← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

وتأول الجمهور الحديث: على مجرد فضل الإِسلام على غيره من الأديان، دون غيره من الأحكام، كإرث وغيره؛ جمعًا بين الحديثين. ولعل قائله لم يبلغه هذا الحديث، فإنه صريح فيه، ودين الإسلام لم يزل يزيد إلى أن كَمُل في الحين الذي أنزل الله فيه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١)، ولم ينقص من أحكامه ولا شرائعه التي شاء الله بقاءها شيء، وقد أعلاه الله -تعالى- وأظهره على الدين كله، كما وعدنا، والقياس لا يعارض النص، وأين الجامع بينهما أولًا، وحديث: "الإِسلام يزيد ولا ينقص" في إسناده جهالة. قال القرطبي (٢): لا يصح، وقال الجوزقاني: [باطل] (٣)، ثم رأيت بعد ذلك تخريج الحاكم له في مستدركه (٤) وصحح إسناده. وأجاب القرطبي (٥): عن حديث "الإِسلام يعلو ولا يُعلى عليه" بأنه لا يصح، ثم قال: هو كلام يُحكى ولا يُروى. هو عجيب منه (٦) مع ما فيه من المناقضة، فإن البخاري (٧) أخرجه موقوفًا من قول ابن عباس: "الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه". نعم لا يصح

стр. 3887

رفعه (١)، ووجه عدم إرثه من جهة المعنى: أن الكافر قطع ما بينه وبين الله -تعالى-، وقطع ما بينه وبين أوليائه وهم المؤمنون، ولانتفاء المناصرة بينهم، وهي قاعدة الإِرث. وهذا الذي ذكرناه في الكافر الأصلي (٢).

стр. 3888

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3889

أما المرتد (١): فلا يرث المسلم إجماعًا، وهل يرثه المسلم؟

стр. 3890

قولان للعلماء: أحدهما: لا؛ لعموم الحديث، وبه قال الشافعي وربيعة ومالك وابن أبي ليلى وغيرهم، بل يكون ماله فيئًا للمسلمين. وثانيهما: يرثه ورثته من المسلمين، وبه قال أبو حنيفة والكوفيون والأوزاعي وإسحاق، وروي ذلك عن علي وابن مسعود وجماعة من السلف، لكن قال الثوري وأبو حنيفة: ما كسبه في ردته [فهو للمسلمين فيءٌ] (١)، وقال الكوفيون: الجميع لورثته المسلمين، وعن أحمد روايات حكاها ابن هبيرة في كتابه "إجماع الأربعة" عنه. أظهرها: كقول الشافعي ومن وافقه. ثانيها: كالثاني: ثالثها: أن ميراثه يكون لورثته من أهل [ذمته] (٢) الذين اختارهم إذا لم يكونوا مرتدين، ووقع في كلام القاضي عياض (٣) في

стр. 3891

حكايته عن الشافعي أن ميراث المرتد لجماعة المسلمين، ومراده بالإِرث: الفيء، وسياق كلامه يرشد إليه. السادس: [الحديث] (١) دال بإطلاقه على أن اختلاف الدين مانع من الإِرث، وإن كان بالولاء، وعن الإِمام أحمد: أنه لا يمنع به (٢)، وحكاه إمام الحرمين عن علي، وقال: هو غريب ولا أصل له. قلت: [بل] (٣) له أصل، وهو حديث جابر ﵁: أن الرسول ﷺ قال: "لا يرث المسلم النصراني إلَّا أن يكون عبده أو أمته" (٤). رواه النسائي وصححه الحاكم، وأعله

стр. 3892

ابن حزم (١) وابن القطان بما فيه نظر، ومن الغرائب أن القاضي عبد الوهاب المالكي (٢) نقل عن الشافعي كمقالة أحمد، فقال: لو أعتق المسلم عبدًا كافرًا ومات ورثه عند الشافعي، خلافًا [لمالك] (٣)، ذكره في كتاب "الإشراف في الخلاف بينه وبين مالك"، لكن رأيت في "الأم" (٤) للإِمام الشافعي ما نصه: "أنا مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي حكيم أن عمر بن عبد العزيز أعتق عبدًا له نصرانيًا فتوفي العبد بعدما أعتقه، قال إسماعيل: فأمرني عمر بن عبد العزبز أن آخذ ماله فأجعله في بيت مال المسلمين"، ثم قال الشافعي: وبهذا كله نأخذ. وفي "الإِشراف" لابن المنذر: إذا أعتق المسلم العبد النصراني فالولاء له؛ لقوله ﵊: "الولاء لمن أعتق" فإن

