الثاني: جواز معاملات الكفار، وعدم اعتبار الفساد في معاملتهم، والإِجماع قائم على جواز معاملتهم، إذا لم يتحقق تحريم ما معهم إلَاّ ما استثتى من بيع المسلم منهم السلاح والمصحف والعبد المسلم ونحو ذلك.
ومنع ابن حبيب المالكي: بيع الحرير والكتان والبسط من أهل الحرب, لأنهم يتجملون به في حروبهم وأعيادهم وبيع الطعام أيضاً، لعلهم أن يضعفوا ورهن النبي ﷺ الدرع عند اليهودي, لأنه لم يكن من أهل حرب والأمر ههنا ممن يخشى منه التقوى بها كبيعها.
الثالث: جواز رهن السلاح عند الذمي، كما قررنا ومثله
المعاهد.
الرابع: ثبوت أملاك أهل الذمة على ما في أيديهم.
الخامس: جواز الشراء بالثمن المؤجل المؤخر قبضه, لأن الرهن إنما يحتاج إليه حيث يكون الثمن مؤجلاً أو حيث لا يتأتي
стр. 3642
إقباضه في الحال غالباً، وعليه ترجم البخاري (١) فقال باب: من اشترى بالدين وليس عنده ثمنه، أو ليس بحضرته. ثم ذكره بلفظ: "اشترى طعاماً من يهودي إلى أجل ورهنه درعاً من حديد".
السادس: اتخاذ الدرع والعدد للأعداء والتحصن منهم، وأنه غير قادح في التوكل، وإليه الإِشارة بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٢).
السابع: فيه أيضاً ما كان ﷺ من الفقر والحاجة والتقلل من الدنيا والزهد فيها مع تمكنه منها وعرضها عليه وإعراضه عنها (٣).
стр. 3643
الثامن: فيه أيضاً جواز الاستيثاق بالرهن والكفالة في الدين والسلم، وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ...﴾ الآية ولهذا ترجم البخاري على هذا الحديث بباب الكفيل (١). والرهن (٢) في السلم وقد منع الرهن في السلم كما أسلفناه عنه، وما ذكرناه من المنع عن زفر والأوزاعي هو ما نقله القرطبي (٣) عنهما.
وأما القاضي (٤) عياض. فإنه حكى الكراهة عنهما فقط، وحكاها عن أحمد أيضاً قال: ومذهب مالك وكافة السلف الجواز فيهما.
...
стр. 3644
الحديث الثاني
٢٩٩/ ٢/ ٥٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيء فَلْيَتْبَع" (١).
الكلام عليه من وجوه:
[الثاني] (٢): هذا الحديث أخرجه البخاري هنا بلفظين.
أحدهما: هذا وترجم عليه باب: الحوالة، وهل يرجع [في الحوالة] (٣).
الثاني: "مطل الغني ظلم، ومن اتبع على مليء فليتبع"،
стр. 3645
وترجم عليه إذا أحال على مليء فليس له رد (١)، وذكره في أداء الديون بلفظ: "مطل الغني ظلم" فقط.
وأخرجه مسلم (٢) بلفظ المصنف، إلا أنه قال "وإذا" بدل "فإذا".
ورواه الإِمام أحمد (٣) في "مسنده". "وإذا أُحيل أحدكم على مليء فليحتل".
الثالث: "المطل" مصدر مطله يمطله، بضم الطاء، مطلاً وماطله مماطلة، فهو ماطل، وهو مشتق من مطلت الحديد إذا ضربتها ومددتها لتطول، وكل ممدود ممطول، فأصله إذن لغة: المد، فمعنى مطله بحقه مد له في الأصل زيادة على ما اتفقا عليه.
وعبارة بعضهم: المطل: المدافعة.
وعبارة الأزهري. المطل (٤): إطالة المدافعة.
وهو في الشرع كما قال القاضي (٥) عياض وغيره: منع قضاء ما استحق أداؤه.
والغني عند الفقهاء: من لا تحل له الزكاة.
стр. 3646
واختلفوا فيه على أقوال: محل الخوض فيها كتب الخلافيات.
والغنى الحقيقي: هو غنى النفس لا كثرة العرض، كما قاله -عليه أفضل الصلاة والسلام- (١).
الرابع: "الظلم" وضع الشيء في غير موضعه وهو مجاوزة الحد.
وقيل: التصرف في غير ملك، وكل منهما مستحيل في حق الله تعالى.
