الثالث: قوله: "وتصدقت بها" فيه احتمالان أبداهما الشيخ تقي الدين:
الأول: أن يكون راجعًا إلى الأصل المحبس. وهو ظاهر اللفظ، ويتعلق بذلك ما تكلم به الفقهاء من ألفاظ التحبيس، الذي منها: "الصدقة" (١) ومن قال منهم بأنه لابد من لفظ يقترن بها، ويدل على معنى الوقف والتحبيس، كالتحبيس في الحديث، وكقولنا "مؤبدة" "محرمة" أو "لا تباع ولا توهب".
الثاني: أن يكون قوله: "وتصدقت بها" راجعًا إلى الثمرة (٢) على حذف المضاف -أي: وتصدقت بثمرتها أو ريعها- ويبقى لفظ: "الصدقة" على إطلاقه (٣). وبه جزم القرطبي (٤).
الرابع: قوله: "فتصدق فيها" إلى آخره هو محمول -عند
стр. 3712
الشافعي- وجماعة على أن ذلك حكم شرعي ثابت للوقف، من حيث -هو وقف (١)، ويحتمل- كما قال الشيخ تقي الدين (٢): أن يكون ذلك إرشادًا إلى شرط هذا الأمر في هذا الوقف، فيكون ثبوته بالشرط، لا بالشرع (٣).
الخامس: المصارف المذكورة مصارف خير وقربة، وهي جهة الأوقاف فلا يوقف على ما ليس بقربة من الجهات العامة.
واختلف أصحابنا فيما إذا وقف على جهة لا يظهر فيها القربة كالأغنياء.
والأصح: عندهم الصحة، كما هو مقرر في الفروع مع ما فيه من البحث.
السادس: المراد بالقربى هنا قربى عمر ﵁ ظاهرًا ويحتمل على بعد أن المراد بها من ذكر في الآية.
وبالفقراء: ما هو المقرر في الزكاة.
وبالرقاب: ما هو مقرر أيضًا فيها، وهو أما الكتابة كما ذهب إليه الشافعي. وإما العتق، كما ذهب إليه مالك.
стр. 3713
وقال الزهري: إن سهم الرقاب يقسم بينهما، قال ابن حبيب: ويفدي منه الأساري وخالفه غيره. ولابد أن يكون معناها معلومًا عند إطلاق هذا اللفظ وإلَّا فإن المصرف مجهولًا بالنسبة إليها.
والمراد بسبيل الله: الجهاد عند الأكثرين، ومنهم من عداه إلى الحج.
وبابن السبيل: المسافر سمي بذلك لملازمته السبيل، والقرينة تقضي اشتراط حاجته.
وبالضيف: من نزل بقوم. والمراد: قراه ولا تقتضي القرينة تخصيصه بالفقر.
وبالصديق: صديق الوالي عليها والعامل فيها، ويحتمل صديقًا للمحبس وفيه بعد كما قاله القرطبي.
السابع: قوله: "غير متأثل"، أي: متخذ أصل مال وجامعه يقال: تأثلت المال اتخذته أصلًا قال الشاعر:
ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
أي: المجد القديم المؤصَّل.
(١) الوجه الثالث: قد أسلفنا في رواية البخاري (٢) أن اسم هذه
стр. 3714
الأرض التي وقفها عمر "ثمغ" وهي بفتح الثاء المثلثة ثم ميم ساكنة كما قيده النووي في "شرح مسلم" (١).
وفي المفهم (٢) للقرطبي: ضبط الكاتب -فتحها- أيضًا، ثم غين معجمة وفيه أنه كان نخلًا (٣)، وكذا هو في "صحيح ابن حبان" (٤) أيضًا و"سنن الدارقطني" والبيهقي.
وفي رواية للنسائي (٥) إنها مائة سهم بخيبر، وأنه ﵊ قال له: "احبس أصلها , وسبل ثمرتها" وهذه الرواية ترجح أحد الاحتمالين السالفين في قوله: "وتصدقت بها" وفي رواية له (٦): "إنه اشتراها بمائة رأس كانت له".
وقيل: إنها أول صدقة تصدق بها في الإسلام. حكاه الماوردي (٧) من الشافعية.
стр. 3715
وقيل: وقّف ﷺ أموال مخيريق التي أوصى بها له، وقاتل معه، وهو يهودي مات في السنة الثالثة من الهجرة (١).
وفي كتاب "الوقف" للخبازي (٢) الحنفي: شيء كثير من ذلك أكثره عن الواقدي.
الرابع في أحكامه:
[الأول] (٣): صحة أصل الوقف وهو إجماع وما يروى عن بعض الأئمة (٤) فيه ردوه إلى أن الوقف بمجرده لا يلزم، وقد خالفه أبو يوسف لما بلغه الحديث ووافقه محمَّد، لكنه يقول من شرط لزومه القبض.