стр. 3893

مات المعتق النصراني لم يكن للمعتق من ميراثه شيء؛ لقوله ﵊: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم". فإذا أسلم المعتق ثم مات ورثه مولاه المعتق، وهذا قول الشافعي وأهل العراق، ثم روى عن عمر بن عبد العزيز ما أسلفناه عن رواية الشافعي، ثم قال: وبه قال الأوزاعي. وفي "شرح الرافعي" في أوائل باب الولاء مثله، حيث قال: لو أعتق المسلم عبدًا كافرًا، والكافرُ مسلمًا؛ ثبت الولاء وإن لم يتوارثا، كما ثبت علقة النكاح والنسب بين الكافر والمسلم وإن لم يتوارثا، وقال القاضي حسين في الباب المذكور: لو أعتق الكافر عبدًا مسلمًا وله ابن مسلم فمات العبد في حياة معتقه؛ لا يرثه ابن معتقه المسلم، بل يكون لبيت المال. وما ذكره خلاف ما نص عليه إمامنا [فإن] (١) ابن المنذر نقل عنه: أنه يرثه أقرب الناس من عصبة مولاه، ويكون وجود سيده كموته، ونقله عن أهل العراق أيضًا: وكان مالك بن أنس يفرِّق بين المسلم يعتق العبد النصراني، وعكسه، فالأول يرثه مولاه دون الثاني. وفي الرافعي في أثناء باب (الولاء): لو أعتق [مسلم] (٢) عبدًا كافرًا ومات عن ابنين مسلم وكافر، ثم مات العتيق، فميراثه للابن الكافر؛ لأنه الذي يرث المعتق بصفة الكفر. ولو أسلم العتيق ثم مات فميراثه للابن المسلم، ولو أسلم

стр. 3894

الابن الكافر ثم مات العتيق مسلمًا فميراثه بينهما، واستدل أصحابنا على أحمد في تفرقته بين الإرث بالنسب والولاء: بأن الولاء فرع النسب، والكفر مانع من الإِرث [بالنسب] (١)، فأولى أن يَمنع في الولاء، وفرقوا بين النكاح والإِرث: بأن التوارث مبني على الموالاة والمناصرة، وهما منتفيان بين المسلم والكافر. وأما النكاح فمن نوع الاستخدام وقضاء الإِرث؛ ولأن الإِرث لو كان ملحقًا بالنكاح لورث الذمي الحربي، كما يجوز أن يتزوج المسلم الحربية، وحيث لم يجز؛ دل على افتراقهما. فرع: مات كافر عن زوجة حامل ووقفنا الميراث للحمل فأسلمت، ثم ولدت، ورثه الولد وإن كان محكومًا بإسلامه؛ لأنه كان محكومًا بكفره يوم الموت، ذكره الرافعي في الكلام على إرث الجنين، ولو قيل: بأنه [لا يرثه] (٢) لم يبعد؛ لأن العبرة في إرث الحمل بانفصاله حيًّا، وهذا حين انفصاله كان مسلمًا. وفي كتب الحنابلة: أنه إذا مات أحد أبوي الولد الكافرين صار الولد مسلمًا بموته، وقسم له الميراث؛ لأن إسلامه إنما ثبت بموت أبيه الذي استحق به الميراث، فهو سبب لهما، فلم يتقدم [الإِسلام] (٣): مانع من الميراث على استحقاقه.