الخامس: "المليء" بالهمز، الغنى الكبير. قاله: القلعي (٢) في "المستغرب"، والأزهري (٣) قال: إنه الغني ويؤيده أن في رواية سليم (٤) ....................................
стр. 3647
والبندنيجي (١) من كبار فقهاء الشافعية: "غنى" بدل "مليء"، وكذا عنى به صاحب "المستغرب على المهذب" أنه الغني. قال: وأصله الواسع الطويل (٢).
الثامن: قوله ﵊: "وإذا اتبع أحدكم على ملي فليتبع"، هو بإسكان التاء المثناة فوق فيهما، أعني -في "أُتْبِعَ"، وفي "فَلْيَتْبَعْ". وهذا هو الصواب المشهور في الروايات، والمعروف في اللغة والغريب.
ونقل القاضي (٣): عن بعض المحدثين في الكلمة الثانية أنه بتشديدها, وليس بصواب.
قال الخطابي (٤): الصواب الأول. وأصحاب الحديث يروونه
стр. 3648
بالتشديد، وهو غلط. والمعنى: إذا أحيل أحدكم بالدين الذي له على موسر، يقال فيه: تبعت الرجل بحقي، أُتبعه تِباعة: فأنا له تبيع إذا طلبته. قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾ (١).
وكذا حكى القرطبي في "مفهمه" (٢) الخلاف في تشديد التاء وتخفيفها في الثانية فقط، فإنه قال: "أُتبع" -بضم الهمزة وتخفيف التاء وكسر الباء- على ما لم يسم فاعله عند الجميع.
فأما "فليتَّبع" فبعضهم قيده بتشديد التاء، وكذا قيَّدته على من يوثق به. وقد روي بتخفيفها وهو الأجود، لأن العرب تقول: تبعتُ الرَّجل بحقَّي، ثم ذكر ما أسلفناه.
واقتصر الشيخ تقي الدين في "شرحه" (٣): على التخفيف فيهما, ولم يحك سواه، وقال: إنه مأخوذ من قولنا: أتبعت فلاناً إذا جعلته تابعاً للغير، والمراد هنا: تبعته في طلب الحق بالحوالة.
وحكى الروياني (٤) من كبار الشافعية أنه قيل: -بالتشديد- في الأولى أيضاً، فقال في كتاب "البحر": من أصحابنا أصحاب الحديث يقولون: اتّبع -بالتشديد- وهو غلط، وصوابه: بألف مضمومة وتاء مخففة.
وحكى الوجهين الفاكهي من غير عزو ولا حد، فقال الصواب:
стр. 3649
في التأين السكون، وبعض المحدثين والرواة يقولونه بتشديدهما، يقال: تبعت فلاناً بحقي، فأنا أتبعه ساكنة التاء والراء، يقال: ولا يقال اتبعه بتشديدها إلا من المشي خلفه، واتباع أثره في أمر.
السادس: ادعى الرافعي (١) ﵀ وإيانا- في "شرحه للوجيز"، أن الأشهر في الرواية: "وإذا أحيل" بالواو دون "الفاء" ثم قال: فعلى التقدير الأول هو مع قوله: "مطل الغني ظلم"، جملتان لا تعلق للثانية بالأولى، كقوله ﵊: "العارية مردودة والزعيم غارم".
وعلى الثاني: يجوز أن يكون المعنى في الترتيب أنه إذا كان المطل ظلماً من الغني، فليقبل من يحتل بدينه عليه، فإن الظاهر أنه يحترز عن الظلم ولا يمطل.
قال الشيخ نجم الدين ابن الرفعة (٢) في "مطلبه": وهذا إذا كان الوصف بالغنى يعود إلى من عليه الدين، وقد قيل: إنه يعود إلى من له الدين، وعلى هذا لا يحتاج أن يذكر في التقدير من الغني.
السابع: "اتبع" يتعدى بنفسه، وعدى هنا "بعلى" تضميناً له معنى أحيل.
الثامن: هذا الأمر في قوله: "فليتبع"، وفي قوله: "فليحتل" في رواية الإِمام أحمد للاستحباب وعند الشافعية والجمهور (٣).
стр. 3650
وقال الماوردي: هو للإِباحة لوروده بعد الحظر، وهو نهيه ﵊ عن بيع الدين بالدين، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (١). وهذا حمل منه، ويحتاج إلى التاريخ في ذلك، وأنه وارد بعده، ولم أر ذلك.
