الفروع وقد أوضحتها فيها, ولله الحمد.
...
انتهى الجزء السابع ويليه الجزء الثامن وأوَّله كتاب الوصايا
стр. 3817
الإعلام بفوائد عمدة الأحكام
للإمام الحافظ العلامة
أبي حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بابن الملقن
(٧٢٣ - ٨٠٤) هـ
تقديم
فضيلة الشيخ
صالح بن فوزان الفوزان
عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للافتاء
فضيلة الشيخ
بكر بن عبد الله أبو زيد
عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للافتاء
حقّقه وضَبط نصَّه وعزا آياته وخرّج أحاديثه ووثق نقوله وعلّق عَليه
عبد العزيز بن أحمد بن محمد المشيقح
غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين
الجزء الثامن
كتاب الوصايا - كتاب اللعان
(٣١٢ - ٣٤٨) حديث
دار العاصمة
للنشر والتوزيع
стр. 3818
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3819
كتاب الوصايا
стр. 3820
٦٠ - [كتاب] (١) الوصايا
وهي جمع وصية، مأخوذة من وصيت الشيء أصيه: إذا وصلته، فالموصي وصل ما كان له في حياته بما بعد موته، ويقال: أوصيت لفلان بكذا، أو أوصيت إليه: إذا جعلته وصيًا [والاسم: الوصية والوصاية] (٢).
وهي في الشرع: تفويض خاص بما بعد الموت.
وذكر فيه ﵀[ثلاثة] (٣) أحاديث:
الحديث الأول
٣١٢/ ١/ ٦٠ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ
قال: "ما حق امريءٍ مسلم، له شيء يُوصِي فيه، يبيت ليلتين إلَّا ووصيَّته مكتوبة عنده" (٤).
стр. 3821
زاد مسلم: قال ابن عمر: "وما مرت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك، إلَّا وعندي وصيتي".
الكلام عليه من وجوه:
الأول: فيه دلالة على الحث على الوصية لمن له شيء يوصي فيه (١).
أما من عليه حقوق مالية وله مال، ولم يبق له وقت في الحياة ما يسع وفاءه بنفسه ولا بغيره؛ فإن الوصية بذلك واجبة حتمًا متعينة، ولا يدخل ذلك في لفظ الحديث، إلَّا أن يأول "فيه" بمعنى "عليه" وفيه بمعنى "به"، والإِجماع قائم على الأمر بالوصية، لكنه عند الجمهور منهم الشافعي أمر ندب.
وخالف داود وغيره من أهل الظاهر فقالوا: إنه أمر إيجاب؛ لهذا الحديث، ولا دلالة فيه لهم؛ لعدم التصريح به، وإنما هو دالٌّ
стр. 3822
على تأكيدها والحث عليها والحق الثابت، ولا يلزم منه الوجوب.
قال الشافعي: يحتمل، أن يكون معناه: [ما الحزم] (١) والاحتياط للمسلم إلَّا أن تكون وصيته مكتوبة عنده، فيستحب تعجيلها، وأن يكتبها في صحته ويشهد عليها، ويكتب فيها ما يحتاج إليه؛ لأنه قد يفجأه الموت، وما ينبغي أن يغفل المؤمن عن الموت والاستعداد له.
ويحتمل أن يكون معناه: ما المعروف في مكارم الأخلاق إلَّا هذا (٢)، وهو مثل ما روي أنه ﵊ قال: "حق على كل مسلم أن يغتسل في الأسبوع مرة" (٣).
стр. 3823
قال الشيخ زكي الدين (١): ويؤيد الأول أنه جاء في رواية: "لا يحل لامرىء مسلم له مال. . . ." الحديث، لكن هذه اللفظة شاذة.
قلت: رواها ابن عون عن نافع، عن ابن عمر، ولم يتابع عليها، وفي رواية لابن عبد البر: "لا ينبغي لأحد عنده مال يوصي فيه أن يأتي عليه ليلتان إلَّا وعنده وصيته"، قال أبو عمر: وقول من قال: "مال" أولى من [قول من] (٢) قال: "شيء"، لأن الشيء يقع على الكثير والقليل، وقد أجمع العلماء على أن من لم يكن عنده إلَّا اليسير التافه من المال أنه لا يندب له الوصية (٣).
