية" (٢) بغير ألف وهي لغة كما أسلفناها هناك وأن الجمهور على إثبات الألف كما وقع في الكتاب.
السابع: قولها: "على تسع أواق، في كل عام أُوقية" هذا هو الصواب وفي رواية معلقة للبخاري (٣): "أن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها وعليها خمس أواق نجمت عليها في خمس سنين" ورجح القرطبي (٤) الأولى على هذه فإنها من رواية هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وهذه من رواية يونس عن ابن شهاب أثبت في حديث أبيه [وجدته] (٥) من غيره، قال: ويحتمل أن تكون هذه الخمس الأواقي هي التي استحقت عليها بحلول نجومها من جملة التسع الأواقي المذكورة.
стр. 3510
وقال غيره: لولا ما روى أنها لم تكن أدت من كتابتها شيئاً لجمع بينهما بأن تكون أصل الكتابة تسعاً والباقي وقت السؤال خمساً (١).
стр. 3511
الثامن: اختلف العلماء في جواز بيع المكاتب على ثلاثة مذاهب. (١)
стр. 3512
أحدها: جوازه وهو قول عطاء والنخعي وأحمد ومالك في رواية الشافعي في أحد قوليه استدلالاً بهذا الحديث وعليه بوب البخاري بيع المكاتبة إذا رضي المكاتب فإن بريرة كانت مكاتبة وباعتها الموالي واشترتها عائشة وأمر ﷺ ببيعها وعليه بوب البخاري (١) "بيع المكاتب إذا رضي [المكاتب] ".
وثانيها: منعها وهو قول ابن مسعود وتبعه أبو حنيفة والشافعي في أصح قوليه وبعض المالكية ومالك في رواية عنه وحملوا الحديث على أن بريرة عجزت نفسها وفسخوا الكتابة بعجزها وضعفها عن الأداء والكسب بدليل سعيها بين عائشة وأهلها وهو دليل على رضاها ورضاهم بإبطالها ومتى رضى السيد والعبد بإبطالها بطلت (٢).
стр. 3513
ومنهم من حمله: على أن عائشة اشترت الكتابة لا الرقبة، مستدلاً على ذلك بقول عائشة في الصحيح: "فإن أحبوا أن أقضي عنكِ كتابتكِ" وذلك يشعر بأن المشترَى: هو الكتابة، لا الرقبة، وقد أجاز مالك بيع كتابته خاصة ويؤدي للمشتري فإن عجز رق له (١).
والثالث: جوازه للعتق (٢) دون الاستخدام وهو ظاهر الحديث وفي جواز بيعه إذا كان ظاهر المال ورضى بالعجز قولان للمالكية وكذا لهم خلاف فيما إذا لم يتبين له مال ظاهر ولكنه قادر على التكسب وتحصيل النجوم.
التاسع: اختلف العلماء أيضاً في بيع العبد بشرط العتق على قولين.
أحدهما: أنه باطل، كما لو باعه بشرط أن لا يبيعه [أو] (٣) لا يهبه.
стр. 3514
والثاني: [وهو أصح قولي الشافعي إنه صحيح والحديث دال عليه] (١) [وهو مذهب مالك أيضاً والأول قول أبي حنيفة لكنه قال إن وقع البيع مضى بالثمن وخالفه صاحباه فقالا يمضي بالقيمة] (٢) [ومن منع البيع منع أن تكون] (٣) عائشة مشترية للرقبة ويحمل [الحديث] (٤) على قضاء الكتابة عن بريرة، أو على شراء الكتابة، والأول ضعيف، مخالف [لقوله ﵊ في الصحيح لعائشة "ابتاعي"] (٥).
وأما الثاني (٦): فهو [يحتاج] (٧) فيه إلى أن يكون قد قيل بمنع
стр. 3515
البيع بشرط العتق، مع جواز البيع [المكاتب] (١)، ويكون [قد] (٢) ذهب إلى الجمع بين هذين ذاهب واحد معين، [وهذا] (٣) يستمد من (٤) إحداث القول الثالث (٥).
