الخامس: الضمير في "بها" وبعده في "عنها" عائد إلى غير مذكور لفظًا بل معنى وهي السنة، أي: فوالله لأرمين، بهذه السنة، وألزمكم العمل بها.
وقال القاضي حسين والإِمام من أصحابنا: قيل: أراد لأكلفنكم ذلك، ولأضعن جذوع الجار بين أكتافكم قصده به المبالغة، وقالا: إن ذلك جرى منه حين ولي مكة أو المدينة. وجاء في سنن أبي داود (١): "فنكسوا رؤوسهم، فقال: ما لي أراكم قد أعرضتم؟. . ." الحديث.
السادس: "أكتافكم" هو بالمثناة فوق، أي: بينكم، ورواه بعض رواة الموطأ (٢): "بالنون"، ومعناه أيضًا بينكم.
والكتف: الجانب ومعنى الأول، أي: أصرح بينكم وأوجعكم بالتقريع بها كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه.
وفي رواية في بعض نسخ مسلم، وعليها شرح القرطبي (٣): "بين أظهركم" وفي رواية لأبي عمر (٤): "بين أعينكم وإن كرهتم".
السابع: في أحكام الحديث:
الأول: مراعاة حق الجار في كل شيء، حتى في دخول الضرر في ملكه.
стр. 3782
الثاني: تقديم حق الشرع على حظ النفس في الأملاك.
الثالث: قبول الشرع وإن كرهته النفس والانشراح له من غير إعراض عنه.
الرابع: عدم منع الجار من وضع خشبة على حائط جاره عارية إذا كانت خفيفة لا تضر.
واختلف العلماء في هذا المنع هل هو للتحريم أو للكراهة؟ وفيه قولان للشافعي.
أحدهما: وهو نصه في القديم، وفي البويطي أيضًا، وهو من الجديد أنه للتحريم (١).
وثانيهما: أنه للتنزيه (٢)، وحمل الحديث -إذا كان بصيغة
стр. 3783
النهي -على التنزيه- وإذا كان بصيغة الأمر -على الاستحباب، وهذا القول هو الصحيح من مذهب مالك أيضًا، وبه قال: "أبو حنيفة (١) والكوفيون وعزى إلى الأكثرين. وبالأول قال أحمد
стр. 3784
وأبو ثور وأصحاب الحديث (١): لظاهر قول أبي هريرة وإشعاره
стр. 3785
بالوجوب.
وقوله: (ما لي أراكم عنها معرضين) إلى آخره يقتضي التشديد، ولحوق المشقة فيه، والكراهة لهم, لأنهم فهموا من الحديث الندب دون الإيجاب , فرده عليهم , وبعض من انتصر للثاني أعاد الضمير في جداره إلى الجار، أي إذا وضع خشبة على جدار نفسه، ليس لجاره منعه وإن تضرر بمنع الضوء ونحوه فيكون (١) موافقًا للأصول، ورجح بأن الضمير يعود إلى أقرب مذكور.
واختار الروياني: التفصيل من أن يظهر بعيب فاعله أم لا، وإنما يجبر على القول بشروط محل الخوض فيها كتب الفروع فإنه أليق بها، وقد ذكرتها في "شرح المنهاج" وغيره ولله الحمد.
الخامس: تبليغ العلم لمن [لم] (٢) يرده ولا استدعاه إذا كان من الأمور المهمة وإقامة الحجة على المخالف ليرجع.
стр. 3786
الحديث الثالث عشر
٣١٠/ ١٣/ ٥٨ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (من ظلم قِيدَ شبر من الأرض: طُوّقَهُ [. .] (١) من سبع أرضين) (٢).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: في ألفاظه: "الظلم" [لغة] (٣) وضع الشيء في غير موضعه.
(وقيد): بكسر القاف وإسكان الياء، أي قدر شبر يقال: قيد، وقاد وقيس، وقاس، بمعنى واحد.