وقال أبو ثور (٢) وابن جرير وداود: إنه للوجوب لظاهر الخبر.
وادعى الجوري (٣) -بضم الجيم- من أصحابنا الإِجماع على الأول لما فيه من الإِحسان إلى المحيل بتحويل الحق عنه، وبترك تكليفه التحصيل بلا طلب.
التاسع: في الحديث إشعار بأن الأمر بقبول الحوالة على
стр. 3651
المليء معلل بكون مطل الغني ظلماً (١).
قال الشيخ تقي الدين (٢): ولعل السبب فيه أنه إذا [تبين] (٣) كونه ظلماً -والظاهر من حال المسلم الاحتراز عنه- فيكون ذلك سبباً للأمر بقبول الحوالة عليه، لحصول المقصود من غير [مطل] (٤). ويحتمل أن يكون ذلك، لأن المليء لا يتعذر استيفاء الحق منه عند الامتناع، بل يأخذه الحاكم قهراً (٥) ويوفيه. ففي قبول
стр. 3652
الحوالة تحصيل الغرض من غير مفسدة تأخير الحق، قال: والمعنى الأول أرجح لما فيه من بقاء معنى التعليل يكون المطل ظلماً. وعلى هذا المعنى الثاني تكون العلة عدم تأخير الحق لا الظلم.
العاشر: في أحكامه:
الأول: تحريم المطل بالحق ولا خلاف فيه مع القدرة بعد الطلب، واختلف أصحابنا في وجوب الأداء مع القدرة من غير طلب صاحب الحق على وجهين حكاهما الشيخ تقي الدين (١).
وقال الروياني في "البحر" في آخر كتاب الغصب: يحتمل أن يقال إن كان وجوبه برضى المالك فهو على التراخي، ويتعين بالمطالبة وبالخوف على ضياع المال، وإن كان بغير رضاه فهو على الفور، وإلا فإن وجب بتعدٍ كان على الفور، وإلا كان على التراخي.
وقال إمام الحرمين في كتاب القاضي إلى القاضي: قد يقول الفقيه من عليه دين حال يلزمه أداؤه، وإن لم يطلبه صاحبه وإنما سقط وجوبه برضى المستحق بتأخيره.
وقال في الزكاة: من عليه دين وهو غير ممتنع من أدائه ومستحقه غير مطالب به لا يتعين أداؤه إلا بمطالبته.
قلت: ويؤيده هذا الحديث، فإنه ﵊
стр. 3653
أناط الظلم بالمطل والغنى, ولا يتبين الظلم مع الفقر، فلا يثبت مع عدم المطل، والمطل إنما يكون مع الطلب.
وكذا قال الشيخ تقي الدين: أنه لا ينبغي أن يؤخذ الوجوب من هذا الحديث, لأن لفظة: "المطل" تشعر بتقديم الطلب.
قلت: ولا يخفى جواز التأخير بعذر كغيبة مال ونحوها, ولا يطلق عليه مطل محرم. والحالة هذه.
الثاني: عدم تحريم المطل من غير الغنى كما أفهمه، الحديث وهو ظاهر, لأنه معذور، ولا يحل له حبسه، ولا ملازمته ولا مطالبته في الحال، بل يمهل حتى يوسر، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١).
الثالث: يدخل في مطل الغني كل من عليه حق، وكذا هو قادر على القيام به كالزوجين فيما يتعلق بكل منهما من الحق الذي عليه، وكذا الأصول والفروع والسادة والمماليك والحاكم والناظر وغير ذلك.
الرابع: فيه جواز الحوالة (٢)، وهو إجماع، والأصح عند
стр. 3654
الشافعية أنها بيع دين بدين، واستثنى للحاجة إليها, ولها شروط (١) محل الخوض فيها كتب الفروع.
الخامس: فيه أيضاً ستحباب قبولها إذا أحيل على مليء، وهو قول الجمهور كما سلف (٢).
السادس: فيه أيضاً ترك الأسباب القاطعة لاجتماع القلوب وتعاطي ما يقضي لاجتماعها.
السابع: استنبط منه القاضي عياض، ثم القرطبي (٣) أنه لا تجوز الحوالة إلا من دين حال, لأن المطل والظلم إنما صح فيما حل لا فيما لم يحل.