العاشر: إذا قلنا بصحة البيع بشرط العتق، فهل يصح الشرط، أو يفسد؟
فيه قولان للشافعي: أصحهما [الأول] (٦) لأنه ﵊ لم ينكر إلَاّ اشتراط الولاء. والعقد تضمن أمرين:
اشتراط العتق.
واشتراط الولاء.
[ولم ينكر إلَاّ الثاني فيبقى] (٧) الأول مقرراً عليه، ويؤخذ من
стр. 3516
لفظ الحديث، فإن (١) من ضرورة [اشتراط الولاء] (٢) اشتراط العتق (٣) فيكون من لوازم اللفظ، لا من مجرد التقدير، ومعنى صحة الشرط أنه يلزم الوفاء به من جهة المشتري، فإن امتنع (٤)، فالأصح عند الشافعية إجباره عليه.
الحادي عشر: [ظاهر الحديث صحة] (٥) اشترط الولاء للبائع [حيث قال] (٦): واشتراطي لهم الولاء. ولا يأذن (٧) في عقد باطل،
стр. 3517
[وإذا صح العقد فالشرط باطل لظاهر الحديث أيضاً ولأن] (١) القياس يقتضي أن الأثر يختص بمن صدر منه السبب، والولاء من آثار العتق (٢)، فمختص بمن صدر منه العتق [وهو المشتري المعتق] (٣) وهذا التمسك والتوجيه في صحة البيع والشرط يتعلق بالكلام على معنى قوله ﵊: "واشترطي لهم الولاء" وسيأتي (٤) على الأثر وأبدى الإِمام فيه بحثاً أثبته الرافعي وجهاً وأنكره عليه لأنه ﵊ لا يأذن في باطل.
الثاني عشر: وهو أشكل ما في الحديث وأصعبه أنه ﵊ كيف أذن في البيع على شرط فاسد؟
وكيف يأذن لهم في وقوع البيع، على هذا الشرط ويدخل البائع عليه ثم يبطل اشتراطه؟ وفي ذلك نوع خداع من عائشة لهم في ذلك.
فاختلف الناس في الكلام على هذا الإِشكال، العظيم
стр. 3518
فمنهم من صَعُب عليه، فأنكر هذه اللفظة. أعني قوله: "اشترطي لهم الولاء" وقد نقل ذلك المازري (١) عن يحيى بن أكثم وقد وقع في كثير من الروايات سقوطها وهذا ما شجع يحيى على إنكارها.
стр. 3519
قال الشيخ تقي الدين (١): وبلغني عن الشافعي (٢) قريب منه، وأنه قال هذه اللفظة تفرد بها هشام بن عروة عن أبيه دون غيره من الثقات الأثبات والأكثرون على إثبات هذه اللفظة للثقة برواتها، واختلفوا في التأويل والتخريج على وجوه:
أحدها: أن "لهم" بمعنى "عليهم" لقوله تعالى: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ (٣) بمعنى عليهم، وقوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (٤)، أي: فعليها وهذا منقول عن الشافعي (٥) وغيره.
قال النووي (٦): وهو ضعيف لأنه ﵊ أنكر الاشتراط ولو كان كما قاله صاحب هذا التأويل لم ينكره.
стр. 3520
وقد يجاب عن هذا: بأن ﵊ ما أنكر إلَاّ ما أرادوا اشتراطه في أول الأمر.
وقال الشيخ تقي الدين (١): أيضاً فيه ضعف.
أما أولاً: سياق الحديث (٢) وكثيراً من ألفاظه ينفيه.
وأما ثانياً: فلأن "اللام" لا تدل بوضعها على الاختصاص النافع، بل على مطلق الاختصاص، فقد يكون في اللفظ ما يدل على الاختصاص النافع، وقد لا يكون.