وكان إسماعيل بن اليسع (٥) [في مصر] (٦) قاضيًا يرى فيه بالرأي المروى عن بعض الأئمة، فأرسل الليث إلى هارون الرشيد إنا لم ننقم عليه دينارًا ولا درهمًا، ولكن أحكامًا لا نعرفها يعني قوله:
стр. 3716
بعدم صحته، فأرسل هارون كتابًا فعزله ولا شك في شهرة الوقف على جهة القربات، وتداوله خلفًا عن سلف.
وحديث: "لا حبس بعد سورة النساء" (١) وهو بفتح الحاء لا بضمها.
والمراد به: حبس الزانية بالبيوت [لا هذا] (٢).
الثاني: التقرب إلى الله تعالى بأنفس الأموال وأطيبها وعليه عمل أكابر الصالحين سلفًا وخلفًا كعمر وغيره قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وحديث أبي طلحة في بيرحا شهير في ذلك في الصحيح (٣).
стр. 3717
الثالث: أن خيبر فتحت عنوة، وأن الغانمين ملكوها واقتسموها واستقرت أملاكهم على حصصهم ونفذ تصرفاتهم فيها وسيأتي الخلاف في ذلك الباب (١).
الرابع: استشارة الأكابر وأخذ رأيهم، والائتمار بأمرهم فيما يعرض للشخص من المقاصد الصالحة، وذكر ذلك ليس من باب إظهار العمل للرياء والسمعة، وقد أرشده ﵊ إلى الأصلح في الصدقة، وهو التحبيس من حيث أنه صدقة جارية في الحياة وبعد الموت.
الخامس: أن التحبيس صريح في الوقف [وفيه وجه آخر للشافعية (٢) [أنه كناية] لأنه لم تشتهر اشتهار الوقف] (٣) وأن لفظة الصدقة لابد فيها من قرينة دالة على الوقف، والأصح عند الشافعية أن قوله: تصدقت. فقط ليس بصريح، وإن نوى إلَّا أن يضيفه إلى جهة عامة أو يقول: تصدقت. بكذا صدقة محرمة، أو موقوفة، أو لا تباع ولا توهب (٤).
السادس: أن أصل الوقف ينتقل إلى الله تعالى قربة بحيث يمتنع بيعه وإرثه وهبته، إذا كان في الصحة وجواز التصدق.
стр. 3718
السابع: أنه لا يناقل به أيضًا لأنه بيع.
ونقل الجوري -بضم الجيم- من الشافعية عن أبي يوسف وغيره أنه لو اشترط أن له بيع الوقف إذا عطب أو خرب أو تعطلت منافعه أو إن يصرف ثمنه في أرض غيره، فيكون موقوفًا على ما سمى في وقفه الأول، أو شرط البيع إذا رأى الحظ في نقله إلى موضع آخر إن جميع ذلك جائز. قال: وهو قوي بدليل أن المراد من الوقف وقف الأصل عن البيع والإتلاف، فإذا آل إلى الخراب، وعطب لم يكن لاحتباسه وجه، فكان كمن حبس فرسًا في سبيل الله، فهرم حتى لا يبقى فيه موضع للركوب، فيستبدل به وكعبد قطعت يده أو رجله أو عمى وكإجذاع دار موقوفة إذا انكسرت، وشجر تحطم، فلابد من استبداله، فإذا جاز بيع ذلك والاستبدال به بلا شرط لأنه بيعه أحظ للوقف فكذا بيعه بالشرط أجوز وهذا الذي قواه غريب عند الشافعية، وما اشتهر عن أبي [يوسف] (١) من الاستبدال بالوقف إذا كان فيه الحظ رواية منكرة.
ومذهب أحمد (٢) أنه لا تجوز المناقلة به كما حكاه أبو داود والأثرم عنه، وكذا هو في كتب أصحابه ما لم يتعطل الوقف، فإذا تعطل وخرب بيع عندهم.
ونقل الجوري أيضًا -بضم الجيم- عن ابن مسعود أن عمر
стр. 3719
أمر بنقل مسجد (١) وعزاه إلى المسعودي وهو ثقة إلَّا أنه تغير بأخره. ورواه القاسم مرسل.
الثامن: أن الوقف مخالف لسوائب الجاهلية من حيث أن المقصود منه التبرر، فلو قصد به مضارة أحد أو منع حق لا يثاب باطنًا.
التاسع: صحة شرط الواقف المطابق للكتاب والسنَّة واتباعه.
العاشر: فضيلة الوقف على من ذكر من الأصناف وما شاكله من الأمور العامة.
الحادي عشر: جواز الوقف على الأغنياء من حيث أن بعض المذكورين في الحديث غير مقيد بالفقر، بل مطلق كذوي القربى والضيف، وهو الأصح عند أصحابنا كما سلف.