تنبيه: لو فرغ من وصيته ثم تجدد له أمر يحتاج إلى الوصية به ألحقه.
قال العلماء: ولا يكلف [أن يكتب] (٤) كل يوم محتقرات المعاملات، وجزئيات الأمور المتكررة، كالشيء الذي جرت العادة باستدانته ورده على قرب للمشقة، ولا خلاف في استحباب الوصية بالقربة، ورخص في الليلتين وكذا الثلاث، كما جاء في رواية لمسلم رفعًا للحرج والعسر فيها، ومن الغرائب حمل هذا الحديث على أنه
стр. 3824
ورد في الوقت الذي كتب عليهم فيه الوصية.
الثاني: فيه أيضًا دلالة على أنها لا تشرع لمن ليس له شيء يوصي فيه ولا به.
الثالث: جواز العمل بالكتابة فيها، وبه قال الإِمام محمَّد [بن] (١) نصر المروزي من أصحابنا، وقال: إنها كافية فيها من غير إشهاد؛ لظاهر الحديث، وخالف إمامه والجمهور، فإنهم قالوا: لابدَّ من الإِشهاد.
وعند مالك: أنه إذا لم يشهد لا يعمل بخطه إلَّا فيما يكون فيها من إقرار الحق لمن لا يتهم عليه.
الرابع: [فيه] (٢) منقبة ظاهرة لابن عمر ﵁ لمبادرته إلى امتثال الأمر ومواظبته عليه، وقد كان ﵁ شديد الاتباع [له] (٣).
الخامس: فيه الحث على تهيؤ الإنسان للموت ويبادر بما عساه أن لا يدركه فإنه لا يدري [متي] (٤) القدوم.
السادس: لعل التقييد بالمسلم خرج على الغالب، فإن الكافر مكلف بالفروع أيضًا على الصحيح.
стр. 3825
خاتمة: أسلفنا أن الوصية قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة، وعزاها بعضهم إلى باقي الأحكام الخمسة وأنه إن رجا من تركها كثرة الأجر فمكروه، وإن رجا من فعلها كثرته فمستحبة، وإن تقاربا فمباحة، والمحرمة فيما إذا أوصى بمعصية.
стр. 3826
الحديث الثاني
٣١٣/ ٢/ ٦٠ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "جاءني رسول الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله قد [بلغني من] (١) الوجع ما ترى، وأنا ذو مال ولا يرثني إلَّا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا، قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلَّا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فيِّ امرأتك: قال: قلت يا رسول الله أخلف بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تخلف فتعمل عملًا تبنغي به وجه الله إلَّا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضرّ بك آخرون، اللهم امضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة" (٢).
стр. 3827
الكلام عليه من وجوه:
الأول: في التعريف براويه، وهو أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص، واسمه مالك بن وهيب [قال] (١) العسكري: وابن إسحاق يقول: أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة القرشي الزهري، أحد العشرة وآخرهم موتًا، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وفارس الإِسلام وحارس النبي في مغازيه وسابع سبعة [فيه] (٢)، أسلم قديمًا وهو ابن سبع عشرة، وقيل: خمس عشرة. وروي عنه أنه قال: أسلمت قبل أن تفرض الصلوات.
أمه: حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، روى عنه بنوه إبراهيم ومحمد وعمر وعامر ومصعب وعائشة وغيرهم، شهد بدرًا والمشاهد، وكان أحد الستة أولي الشورى، وقال عمر: إن وليها [سعد] (٣) فذاك، وإلَّا فليستعن به الوالي، فإني لم أعزله عن عجزٍ، ولا خيانة.
وكان مجاب الدعوة مشهورًا بذلك، دعا له رسول الله ﷺ : "اللهم سدد رميته وأجب دعوته"، وهو الذي كوَّف الكوفة، وطرد الأعاجم، وتولى قتال فارس، أمَّره عمر على ذلك، وفتح الله على يديه أكثر فارس، وفتح القادسية وغيرها
стр. 3828
[ولي] (١) الكوفة لعمر مرتين، ثم ولاه عثمان، ثم عزله بالوليد بن عقبة.
