ولو فعله، فزجر عن الشيء بلفظ الأمر بضده، كما قال لعائشة "اشترطي لهم الولاء فإنما الولاء، لمن أعتق"، ثم روى من حديث النعمان أن أباه أتى به رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن عمرة بنت رواحة نُفست بغلام، وإني سميته: نعمان، وإنها أبت أن تربيه وحتى جعلتُ له حديقة، في أفضل مالي هو، وأنها قالت: أشهد النبي ﷺ على ذلك. فقال له النبي ﷺ : "هل لك ولد غيره"؟ قال: نعم، قال: "لا تشهدني إلَّا على عدل، وإني لا أشهد على جور".
قال أبو حاتم بن حبان: (١) [لا تضاد بين ما ذكرناه من هذه القصة] , لأن النحل من بشير لابنه كان في موضعين متباينين، وذلك أن أول ما ولد النعمان أبت عمرة أن تربيه حتى يجعل له بشير حديقة، ففعل ذلك، وأراد الإِشهاد على ذلك، فقال له النبي ﷺ : "لا تشهدني إلَّا على عدل، فإني لا أشهد على جور"، [(٢)] هذا [تصريح] (٣) بأن الحيف في النحل [بين الأولاد] (٤) غير جائز، فلما أتى على الصبي مدة، قالت عمرة. لبشير: أنحل ابني هذا، فالتوى عليها مدة سنة أو سنتين [(٥)]، فنحله غلامًا، فلما جاء المصطفى ﷺ
стр. 3747
ليشهده قال: "لا تشهدني على جور"، قال ويشبه أن يكون [النعمان] (١) قد نسي الحكم الأول، أو توهم أنه قد نسخ، وقوله ﵊[في الكرة الثانية "لا تشهدني على جور"] (٢)، زيادة تأكيد في نفي جوازه, [وما يدل على الثاني] (٣) أنه ﵊ قال له: "ما هذا الغلام"؟ قال: [(٤)] أعطانيه أبي، [والنحل الأول كان عند امتناع عمرة من تربيته عند ولادته] (٥) هذا آخر كلامه (٦). وهو نفيس [وروى الخطابي خبر
стр. 3748
النعمان هذا جابر السالف، وقال إنه أولى منه لأن جابرًا احفظ له وأضبط, لأن النعمان كان صغيرًا وفي حديث جابر أنه شاوره ﵊ قبل الهبة فدله على ما هو الأولى به] (١).
قال القرطبي (٢): حديث النعمان كثرت طرقه باختلاف ألفاظه حتى قال بعض الناس: إنه مضطرب، وليس كذلك، لأنه ليس في ألفاظه تناقض، والجمع ممكن. قال: ومن أبعد التأويلات أن النهي إنما يتناول من وهب ماله كله لبعض ولده، كما ذهب إليه سحنون،
стр. 3749
وكأنه لم يسمع في الحديث نفسه: أن الموهوب كان غلامًا، فإنه إنما وهبه له لما سألته أمه بعض الموهبة من ماله، وهذا يعلم منه على القطع أنه كان له مال غيره.
تتمات:
أحدها: الكراهة والتحريم ظاهر فيما إذا استوى على أولاده في الحاجة وقدرها أو عدمها، فإن تفاوتوا فليس في التفضيل والتخصيص المحذور [السالف] (١) فتنبه له.
ثانيها: الأم في ذلك كالأب كما صرح به النووي في الروضة (٢). قال: وكذا الجد والجدة، وكذا الولد إذا وهب لوالديه، قال الدارمي (٣): فإن فضل فليفضّل الأم.
وافهم كلام الغزالي وغيره أن الأقارب كالأخوة لا يجري فيهم الحكم المذكور، ولا يبعد طرده فيهم، لما فيه من الإِيحاش، نعم المحذور في الأولاد عدم البر بخلاف هذا، كما نبه عليه صاحب "المطلب" (٤) قال: وعلى الجملة لا شك أن التسوية بينهم مطلوبة،
стр. 3750
لكنها دون طلب التسوية بين الأولاد.
ثالثها: إذا خالف فخص أو فضل، فالأولى أن يعطي للثاني ما يحصل به العدل، وإلَّا استحب له أن يرجع.
...