ثانيها (٣): أن يكون الاشتراط المذكور بمعنى ترك المخالفة
стр. 3521
لما شرطه البائعون، وعدم إظهار النزاع فيما دعوا إليه، مراعاة لمصلحة الشرع في العتق وقد يعبر عن التخلية والترك بصيغة تدل على الفعل، ألا ترى أنه قد أطلق لفظ الأذن من الله تعالى على التمكين من الفعل والتخلية بين العبد وبينه ، وإن كان ظاهر اللفظ يقتضي الإِباحة والتجويز؟ وذلك موجود في كلام الله تعالى على ما قاله المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ﴾ (١)، وليس المراد بالإِذن: إباحة الله تعالى الأضرار بالسحر، ولكنه لما خَلَّى بينهم وبين ذلك الإِضرار أطلق عليه لفظ "الإِذن" مجازاً.
قال الشيخ تقي الدين، وهذا وإن كان محتملاً -إلَاّ أنه خارج عن الحقيقة من غير دلالة ظاهرة على المجاز من حيث اللفظ-.
ثالثها: أن لفظة: "لاشتراط" (٢) و"الشرط" وما تصرف منها
стр. 3522
يدل على الإِعلام والإِظهار. ومنه: أشراط الساعة، والشرط اللغوي، والشرعي. ومنه قول أوس بن حَجَر -بفتح الحاء والجيم-.
فأشرط فيها نفسه وهو معصم ... وألقى بأسباب له وتوكلا
أي: اعلمها وأظهرها، وإذا كان كذلك حمل "اشترطي" على معنى: أظهري حكم الولاء وبينيه واعلمي أنه لمن أعتق، على عكس ما أورده السائل وفهم من الحديث.
ويؤيد هذا ما نقله الطحاوي عن الشافعي أنه روى هذه اللفظة عن مالك عن هشام بن عروة بإسناده ولفظه وقال فيها: "واشرطي لهم الولاء" بغير تاء.
стр. 3523
لكن قال القرطبي (١): هذه الرواية حيث مما انفرد بها الشافعي عن مالك والجمهور من الأئمة الحفاظ على ما تقدم.
الرابع: أنه ﵊ كان قد أخبرهم أن "الولاء لمن أعتق" ثم أقدموا على اشتراط ما يخالف هذا الحكم الذي علموه، فورد هذا اللفظ على سبيل الزجر والتوبيخ (٢)، لمخالفتهم الحكم الشرعي، وغاية ما في الباب إخراج لفظة الأمر عن ظاهرها وقد وردت خارجة عن مواضعها (٣) في غير موضع يمتنع إجراؤها فيها على ظاهرها كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٤) ﴿فَمَنْ شَاءَ﴾ (٥) ومعلوم أنه ليس المراد إطلاق المشيئة منهم في عملهم وكفرهم، وعلى هذا الوجه لا يبقى غرور (٦).
стр. 3524
الخامس: أن يكون إبطال هذا الشرط عقوبة لمخالفتهم حكم الشرع، فإن إبطال الشرط يقتضي تغريم ما قوبل به الشرط من المالية المسامح بها لأجل الشرط، ويكون هذا من باب العقوبة بالمال، كحرمان القاتل الميراث.
السادس: أن ذلك خاصاً بهذه القضية لا عام في سائر الصور، وسبب التخصيص بإبطال هذا الشرط للمبالغة في الرجوع عنه المخالفة للشرع، كما أن فسخ الحج إلى العمرة كان خاصاً بتلك الواقعة، مبالغة في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحج، وهذا قاله أصحابنا في كتب الفقه.
قال النووي (١): وهو أصح التأويلات.
стр. 3525
وقول الشيخ تقي الدين (١): إن هذا الوجه جعله بعض متأخري الشافعية إلَاّ صحّ في تأويل الحديث أراد به النووي وقوى بعضهم الوجه الرابع وقال إنه أظهرها برواية البخاري (٢) "اشتريها ودعيهم يشترطون ما شاءوا" -فاشترتها وأعتقتها واشترط أهلها الولاء- ومال إليه الأصيلي أيضاً.