الثاني عشر: المسامحة في بعض الشروط حيث علق الأكل على المعروف وهو غير منضبط.
الثالث عشر: تحريم أخذ العمال وغيرهم ممن يليها أكثر مما يستحقه شرعًا، ويأخذ على القيام بمصالح الوقف بالمعروف والتقدير فيه إلى الحاكم.
стр. 3720
الرابع عشر: جواز أكل الضيفان منها بالمعروف، وهو أن لا يتعطل مقصود شرط الواقف.
الخامس عشر: كراهة التكثر والتأثل من مال الأوقاف، بل يأكل ما يعتاد شرعًا من غير تجاوز.
[السادس عشر] (١): فضيلة صلة الأرحام وغيرهم من المحتاجين والوقف عليهم، فإن المراد بالقربى هنا قربى عمر كما سلف.
السابع عشر: فيه فضيلة ومنقبة ظاهره لعمر ﵁.
الثامن عشر: فيه قبول ما أشير به عليه والمبادرة إليه.
التاسع عشر: المبادرة إلى فعل الخير المتعدى.
العشرون: وفيه أيضًا جواز ذكر الوالد باسمه من غير كنية وقد تقدم [سره] (٢) في الوجه الرابع عشر في الكلام على الحديث الخامس من كتاب الزكاة (٣).
الحادي والعشرون: فيه أيضًا جواز وقف المشاع, لأن هذه المائة سهم من حيث كانت مشاعة، كما رده الشافعي ولا يسرى إلى الباقي, لأنها من خواص العتق [ولم ينقل] (٤) أن الوقف سرى من
стр. 3721
حصة عمر إلى غيرها من باقي الأرض ولا خلاف عندنا في هذا، وفي "شرح هذا الكتاب للصعبي": أن بعض متأخري الشافعية حكى السراية وربما حكم به بعض متأخري زمنه واختاره ثم قال: وهذا ليس بمشهور وهو كما قاله، قال: ويجمع بين هذا وبين تسمية الأرض بثمغ فإن الظاهر أنها قد أفرزت، فإنها كانت مشاعة أولًا ثم أفرزت بعد الوقف، ولا [يخفى] (١) هذا الجمع من نظر.
وقال القرطبي في "مفهمه" (٢): هذه الأرض صارت له بالقسمة، فإنه ﵊ قسم أرض خيبر لما افتتحها عنوة، ورواية النسائي أنه اشتراها بمائة، وليس له مخالف.
الثاني والعشرون: روى الدارقطني أنه ﵊ قال له: "احبس أصلها" واجعل ثمرها صدقة، قال فكتب" إلى آخره، كذا ذكره بفاء التعقيب، وهو دال على أن الوقف كان حينئذٍ، لا كما ادعاه بعضهم أنه وقف في المرض مضافًا إلى ما بعد الموت وأنه ﵊ أشار به.
الثالث والعشرون: فيه أن من وقف وقفًا ولم يعين له ناظرًا يجوز، لأنه قال: لا جناح على من وليها، أن يأكل منها بالمعروف. ولم يعين أحدًا.
الرابع والعشرون: فيه أيضًا أن الواقف إذا صار بصفة الموقوف عليه ينتفع بالوقف, لأنه أباح لمن وليه، وقد يليه الواقف، وقد قال
стр. 3722
- ﵊ للذي أهدى البدنة "اركبها".
الخامس والعشرون: استدل أحمد بقوله: "لا جناح على من وليها بالمعروف" على أنه إذا شرط لنفسه عند الوقف نفعه مدة حياته صح لأن عمر هو الذي وليها، وخالفه مالك وغيره، لأنه في معنى الواقف على نفسه، وهو لم يرد نفسه وإنما ذكر صفة عامة فإذا اتصف بها دخل.
стр. 3723
الحديث السادس
٣٠٣/ ٦/ ٥٨ - عن عمر ﵁ قال: (حملت على فرس في سبيل الله؛ فأضاعَهُ الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه، فظننت أنه يبيعه برخص. فسألت النبي ﷺ فقال: "لا تشتره ولا تعد في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في هبته كالعائد في قيئه").
وفي لفظ: "فإن الذي يعود في صدقته، كالكلب يعود في قيئه" (١).
والكلام عليه من وجوه:
الأول: هذا الحديث ترجم [البخاري عليه] (٢) على حديث ابن عباس الآتي باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته. ثم
стр. 3724
ذكره (١) بلفظ: "بائعه" بدل: "يبيعه"، والباقي مثله. إلا أنه لم يذكر: "ولا تعد في صدقتك"، وقال: "في صدقته" بدل في: "هبته". [وقال] (٢): بعد قوله: "بدرهم واحد".
ثم ترجم (٣) عليه بعد ذلك. إذا حمل رجلًا على فرس فهو كالعُمرى والصدقة.