ثم كان ممن لزم بيته في الفتنة، وأمر أهله أن لا يخبروه من أخبار الناس بشيء حتى تجتمع الأمة على إمام، ورامه ابنه عمر أن يدعو إلى نفسه بعد قتل عثمان فأبى، ومناقبه جمة.
روي له عن النبي ﷺ مئتا [. .] (٢) وسبعون حديثًا، اتفقا منها على خمسة، وانفرد البخاري بخمسة [. .] (٣)، ومسلم بثمانية عشر، مات بقصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وحمل على الرقاب إلى البقيع، فدفن بها سنة خمس وخمسين على الأصح، وقيل: سنة ثمان، وهو أشهر وأكثر عن ثلاث وسبعين سنة، وقيل: أربع، وقيل: عن اثنتين وثمانين، وقيل: ثلاث.
فائدة: في الصحابة من اسمه سعد بن مالك غير هذا: أبو سعيد الخدري: سعد بن مالك، وسعد بن مالك العذري، قدم في وفد عذرة على النبي ﷺ .
وأما سعد بن خولة: الواقع في أثناء المتن، فهو من بني عامر بن لؤي كما نقله البخاري في صحيحه عن سفيان، وهو من أنفسهم، وقيل: من حلفائهم، وقال ابن حبان في ثقاته: إنه مولى حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود، وذكره موسى بن عقبة
стр. 3829
في البدريين في بني عامر بن لؤي، وكان من مهاجرة الحبشة الثانية، ويقال فيه: ابن خولي بدل من خولة، وغاير العسكري في [الصحابة بينهما] (١)، وذكر البخاري أنه هاجر وشهد بدرًا وغيرها، قالوا: وتوفي بالكوفة سنة عشرة، وانفرد ابن جرير فقال: سنة سبع.
وهو زوج سبيعة الأسلمية الآتية في باب العدة.
وقال ابن عبد البر في الكنى: زوجها هو أبو البيداح بن عاصم بن عدي الأنصاري.
الوجه الثاني: في بيان المبهم الواقع فيه، وهو قوله: " (٢) لا يرثني إلَّا ابنة" وهذه الابنة اسمها [عائشة] (٣) كما جاء في البخاري، ثم عوفي سعد بعد ذلك، وجاءه عدة أولاد سلف اسمهم في ترجمة أبيهم، قال علي بن المديني (٤): بنو سعد بن أبي وقاص سبعة: مصعب، وعامر، ومحمد، وإبراهيم , وعمر، ويحيى، وعائشة، وزاد أبو زرعة ثامنًا، وهو إسحاق.
الوجه الثالث: هذا الحديث ذكره البخاري في مواضع: وضع اليد على المريض (٥)، من رواية عائشة ابنته أن أباها قال: تشكيت بمكة شكوى شديدة، فجاءني النبي يعودني، فقلت: يا نبي الله، إني أترك مالًا، وإني لم أترك إلَّا بنتًا واحدة، أفأوصي بثلثي مالي
стр. 3830
وأترك الثلث؟ قال: لا، قلت: أفأوصي بالنصف وأترك النصف؟ قال: لا، قلت: أفأوصي بالثلث وأترك لها الثلثين؟ قال: الثلث، والثلث كثير، ثم وضع يده على جبهته، ثم مسح يده على وجهي وبطني، ثم قال: "اللهم اشفِ سعدًا، وأتمم له هجرته"، فما زلت أجد برده على كبدي فيما يخال إليّ حتى الساعة.
وذكره في باب قول المريض: إني وجع (١)، من حديث عامر بن سعد، عن أبيه قال: جاءنا رسول الله ﷺ يعودني من وجع اشتدَّ بي زمن حجة الوداع، فذكره بنحوه إلى [قوله] (٢) "امرأتك".
وذكره في الوصايا (٣)، من هذا الوجه أيضًا بلفظ: "جاء النبي ﷺ يعودني وأنا بمكة، وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها، قال: "يرحم الله ابن عفراء"، قلت: يا ر سول الله، أُوصي بمالي كله؟ " فذكره بنحوه، وزاد بعد قوله: "في امرأتك، وعسى الله أن يرفعك فينتفع بك ناس ويضرّ بك آخرون، ولم يكن له يومئذٍ إلَّا ابنة".