стр. 3751
الحديث التاسع
٣٠٦/ ٩/ ٥٨ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر أو زرع (١).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: هذا الحديث ترجم عليه البخاري، باب: إذا لم يشترط السنين في المزارعة (٢) ثم ذكره بعد بنحوه.
وترجم عليه المزارعة مع اليهود (٣).
стр. 3752
الثاني: "خيبر" (١) اسم لحصون ومزارع ونخل كانت لليهود بينها وبين المدينة بنحو أربع مراحل. وقال الحازمي: بينهما مسيرة أيام والسلوك إليها من وراء أحد غزاها ﷺ في أواخر المحرم سنة سبع من الهجرة، وقال ابن دحية (٢) في "تنويره": خرج إليها في صفر سنة سبع لأنه قدم من الحديبية في ذي الحجة تمام سنة ست (٣).
ويقال: خرج لهلال ربيع الأول وفيها عشرة آلاف مقاتل.
ونقل ابن الطلاع (٤): عن ابن هشام أنه قال: كانت في صفر
стр. 3753
سنة ست، وقد أسلفت هذا عنه في الحديث الثاني من كتاب الطهارة في ترجمة أبي هريرة، وذكرت هنا [ك أن الشيخ تقي الدين جزم به في "شرحه" (١) ثم رأيت بعد ذلك] (٢) [أن] (٣) الشيخ تقي الدين ابن الصلاح جزم [به] (٤) في "مشكله" أيضًا.
ولما غزاها ﷺ فتح الله تعالى عليهم [من] (٥) حصونهم عدة منها: حصن ناعم، والكتيبة (٦)، فحاز أموالهم واشتد الحصار على حصنين، وهما الوطيح (٧) والسُّلالم (٨) حتى أيقنوا بالهلكة، فسألوا أن يسيرهم ويحقن دمائهم، ويخلوا له الأموال، ففعل ثم سألوا أن يعاملهم في الأموال على النصف، فعاملهم على ذلك على أنه متى
стр. 3754
شاء أخرجهم، ولما بلغ ذلك أهل فدك أرسلوا يسألونه في ذلك , وكانت هذه الحصون فيئًا للمسلمين، وكانت فدك خالصة، واستمر اليهود على هذه المعاملة إلى أن مضى صدر من خلافة عمر، فبلغه ما قاله ﷺ في وَجَعَه: "لا يجتمع في جزيرة العرب دينان" (١) فأجلاهم عنها.
قال الحازمي: ويقال: أراضي خيبر الخيابر: وسميت خيبر باسم رجل من بين العماليق (٢) اسمه خيبر.
стр. 3755
وقيل: بمعاملتهم ﵊ إياهم على الجزء (١) من ثمارها.
قال المحب في "أحكامه": والأول أظهر.
واختلفوا كما قال القاضي عياض: هل فتحت صلحًا أو عنوة أو بجلا أهلها عنها بغير قتال أو بعضها صلحًا، وبعضها عنوة [وبعضها جلا عنها أهله أو بعضها صلحًا وبعضها عنوة] (٢)، وقال: وهذا أصح الأقوال وهي رواية مالك (٣) ومن تبعه وبه قال ابن عيينة
قال: وفي كل قول أثر مروى.
وفي رواية لمسلم (١) أنه ﵊: "لما ظهر على خيبر أرادا إخراج اليهود منها، وكانت الأرض حين ظهر عليها لله ولرسوله وللمسلمين"، وهذا دليل لمن قال عنوة إذ حق المسلمين إنما هو في العنوة، وظاهر قول من قال صلحًا أنهم صولحوا على كون الأرض للمسلمين.
الثالث: "الشطر" هنا النصف ويطلق أيضًا على النحو والمقصد ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٢) [أي نحوه] (٣).
الرابع: حمل بعضهم معاملته ﵊ لهم على أنها كانت مساقاة على النخيل وأن البياض المتخلل بين النخيل كان يسيرًا، فتقع المزارعة تبعًا للمساقاة (٤).