وقال بعض الناس: له أن يرجع فيها، وذكره مختصرًا بلفظ: (حملت على فرس في سبيل الله، فرأيته يباع، فسألت رسول الله ﷺ فقال: "لا تشتره ولا تعد في صدقتك").
وذكره في الجهاد (٤)، باب: الجعائل والحملان في [سبيل الله] بنحوه.
وذكره في باب (٥): إذا حمل على فرس فرآها تباع، كذلك وفي لفظ: "لا تشتره وإن بدرهم، فإن العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه".
وفي بعض طرق البخاري (٦) أن عمر حمل على فرس له في
стр. 3725
سبيل الله، أعطاها رسول الله ﷺ له فحمل عليها رجلًا. . . . الحديث.
ورواه مسلم بألفاظ، منها: (حملت على فرس عتيق في سبيل الله، فأضاعه صاحبه، فظننت أنه بائعه برخص، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك، فإن العائد في صدقته: كالكلب يعود في قيئه").
ومنها: "لا تبتعه [ولا تعد في صدقتك] " (١).
ومنها: أنه حمل على فرس في سبيل الله، فوجده عند صاحبه، وقد أضاعه، وكان قليل المال، فأراد أن يشتريه، فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقال: "لا تشتره وإن أُعطيته بدرهم، فإن مثل العائد في صدقته: كمثل الكلب يعود في قيئه".
وفي رواية للشافعي في "سننه" (٢): "لا تشتره، ولا شيئًا من نتاجه".
ورواه المزني عن الشافعي بلفظ: "دعها حتى يوافيك وأولادها جميعًا".
الثاني: اسم هذا الفرس "الورد" (٣) أهداه لرسول الله ﷺ تميم الداري، فأعطاه عمر، ذكره ابن سعد، وقد أسلفنا عن إحدى روايات البخاري أنه ﵊ أعطاه عمر ليحمل عليه، فحمل عليها رجلًا.
стр. 3726
الثالث: أن (١) هذا الحمل حمل تمليك، ليجاهد عليه، لا حبسًا عليه وإن كان محتملًا لكنه مرجوح، لأن الذي أعطيه أراد بيعه، ولم ينكر عليه ذلك، ولو كان حبسًا لم يبع، إلا أن يحمل على أنه انتهى إلى حالة عدم الانتفاع به فيما حبس عليه، وليس في اللفظ ما يشعر به، ولو ثبت أنه حمل تحبيس لكان في ذلك متعلق في مسألة وقف الحيوان، ويدل على أنه حمل تمليك، قوله ﵊: "ولا تعد في صدقتك"، وقوله: "فإن العائد في صدقته"، وفي لفظ: "في هبته كالكلب، يعود في قيئه"، ولو كان حبسًا لعلله به، دون الهبة ونحوها.
الرابع: معنى "أضاعه" لم يحسن القيام عليه وقصّر في مؤنته، ويحتمل أن يكون أضاعه بكونه استعمله في غير ما جعل له.
الخامس: سمي شراءه برخص عودًا في الصدقة من حيث الغرض فيها ثواب الآخرة، فإذا اشتراها برخص فكأنه اختار عوض الدنيا على الآخرة، مع أن العادة تقتضي بيع مثل ذلك برخص لغير المتصدق، فكيف بالمتصدق أو المملك بسبب تقدم إحسانه بذلك، فيصير راجعًا في ذلك المقدار الذي سومح فيه (٢).
السادس: قوله ﵊: "لا تشتره ولا تعد في صدقتك حمل هذا النهي أكثر العلماء على التنزيه، وحمله بعضهم. على التحريم. قال القرطبي: وهو الظاهر من سياق الحديث.
стр. 3727
السابع: قوله ﵊: "أعطاكه بدرهم" هو مبالغة في رِخِصِه الحامل على شراه، وفي البخاري كما أسلفناه: "بدرهم واحد"، فلا تضيع الثواب العظيم بشيء من الحقير: قل أو كثر.
الثامن: ذكر ﵊ الكلب وعوده في القيء ليكون ذلك مبالغة في التنفير في العود في الهبة والصدقة، ولا شك في شدة كراهة ذلك، وهي من وجهين:
الأول: وقوع تشبيه الراجع بالكلب.
والثاني: وقوع تشبيه المرجوع فيه بالقيء (١)، وكل منهما قذر محرم، و"القيء" مهموز. والعامة تثقله (٢) [ولا تهمزه].
(٣) [التاسع]: في أحكام الحديث:
الأول: الإِعانة على الغزو بكل شيء حتى بتمليك فرس.
الثاني: إن أخذه يملكه.
الثالث: أن لأخذه بيعه والانتفاع بثمنه.