قوله: "ابن عفراء" (٤)، قيل: إنه وهم ولعله من سعد بن
إبراهيم، وفي رواية للنسائي: "يرحم الله سعد بن عفراء، مرتين".
ثم ذكره -أعني البخاري- بعد من هذا الوجه (١) بلفظ: "فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن لا يردني على عقبي، قال: "لعل الله أن يرفعك، وينفع بك ناسًا" , قلت: أريد أن أوصي، وإنما لي ابنة، أفأوصي بالنصف؟ قال: "النصف كثير"، قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير".
قال: فأوصي الناس بالثلث، وجاز ذلك لهم.
وذكره في الفرائض (٢) في ميراث البنات بنحو سياقة أفراد المصنف، ولم يقل فيه: "اللهم امضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم" هذه طرق روايات البخاري (٣).
стр. 3833
قال عبد الحق في "جمعه": وفي بعض طرقه: "كثيرًا" و "كثير" وفي بعضها "كبير" بالباء الموحدة، قال: وليس في كتابه "وكان يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها"، أي: وإنما هي من أفراد مسلم، وهو عجيب، فهو فيه في الوصايا (١) كما سقته لك، لكنه قال: وهو "يكره" بدل "وكان".
وأخرجه مسلم (٢) بألفاظ منها: "عادني رسول الله ﷺ في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت، فقلت: يا رسول الله! بلغ بي ما ترى من الوجع". إلى آخر رواية المصنف، وفيه بعض التفاوت.
стр. 3834
ومنها: أنه ﵊[دخل] (١) على سعد يعوده بمكة فبكى، قال: "ما يبكيك؟ " فقال: قد خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، كما مات سعد بن خولة، فقال ﵊ "اللهم اشفِ سعدًا، ثلاث، [ثم ذكر قصة الوصية بنحوها.
الوجه] (٢) الرابع: في ألفاظه:
الأول: معنى "عادني": زارني، ولا يقال ذلك إلَّا لزيارة المريض، فأما الزيارة فأكثرها للصحيح، وقد تقال: للمريض.
وأما قوله -تعالى- ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ (٣) فكناية عن الموت، [والوجع: اسم لكل مرض، قاله الحربي] (٤).
وقوله: "اشتد بي" قد جاء في الرواية الأخرى التي أسلفناها: "أشفيت منه على الموت" ومعنى: "أشفيت": [قاربت] (٥)، يقال: أشفى [على كذا] (٦) وأشافه عليه: [إذا قاربه] (٧)، قالوا: ولا يقال: أشفى إلَّا في الشر، بخلاف أشرف، وقارب، ونحو ذلك.
стр. 3835
وروى أبو نعيم في كتاب "الطب" (١): أنه ﵊ لما عاد سعدًا بمكة قال: ادعوا له طبيبًا، فدعي له الحارث بن كلدة فنظر إليه فقال: ليس عليك بأس، ثم وصف له عجوة وحلبة يطحنان ويحسوهما فيبرأ.
وفي رواية له: "إن سعدًا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع فعاده فقال يا رسول الله ما أراني إلَّا لما بي، فقال: إني لأرجو أن يشفيك الله حتى يضرّ بك قومًا، وينفع بك آخرين، ثم قال للحارث بن كلدة: عالج سعدًا مما به، فقال: والله إني لأرجو أن يكون شفاؤه مما معه في رحله، ثم قال: هل معكم من [هذه الثمرة] (٢) العجوة شيء؟ قال: نعم، قال: فصنعه له بحلبة ثم أوسعها سمنًا، وحساها، فكأنما نشط من عقال.
وقوله: "عام حجة الوداع" هو الصحيح، قال البيهقي (٣):
стр. 3836
خالف سفيان الجماعة فقال: عام الفتح، والصحيح: في حجة الوداع.
الثاني: قوله: "ولا يرثني إلَّا ابنة" أي من الولد وخواص الورثة، وإلَّا فقد كان له عصبة، فيؤخذ صحة ميراث ذي السهم مع [العصبة] (١) ولا خلاف فيه.
وفيه قول ثان: إن معناه: لا يرثني من أصحاب الفروض سواها.
وقال القاضي: معناه لا يرثني من الولد ممن يعز عليّ تركه عالة، وإلَّا فقد كان [له عصبة] (٢) ورثه (٣).