стр. 3895

فروع: نختم بها الكلام على الحديث: الأول: الأصح عند الشافعي أن الكافر يرث الكافر وإن اختلفت ملتهما، وبه قال أبو حنيفة وداود وآخرون. ونقل مقابله: عن مالك، وأحمد في أصح الروايتين عنه، وأنه لا توارث بين حربي وذمي، ونقل عن علي أيضًا، وحكاه القاضي قولًا قديمًا، والرافعي حكاه وجهًا مخرجًا من تخريج ابن خيران وغيره، وأنه اختيار الأستاذ أبي منصور. ووقع في "تعليق" القاضي حسين و"الإِبانة" نسبة ذلك إلى ابن سريج -وصوابه شريح كما ذكره غيرهما-، وأصل هذا الخلاف: أن الكفر ملل، أو ملة واحدة، وفيه قولان: أصحهما عند الشافعي الثاني، وبه قال عمر بن الخطاب وأبو حنيفة وصاحباه. و [حكى] (١) مقابله: عن علي بن أبي طالب ومالك. ونقل ابن اللبان في "فرائضه" عن شريح وابن أبي ليلى والحسن وشريك والحسن بن صالح وإحدى الروايتين عن إبراهيم والثوري أنهم قالوا: الكفر ثلاث ملل: ملة اليهودية، وملة النصرانية، وملة الكفر من المجوسيين والصابئين وغيرهم، لأنهم لا كتاب لهم، فلا يرث ملة من هؤلاء من ملة أخرى، قال ابن اللبان: وعن عطاء والليث ومغيرة والضحاك والزهري وربيعة نحوه، قال: وذهبت طائفة من أهل المدينة والبصرة إلى أن كل

стр. 3896

فريق من الكفار ملة، ولم يورثوا المجوسي من عبدة الأوثان أيضًا. الفرع الثاني: يهودي ذمي مات عن ابن مسلم وأربعة إخوة: نصراني ومجوسي ويهودي وصابئي؛ المال للإِخوة الأربعة عدنا، وعند معاذ: المال للمسلم، وعند شريح: للأخ اليهودي، وفي "شرح مختصر المزني" للجودي: لو جاز توريث المرتد من مثله، لجاز توريث المعطل من مثله، والوثني من مثله. ونقل الإجماع على أن الموارثة خلاف المناكحة، وأن من لم يورِّث المسلم من الكافر سوَّى بين كل كافر كتابيًا كان أو وثنيًّا، ومن ورث المسلم من الكافر سوَّى بين كل كافر أيضًا، فورَّثهم من كل كافر. الفرع الثالث: لا فرق بين أن يكون الحربيان متفقي الدار أو مختلفيها. وقال أبو حنيفة: إن كان مختلفي الدار: فإن اختلفت الملوك، ورأى بعضهم قتل بعض، كالروم والهند، لم يتوارثا، وإن اختلفت ملتهما. وعبارة الماوردي (١): إذا ثبت أن الكفر ملة واحدة فقد اختلف الناس في كيفية توارثهم، ومذهب الشافعي: أن أهل الذمة يتوارثون هم وأهل العهد، بعضهم من بعض [على] (٢) اختلاف [أديانهم] (٣)، وأهل الحرب يتوارثون بعضهم من بعض وإن اختلفت ديارهم، ولا

стр. 3897

توارث بينهم وبين أهل الذمة، وأهل الحرب يتوارثون ما لم تختلف بهم الدار، واختلاف دارهم يكون باختلاف ملوكهم، ومعاداة [بعضهم] (١) لبعض في الدين، كالترك والروم، فلا يورث بعضهم من بعض. وعبارة الرافعي: اختلف الشافعي وأبو حنيفة في ميراث أهل الحرب بعضهم من بعض، فقال الشافعي: يرث بعضهم بعضًا سواء كانوا من أهل دار واحدة، أو اختلفت دارهما. وقال أبو حنيفة: أهل الحرب إنما يرث بعض من بعض إذا كانوا من أهل دار واحدة. ووقع في "شرح مسلم" (٢) للنووي عن الأصحاب ما يخالف ذلك، فإنه قال: قال الشافعي: لا يرث حربي من ذمي، ولا ذمي من حربي، ثم قال: [قال] (٣) [الأصحاب] (٤): وكذا لو كان حربيين في بلدين [متجاورين] (٥) لم يتوارثا، نعم في نسخة حُذِفَ لفظ "حربيين". وقال في كلامه على "التنبيه": قوله: (ولا يرث حربي من ذمي، ولا ذمي من حربي)، كان ينبغي له أن يقول أيضًا: ولا حربي من حربي في دار أخرى وبينهما حرب، فإن أهل الحرب إذا