الرابع: منع من تصدق بشيء أو أخرجه في كفارة أو نذر، ونحو ذلك من القربات أن يشتريه ممن تصدق به عليه أو يتهبه أو يتملكه باختيار منه، فلو ورثه منه فلا منع منه ولا كراهة فيه،
وكذا لو انتقل إلى ثالث ثم اشتراه منه المتصدق، ولا كراهة. وهذا مذهب الشافعي والجمهور أن المنع للتنزيه.
وقال جماعة: للتحريم، قال صاحب "الإِكمال" (١) وهو ظاهر الموازية.
الخامس: تحريم الرجوع في الهبة والصدقة، وإنما يحرم بعد الإِقباض فيها، والحديث عام في كل هبة، وبه قال طاوس وأحمد، كما حكاه عنهما القرطبي (٢)، وحكى غيره عن أحمد موافقتنا، وهو أنه خص بجواز رجوع هبة الوالد لولده، وإن سفل لحديث النعمان بن بشير الآتي بحديث ابن عباس وابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل حتى إذا شبع قاء، ثم عاد فيه" (٣). رواه أصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي
стр. 3730
وابن حبان والحاكم وغيرهم. ولا رجوع في هبة الأخوة والأعمام من ذوي الأرحام؛ وكل هذا ذهب مالك والأوزاعي أيضًا (١).
وقال أبو حنيفة (٢) وآخرون: يرجع كل واهب في هبة الأجنبي إلَّا الوالد، وكل ذي رحم محرم.
واعتذروا عن هذا الحديث: بأن رجوع الكلب في قيئه
стр. 3731
لا يوصف بالحرمة، لأنه غير مكلف، والتشبيه وقع بأمر مكروه في الطبيعة، لتثبت به الكراهة في الشريعة، وفيه نظر.
واتفقوا: على كراهة الرجوع مطلقًا تنزيهًا لا تحريمًا.
وعن مالك: أنه إن رغب راغب في مواصلة الولد بسبب المال الموهوب لم يكن له الرجوع.
стр. 3732
الحديث السابع
٣٠٤/ ٧/ ٥٨ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "العائد في هبته، كالعائد في قيئه" (١).
الكلام عليه سلف [في الكلام] (٢) على الحديث قبله، ولم أرى هذا الحديث في شرح الشيخ تقي الدين (٣) ولا الفاكهي، وترجم البخاري (٤) عليه وعلى الذي قبله، باب: لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته -كما أسلفناه- وذكره بلفظين:
أحدهما: هذا.
стр. 3733
والثاني: ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته: كالكلب يرجع في قيئه.
وذكره أيضًا في باب (١): هبة الرجل لامرأته، والمرأة لزوجها، بلفظ: "العائد في هبته، كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه".
وذكره معلقًا (٢) بدون: "واو"، بلفظ: "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه".
ورواه مسلم بألفاظ،
منها: لفظ الكتاب قاله ابن منده في "مستخرجه"، وروى هذا الحديث أيضًا مع ابن عباس ابن عمر (٣) ووالده (٤). وجابر بن عبد الله وأبي هريرة (٥) والصديق وعبد الله بن عمرو (٦).
فرع: حكم الرجوع في الهدية حكم الرجوع في الهبة، وفي الصدقة اضطراب عندنا كما ستعلمه في الحديث الآتي، وفي إلحاق الأم والجد والجدات بالأب خلاف عندنا، والأصح الإِلحاق خلافًا لأحمد.
стр. 3734
وللرجوع شروط أيضًا محلها كتب الفقه، فلذلك أضربنا عن الكلام فيه (١).
وعند المالكية خلاف في إلحاق المنافع بالرقاب، فسوى بينهما عبد الملك ويأباه ابن المواز.
стр. 3735
الحديث الثامن (١)
٣٠٥/ ٨/ ٥٨ - عن النعمان بن بشير ﵄ قال: تصدق عليّ أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضي حتى تشهد رسول الله ﷺ ، فانطلق أبي إلى رسول الله ﷺ ليشهده على صدقتي، فقال له رسول الله ﷺ : "أفعلت هذا بولدك كلهم؟ ".
قال: لا. قال: "اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم"، فرجع أبي، فرد تلك الصدقة.
وفي لفظ، قال: "فلا تشهدني إذًا، فإني لا أشهد على جور"، وفي لفظ: "فأشهد على هذا غيري" (٢).
стр. 3736
الكلام عليه من وجوه:
الأول: هذا الحديث ترجم عليه البخاري (١) باب: الإشهاد في الهبة، ثم ساقه من حديث الشعبي: سمعت النعمان بن بشير وهو على المنبر يقول أعطاني أبي عطية فقالت عمرة بنت رواحة (٢) لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ فأتى رسول الله ﷺ فقال: "إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة" عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله قال: (أعطيت ساير ولدك مثل هذا؟ قال: لا. قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)، قال فرجع فرد عطيته.