стр. 3655
الثامن: استنبط القاضي إسقاط شهادته لتسميته ظالماً (١)، وهو ما ذهب إليه سحنون (٢) وغيره. واعتبر غيره في إسقاطها أن يصير المطل له عادة. ويقتضي مذهبنا اشتراط التكرار كما قاله النووي في "شرح مسلم" (٣)، وكأن من لم يشترط التكرار رآه كبيرة لأجل ظلمه بذلك.
التاسع: استنبط منه بعضهم أن المعسر لا يحل حبسه (٤)
стр. 3656
وملازمته، ولا مطالبته حتى يوسر، كما أسلفته، وهو مذهب مالك والشافعي والجمهور.
قال الشافعي: لم يجعل النبي ﷺ مطل المديون ظلماً إلا بالغنى، فلو كان يؤاخذ لكان ظالماً بترك المؤاخذة.
وحكى عن شريح حبسه حتى يقضي الدين، وإن كان قد ثبت إعساره (١).
стр. 3657
وعن أبي حنيفة (١) ملازمته.
وأبعد من قال ببيعه في دينه، وحكاه ابن حزم الظاهري عن الشافعي، فقال في "محلاه" (٢) في كلامه على بيع الحر أن زرارة ابن أوفى، قاضي البصرة، من التابعين، باع حراً في دين، ثم قال:
стр. 3658
وقد روينا هذا القول عن الشافعي، وهي قول غريبة لا يعرفها من أصحابه إلا من تبحر في الحديث والآثار، وقال: هذا قضاء عمر وعلي بحضرة [الصحابة رضوان الله عليهم] (١)، ولا يعترضهم في ذلك منهم معترض. قال: وقديماً أثر بأن الحر كان يباع في الدين في صدر الإِسلام إلى أن أنزل الله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢).
العاشر: استنبط أصحابنا منه أن الحوالة إذا صحت وتعذر الأخذ بفلس، وجحد وحلف ونحوهما: كموت البينة، وامتناعه لا يرجع على المحيل.
وجه الدلالة: أنه لو كان له الرجوع لما كان لاشتراط الملاءة.
فائدة, لأنه إن لم يصل إلى حقه رجع به، فلما شرطها علم أنه انتقل انتقالاً لا رجوع به فاشترطت الملاءة حراسة لحقه.
وخالف أبو حنيفة فقال: يرجع عليه عند التعذر (٣).
الحادي عشر: فيه دلالة لمسألة أصولية، وهي أن تعليق الحكم بصفة من صفات الذات يدل على نفي الحكم عن الذات عند انتفاء تلك الصفة. ووجهه أن المتبادر إلى الفهم عرفاً ولغة من قوله ﵊: "مطل الغني عندهم ظلم"، أن مطل الفقير ليس بظلم، وهذا مذهب الشافعي والأشعري. اللهم إلا أن يظهر أن للتخصيص بتلك الصفة، فائدة أخرى، فلا تدل على
стр. 3661
نفيه، وخالف أبو حنيفة وابن سريج (١) والغزالي (٢) وغيرهم، فقالوا: إنه ليس بحجة.
واختاره الآمدي (٣)، والإِمام (٤) في "محصوله" (٥) و"منتخبه", وقال في "معالمه": إنه يدل عرفًا لا لغة.
стр. 3662
الحديث الثالث
٣٠٠/ ٣/ ٥٨ - وعنه قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم -أو قال: سمعت النبي ﷺ يقول-: (مَنْ أدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدِ رَجُلٍ أوْ إنْسانٍ قَدْ أفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِه مِنْ غَيْرِهِ) (١).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: هذا الحديث أخرجه البخاري كذلك إلَاّ أنه قال: بدل "سمعت النبي"، "سمعت الرسول ﷺ "، وترجم عليه باب (٢): إذا وجد ماله عند مفلس في البيع والقرض والوديعة فهو أحق به.
وأخرجه مسلم كذلك، وقال: "سمعت النبي -صلي الله عليه وسلم -" بعد قوله: "عند رجل قد أفلس".
стр. 3663
وفي رواية له: "أيما امرئ فُلِّسَ".
وفي رواية عن النبي ﷺ : "في الرجل الذي يُعَدِمُ إذا وُجدَ عنده المتاع ولم يفرقه أنه لصاحبه الذي باعه".
وفي رواية له: "عن النبي ﷺ إذا أفلس الرجل فوجد الرجل متاعه بعينه فهو أحق به".