стр. 3758
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3759
وذهب بعضهم: إلى أن صورة هذه صورة مساقاة، وليست حقيقة، وأن الأرض كانت قد ملكت بالاغتنام والقوم صاروا عبيدًا فالأموال كلها له ﷺ ، والذي جعل لهم منها بعض ماله، لينتفعوا به لا أنه حقيقة المعاملة، وهذا كما قال الشيخ تقي الدين: يتوقف على أن خيبر استرِقُّوا. فإنه ليس مجرد الاستيلاء يحصل الاسترقاق للبالغين.
الخامس: في الحديث دلالة على جواز المساقاة في الجملة، وأنكرها أبو حنيفة لأجل ما فيها من الغرر وبيع الثمر قبل بدو الزهو وأول هذا الحديث على أنهم كانوا عبيدًا (١) له وقد سلف ما فيه وقد
стр. 3760
وافقه من أصحابه زفر وخالفه صاحباه (١).
ثم اختلف المجوزون لها فيما يجوز عليه من الأشجار (٢).
فقصرها داود على النخل فقط، وكأنه رأى أن المساقاة رخصة فلم يعدها إلى غير المنصوص عليه، وألحق الشافعي العنب بالنخل، لأنه كالنخل في معظم الأبواب.
وحكى الروياني عن الشافعي: أن النص ورد فيه أيضًا وهو ظاهر لفظه في "المختصر".
وقال مالك: سبب الجواز الحاجة والمصلحة، فعداه إلى جميع الأشجار، وهو قول الشافعي في القديم.
وحكى عن الأمام أحمد أيضًا وهو المختار.
ثم للمساقاة شروط (١) محل الخوض فيها كتب الفروع، وقد أوضحناها فيها ولله الحمد.
[قال الفاكهي: ومشهور مذهب مالك منعها في الزرع إلَّا إذا عجز عنه صاحبه] (٢).
стр. 3763
السادس: فيه دلالة أيضًا على وجوب بيان الجزء المساقى عليه من نصف أو ربع (١) أو غيرها من الأجر المعلومة فلا يجوز على مجهول، كقوله: على أن لك بعض الثمرة فإنه ﵊ عاملهم على الشطر وهو النصف كما تقدم فيما يظهر.
السابع: فيه دلالة أيضًا على جواز المزارعة تبعًا للمساقاة، وهو مذهب الشافعي والأكثرين، لقوله: "من ثمر أو زرع" فليساقيه على النخيل ومزارعة الأرض. أما المزارعة: وحدها فقد سلف الكلام فيها مع المخابرة في الحديث الثامن في باب ما نهى عنه من البيوع (٢).
قال القرطبي (٣): و "أو" هنا للتنويع أو بمعنى "الواو" كما جاء في رواية أخرى.
стр. 3764
الحديث العاشر (١)
٣٠٧/ ١٠/ ٥٨ - عن رافع بن خديج ﵁ قال: "كنا أكثر الأنصار حقلًا، وكنا نكرى الأرض، على أن لنا هذه، ولهم هذه: "فربما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، فأما بالورق: فلم ينهنا" (٢).
ولمسلم: عن حنظلة بن قيس قال: "سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق؟ فقال: لا بأس به. إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ بما على الماذيانات، وأَقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا، ويسلم هذا، ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلَّا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم
стр. 3765
مضمون فلا بأس به" (١).
"الماذيانات" الأنهار الكبار، و"الجداول" النهر الصغير.
الكلام عليه من وجوه:
الأول: ترجم البخاري على هذا الحديث بما يكره من الشروط في المزارعة (٢): ثم ذكره بنحوه اللفظ الأول.
وذكره (٣) قبل ذلك بنحو اللفظ الذي عزاه المصنف إلى مسلم. وقال في آخره: "فأما الذهب والورق فلم يكن يومئذٍ"، وسياق المصنف الحديث من طريقيه هو لفظ مسلم إلَّا أنه قال: "فلم يكن" بدل "ولم يكن" وقال: "كنا نكرى" بدل "فكنا"، وقال: "وأما الورق" بإسقاط "الباء".
الثاني: في التعريف براويه وهو رافع بن خديج، وقد سلف في الحديث العاشر في باب ما نهى عنه من البيوع (٤).
وأما الراوي عنه فهو: حنظلة بن قيس، فهو زرقي أنصاري مدني تابعي فقيه قليل الحديث، روى عن عثمان وغيره، وعنه جماعة منهم الزهري وقال: ما رأيت رجلًا أحزم ولا أجود رأيًا منه , كأنه رجل قرشي.