وترجم عليه مثل ذلك الهبة للولد (٣)، ثم ساقه مختصرًا من حديث ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، ومحمد بن النعمان بن بشير أن أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ فقال إني نحلت ابني هذا غلامًا، فقال: أكل ولدك نحلت مثله؟ قال: لا، قال: فأرجعه (٤).
ورواه مسلم من طرق. منها: هذه الطريق بهذا اللفظ أيضًا (٥).
بلفظ "فرده".
стр. 3737
ومنها: الطريق الأول بلفظ المصنف الأول ولم يقل سمعت النعمان، وإنما قال: عن النعمان ثم رواه باللفظ الثاني الذي ذكره المصنف، ثم باللفظ الثالث، وقال في آخره: "أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: بلى. قال: "فلا إذًا، وكلاهما أيضًا من طريق الشعبي.
قال عبد الحق: ولم يذكر البخاري هذا, ولم يقل من هذه الألفاظ إلَّا قوله: "فلا تشهدني على جَوْر" وهو عنده على الشك ثم قال: وقال أبو جرير عن الشعبي: "لا أشهد على جور" ليس عنده إلَّا هذا.
ورواه مسلم من حديث أبي الزُّبير عن جابر أيضًا وفيه: "فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلَّا على حق".
الثاني: وقع في "بسيط" الغزالي "ووسيطه" أن الواهب هو النعمان بن بشير، وغلطوه في [ذلك وإنما هو الموهوب له لكنه لم ينفرد بذلك، فقد رواه المزني عن الشافعي كذلك] (١).
ونبه عليه البيهقي (٢): أن الصواب خلافه.
الثالث: [قوله] (٣): "ببعض ماله" قد عرفت من رواية الصحيحين أنه كان غلامًا، وفي رواية لمسلم: "إني قد نحلت النعمان، كذا وكذا من مالي".
الرابع: سلف التعريف براوي الحديث في باب الصفوف.
стр. 3738
وأما [أمه] (١): فهي أخت عبد الله بن رواحة، وزوج [بشير] (٢) بن سعد الأنصاري، لما ولدت النعمان حملت إلى رسول الله ﷺ فدعا بتمرة، فمضغها، ثم ألقاها في فيه، فحنكه بها. فقالت: يا رسول الله اُدعُ اللهَ أن يكثر ماله وولده، فقال: "أما ترضين أن يعيش كما عاش خاله حميدًا، وقتل شهيدًا، ودخل الجنة، ومن حديثها "وجب الخروج -يعني في الجهاد- على كل ذات نطاق" (٣).
[الخامس] (٤): "الجور" لغة الميل عن السواء والاعتدال، فكلما خرج عن ذلك فهو جور، سواء [كان حرامًا أو مكروهًا، وقد يكون تارة لهذا، وتارة لهذا وقد استعمل فيه بمعنى الضلال] (٥) وبمعنى الظلم وكلاهما محرمان.
السادس: في أحكام الحديث:
الأول: [(٦)] في جواز تسمية الهبة صدقة.
الثاني: شرعية الإِشهاد عليها، كما أسلفناه عن ترجمة البخاري والاحتياط في العقود، بشهادة الأفضل والأكبر.
стр. 3739
الثالث: أن للأم كلامًا في مصلحة الولد وماله وأنه مسموع.
الرابع: أن المفتى والشاهد لا يفتي ولا يشهد إلَّا بما يسوغ شرعًا.
الخامس: الرجوع في المعاملات ونحوها إلى العلماء.
السادس: سؤال المفتي والشاهد عن شرط الحكم وما يسوغ فعله، سواء كان الشرط واجبًا أو مندوبًا.
السابع: أمر مخالف ذلك بتقوى الله، والعدل بين البقية.
الثامن: المبادرة إلى قبول قول الحق، من غير تأخير ولا حرج في النفس.
التاسع: التسوية بين الأولاد في العطية من غير تفضيل. وقد نبه على الحكمة في ذلك، وهي محبة الوالد أن يكون برهم له على السواء، فكذلك عطيته لهم، فإن التفضيل يؤدي إلى الانحباس والتباغض، وهل ذلك على الإِيجاب [أو] (١) الندب؟ فيه قولان للعلماء.
قال مالك وأبو حنيفة والشافعي: بالثاني، وحكاه القرطبي (٢) عن الجمهور وأن التفضيل مكروه فقط، والهبة صحيحة (٣).
وقال الغزالي: ليس مكروهًا، بل تاركًا للأحب وهو ظاهر نصه.
وقال طاووس وعروة ومجاهد والثوري وأحمد وإسحاق وداوود: بالأول وأن التفضيل حرام مردود، واحتجوا برواية "لا أشهد على جور"، ونحوها.
واستدل الأولون بالرواية الأخرى: "فأشهد على هذا غيري".