[وقيده] (٤) بالشبر للمبالغة والتنبيه على ما زاد عليه فإنه أولى
стр. 3787
منه، ونظيره قوله ﵊ في حديث آخر: "وإن كان قضيبًا من أراك".
وفي معنى: "طوقه", قولان:
أحدهما: جعل له الطوق في عنقه كالغل كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ﴾ (١) وبه جزم الشيخ تقي الدين (٢) وصححه البغوي (٣).
الثاني: أنه يطوق إثم ذلك، ويلزمه كلزوم الطوق في العنق، وفيه قول ثالث: أنه يحمل مثله في سبع أرضين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٤) ويكلف إطاقة ذلك، ويطول الله عنقه كما جاء في غلظ جلد الكافر وعظم ضرسه (٥).
وفيه قول رابع: أن يخسف به في مثل الطوق بها، ويؤيده رواية البخاري (٦) من حديث ابن عمر: "خسف به يوم القيامة إلى
стр. 3788
سبع أرضين".
وفيه قول خامس: أنه يجمع كل ذلك عليه.
قال القرطبي (١): وقد دل على ذلك ما رواه [الطبراني] (٢) في هذا الحديث [وقال] (٣) كلفه [الله] (٤) حمله حتى يبلغ سبع أرضين ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضي بين [. .] (٥) الناس".
و"الأرضون": بفتح الراء والإِسكان قليل شاذ حكاه
стр. 3789
الجوهري (١) وغيره وجمعت بالواو والنون وإن فقدت الشروط جبرًا لها لما نقصها من ظهور علامة التأنيث إذ لم يقولوا أرضه كما جمعوا سنين بالواو والنون عوضًا من حذف لامها.
الثاني: هذا الحديث مصرح بأن الأرضين [سبع] (٢) طباق وهو موافق لقوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (٣). وأما تأويل المثلية على الهيئة والشكل فخلاف الظاهر، وكذا قول من قال المراد بالحديث سبع أراضين من سبع أقاليم لا إن الأرضين سبع طباق، وهو بعيد كما ذكرته في شرح الخطبة.
وأبطلوه بأنه لو كان كذلك لم يطوق الظالم الشبر من هذا الأقليم شيئًا من أقليم آخر، أي لأن الأصل في العقوبات المساواة بخلاف طبقات الأرض، فإنها تابعة لهذا الشبر في الملك، فمن ملك شيئًا من هذه الأرض ملكه وما تحته من الطباق نعم عندنا خلاف في أن المعدن الباطن وهو ما لا يخرج إلَّا بعلاج كذهب وفضة: هل يملك بالحفر والعمل في الموات بقصد التملك والأظهر من قولي الشافعي المنع.
والثاني: تملك إلى القرار ولا خلاف عندنا أنه لو أحيا مواتًا فظهر فيه معدن ملكه لأنه من أجزاء الأرض بخلاف الركاز، فإنه مودع فيها.
стр. 3790
قال القاضي عياض: وقد جاء في غلظ الأرضين وطباقهن وما بينهن حديث ليس بثابت.
الثالث: في أحكامه:
الأول: تحريم الظلم والغصب وتغليظ عقوبته.
الثاني: إمكان غصب الأرض وهو مذهب الشافعي والجمهور.
وقال أبو حنيفة: لا يتصور غصبها.
الثالث: أن بعض العقوبات يكون من جنس المعاصي في الصورة أو أزيد للتنفير عن المعصية ولا يخفى أن هذه العقوبة مقيدة بعدم التوبة من هذه المعصية فأما من تاب منها بشروطها فلا تطوق عليه.
الرابع: فيه أيضًا التنبيه على أن من ملك أرضًا ملكها إلى قرارها كما يملك الهواء تبعًا للملك وقد أسلفنا ذلك [. .] (١)، والخلاف ثابت عند المالكية أيضًا فيما إذا ملك أرضًا هل يملك ما فيها من معدن أو كنز حكاه القرطبي (٢).