الثالث: في الكلام على ألفاظه.
стр. 3766
الأول: "الحقل" -بفتح الحاء- الأرض التي تزرع وجمع الحقل: محاقل، وواحدها محقلة من الحقل، وهو الزرع وسلف تفسير المحاقلة في باب ما نهى عنه من البيوع (١).
الثاني: "الكراء" ممدود وهو الإِجارة.
الثالث: "الماذِيانات" بدال معجمة مكسورة ثم مثناة تحت ثم ألف ثم نون ثم ألف ثم مثناة فوق.
وحكى القاضي (٢) عن بعض الرواة في غير مسلم: فتح الدال وهو غريب وهذه اللفظة معربة ليست عربية (٣).
وفي معناها قولان:
أحدهما: أنها مسايل المياه.
ثانيهما: ما نبت على حافتي سيل المياه، وفيها قول.
ثالث: وهو أنها ما نبت حول السواقي، وقد فسرها المصنف بالأنهار الكبار.
وقال القرطبي (٤): [هي] (٥) مسايل الماء المراد بها
стр. 3767
[هنا] (١) ما نبت على شطوط الجداول، ومسايل الماء، وهو من باب تسمية الشيء باسم غيره، إذا كان مجاورًا له، أو كان منه بسبب.
الرابع: "أقبال" -بفتح الهمزة- ثم قاف.
والجداول: جمع جدول أي أوائلها، ورؤسها. وقد فسره المصنف بالنهر الصغير, وهو كالساقية الكبيرة.
وقال القرطبي (٢): الجداول، السواقي، ويسمى [الجدول] (٣) [الربع] (٤)، [والجمع: [ربعان] (٥)، وقال الخليل: الأربعاء الجداول جميع ربيع.
وجزم النووي (٦) في "شرحه": بأن الربيع:] (٧) الساقية الصغيرة، وقال: في الجداول إنه النهر الصغير كالساقية. ومعنى هذه الألفاظ أنهم كانوا يدفعون الأرض إلى من يزرعها ببذر من عنده على أن يكون لمالك الأرض ما ينبت على الماذيانات، وأقبال الجداول وهذه القطعة والباقي للعامل فنهوا عن ذلك لما فيه من الغرر فربما هلل هذا دون ذلك وعكسه.
стр. 3768
الوجه الرابع: في أحكامه.
الأول: فيه دلالة على جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، ورد على من منعه مطلقًا. والأحاديث المطلقة بالنهي عن كرائها مؤولة وقد أسلفنا المسألة باختلاف العلماء فيها والجواب عما عارضها في الحديث الثامن من باب ما نهى عنه من البيوع.
الثاني: فيه دلالة أيضًا على أنه لا يجوز أن تكون الأجرة مجهولة.
الثالث: فيه دلالة أيضًا على جواز كرائها بشيء معلوم [مضمون] (١) في الذمة من الطعام لقول رافع: "فأما بشيء معلوم مضمون فلا بأس به" وخالف مالك في الطعام، كما أسلفناه عنه هناك.
الرابع: فيه قبول خبر الواحد وأنه حجة.
стр. 3769
الحديث الحادي عشر
٣٠٨/ ١١/ ٥٨ - عن جابر بن عبد الله ﵁[قال] (١): "قضى رسول الله ﷺ بالعمرى لمن وهبت له" (٢).
وفي لفظ: "من أعمر عُمرى له ولعقبه، فإنها للذي أُعطيها. لا ترجع إلى الذي أعطاها. لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث" (٣).
وقال جابر: "إنما العمرى التي أجازها رسول الله ﷺ ، أن يقول: هي لك ولعقبك. فأما إذا قال: هي لك ما عشت: فإنها ترجع إلى صاحبها" (٤).
стр. 3770
وفي لفظ لمسلم: "أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمري فهي للذي أعمرها: حيًا، وميتًا ولعقبه" (١).
والكلام عليه من وجوه:
الأول: ترجم البخاري على هذا الحديث ما قيل في العمرى والرقبي (٢)، وذكره باللفظ الأول بزيادة: "أنها قيل لمن وهبت له".