قالوا: ولو كان حرامًا أو باطلًا لما قال هذا الكلام، وامتناعه ﵊ من الشهادة على وجه التنزيه.
وأجابوا: عن رواية: "لا أشهد على جور" بما أسلفناه من أن الجور في اللغة, هو الميل عن الاستواء والاعتدال، سواء كان حرامًا أو مكروهًا، فتأول هنا على المكروه جمعًا بين الروايتين.
وللأولين أن يقولوا: قوله: "فأشهد على هذا غيري" جاء على طريق التهديد والتنفير الشديد، مع ما انضاف إلى ذلك من امتناعه ﵊ عن المباشرة لهذه الشهادة معَلِلًا بأنها جور، والمتبادر إلى الذهن عند إطلاق الجور التحريم لا الكراهة، فتخرج الصيغة عن ظاهر الأذن لهذه القرائن، ويقوى ذلك أيضًا: "فاتقوا الله" فإن ذلك يؤذن بأن التقوى هنا التسوية، وأن التفضيل ليس بتقوى.
وأجاب النووي (١) عن هذا بأن قال: الأصل في كلام الشارع
стр. 3742
غير التهديد، ويحتمل عند إطلاقه صيغة أفعل على الوجوب أو الندب، فإن تعذر ذلك فعلى الإِباحة.
ومما يستدل به على الجواز: أن الصديق نحل عائشة جذاذ عشرين وسقًا (١).
وفضل عمر عاصمًا بشيء، وفضل ابن عوف ابنته أم كلثوم.
وقطع ابن عمر ثلاثة أرؤس أو أربعة لبعض ولده دون بعض، وفضل القاسم بن محمَّد بعض ولده (٢).
стр. 3743
العاشر: اختلف أصحابنا في صفة هذه التسوية.
فقيل: كقسمة الأرث والأصح أن يجعل الأنثى كالذكر، وهو ظاهر الحديث (١) وأبعد بعضهم فحكى وجهًا أن الأنثى تفضل عليه، حكيته في "شرح المنهاج" وهو غريب.
وبالأول قال ابن شعبان من المالكية وحكاه القرطبي (٢) عن عطاء، والثوري، ومحمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق.
стр. 3744
وبالثاني: قال ابن العطار منهم.
واختلف أصحاب مالك فيمن أخرج الإِناث من تحبيسه: هل ينفذ الحبس أم لا؟
فقيل: يفسخ مطلقًا.
وقيل: ما لم يمت ولم يجز عنه، قال الإِمام منهم. قال: بعض الشيوخ إن هذه الأقوال تجري في هبة بعض البنين دون بعض.
الحادي عشر: جواز رجوع الوالد في هبته لولده على من يقول بصحة التفضيل، ووقع في كلام الشيخ تقي الدين (١) أنه لا يجوز رجوعه في الصدقة على ولده، وتبعه ابن العطار، والأصح المنصوص خلافه, لأنها هبة، وصححه الرافعي هنا، نعم جزم في أوائل العارية بالمنع، وصححه في "الشرح الصغير" هنا, لأن قصد المتصدق الثواب في الآخرة، وهو موعود به فتنبه لذلك.
الثاني عشر: أن قبض الأب لابنه الصغير ما وهبه له جائز، فإن النعمان كان صغيرًا إذ ذاك.
قال القاضي (٢) عياض: ولا خلاف في هذا بين العلماء فيما يعرف بعينه.
واختلف المذهب فيما لا يعرف بعينه كالمكيل والموزون، وكالدراهم. هل يجزي تعيينه والإِشهاد عليه والختم عليه عن القبض
стр. 3745
أم لا، حتى يخرجها من يده إلى غيره، وأجاز ذلك أبو حنيفة وإن لم يخرجه من يده.