فقيل: نعم.
وقيل: هو للمسلمين.
الخامس: استدل بهذا الحديث الداودي على أن السبع
стр. 3791
الأراضين لم يفتق بعضها من بعض قال: لأنه لو فتق بعضها من بعض لم يطوق منه ما ينتفع به غيره (١). وفيما ذكره نظر، لأن لفظ السبع عدد وهو مقتضي الانفصال المعدود بعضه من بعض.
стр. 3792
٥٩ - باب اللقطة
هي بفتح القاف على المشهور، كما أسلفته في الحديث الثاني من باب حرمة مكة مع باقي اللغات الأربع فيها فراجعه من ثم. وذكر المصنف في الباب (١) حديثًا واحدًا وهو:
٣١١/ ١/ ٥٩ - عن زيد بن خالد الجهيني ﵁ قال: "سئل رسول الله ﷺ عن [لقطة] (٢) الذهب، والورق؟ فقال: اعرف وكاءها وعفاصها، ثم عرفها سنة، فإنه لم تعرف، فاستنفقها ولتكن وديعة عندك، فإن جاء صاحبها يومًا من الدهر فأداها إليه، وسأله عن ضالة الإِبل؟، فقال: مالك ولها؟ دعها. فإن معها حذاءها [وسقاءها] (٣) ترد الماء، وتأكل الشجر، حتى يجدها ربها، وسأله عن الشاة؟ فقال: خذها. فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب" (٤).
стр. 3793
الكلام عليه من وجوه:
الأول: هذا الحديث بوب عليه البخاري أبوابًا (ضالة الإِبل) (١)، (ضالة الغنم) (٢) (إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة، فهي لمن وجدها) (٣) [إذا [جاء] (٤) بعدها] (٥) [من عرفها ولم يدفعها إلى السلطان] (٦).
والسياق الذي ذكره المصنف هو لمسلم.
وقال عن "اللقطة الذهب والورق"، بدل من: "لقطة الذهب والورق"، وكذا هو في بعض النسخ وبعض الشروح وروايات البخاري بمعناه، ولم يذكر "الذهب والورق".
стр. 3794
وذكر عن يحيى بن سعيد أحد رواة الحديث الشك في رفع قوله: "ولتكن وديعة عندك"، وفي رواية لمسلم: "فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءه فأعطها إياه، وإلَّا فهي لك"، وفي رواية له: "عرفها سنة فإن لم تعرف فاعرف عفاصها ووكاءها، ثم فكها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه" (١).
стр. 3795
الثاني: في التعريف براويه، وهو زيد بن خالد الجهيني -بضم الجيم- من جُهينة (١) وهي قبيلة من قضاعة، واسمه: زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة نزلوا الكوفة والبصرة. ينسب إليها خلق كثير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وقولي: اسمه زيد بن ليث، قاله السمعاني (٢) لكن اعترض ابن الأثير عليه وقال: جهينة هو ابن زيد.
وزيد هذا أعنى بن خالد مدني صحابي مشهور وكنيته أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو طلحة، ويقال: أبو محمَّد. وروى أيضًا عن عثمان وغيره وعنه ابنه خالد ومولاه أبو عميرة وسعيد بن المسيب وغيرهم، له أحاديث عدتها أحد وثمانون حديثًا اتفقا على خمسة وانفرد مسلم بثلاثة.
مات بالمدينة، وقيل: بالكوفة وقيل: بمصر سنة ثمان وسبعين.
وقيل: سنة ثمان وسبعين عن خمس وثمانين سنة وكان معه لواء جهينة يوم الفتح (٣).
стр. 3796
الثالث: هذا السائل قال الصعبي: في كلامه على رجال هذا الكتاب فيما رأيته بخطه أنه بلال بن رباح المؤذن ولم أر من تعرض له سواه [ثم رأيته بعد في كتاب بن بشكوال (١)
стр. 3797
] (١).