стр. 3898

كانوا متجاورين لا يرثوا أهل بلد من بلد [آخر] (١) يحاربونهم. الفرع الرابع: لا فرق عندنا بين أن يسلم الكافر قبل قسمة ميراث قريبه المسلم، أو يستمر على كفره، خلافًا لأحمد، حيث قال: إن أسلم بعدها أو بعد حرز الوارث الواحد فلا يتغير الحكم، وإن أسلم قبلها ورث في المشهور عنه، وإن أسلم بعد قسمة بعض التركة، ورث مما بقي؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: "كل قسم في الجاهلية فهو على قسمة الجاهلية، وإن ما أدرك الإِسلام فهو على قَسم الإسلام". رواه أبو داود (٢)، وفي إسناده محمَّد بن مسلم الطائفي، وقد ضعف، ممن ضعَّفه أحمد، وعلى تقدير صحته تأوّله الخطابي (٣) على أن أحكام الأموال والأنساب والأنكحة التي

стр. 3899

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3900

كانت في الجاهلية ماضية لا يردّ منها شيء في الإسلام، [أما] (١) ما حدث في الإِسلام فيستأنف فيه حكم الإِسلام. الفرع الخامس: للفرق المختلفة في الدين الواحد من الكفار، مثل اليعقوبية (٢). . . . .

стр. 3901

والنسطورية (١) من النصارى، يتوارثون عندنا وعند عامة العلماء, وعن الأوزاعي: لا يتوارثون, لوقوع العداوة بينهم، نقله المعافي الموصلي، وكأنه أخذه من "الإبانة" فإن فيها قريبًا منه. الفرع السادس: إذا ورث الكافر الكافر [فإنه] (٢) يرثه على حكم الإِسلام، وإذا ترافعوا إلينا لم يحكم بينهم إلَّا به، وحيث لا يكون وارث أو يفضل عن ذوي الفروض ولا عصبة، يكون لبيت المال، كما يفعل في مواريث المسلمين، كذا قرره بعض شيوخنا، قال: وليس عندنا في ذلك خلاف، وإنما في بعض كلام المالكية والحنفية شيء يخالف في ذلك، وقد غلط في ذلك بعض المفتين من الشافعية. الفرع السابع: إذا مات كافر ولا وارث له؛ فماله في أهل

стр. 3902

الفيء، وعن النخعي ومالك: أنه لأهل دينه، وعن عمر: أنه كتب أنَّه يعطى للذين يؤدون جزيته. الفرع الثامن: روي عن الإِمام الحارث بن أسد المحاسبي أنه ورث من أبيه سبعين ألف درهم، فلم يأخذ منها شيئًا؛ لأن أباه كان يقول بالقدر، وقال: صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يتوارث أهل ملتين شتى" (١)، وهو يحتاج إلى درهم، ولعله ترك الأخذ تورعًا؛ لأنه في محل الخلاف، إذ في تكفير القدرية خلاف، وفي نفي التوارث بناءً على التكفير أيضًا خلاف، حكاه ابن الصلاح في طبقاته (٢) عن الأستاذ أبي منصور، أما ابن الصلاح فجزم بأن هذا [منه] (٣) بناءً على التكفير, ولم يذكر الاحتمال السالف أنه تركه تورعًا. نعم قال ابن خيران من أصحابنا: رأيته متعلقًا بأبيه والناس قد اجتمعوا عليه، يقول: أمي طلقها، فإنك على دين وهي على دين غيره (٤)، وهذا ظاهر في أنه كان يرى تكفيره.

стр. 3903

[الفرع التاسع] (١): يتعلق بما سبق، لخَّص الماوردي الكلام في أن المرتد يورث، وقال: فيه ستة مذاهب: الأول: مذهبنا [لا] (٢) سوى الزنديق وغيره، وبه قال أحمد. ثانيها: وهو مذهب مالك: أنه يكون فيئًا إلَّا الزنديق، فإنه لورثة المسلمين، أو يقصد بردته حرمان ورثته في مرض موته، فيكون ميراثًا لهم. ثالثها: مذهب أبي يوسف ومحمد: أن جميع ماله موروثٌ لورثته المسلمين، سواء ما كسبه في الردة أو قبلها. رابعها: مذهب [أبي] (٣) حنيفة: أن ما كسبه قبل ردته يكون لورثته المسلمين، وربما قال أصحابه: ينتقل إليهم في آخر جزء من زمان إسلامه قبل الردة، وليس بطريق الميراث، وما كسبه بعد ردته يكون لبيت المال، إلَّا أن يكون المرتد امرأة فيكون جميعه معدومًا. خامسها: مذهب داود: أن ماله لورثته الذين ارتد إليهم، دون ورثته من المسلمين. سادسها: مذهب علقمة وقتادة وابن أبي عروبة: أنه ينتقل إلى أهل الدين الذي ارتدَّ إليه.