وفي رواية له: "فهو أحق به من الغرماء".
وفي رواية له: "أن رسول الله ﷺ قال إذا أفلس الرجلُ فوجد الرجلُ عنده سلعته بعينها فهو أحق بها".
الوجه الثانى: هذا التردد في قوله: "قال رسول الله ﷺ أو قال: سمعت النبي ﷺ وهو من الراوي عن أبي هريرة/ وهو أبو بكر بن عبد الرحمن الحارث بن هشام (١) وقد قال: مرة أخرى عنه عن النبي ﷺ كما قدمناه عن رواية مسلم.
ورواية عراك بن مالك عن أبي هريرة بلفظ: "أن رسول الله ﷺ قال" كما أسلفنا عن رواية مسلم أيضًا.
ورواه بشير بن نهيك عن أبي هريرة بلفظ: "عن النبي ﷺ " كما أسلفناه أيضًا، وقد قدمت لك أن رواية مسلم الأولى كرواية
стр. 3664
المصنف: "قال رسول الله ﷺ "، أو "قال: سمعت النبي"، وأن رواية البخاري "قال رسول الله"، أو قال: "سمعت رسول الله ﷺ " ويتعلق برواية مسلم المسألة السالفة في الكلام على حديث: "إنما الأعمال بالنيات" من كتاب الطهارة (١) أنه هل يجوز تغيير قال النبي ﷺ إلى قال الرسول أو عكسه؟ وقد ذكرت هناك ما فيها من الخلاف وهو الوجه الرابع عشر من الكلام على ذلك الحديث فلما وقع الخلاف في ذلك ساغ للراوي التحري في أي اللفظين سمع ليرويه به وقد أسلفت هناك في الوجه الثالث عشر عن الخطيب البغدادي أن أرفع العبارات "سمعت" ثم "حدثنا وحدثني" فلما اختلفت رتبتهما تحرّي الراوي هل قال: قال، أو سمعت؟
الثالث: قوله: "عند رجل" أو "إنسان" الظاهر أنه شك من الراوي أيضًا.
الرابع: معنى "أفلس" (٢): صار مفلسًا، أي: صارت دراهمه
стр. 3665
فلوسًا كما وصف الرجل صارت دابته قَطُوفًا، ويجوز كما قال الجوهري (١): أن يراد به أنه صار إلى حال، يقال فيها: ليس معه فلس.
كما يقال: أقهر الرجل إذا صار في حالة يذل فيها.
وهو في الشرع: حجر الحاكم على المديون.
والمفلس: المحجور عليه بالديون.
الخامس: في الحديث أحكام.
أولها: رجوع البائع إلى عين، ما له عند تعذر الثمن بالفلس، وهو مذهب الشافعي ومالك والأكثرون، وألحقوا الموت به.
وخالف مالك: فقال: يكون فيه أسوة الغرماء.
وخالف أبو حنيفة فقال: لا يرجع فيهما، بل يضارب مع الغرماء.
حجة الأكثرين في الفلس: هذا الحديث ودلالته ظاهرة.
قال الاصطخري (٢): لو حكم الحاكم بخلافه نقض حكمه.
стр. 3666
وفي "الموت" حديث في "سنن أبي داود" و"ابن ماجه" (١) من حديث أبي هريرة أيضًا وقال الحاكم (٢): إنه صحيح الإِسناد ولفظه: (أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه).
وحمل أبو حنيفة (٣) الحديث على الغصب والوديعة. لأنه لم
يذكر البيع فيه أو على ما قبل القبض وهما ضعيفان كما قال الشيخ تقي الدين (١):
والأول: ضعيف جدًا لأنه يبطل. فائدة: تعليق الحكم بالفلس.
قلت: ورواية مسلم السالفة أنه لصاحبه الذي باعه يرده ردًا صريحًا.
والثاني: يضعفه قوله: "أدرك ماله" أو "وجد متاعه" (٢) فإن ذلك يقتضي إمكان العقد. وذلك بعد خروج السلعة من يده.
стр. 3670
ورده القاضي (١) عياض بأوجه:
أحدها: أنه نص في الحديث على الموت والفلس دون غيرهما.
ثانيها: رواية مالك في "الموطأ" أيما رجل باع مالًا" وهذا مقيد بالبيع فحمل المطلق عليه.
ثالثها: أن لفظة "أحق" تقتضي الاشتراك ولا اشتراك فيما ذكره.