وفي صحيح البخاري: "أن أعرابيًا سأل".
الرابع: في ألفاظه.
قوله: "سئل عن اللقطة الذهب والورق" هو بالألف واللام في "اللقطة" غير مضافة والذهب والورق بدل منها كما قدمته عن رواية مسلم.
قال الأزهري (٢): وأجمع الرواة على تحريك "اللقطة" هنا وإن كان القياس التسكين.
стр. 3798
و"العفاص"، و"الوكاء": بكسر أولهما وبعد العين فاء، ثم صاد مهملة، وهو الوعاء من جلد وغيره (١).
والوكاء: ممدود. الخيط الذي تشد به.
قال القاضي عياض: ووهم بعضهم فقصره والصواب:
الأول: عند أهل اللغة، وإنما أمر بمعرفتها ليعرف صدق واصفها من كذبه، ولئلا تختلط بماله ويستحب تقييدها بالكتابة خوف النسيان.
وعن ابن داود من الشافعية: إن معرفتهما قبل حضور المالك مستحب. وقال المتولي: يجب معرفتهما عند الالتقاط (٢).
فرع: يعرف أيضًا الجنس والقدر وكيل المكيال وطول الثوب وعرضه ودقته وصفاقته.
стр. 3799
وقوله: "ثم عرفها سنة"، إتيان "ثم" (١) هنا يدل على المبالغة وشدة التثبت في معرفة العفاص، والوكاء إذ كان وضعها للتراخي والمهلة فكأنه عبارة عن قوله: لا تعجل وتثبت في عرفان ذلك نبه عليه الفاكهي.
وقوله: "فإن لم تعرف فاستنفقها" الأمر باستنفاقها أمر إباحة
стр. 3800
لا وجوب (١).
وقوله: "فلتكن وديعة عندك"، قال الشيخ تقي الدين (٢):
стр. 3801
يحتمل أن يراد بذلك بعد الاستنفاق. ويكون قوله: "وديعة عندك" فيه مجاز في لفظ: "الوديعة" فإنها تدل على الأعيان وإذا استنفق اللقطة لم تكن عينًا. فتجوّز بلفظ: "الوديعة" (١) عن كون الشيء بحيث يُردُّ إذا جاء ربه -أي فإنه يجب عليه رده إليه كسائر الأمانات [ويحتمل أن تكون "الواو"، في قوله: "ولتكن" [بمعنى "أو"] (٢) فيكون حكمها حكم الودائع والأمانات] (٣) إذا لم يتملكها فإنه تكون أمانة عنده كالوديعة.
قوله: "فإن جاء صاحبها يومًا من الدهر فأدها إليه" بمعنى إذا تحقق صدق واصفها إما بوصفه لها بأمارة وإما ببينة (٤) على
стр. 3802
اختلاف بين الفقهاء في ذلك فإنه يجب ردها إليه بعد تعريف الملتقط إياها.
وقوله: " [وسأله] (١) عن ضالة الإِبل"، فالضالة: لا تقع إلَّا على الحيوان، يقال: ضل البعير والإنسان وغيرهما من الحيوان وهي الضوال وأما الأمتعة وما سوى الحيوان فيقال: فيه لقطة ولا يقال: ضال [قال الأزهري: [وغيره] (٢) يقال، (٣) [للضوال: الهوامي (٤) والهوافي، واحدتها: هامية، وهافية، [وهي الهوامل، وقد] (٥) وهَمَتْ وهَفَتْ، وهملت: إذا [ذهبت] (٦) على وجهها بلا راع (٧) [ولا. . . . . . . . . .
سائق] (١).
وقوله: "فإن معها حذاءها"، أي خفيها.
"وسقاؤها"، أي: جوفها.
وقال الماوردي: أعناقها.