стр. 3837
وقيل: يحتمل [أنه لا يرثه من النساء غيرها] (١)، وقيل: يحتمل أنه [استكثر بها] (٢) نصف تركته، أو ظن أنها تنفرد بجميع المال، أو على عادة العرب من أنها لا تعد المال للنساء، إنما كانت تعده للرجال (٣).
الثالث: قوله: "أفأتصدق بثلثي مالي؟ " يحتمل أنه يريد: منجزًا
стр. 3838
أو معلقًا بما بعد الموت، وحمله أصحابنا على الثاني لأجل رواية البخاري السالفة: "أفأوصي بثلثي مالي" والشطر ها: النصف؛ بدليل رواية البخاري السالفة: فأوصي بالنصف.
الرابع: قوله: "الثلث والثلث كثير"، يجوز في الثلث الأول نصبه ورفعه، كما قال القاضي (١)، فالنصب على الإِغراء: أي دونك
стр. 3839
الثلث، أو على تقدير فعل، أي: أعط الثلث، أو أخرجه، ونحو ذلك، وقدم القرطبي (١) الأول على هذا، والرفع على أنه فاعل بفعل مقدر، أي: يكفيك الثلث، أو على أنه مبتدأ حذف خبره، أي: الثلث كاف، أو خبر حذف مبتدأه: أي المشروع الثلث، ونحو ذلك، وضعف الأول القرطبي بأنه لا يكون [ذلك] (٢) إلَّا بعد أن يكون في صدر الكلام ما يدل على الفعل دلالة واضحة، كقوله -تعالى-: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ (٣) على خلاف بين الكوفيين والبصريين، فالبصريون [يرفعونه] (٤) بالفعل، والكوفيون بالابتداء.
وقوله: "كثير" هو بالثاء المثلثة وبالباء الموحدة [كما سلف] (٥) وكلاهما صحيح.
وقوله: "والثلث كثير" يجوز أن يكون مسوقًا لبيان الجواز بالثلث وأن الأولى أن ينقص عنه، وهو [ما يبتدره] (٦) الفهم، ويجوز أن يكون لبيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل، ويكون تقديره: والثلث كثير، أو كبير أجره.
стр. 3840
وعبارة الشافعي (١): أنه يحتمل أن يكون معناه: كبير، أي غير قليل، وهذا أولى معانيه (٢)، كما قال.
الخامس: قوله: "إن تذر ورثتك أغنياء"، روي بفتح الهمزة وكسرها، فالفتح على تقدير: إنك وتركك ورثتك أغنياء، والكسر على الشرط، قاله القاضي (٣) ونقله النووي في "شرحه" (٤) عنه، وأن كلاهما صحيح، وقال القرطبي (٥): روايتنا بالفتح وأن مع الفعل بتأويل المصدر في موضع رفع بالابتداء، وخبره "خير" المذكور بعده، والمبتدأ وخبره خبر "إنك" تقدير: إنك تركك ورثتك أغنياء خير من تركهم فقراء.
وقد وَهَمَ من كسرها وجعلها شرطًا، إذْ لا جواب له، ويبقى "خيرٌ" لا رافع له.
[قال] (٦) غيره: إلَّا أن يحمل على حذف الفاء الجوابية مع المبتدأ، وجعل خير خبرًا للمبتدأ المحذوف ويكون التقدير: إنك أن تذر ورثتك أغنياء فهو خير من أن تذرهم عالة. لكنه بعيد وبأنه [خاص] (٧) بالشعر فلا يليق
стр. 3841
حمل الحديث عليه (١).
وقوله: "ورثتك" إنما قاله بعد أن أخبره بأنه إنما يرثه إلَّا ابنة اطلاعًا منه ﵊ على ما سيأتي (٢).
стр. 3842
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3843
قال الفاكهي: قيل: إنه ولد له بعد ذلك أربعة بنين، ولا أعرف أسماءهم، ولعل الله أن يفتح بمعرفتهم فألحقهم.
قلت: قد قدمنا أن له سبعة أولاد غير هذه الابنة بأسمائهم، فاستفده أنت.
وقال القرطبي: فاق من مرضه، وكان له ثلاثة من الولد ذكور، أحدهم اسمه عامر.