خاتمه: ذهب الإِمام أبو حاتم بن حبان (١) من أصحابنا إلى أنه لا يجوز التفضيل بين الأولاد وبسطه في "صحيحه" بسطًا حسنًا، فأردت أن أذكره لك ملخصًا لكثرة فوائده، فإنه ذكره من طرق، وجمع بين ما قد يفهم تعارضه فقال ذكر الأمر الذي ورد بلفظ الرد والإرجاع مراده نفي جواز ذلك الفعل دون إجازته وإمضائه، ثم روى الحديث من طريق ابن شهاب السالفة، وفيه هذا "العبد" بدل "غلامًا" وفي آخره، قال: "فأردده"، ثم قال: ذكر الأمر بالتسوية بين الأولاد في النحل إذ تركه حيف. ثم ذكر الحديث بلفظ "سوِّو بينهم"، وبلفظ: "فأرجعه"، ثم قال: ذكر البيان، بأن قوله: "فأرجعه"، أراد به لأنه غير الحق، ثم رواه من حديث جابر باللفظ [المذكور] (٢)، ثم رواه من حديث النعمان، وفيه "لا تشهدني على جور"، وترجم [عليه] (٣) نفي جواز الإيثار في النحل بين الأولاد. ثم قال: ذكر خبر آخر يصرح بأن الإِيثار بين الأولاد في النحل حيف غير جائز استعماله. وروى حديث النعمان وفيه "فإني لا أشهد على هذا. هذا جور، أشهد على هذا غيري، أعدلوا بين أولادكم في النحل كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر واللطف" ثم قال قوله: "أشهد على هذا غيري"، أراد به الإِعلام بنفي جواز استعمال الفعل المأمور به
стр. 3746
ولو فعله، فزجر عن الشيء بلفظ الأمر بضده، كما قال لعائشة "اشترطي لهم الولاء فإنما الولاء، لمن أعتق"، ثم روى من حديث النعمان أن أباه أتى به رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن عمرة بنت رواحة نُفست بغلام، وإني سميته: نعمان، وإنها أبت أن تربيه وحتى جعلتُ له حديقة، في أفضل مالي هو، وأنها قالت: أشهد النبي ﷺ على ذلك. فقال له النبي ﷺ : "هل لك ولد غيره"؟ قال: نعم، قال: "لا تشهدني إلَّا على عدل، وإني لا أشهد على جور".
قال أبو حاتم بن حبان: (١) [لا تضاد بين ما ذكرناه من هذه القصة] , لأن النحل من بشير لابنه كان في موضعين متباينين، وذلك أن أول ما ولد النعمان أبت عمرة أن تربيه حتى يجعل له بشير حديقة، ففعل ذلك، وأراد الإِشهاد على ذلك، فقال له النبي ﷺ : "لا تشهدني إلَّا على عدل، فإني لا أشهد على جور"، [(٢)] هذا [تصريح] (٣) بأن الحيف في النحل [بين الأولاد] (٤) غير جائز، فلما أتى على الصبي مدة، قالت عمرة. لبشير: أنحل ابني هذا، فالتوى عليها مدة سنة أو سنتين [(٥)]، فنحله غلامًا، فلما جاء المصطفى ﷺ
стр. 3747
ليشهده قال: "لا تشهدني على جور"، قال ويشبه أن يكون [النعمان] (١) قد نسي الحكم الأول، أو توهم أنه قد نسخ، وقوله ﵊[في الكرة الثانية "لا تشهدني على جور"] (٢)، زيادة تأكيد في نفي جوازه, [وما يدل على الثاني] (٣) أنه ﵊ قال له: "ما هذا الغلام"؟ قال: [(٤)] أعطانيه أبي، [والنحل الأول كان عند امتناع عمرة من تربيته عند ولادته] (٥) هذا آخر كلامه (٦). وهو نفيس [وروى الخطابي خبر
стр. 3748
النعمان هذا جابر السالف، وقال إنه أولى منه لأن جابرًا احفظ له وأضبط, لأن النعمان كان صغيرًا وفي حديث جابر أنه شاوره ﵊ قبل الهبة فدله على ما هو الأولى به] (١).
قال القرطبي (٢): حديث النعمان كثرت طرقه باختلاف ألفاظه حتى قال بعض الناس: إنه مضطرب، وليس كذلك، لأنه ليس في ألفاظه تناقض، والجمع ممكن. قال: ومن أبعد التأويلات أن النهي إنما يتناول من وهب ماله كله لبعض ولده، كما ذهب إليه سحنون،
стр. 3749
وكأنه لم يسمع في الحديث نفسه: أن الموهوب كان غلامًا، فإنه إنما وهبه له لما سألته أمه بعض الموهبة من ماله، وهذا يعلم منه على القطع أنه كان له مال غيره.
تتمات:
أحدها: الكراهة والتحريم ظاهر فيما إذا استوى على أولاده في الحاجة وقدرها أو عدمها، فإن تفاوتوا فليس في التفضيل والتخصيص المحذور [السالف] (١) فتنبه له.
ثانيها: الأم في ذلك كالأب كما صرح به النووي في الروضة (٢). قال: وكذا الجد والجدة، وكذا الولد إذا وهب لوالديه، قال الدارمي (٣): فإن فضل فليفضّل الأم.
وافهم كلام الغزالي وغيره أن الأقارب كالأخوة لا يجري فيهم الحكم المذكور، ولا يبعد طرده فيهم، لما فيه من الإِيحاش، نعم المحذور في الأولاد عدم البر بخلاف هذا، كما نبه عليه صاحب "المطلب" (٤) قال: وعلى الجملة لا شك أن التسوية بينهم مطلوبة،
стр. 3750
لكنها دون طلب التسوية بين الأولاد.
ثالثها: إذا خالف فخص أو فضل، فالأولى أن يعطي للثاني ما يحصل به العدل، وإلَّا استحب له أن يرجع.
...