وقال الشيخ تقي الدين: لما كانت مستغنية عن الحافظ [والمتعهد] (٢) والنفقة عليه بما رُكِّب في طبعها من الجلادة على العطش، والحفاء، عبر عنها "بالحذاء والسقاء" مجازان. كأنها استغنت بقوتها عن الماء والحذاء، أي فلا حاجة إلى التقاطها لعدم الخوف عليها.
وقوله: "وسأله عن الشاة"، إلى آخره يريد أنه لما كانت الشاة الضالة عاجزة عن القيام بنفسها بغير حافظ ومتعهد وخيف عليها الضياع، إن لم يلتقطها أحد. وفي ذلك إتلاف لماليتها على مالكها اقتضى الأذن في التقاطها لأنه لابد منه إما لهذا الواجد أو لغيره.
الوجه الخامس: في أحكامه.
الأول: جواز أخذ اللقطة وهل هو مستحب أو واجب, فيه خلاف وتفصيل محله كتب الفروع، والأصح عدم الوجوب (٣).
стр. 3805
الثاني: وجوب التعريف سنَّة.
قال القاضي عياض: وهو إجماع قال: ولم يشترط أحد تعريف ثلاث سنين إلَّا ما روى عن عمر بن الخطاب ولعله لم يثبت عنده (١) [وحكى المحب في "أحكامه" عن أحمد أنه يعرفها شهرًا
стр. 3806
وعن آخرين ثلاثة أيام وحكاه عن الشافعي] (١).
قلت: والتعريف على العادة كما أوضحناه في كتب الفروع ثم هذا إذا أراد تملكها فإن أراد حفظها على صاحبها فقط فالأكثرون من أصحابنا على أنه لا يجب عليه التعريف والحالة هذه والأقوى الوجوب (٢).
الثالث: ظاهر الحديث أنه لا فرق بين الكثير والقليل في وجوب التعريف، وفي مدته.
والأصح عند الشافعية: أنه لا يجب تعريف القليل سنة بل زمنًا يظن أن فاقده يعرض عنه غالبًا.
واختلفوا في ضابط الحقير على خمسة أوجه:
стр. 3807
أصحها: أنه ما يقل أسف فاقده عليه غالبًا. وباقيها ذكرتها في "شرح المنهاج" وغيره (١).
الرابع: إباحة استنفاقها بعد تملكها.
стр. 3808
الخامس: أن الملتقط أولى بذلك من غيره.
السادس: وجوب ردها إلى صاحبها بعينها أو ما يقوم مقامه بعد تعريفها واستنفاقها أو تملكها (١) إذا تحقق صدقه.
وأغرب الكرابيسي من الشافعية فقال: لا يلزمه ردها ولا رد بدلها. وهو قول داود في البدل، وقول مالك في الشاة.
واختلف الفقهاء هل يتوقف وجوب الرد على إقامة البينة أو يكتفي بوصفه لأماراتها التي عرفها الملتقط (٢) أولًا؟
ومشهور مذهب مالك اعتبار وفي العدد في النقدين ومنشأ الخلاف ذكره في حديث أبي بن كعب وعدم ذكره في حديث زيد بن خالد.
واختلفوا: إذا أتى ببعض العلامات المغلبة على الظن صدقه هل يعطاها أو لابد من جميع العلامات على قولين
стр. 3809
عندهم (١).
قالوا: ولو عرف العفاص دون الوكاء أو بالعكس استبرىء بها ثم دفعت إليها ولو عرف العفاص، أو الوكاء، وحده وعرف آخر عدد الدنانير ووزنها كانت لمن عرف العفاص أو الوكاء.
وقيل: يقسم بينهما بعد التحالف.
السابع: امتناع التقاط ضالة الإبل إذا استغنت بقوتها عن حفظها، وخالف أبو حنيفة، فقال: يجوز مطلقًا.
وعند الشافعية: يجوز التقاطها للحفظ دون التملك، اللهم إلَّا أن توجد بقرية أو بلد فيجوز التملك على الأصح، ويلتحق بالإِبل، كل ما امتنع بقوته عن صغار السباع كالفرس والأرنب والظبي.