قلت: فاستفد أنت الأربعة الزائدة عليهم.
السادس: "العالة" الفقراء، والفعل منه: عال، يعيل: إذا افتقر.
ومعنى: "يتكففون الناس" يسألون الصدقة بأكفهم، وهو من الألفاظ [الوجيزة] (١) وحكى صاحب (التنقيب) (٢) على المهذب، فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يمدون ويأخذون ما يعطون بأكفهم، (٣) يسألون الناس ما في أكفهم.
стр. 3844
ثالثها: يسألون كفافًا، وفي رواية لمسلم: "يتكففون الناس، [وقال] (١) بيده" وهو يؤيد القول الأول والثاني.
وقوله: "حتى ما تجعله في فيّ امرأتك" [صدقة] (٢) فخصها بالذكر، لأن نفقتها دائمة، تعود منفعتها إلى المنفق، فإنما يخرجها في بدنها ولباسها وغير ذلك، بخلاف النفقة على غيرها.
السابع: قوله: "قلت: يا رسول الله أخلف بعد أصحابي؟ " إلى آخره، أي: أخلف بمكة بعد أصحابي، كأنه أشفق من موته بمكة بعد أن هاجر منها وتركها لله، فخشي أن يقدح ذلك بهجرته أو في ثوابه، عليها، أو خشية بقائه بمكة بعد انصراف النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة وتخلفه عنهم بسبب المرض، [فإنهم كانوا] (٣) يكرهون الرجوع فيما تركوه لله -تعالى-، وقد جاء في رواية أخرى: "أخلف عن هجرتي" أو أنه [سأله] (٤) عن طول عمره وبقائه بعد أصحابه.
قال القاضي عياض: قيل: أن حكم الهجرة باقٍ بعد الفتح لهذا الحديث، وقيل: إنما ذلك لمن هاجر قبل الفتح فأما من هاجر بعده فلا.
قال: واختلفوا في أن تخلف المهاجر بمكة: هل يحبط عمله
стр. 3845
إذا مات بها، إذا كان باختياره أم مطلقًا؟ على قولين، قال: وقيل: لم تفرض الهجرة إلَّا على أهل مكة خاصة (١).
الثامن: قوله: "ولعلك أن تخلف" إلى آخره، المراد بتخلفه: طول عمره وبقائه بعد جماعات من أصحابه، وكان كذلك فعاش بعد ذلك نيفًا على أربعين سنة، وفتح العراق وغيره، وانتفع به أقوام في دينهم ودنياهم، وتضرر به الكفار في دينهم ودنياهم، فإنهم قتلوا وحكم لهم بالنار وسبيت نساؤهم وأولادهم وغنمت أموالهم وديارهم، فانتفع به المسلمون، وولي العراق فاهتدى على يديه خلائق [وتضرر به خلائق] (٢) ممن استحق بإقامة الحق فيهم، وهذا من أعلام نبوته ﷺ .
قال بعض العلماء من أهل المعرفة: "لعل" معناها الترجي، إلَّا إذا وردت عن الله [ورسله] (٣) وأوليائه، فإن معناها التحقيق، حكاه ابن العطار كذلك.
التاسع: معنى "إمضاء هجرتهم" إتمامها لهم من غير إبطال.
ومعنى: "لا تردهم على أعقابهم" أي بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم المرضية فيخيب قصدهم، ويسوء حالهم، تقول العرب: رجع فلان على عقبه إذا رجع خائبًا، واستدل بهذا قوم على أن بقاء المهاجر بمكة قادح فيه كيف كان، ولا دليل فيه كما قال القاضي، لأنه يحتمل أنه دعا لهم دعاءً عامًا.
стр. 3846
العاشر: "البائس" الذي [عليه أثر] (١) البؤس.
[الحادي عشر] (٢): قوله: "يرثي له رسول الله ﷺ أن مات
стр. 3847
بمكة"، هذا من كلام الراوي، والمرفوع منه إلى قوله: سعد بن خولة، وقال الراوي ذلك؛ تفسيرًا لبؤسه وتوجعه له وترفيقه عليه.
واختلف في قائل هذا الكلام: فقيل: سعد بن أبي وقاص، وقد جاء مفسرًا في بعض الروايات، قال القاضي عياض: وأكثر ما جاء أنه من كلام الزهري.