стр. 3904

الحديث الثالث ٣١٧/ ٣/ ٦١ - عن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ نهى [عن] (١) بيع الولاء وهبته" (٢). الكلام عليه من وجوه: ومن الغرائب أن الفاكهي أسقطه من شرحه، كذا رأيته محذوفًا منه في نسختين. الأول: الوَلَاءُ: بفتح الواو وبالمد، وأصله من الولي، وهو القرب كما أسلفته في باب الشروط في البيع، وحقيقته: حق ثبت بوصف هو الإِعتاق، فلا يقبل النقل إلى الغير بوجه من الوجوه؛ لأن ما ثبت [بوصف] (٣) يدوم بدوامه، ولا يستحقه إلَّا من قام بذلك

стр. 3905

الوصف، وقد شبه [رسول الله] (١) ﷺ الولاء بالنسب في كونه لا يقبل النقل بالبيع والهبة أيضًا، حيث قال: "الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب" (٢)، رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من حديث ابن عمر، والحاكم في مستدركه، وقال: صحيح الإسناد. فكما أن الأبوة والجدودة لا تنتقل، كذلك الولاء. الثاني: الحديث دال على تحريم بيع الولاء وهبته، وفي معناهما كل تصرف يقبل النقل، فلو خالف لم يصح ولم ينتقل عن مستحقه، وبه قال الجمهور سلفًا وخلفًا، وأجاز بعض السلف نقله، ولعله لم يبلغهم الحديث، أو يريدوا به الجر. وقال بعض الفقهاء: شراء الولاء يمتنع في صحة [المعتق] (٣) جائزةً بعد موته إذا سلم من الغرر والجهل في الثمن والمثمن وفي حال المرض قولان: أشهرهما عند المالكية المنع، قالوا: وكذا القول في هبته. الثالث: إنما نهى [(٤)] ﷺ عن ذلك لأن أهل الجاهلية كانوا يبيعون ولاء مواليهم فهو مما ورد على سبب، وأنشدوا في ذلك: فباعوه مملوكًا وباعوه معتقًا ... فليس له حتى الممات خلاص

стр. 3906

الحديث الرابع ٣١٨/ ٤/ ٦١ - عن عائشة ﵂: أنها قالت: كان في بريرة ثلاث سنن: خيرت على زوجها حين عتقت، وأهدى لها لحم فدخل عليَّ رسول الله ﷺ والبرمة على النار، [فدعا بطعام، فأتي بخبزٍ وأدم من أدم البيت، فقال: "ألم أر البرمة على النار] (١) فيها لحم؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله ﷺ ، ذلك لحم تُصُدق به على بريرة، فكرهنا أن نطعمك منه، فقال: "هو عليها صدقة، وهو [منها لنا] (٢) هدية". وقال النبي ﷺ [فيها] (٣): "إنما الولاء لمن أعتق" (٤).

стр. 3907

حديث بريرة هذا بمجموع طرقه [قد] (١) استنبط الحفاظ منه أحكامًا كثيرة وألفوا فيه غير ما تأليف، كلما نبهنا على ذلك في باب الشروط في البيع، وقد أشرنا هناك إلى مهمات ذلك، ووعدنا بذكر طرق أخر منها إن قدَّر الله الوصول إلى هنا، وقد فعل، ولله الحمد، فنقول: الكلام عليه من وجوه: الأول: قولها: "كان في بريرة ثلاث سنن"، إن قلت فيها أكثر من ذلك كما أسلفته في الباب المشار إليه، فالجواب من أوجه: أحدها: إن هذه الثلاث أظهر ما في حديثها من القضايا والسنن. ثانيها: أنها خصت بالذكر لكونها أصولًا لما عداها مما تضمنه الحديث. ثالثها: أنها أهم والحاجة إليها أمس. رابعها: أن قولها هذا لا يقتضي حصرًا، وإنما معناه أنه سُنَّ وشُرع بسبب قصتها أو عند وقوع قصتها كذا. الثاني: زوج بريرة اسمه: مُغِيث (٢) -بضم الميم وكسر الغين