وعند المالكية ثلاثة أقوال في [التقاط الإِبل، ثالثها: يجوز في القرى دون الصحراء وعندهم ثلاثة أقوال أيضًا] (٢) في إلحاق البقر والخيل والحمير بالإِبل، ثالثها: لابن القاسم يلحق البقر دون غيره
стр. 3810
[إذا كانت بمكان لا يخاف عليها فيه من السباع واحترزت بقولي في الإِبل إذا استغنت بقوتها عن حفظها أما إذا كانت] (١) مهزولة لا تنبعث فإنها كالغنم كما شرح به الخطابي (٢) وعن الفصيل (٣) منها [فإنه] (٤) كالشاة.
الثامن: التقاط ضالة الشاة إذا خيف إتلاف ماليتها على مالكها (٥).
التاسع: أن الضالة لا تزول ملك صاحبها عنها بضلالها وأنه متى وجدها أخذها.
العاشر: جواز قول: رب المال. ورب المتاع. ورب الماشية بمعنى صاحبها، وهذا قول جمهور أهل العلم:
ومنهم من كره إضافته إلى ماله روح: دون الدار، والمال، ونحوه وهو غلط (١).
стр. 3813
الحادي عشر: في معنى الشاة كل ما يسرع إليه الفساد من الأطعمة فيأكله ويضمنه وفيه ما سلف.
стр. 3814
فروع: إذا عرّفها سنة لم يملكها حتى يختاره بلفظ على أصح الأوجه عندنا.
وقيل: تكفي النية.
وقيل: تملك بمضي السنة وإن لم يرضى بالتملك إذا قصد عند الأخذ التملك بعد التعريف, لأنه جاء في رواية لمسلم: "فإن جاء صاحبها فاعطها إياه وإلَّا فهي لك" (١) [وقيل] (٢): غير ذلك.
ولا يفتقد التقاط اللقطة وتملكها إلى حكم حاكم ولا إلى إذن السلطان بالإجماع، ولا فرق عندنا وعند الجمهور بين الغني والفقير (٣) وفروع الباب كثيرة مفسرة ومحل الخوض فيها كتب
الفروع وقد أوضحتها فيها, ولله الحمد.
...
انتهى الجزء السابع ويليه الجزء الثامن وأوَّله كتاب الوصايا
стр. 3817
الإعلام بفوائد عمدة الأحكام
للإمام الحافظ العلامة
أبي حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بابن الملقن
(٧٢٣ - ٨٠٤) هـ
تقديم
فضيلة الشيخ
صالح بن فوزان الفوزان
عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للافتاء
فضيلة الشيخ
بكر بن عبد الله أبو زيد
عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للافتاء
حقّقه وضَبط نصَّه وعزا آياته وخرّج أحاديثه ووثق نقوله وعلّق عَليه
عبد العزيز بن أحمد بن محمد المشيقح
غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين
الجزء الثامن
كتاب الوصايا - كتاب اللعان
(٣١٢ - ٣٤٨) حديث
دار العاصمة
للنشر والتوزيع
стр. 3818
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3819
كتاب الوصايا
стр. 3820
٦٠ - [كتاب] (١) الوصايا
وهي جمع وصية، مأخوذة من وصيت الشيء أصيه: إذا وصلته، فالموصي وصل ما كان له في حياته بما بعد موته، ويقال: أوصيت لفلان بكذا، أو أوصيت إليه: إذا جعلته وصيًا [والاسم: الوصية والوصاية] (٢).
وهي في الشرع: تفويض خاص بما بعد الموت.
وذكر فيه ﵀[ثلاثة] (٣) أحاديث:
الحديث الأول
٣١٢/ ١/ ٦٠ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ
قال: "ما حق امريءٍ مسلم، له شيء يُوصِي فيه، يبيت ليلتين إلَّا ووصيَّته مكتوبة عنده" (٤).