ويحتمل أن يكون قوله: "أن مات بمكة" مرفوعًا، ويرثي له من كلام غيره تفسيرًا لمعنى البائس، إذ روي في رواية: "لكن سعد بن خولة البائس قد مات في الأرض التي قد هاجر منها".
واختلف في قصة سعد بن خولة:
فقيل: لم يهاجر من مكة حتى مات فيها، قاله عيسى بن دينار وغيره، وذكر البخاري (١) أنه هاجر وشهد بدرًا، ثم انصرف إلى مكة ومات بها.
وقال ابن هشام (٢): إنه هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية وشهد
стр. 3848
بدرًا وغيرها، وتوفي بمكة في حجة الوداع سنة عشر.
وقيل: توفي بها سنة سبع في الهدنة، خرج مختارًا من المدينة إلى مكة، وقد أسلفنا ذلك في ترجمته، فعلى هذا وعلى قول عيسى، سبب بؤسه سقوط هجرته، لرجوعه مختارًا وموته بها، وعلى قول الآخرين: سببها موته بمكة على أي حال وإن لم يكن باختياره؛ لما فاته من الأجر والثواب الكامل بالموت في دار هجرته والغربة عن وطنه الذي هجره لله -تعالى- (١).
وفي (معجم الطبراني الكبير) (٢) أنه ﵊
стр. 3849
أمر إن مات سعد بن أبي وقاص من مرضه هذا أن يخرج من مكة وأن يدفن في طريق المدينة، وفي (مسند أحمد) (١) أنه ﵊ قال: "يا عمرو القاري، إن مات سعد بعدي فههنا فادفنه، نحو طريق المدينة"، وأشار بيده هكذا. وقد أسلفنا عن رواية الصحيحين "أنه كان يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها"، وعن رواية مسلم: "قد خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، كما مات سعد بن خولة".
وترجم المحب الطبري في (أحكامه): كراهة دفن المرء الميت في الأرض التي هاجر منها، ثم ذكر هذا الحديث قال: وفي "عوالي ابن عيينة" من حديث أبي بردة: "قلت لرسول الله: أتكره للرجل أن يموت في الأرض التي هاجر منها؟ قال: نعم" (٢).
الوجه الخامس: في أحكامه:
الأول: استحباب عيادة المريض؛ وعيادة الإِمام أصحابه؛ وأنها مستحبة في السفر كالحضر وأولى.
الثاني: جواز ذكر المريض ما يجده من شدة المرض لا في معرض التسخط والشكوى، بل لمداواة أو دعاء صالح أو وصية أو استفتاء عن حالة، ولا يكون ذلك قادحًا في خيره وأجر مرضه.
الثالث: إباحة جمع المال؛ لقوله: "وأنا ذو مال"، لأن هذه الصيغة لا تستعمل عرفًا إلَّا لمال كثير (١)، ومنه: ذو علم، وذو شجاعة، وشبههما، وقد جاء ذلك مبينًا في رواية لمسلم "إن لي مالًا كثيرًا".
الرابع: استحباب الصدقة لذوي الأموال.
الخامس: مراعاة الوارث في الوصية.
السادس: تخصيص جواز الوصية بالثلث، وخالف أهل الظاهر فقالوا: للمريض مرض الموت أن يتصدق بكل ماله، ويتبرع به كالصحيح. ويرده ظاهر الحديث مع حديث الذي أعتق في مرضه ستة أعبد [لا يملك] (٢) سواهم فأعتق ﵊
стр. 3852
اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولًا شديدًا. . . . رواه مسلم.
وزعم بعض أهل العلم فيما حكاه الخطابي (١): أن الثلث إنما هو لمن ليس له وارث يستوفي تركته.
وزعم قوم: أنه إذا لم يكن له ورثة يضع جميع ماله [حيث] (٢) شاء. وإليه ذهب إسحاق بن راهويه (٣)، وقد روي عن ابن مسعود (٤).
وذهب بعضهم: إلى أن في قوله ﵊ "والثلث كثير" منعًا من الوصية بالثلث، وأن الواجب أن يقتصر عنه، وأن لا يبلغ بوصيته تمامه.