стр. 3908

المعجمة ثم مثناة تحت ثم مثلثة-. وقيل: بالعين المهملة المفتوحة بدل المعجمة، ثم ياء مثناة مكسورة ثم باء موحدة [حكاهما] (١) العسكري في "كتاب الصحابة" في ترجمته، وقال: هو مولى بني مخزوم. قلت: والمعروف في رواية الثقات أنه كان عبدًا. قال الحفاظ: ورواية من روى أنه كان حرًّا غلظ (٢) شاذة مردودة لمخالفتها المعروف في رواية الثقات ويزيد الأول قول عائشة في "صحيح مسلم": "وكان عبدًا و [لو] (٣) كان حرًّا لم يخيرها" (٤) وهو معظم الروايات عنها، وأجمعوا عليه من طريق ابن

стр. 3909

عباس (١)، وكان يحبها ويسألها ويستشفع فلا ترجع. فائدة: هذا اللحم المذكور في الحديث: "كان لحم بقر"، كما جاء في رواية، وفيه رد على من كره ذبح البقر للحاجة إليها في الحرث. وقال القرطبي (٢): اضطربت ألفاظ الرواة لهذا الحديث. فقال بعضهم: "أهدى لها لحم". وقال بعضهم: "تُصُدِّق عليها بلحم بقر". [وقال بعضهم: قالت عائشة: "تصدق على مولاتي بشاة من الصدقة". وقال بعضهم] (٣): قالت عائشة: "بعث النبي ﷺ بشاة من الصدقة إلى بريرة". قال القرطبي (٤): وهذان اللفظان أنص ما في الباب, فليعتمد عليها. الثالث: في الحديث دلالة على أن من عتقت تحت عبد يثبت لها الخيار في فسخ النكاح وهو إجماع، واختلفوا: فيما [لو] (٥) عتقت تحت حر فأثبته لها أبو حنيفة أيضًا، ونفاه مالك والشافعي

стр. 3910

والجمهور لانتفاء الضرر [إذن] (١)، وقد علمت منشأ الخلاف في ذلك، وهو هل كان زوجها حرًّا أو عبدًا؟ الرابع: فيه أيضًا [دلالة] (٢) على جواز إعطاء [الصدقات] (٣) [على موالي قريش، خلافًا لمن منع ذلك] (٤)، [لأن] (٥) بريرة مولاة لهم، ولم ينكر ﵊ الصدقة عليها. قال القاضي عياض (٦): فإن كانت هذه الصدقة تطوعًا فقد يحتج به من يرى صدقة التطوع جائزة لموالي قريش أو جميعهم، وإن كانت واجبة فيحتج به من لا يرى تحريمها على مواليهم، واستثنى غيره بأنه كيف يكون اللحم عن زكاة واجبة. الخامس: فيه أيضًا دلالة على جواز الأكل مما تصدق به على الفقير ومثله ما إذا أهدى إليه، سواء في ذلك أزواجه ﷺ وغيرهم. السادس [: فيه أيضًا دلالة على قبول الغني هدية الفقير بما تصدق به عليه لقبول عائشة لحمها، ولم ينكر عليها. السابع:] (٧) فيه أيضًا دلالة على الفرق بين الهدية والصدقة في الحكم، وأن من حلف لا يأكل من أحدهما لم يحنث بالآخر، فإن

стр. 3911

الصدقة ما قصد به ثواب الآخرة والهدية ما قُصِدَ به إكرام الموهوب له مع نقله إلى مكانه. الثامن: فيه أيضًا دلالة على من أهدى إلى أهله شيء في غيبته ينبغي إعلامهم به، لإِعلام عائشة بحال اللحم. التاسع: فيه أيضًا دلالة على وجوب نصح أهل الرجل له، وأن يجنبوه ما يكرهه، كما أخبرت عائشة بحال اللحم لعلمها بأنه لا يأكل الصدقة. العاشر: فيه أيضًا دلالة على أن كسب المرأة الحرة لها دون زوجها تتصرف فيه بالهدية وغيرها خلافًا لمن خالف فيه. الحادي عشر: فيه أيضًا دلالة على أنه يجوز لمن أهدى لأهله أو لأحدٍ من إلزامه شيئًا أن يشرك نفسه معهم في الإِخبار عن ذلك لقوله "وهو لنا هدية". (١) [الثاني عشر]: فيه أيضًا دلالة على أنه يجوز للمرأة أن تدخل في بيت زوجها ما لا يملكه بغير علمه، وإن كان فيه شغل ملكه إذا لم تظن كراهيته لذلك لإِدخال عائشة لحم بريرة البيت. (٢) الثالث عشر: فيه أيضًا دلالة على استحباب السؤال عما يستفاد به علم أو آداب أو بيان حكم أو رفع شبهة، وقد يجب ذلك في بعض المحال، كما سأل ﵊ عما في البرمة، ليعلم حاله ويبين حله.