الثالث عشر: قوله ﵊: "إنما الولاء لمن أعتق" دال على "إن" كلمة "أن" للحصر لأنها لو لم تكن للحصر لما لزم من إثبات الولاء لمن أعتق نفيه عن من لم يعتق، فدل على أن مقتضاها الحصر. وقد قررنا ذلك في حديث "إنما الأعمال بالنيات" كما سلف لك، وقد أثبت العلماء الولاء في صور بغير العتق لكنها في معناه، كما إذا باعه أو أعتقه على مال، أو كاتبه أو استولدها، وعتقت بموته. ويثبت الولاء للمسلم على الكافر وعكسه، وإن كانا لا يتوارثان في الحال لعموم الحديث.
واختلفوا: فيمن أعتق وشرط أن لا ولاء له وهو المسمى "بالسائبة" (٣).
стр. 3526
ومدهب الشافعي ومن وافقه: إلى ثبوت الولاء، وأن الشرط لاغٍ، لأنه ثابت بالشرع، فلا يحذف بالشرط.
ولا ولاء بالحِلْف، ولا بالموالاة، ولا بالإِسلام -وهو أن يسلم الرجل على يد الرجل- ولا بالتقاطه اللقيط، كما هو ظاهر الحديث في حصره الولاء للمعتق وهو مذهب مالك والشافعي والأوزاعي والثوري وأحمد وداود والجمهور (١).
وقال ربيعة والليث وأبو حنيفة وأصحابه: من أسلم على يديه رجل فولاؤه له (٢).
وقال إسحاق: يثبت للملتقط الولاء (٣).
وقال أبو حنيفة: يثبت الولاء بالحلف ويتوارثان به والحديث
стр. 3527
دال للجمهور (١).
الرابع عشر: قوله ﵊ "ما بال أقوام" إلى قوله: "وإن كان مائة شرط" مقتضاه أن كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط مبالغة في إبطال جميع الشروط التي ليست في كتاب الله تعالى وكأنه من باب قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ (٢) ولا شك أن من الشروط ما هو صحيح كاشتراط الرهن والكفيل والخيار ونحو ذلك. ومنها ماهو باطل كما هو مقرر في الفروع ومعلوم أن الأول جميعه ليس في كتاب الله وظاهر الحديث يقتضي بطلانه ولا بد من تأويله على أن المراد بكتاب الله تعالى حكم الله، وهو أعم أن يكون في كتاب الله أو مستنبطاً منه. وأن المراد به ما بينه الشارع في سنته واستنبطه العلماء منها، فيكون المراد بالحديث نفي كونها في كتاب الله
стр. 3528
بواسطة أو بغيرها من حيث إن كلها في كتاب الله فالذي في كتاب الله تعالى هو المنصوص عليه فيه من الأحكام بغير واسطة والذي هو بواسطة كقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١). وقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ ...﴾ (٣) الآية.
الخامس عشر: "الولاء" (٤) بفتح الواو والمد وأصله من الولي وهو القرب، وهو سبب يورث به ولا يورث وسيأتى الكلام على لفظ العتق في بابه آخر الكتاب إن قدر الله الوصول إليه.
السادس عشر: قوله ﵊: (ما بال رجال)، أي: أخالهم و"البال" من الألفاظ المشتركة.
السابع عشر: في المراد بكتاب الله وشرطه أقوال:
أحدها: حكمه كما قدمته ونسبة هذا قوله في حديث العسيف: "لأقضين بينكما بكتاب الله" (٥) وليس التغريب والرجم في نص الكتاب.
ثانيها: القرآن، قال الداودي: وكأنه إشارة إلى قوله تعالى:
الثامن عشر: قوله ﵊: (قضاء الله أحق وشرطه أوثق)، أي: أحق بالاتباع من الشروط المخالفة لحكم الشرع. وشرطه أوثق باتباع حدوده التي حدها.
التاسع عشر: ظاهر هذا عدم اشتراط المشاركة بين المفضل والمفضل عليه إذ ما شرطوه من ثبوت الولاء لهم باطل، كما قال ﵊: (لا مشاركة بين الحق والباطل) (١) إلَاّ أن يقال إن ذلك جاء على ما اعتقده أو على إن صيغة أفضل ليس على بابها ويكون كقول تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (٢)، أي: يقين، وقوله ﵊: (اسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر) (٣) فإن أعظم بمعنى عظيم كما سلف في باب المواقيت.