وروي عن ابن عباس أنه قال: "الثلث جنف (٥)، والربع جنف".
стр. 3853
وعن الحسن البصري (١) أنه قال: "يوصي بالسدس، أو بالخمس، أو بالربع".
وقال إسحاق (٢): السنة في الربع، كما قال ﵊: "الثلث كثير"، إلَّا أن يكون الرجل يعرف في ماله شُبهات فله استغراق الثلث.
وقال الشافعي: إذا ترك ورثته أغنياء لم يكره له أن يستوعب الثلث، [وإذا] (٣) لم يدعهم أغنياء اخترتُ له أن لا يستوعبه (٤).
ونقل النووي في (شرح مسلم) (٥): عن العلماء من أصحابنا وغيرهم أن ورثته إن كانوا أغنياء استحب أن يوصي بالثلث تبرعًا وإن كانوا فقراء استحب أن ينقص منه، ونقله بعد ذلك عن مذهبنا، والذي جزم به في (الروضة) (٦) تبعًا للرافعي أن الأحسن: النقص عن الثلث مطلقًا.
السابع: أن الثلث في باب الوصية في حد الكثرة، وقد [اختلف] (٧) المالكية في مسائل: ففي بعضها جعلوه داخلًا في حد الكثرة بالوصية؛ لقوله ﵊ "والثلث كثير"
стр. 3854
وهذا كما قال الشيخ تقي الدين (١) يحتاج إلى أمرين:
الأول: أن لا يعتبر السياق الذي يقتضي تخصيص كثرة الثلث بالوصية، بل يؤخذ لفظًا عامًا.
الثاني: أن يدل دليل على اعتبار مسمى الكثرة في ذلك الحكم فحينئذٍ يحصل المقصود بأن يقال: الكثرة معتبرة في هذا الحكم، والثلث كثير، فهو معتبر، ومتى لم تلمح كل واحدة من هاتين المقدمتين لم يحصل المقصود [ومثل ذلك] (٢) [ما] (٣) ذهب إليه بعض المالكية. أنه إذا مسح ثلث رأسه في الوضوء أجزأه؛ لأنه كثير؛ للحديث، فيقال له: لِمَ قلت إن مسمى الكثرة معتبر في المسح؟ فإذا أثبته، قيل له: لِمَ قلت إن مطلق الثلث كثير، وإن كل ثلث فهو كثير بالنسبة إلى كل حكم؟ وعلى هذا فقس جميع المسائل واطلب تصحيح كل واحدة من هاتين المقدمتين.
وقد أجمع العلماء (٤) في الأعصار المتأخرة على أن من له وارث لا تنفذ وصيته بما زاد على الثلث إلَّا بإجازته، وشذَّ بعض السلف في ذلك، وأجمعوا على نفوذ الزيادة في باقي المال بإجازته.
وأما من لا وارث له: فمذهب الشافعي والجمهور أنه لا تصح وصيته فيما زاد على الثلث، وجوّزه أبو حنيفة وأصحابه وإسحاق
стр. 3855
وأحمد في إحدى الروايتين، وروي عن بعض سلف الكوفيين وعن عليّ وابن مسعود (١).
الثامن: أن طلب الغنى للورثة راجح على تركهم عالة، وحديث (٢) "ثلاث كيات" للذي خلف ثلاثة دنانير، لابدَّ من تأويله، وأوَّله أبو حاتم ابن حبان (٣) بأنه كان يسأل الناس إلحافًا وتكثرًا، ومن هذا أخذ بعضهم ترجيح الغني على الفقير وإستحباب النقص من الثلث.
وقال السرخسي من الشافعية: من قلَّ ماله وكثر عياله؛ يستحب أن لا يفوته عليهم بالوصية.
وقال القاضي أبو الطيب: إن كان ورثته لا يفضل ماله عن غناهم؛ فالأفضل أن لا يوصي.
التاسع: الحث على صلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب.
العاشر: أن صلة القريب الأقرب والإحسان إليه أفضل من الأبعد.
الحادي عشر: أن الثواب في الإِنفاق مشروط بصحة النية في ابتغاء وجه الله -تعالى-؛ فإن الأعمال بالنيات، وما أعزّ ذلك إذا عارضه مقتضى الطبع والشهوة!!.