قال عبد الحق في "جمعه بين الصحيحين"، ولم يخرج البخاري عن جابر في العمرى غيره، ولم يذكر في هذه الترجمة حديثًا في الرقبى.
ولفظ مسلم: "أيما رجل أعمر رجلًا عمرى"، بدل "من أَعمر رجلًا عمرى".
وله في لفظ آخر: "من أَعمر رجلًا عمرى له ولعقبه فقد قطع قوله: "حقه فيها. وهي لمن أُعمر ولعقبه".
وذكره بلفظ جابر أيضًا المذكور في الكتاب وعجيب منه كونه عزى الأخير إلى مسلم فإن ظاهره إن ما عداه في البخاري أيضًا، وقد علمت كلام عبد الحق فيه ولفظ مسلم في الأول: "العمرى لمن وهبت له".
والثاني: "العمرى" (٣) فُعلى من العُمَر [فيه لغة ثالثة فتح العين
стр. 3771
وإسكان الميم] (١)، وهي هبة المنافع مدة العمر، وهي على وجوه:
أحدها: أن يصرح بها للمعمر ولورثته من بعده فهذه هبة محققه يأخذها الوارث بعد موته، فإن لم يكن فبيت المال.
[الثاني] (٢): أن يعمر ويشترط الرجوع إليه بعد موت المعمر، وفي صحة هذه العمرى خلاف لما فيها من تغيير وضع الهبة والأصح عند الشافعية الصحة، وكأنهم عدلوا به عن قياس سائر الشروط الفاسدة.
[الثالث] (٣): أن يقتصر على أنها للمعمر مدة حياته، ولا يتعرض لما بعد الموت فأشهر أقوال الشافعي في القديم بطلانها لقول جابر السالف.
والجديد من مذهبه: الصحة وله حكم الهبة لقوله ﵊: (العمرى ميراث لأهلها) متفق عليه (٤). من حديث أبي هريرة، والخلاف في هذه مرتب على التي قبلها، وأولى بالصحة لعدم اشتراط شرط يخالف مقتضى العقد.
стр. 3772
وقول جابر: (قضى رسول الله ﷺ بالعمرى لمن وهبت له) يحتمل حمله على الصورة الثالثة وهو أقرب إذ ليس في اللفظ تقييد، ويحتمل أن يحمل على الثانية، وهو مبين بالكلام بعده في الرواية الأخرى، ويحتمل أن يحمل على جميع الصور إذا قلنا إن مثل هذه الصيغة من الراوي تقتضي العموم، وفي ذلك خلاف بين الأصوليين.
الثالث: في ألفاظه:
أُعمر: -بضم أوله- على ما لم يسم فاعله أجود من الفتح كما نبه عليه ابن الصلاح في "مشكل الوسيط".
والعقب: -بفتح أوله وكسر ثالثه وإسكانه أيضًا مع فتح العين وإسكانها- كما في نظائره، أولاد الإِنسان ما تناسلوا.
وقوله: "لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث" يريد أنها التي شرط فيها له ولعقبه، ويحتمل أن يريد يكون المراد صورة الإطلاق، ويؤخذ كونه وقعت فيه المواريث من دليل آخر، ونص الحديث يبعده.
ومعنى قول جابر: "أجازها" أمضاها، وجعلها للعقب لا تعود. وقد نص على أنه إذا قيدها بحياته تعود. وهو تأويل منه. ويجوز أن يكون رواه، أعني كقوله: "إنما العمرى" إلى آخره، فإن كان مرويًا فلا إشكال في العمل به، وإلَّا فيرجع إلى أن تأويل الصحابي الراوي، هل يكون مقدمًا من حيث إنه [قد] (١) تقع له قرائن تورثه العلم بالمراد، ولا يتفق تعبيره عنها.
стр. 3773
وقوله: "أمسكوا عليكم أموالكم" إلى آخره، المراد به إعلامهم أن العمري هبة صحيحة ماضية، فإنهم كانوا يتوهمون أنها كالعارية يرجع فيها.
الرابع: في الحديث أحكام:
الأول: صحه العمري، وحكى الماوردي عن داود وأهل الظاهر وطائفة من أهل الحديث (١) ذهبوا إلى بطلانها استدلالًا بعموم النهى كذا نقله عنهم (٢)، وابن حزم (٣) من الظاهرية قد قال بالصحة.