العشرون: في فوائده على وجه الاختصار:
الأولى: جواز الكتابة بالسنة تقريراً لحكم الكتاب (٤).
الثانية: جواز كتابة الأنثى للتقرير لأن الآية ليست نصاً فيها إذ الدين ظاهر في الذكر فقديتوهم اختصاصها به لعجز النساء وضعفهن
стр. 3531
عن التكسب غالباً فبين الحديث دخولها أيضاً.
الثالثة: جواز كتابة الأمة المزوجة لأنها كانت مزوجة.
الرابعة: جواز كتابتها دون إذن زوجها ورضاه. لأنه لم يذكر في الحديث (١).
الخامسة: إنه ليس لزوجها منعها من الكتابة وإذا أدى ذلك إلى فراقها باختيارها إن كان عبداً على قول الجمهور أو كيف كان على القول الآخر لترك الاستفصال في الحديث (٢).
السادسة: أن الزوج لا يدخل في كتابتها فيجوز كتابة أحد الزوجين دون الآخر ولا يدخل ولدها أيضاً فإن ولد بريرة لم يلحقها في ذلك (٣).
стр. 3532
السابعة: جواز كتابة من لا مال له ولا حرفة لترك الاستفصال (١) وهو ظاهر سؤالها لعائشة أيضاً وهو مذهب مالك والشافعي والثوري وجماعة غيرهم (٢).
واختلف عن مالك في كتابة من لا حرفة له (٣). وكرهها الأوزاعي وأحمد وإسحاق وروى مثله عن عمر (٤) خلافاً لمن تأول من السلف أن المراد بالخير في الآية المال وهو عند أكثرهم الدين والأمانة والقوة على الكسب عند بعضهم (٥).
الثامنة: إنه ليس له منعها من السعي.
التاسعة: أنه لا حق له في خدمتها، إذ لو كان كذلك لمنعها (١).
العاشرة: جواز الاستعانة على نجوم الكتابة بأهل الخير والفضل وقوله ﵊ لحكيم بن حزام "لا تسئل أحداً" (٢) يحمل على الأولى.
الحادية عشرة: إعانة المكاتب في كتابته ولا خلاف في ذلك فيما إذا كانت الإِعانة من التطوع واختلف في معونته من الفرض حكاه المالكية (٣).
الثانية عشرة: جواز سؤال ذلك قبل الحلول لأنه روى أنها لم تكن قضت شيئاً من كتابتها.
الثالثة عشرة: أن سؤال ذلك لا يوجب تعجيزه.
الرابعة عشرة: اكتسابه في الحال له لا لسيده إلَاّ إذا عجز لقولها "أعينيني" لأن مقصود الكتابة لا يتم إلَاّ به.
الخامسة عشرة: جواز حكاية ما يقع من ذلك خصوصاً إذا قصد به تعريف الأحكام.
السادسة عشرة: جواز تصرف المرأة في مالها بالشراء والإِعتاق وغيرهما إذا كانت رشيدة من غير إذن زوجها وإرسالها إلى من تعامله بغير إذنه أيضاً.
السابعة عشرة: جواز الاستعانة بالمرأة المزوجة بغير إذن زوجها
стр. 3537
لقولها: "أعينيني" ولم ينكر عليها وهو راجع إلى ما قبله (١).
الثامنة عشرة: جواز شراء السلعة بأكثر من ثمن مثلها، لأن عائشة بذلت بعدِّ ما سموه نسيئة في تسعة أعوام والأجل مقابلة قسط من الثمن.
التاسعة عشرة: جواز سؤال الأمة من يشتريها ويعتقها، وإن كان قد يضر بالسيد لفك الرقبة من ربقة الرق.
العشرون: جواز الاستدانة لمن ليس له مال عند حاجته إليه خلافاً لمن منعه، لأن كتابة بريرة مع مواليها سببه الاستدانة ممن لا شيء له.
الحادية والعشرون: المبادرة إلى إجابة السائل، وعرض ما
يفعل من الخير معه عليه، وعلى من يتعلق به إمضاء ذلك الخير.