رابعها: أن الأحقية هنا منتفية فيما إذا تغيرت الصفة بخلاف المودع والمغصوب والمقترض، فإنها أموالهم على كل حال.
وأجمل النووي القول في الرد عليه فقال (٢): تأوله أبو حنيفة بتأويلات ضعيفة مردودة وتعلق بشيء يروي عن علي (٣)، وابن مسعود وليس بثابت عنهما.
стр. 3671
وكذا القرطبي فقال في "مفهمه" (١) تعسف بعض الحنفية في تأويل أحاديث الإِفلاس تأويلات لا تقوم على أساس، ولا تتمشى على لغة ولا قياس فلنضرب عن ذكرها لوضوح فسادها.
وحجة مالك ما رواه في "موطئه": عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن رسول الله ﷺ قال: (أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقتضي من ثمنه شيئًا فوجده بعينه فهو أحق به، فإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع أسوة الغرماء)، قال القرطبي (٢): وهذا مرسل صحيح وقد أسنده أبو داود (٣)
стр. 3672
حديث أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وهو طريق
стр. 3673
صحيح، قال: ومذهب مالك أولى لأن حديثه أصح من حديث الشافعي, لأن في إسناده مجهول على ما ذكره أبو داود. وللفرق بين المفلس والميت فإن ذمة الميت قد خربت بخلافه هذا كلامه وليته لما نقل عن أبي داود أنه أسنده عقبه بقوله: "حديث مالك أصح" يعني المرسل -فإن أبا داود ذكره عقبه، وكذا نص عليه الحفاظ.
وقال: إمامنا الشافعي (١) حديث أبي هريرة المتقدم أولى من هذا وحديث ابن شهاب منقطع.
وقال أبو حاتم: إن رواية الوصل خطأ.
وقال البيهقي (٢): لا يصح. فحينئذٍ حديث الشافعي أصح كما شهد له إمامنا.
стр. 3674
وقول القرطبي (١): إن في إسناده مجهول، تبع فيه أبا داود وقد ثبت في "تخريجي الأحاديث الرافعي" (٢) وغيره أنه معروف ثقة، فظهر رجحان مذهب الشافعي في ذلك، وإذا ثبت النص طاح الفرق وبالله التوفيق.
وحمل المازري (٣): رواية الشافعي على الوديعة والغصب. وقد علمت جوابه، وأنه تعسف.
الثاني: رجوعه أيضًا ولو قبض بعض الثمن لإطلاق الحديث، وهو الجديد من قولي الشافعي وخالف في القديم (٤).
стр. 3675
فقال: يضارب بباقي الثمن فقط: وعليه اقتصر القرطبي (١) في حكايته عنه وليس بجيد منه.
وفيه حديث في الدارقطني (٢) وهو مرسل ولا يصح مسندًا فعلى الجديد إذا باعه وتلف أحدهما وقبض نصف الثمن مثلًا أخذ الباقي، بباقي الثمن، ويكون ما قبضه في مقابلة التالف، وفي قول: مخرج يأخذ نصفه بنصف باقي الثمن
الثالث: رجوع المقرض إلى عين ماله إذا كان باقيًا بعينه وأفلس بعد قبضه، كما ترجم عليه البخاري فيما سلف، ووجهه أن لفظ الحديث أعم من أن يكون المال أو المتاع لبائع أو لمقرض والفقهاء قاسوه عليه بجامع أنه مملوك يقدر [علي] (١) تحصيله فأشبه البيع ولا حاجة إليه لاندراجه تحته وبهذا قال الشافعي وأبو محمَّد الأصيلي (٢) من المالكية.
стр. 3679
وخالفه غيره فقال: لا يكون القرض كالبيع.
الرابع: الحجر على المفلس وخالف فيه أبو حنيفة (١).
стр. 3680
ولابد في الحديث (١) من إضمار (٢) أمور يحمل عليها، مثل: كون السلعة مقبوضة موجودة عند المشتري دون غيره، والثمن غير مقبوض، ومال المفلس لا يفي بالديون، أو كان مساويًا وقلنا، يحجر عليه في صورة (٣) التساوي، فلو مات أو كاتب العبد فلا رجوع، ولو زال من يد المشتري وعاد إليه فأظهر الوجهين في "الشرح الصغير للرافعي": أنه يجوز الرجوع.
وصحح النووي في "الروضة" (٤) من زياداته مقابله.