ثم أجاب الماوردي: بأن النهى متوجه إلى الحكم أو إلى اللفظ الجاهلي والحكم المنسوخ.
وقال أحمد (٤): تصح العمرى المطلقة
стр. 3774
[دون] (١) المؤقتة.
تنبيه: الرّقبى كالعمرى، وقد نص ابن حزم من الظاهرية على صحتها أيضًا (٢).
الثاني: أن الموهوب له يملكها ملكًا تامًا، يتصرف فيها بالبيع وغيره من التصرفات، وبه قال الشافعي والملك عنده، وعند
стр. 3775
الجمهور متوجه إلى الرقبة (١).
وقيل: إلى المنفعة فقط وهو مشهور مذهب مالك (٢).
وقيل: في العمرى إلى الرقبة وفي الرقبى إلى المنفعة، وهو قول أبي حنيفة ومحمد (٣) ويحكى عنهما البطلان فيهما.
стр. 3776
ودليل الجمهور الأحاديث الصحيحة في ذلك ولو قيل بتحريمها النهي وصحتها للحديث لم يبعد كطلاق [الحائض] (١) لكنه غريب [في] (٢) العقود.
الثالث: الأمر بإصلاح الأموال باتباع الشرع في التصرف فيها والنهي عن إفسادها بمخالفته والتنبيه على التثبت فيما يخرجه حتى يتروى ويتدبر العاقبة خوفًا من الندم على ما فعل فيبطل أجره أو يقل.
الرابع: أن الهبة يملكها الموهوب له مدة حياته، وتورث بعده ولا يرجع فيها الواهب في حياته، ولا بعد من وهبت له.
الخامس: [أن] (٣) الموت والأرث، يقطعان جميع الأملاك.
السادس: أن الحيل المحرمة والمكروهة مفسدة للأموال.
стр. 3777
الحديث الثاني عشر
٣٠٩/ ١٢/ ٥٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يمنعن جارٌ جارَهُ أن يغرز خشبةً في جداره. ثم يقول أبو هريرة: مالي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم) (١).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: هذا الحديث ذكره البخاري (٢) في كتاب المظالم من "صحيحه" باللفظ المذكور [إلَّا أنه قال: "لا يمنع"، بدل "لا يمنعن"، وقال: "لأرمينها"، بدل "لأرمين بها"، وفي نسخة منه: "لأرمين بها".
ورواه مسلم بلفظ:] (٣) "لا يمنع أحدكم جاره" إلى آخره.
стр. 3778
الثاني: اختلف أصحابنا فيما إذا أوصى لجيرانه على أوجه كثيرة أوضحتها في "شرح المنهاج" والأصح عندهم أنه [تصرف] (١) إلى أربعين دارًا من كل جانب، وهو قول الأوزاعي، فإنه قال أربعون دارًا من كل ناحية جار.
وقال قوم: من سمع الإِقامة فهو جار المسجد ويقرر ذلك في الدور.
وقال آخرون: من سمع الأذان.
وقال آخرون: من ساكن رجلًا في محلة أو مدينة فهو جاره، ومنه قوله تعالي: ﴿لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠)﴾ (٢).
واختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ (٣) على أقوال:
أحدها: أن الأول الجار القريب النسيب.
والثاني: الجار الذي لا قرابة بينك وبينه، قاله ابن عباس وطائفة.
ثانيها: أن الأول المسلم.
والثاني: الذمي.
ثالثها: أن الأول القريب المسكن منك.
والثاني: البعيد.
стр. 3779
قال ابن عطية (١): وهذا منتزع من حديث عائشة يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدى؟ قال: إلى أقربهما منك بابًا" (٢).
وقيل: إن الثاني: الزوجة، وقال بعض الأعراب: هو الذي يجيء فيحل حيث تقع عينك عليه.
قلت: وكأن الجار من الألفاظ المشترك فيقع على المخالطة ومنه قول الأعشى (٣): أجارتنا بيني فإنك طالقة.
وعلى من بينه وبينه أربعون دارًا من كل جانب.
الثالث: روى خشبه بالأفراد والجمع.
قال القاضي عياض: رويناه في "صحيح مسلم" وغيره من الأصول والمصنفات بهما.