الثانية والعشرون: أن الكتابة تكون على، نجوم لأنها كوتبت على تسع أواق، في كل عام أوقية.
ومذهب الشافعي وغيره: أنها لا تجوز على نجم واحد بل على نجمين فصاعداً.
وقال مالك والجمهور: تجوز على نجم وعلى نجمين.
وحكى عن بعضهم: أنه لا تجوز إلَاّ على ثلاثة.
وعند مالك أنه إذا لم يسم أجلاً، ولا نقد النجم، [أنجمت عنده] (٢) بقدر سعايته وقوته وإن كره السيد. ومنعها الشافعي جملة.
وقال: ليست بكتابة.
стр. 3538
الثالثة والعشرون: بجواز فسخ الكتابة إذا أعجز المكاتب نفسه. وإن كان فيه إبطال حرية، لتقدم بريرة على سعيها من عائشة وأهلها في فسخ كتابتها. إذ لو لم يكن فسخاً لأمر بشرائها وإعتاقها، وأخبر أن الولاء لها.
وهل يتوقف التعجيز على إذن الحاكم (١)؟ فيه خلاف للمالكية.
وكذا لهم خلاف في رضاه بتعجيز نفسه، وإن كان له مال.
فقال ابن شهاب وربيعة وأبو الزناد: إذا رضي بالبيع فهو عجز، وجاز بيعه.
وقال مالك: لا يجوز ذلك إلَاّ بعجزه عن الأداء، ولا يكون له مال وتأول بعضهم عجز بريرة ولذلك استعانت بعائشة.
الرابعة والعشرون: جواز بيع المكاتب وقد علمت المذاهب فيه.
الخامسة والعشرون: جواز بيع المكاتب بشرط العتق عند من قال به كما سلف.
السادسة والعشرون: جواز بيع الرقيق بشرط العتق كما سلف أيضاً.
السابعة والعشرون: المكاتب غير عتيق بنفس الكتابة، وأنه عبد ما بقي عليه درهم، كما صرح به الحديث المشهور في سنن أبي داود وغيره، وهو قول عامة العلماء وفقهاء الأمصار.
وحُكي عن بعض السلف: أنه حر بنفس الكتابة، وهو غريم بالكتابة، ولا يرجع إلى الرق أبداً (٢).
стр. 3539
وحكى عن بعضهم: أنه إذا عجز أُعتق فيه بقدر ما أدى. رُوِيَ عن علي ﵁ (١).
وحكى عن بعضهم: أنه إذا أدى الشطر من كتابته فهو حر، وهو غريم بالباقي (٢)، وحُكِيَ عن عمر بن الخطاب (٣).
стр. 3540
وعن ابن مسعود وشريح مثل هذا، إذا أدى الثلث (١)، وعن عطاء مثله إذا أدى ثلاثة أرباع المال (٢).
السابعة والعشرون: جواز إعطاء الصدقات لموالي قريش خلافاً لمن منع ذلك، لأن بريرة مولاة لهم، ولم ينكر ﵊ الصدقة عليها، فإن كانت هذه الصدقة واجبة كان دليلاً لمن جوّز إعطائها لمواليهم، وهو أحد الوجهين عند الشافعية، والصحيح المنع.
الثامن والعشرون: ثبوت الولاء للمعتق، وهو إجماع، سواء كان عبداً أو أمة إذا أعتقه عن نفسه.
واختلفوا فيها إذا أعتقه عن رجل بعينه أو عن جماعة المسلمين.
فمذهب مالك (٣): أن الولاء للمُعتَقِ عنه، سواء كان رجلاً بعينه أو جماعة المسلمين. وحمل الحديث على أن المراد به من أعتق عن نفسه، بدليل ما إذا أعتق الوكيل عن غيره بإذنه.
قلت: الوكيل يخرج بقوله ﷺ "صحيح البخاري" (٤): "إن الولاء لمن أعطى الورق وولى النعمة".
وقال باقي الأئمة الأربعة فيما حكاه ابن هبيرة: إن الولاء لمن