وقال الطحاوي (٤): عن روح بن الفرج سألت أبا زيد، والحارث بن مسكين، ويونس بن عبد الأعلى فقالوا: كلهم بالتنوين على الأفراد. قال عبد الغنى بن سعيد: كل الناس يقولونه بالجمع إلَّا الطحاوي (٥).
стр. 3780
قال القرطبي (١): وإنما اعتنى هؤلاء الأئمة بتحقيق الرواية في هذا الحرف, لأن أمر الخشبة الواحدة يخف على الجار المسامحة (٢) بخلاف الجمع.
الرابع: الجِدَارُ، والجُدُرُ: الحائط قال الجوهري (٣): الجِدارِ: جُدُر، وجمع الجِدْرِ [جُدْران] (٤).
стр. 3781
الخامس: الضمير في "بها" وبعده في "عنها" عائد إلى غير مذكور لفظًا بل معنى وهي السنة، أي: فوالله لأرمين، بهذه السنة، وألزمكم العمل بها.
وقال القاضي حسين والإِمام من أصحابنا: قيل: أراد لأكلفنكم ذلك، ولأضعن جذوع الجار بين أكتافكم قصده به المبالغة، وقالا: إن ذلك جرى منه حين ولي مكة أو المدينة. وجاء في سنن أبي داود (١): "فنكسوا رؤوسهم، فقال: ما لي أراكم قد أعرضتم؟. . ." الحديث.
السادس: "أكتافكم" هو بالمثناة فوق، أي: بينكم، ورواه بعض رواة الموطأ (٢): "بالنون"، ومعناه أيضًا بينكم.
والكتف: الجانب ومعنى الأول، أي: أصرح بينكم وأوجعكم بالتقريع بها كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه.
وفي رواية في بعض نسخ مسلم، وعليها شرح القرطبي (٣): "بين أظهركم" وفي رواية لأبي عمر (٤): "بين أعينكم وإن كرهتم".
السابع: في أحكام الحديث:
الأول: مراعاة حق الجار في كل شيء، حتى في دخول الضرر في ملكه.
стр. 3782
الثاني: تقديم حق الشرع على حظ النفس في الأملاك.
الثالث: قبول الشرع وإن كرهته النفس والانشراح له من غير إعراض عنه.
الرابع: عدم منع الجار من وضع خشبة على حائط جاره عارية إذا كانت خفيفة لا تضر.
واختلف العلماء في هذا المنع هل هو للتحريم أو للكراهة؟ وفيه قولان للشافعي.
أحدهما: وهو نصه في القديم، وفي البويطي أيضًا، وهو من الجديد أنه للتحريم (١).
وثانيهما: أنه للتنزيه (٢)، وحمل الحديث -إذا كان بصيغة
стр. 3783
النهي -على التنزيه- وإذا كان بصيغة الأمر -على الاستحباب، وهذا القول هو الصحيح من مذهب مالك أيضًا، وبه قال: "أبو حنيفة (١) والكوفيون وعزى إلى الأكثرين. وبالأول قال أحمد
стр. 3784
وأبو ثور وأصحاب الحديث (١): لظاهر قول أبي هريرة وإشعاره
стр. 3785
بالوجوب.
وقوله: (ما لي أراكم عنها معرضين) إلى آخره يقتضي التشديد، ولحوق المشقة فيه، والكراهة لهم, لأنهم فهموا من الحديث الندب دون الإيجاب , فرده عليهم , وبعض من انتصر للثاني أعاد الضمير في جداره إلى الجار، أي إذا وضع خشبة على جدار نفسه، ليس لجاره منعه وإن تضرر بمنع الضوء ونحوه فيكون (١) موافقًا للأصول، ورجح بأن الضمير يعود إلى أقرب مذكور.
واختار الروياني: التفصيل من أن يظهر بعيب فاعله أم لا، وإنما يجبر على القول بشروط محل الخوض فيها كتب الفروع فإنه أليق بها، وقد ذكرتها في "شرح المنهاج" وغيره ولله الحمد.
الخامس: تبليغ العلم لمن [لم] (٢) يرده ولا استدعاه إذا كان من الأمور المهمة وإقامة الحجة على المخالف ليرجع.