стр. 3912

الرابع عشر: فيه أيضًا دلالة على جواز سؤال الرجل عما لم يعهده في بيته، ولا يرد على هذا حديث أم زرع "ولا يسأل عما عهد" أن معناه: لا يسئل عن شيء عهده وفات فلا يسئل أين ذهب؟ وأما هنا وكانت البرمة واللحم فيها موجودين حاضرين، فسألهم النبي ﷺ عما رآه ليبين لهم حكمه، لأنه يعلم أنهم لا يتركون إحضاره له شحًّا عليه، بل لتوهم تحريمه عليه فأراد بيان ذلك لهم. وعبارة الشيخ تقي الدين (١): في إيراد هذا الوجه فيه دلالة على تبسط الإِنسان في السؤال عن أحوال منزله وما عهده فيه لطلبه من أهله مثل ذلك، وفي ذكره نظر، بل الظاهر أنه سؤال عما لم يعهده. الرابع عشر: فيه أيضًا دلالة على أن هدية الأدنى للأعلى لا توجب ثوابًا ولا تقتضيه شرعًا، لأنه لم ينقل أن عائشة أثابت بريرة على اللحم. الخامس عشر: فيه أيضًا دلالة على أن الهدية تملك بوضعها في بيت المهدي له، ولا يحتاج إلى قبول، وهو الصحيح عندنا؛ لأنه ﵊ لم يسأل عائشة عن قبولها, ولا أنكر قبولها له. السادس عشر: فيه أيضًا دلالة على جواز الصدقة على من يمونه غيره: إما وجوبًا كزوجة ورقيق أو ندبًا كقريب لا تجب نفقته؛ لأن عائشة كانت تمون بريرة، ولم ينكر قبولها الصدقة.

стр. 3913

السابع عشر: فيه أيضًا دلالة على أنه يجوز لمن تصدق عليه بصدقة أن يتصرف فيها بما شاء من الصدقات. الثامن عشر: فيه أيضًا دلالة على جواز أكل اللحم وإن لم يعلم حال من ذبحه إذا لم يظن أنه ممن تحرم ذبيحته، لعدم سؤاله ﵊ عنه. التاسع عشر: فيه أيضًا دلالة على أنه لا يجب السؤال عن أصل المال الواصل إليه بطريق مشروع إذا لم يظن تحريمه، أو تظهر شبهة فيه، لأنه ﵊ لم يسأل عن المتصدق ولا عن حاله، والأيدي ظاهرة في الملك. العشرون: فيه أيضًا دلالة على أنه يستحب للكبير إذا أهدي إليه القليل أن يقبله ولا يستقله لقبول هدية اللحم من بريرة مع علو مقدارهم ونزارة مقدار اللحم. الحادي بعد العشرين: فيه أيضًا دلالة على أن من تصدق عليه بقليل ينبغي أن يقبله ولا يستقله، لتقرير بريرة على قبول اللحم. الثاني بعد العشرين: فيه دلالة أيضًا على حصر الولاء للمعتق. الثالث بعد العشرين: فيه دلالة أيضًا على جواز نكاح العبد الحرة إذا رضيت هي وأولياؤها لتخيير بريرة بعد العتق، وكان زوجها عبدًا على قول الجمهور كما مرّ. الرابع بعد العشرين: عدم اعتبار الكفاءة إذا رضي الولي والزوجة.

стр. 3914

الخامس بعد العشرين: فيه دلالة أيضًا على اعتبارها في الأزواج، لأن تخييرها إنما كان لارتفاعها بالحرية عن نقصه بالرق. وإذا اعتبر ذلك دوامًا فابتدء أولى. السادس بعد العشرين: فيه دلالة أيضًا على أن المغرور بحرية الزوج أو الزوجة له الخيار إذا علم بالحال بعد ذلك، لأن خيرت مع العلم، فما بالك مع التغرير؟! السابع بعد العشرين: فيه دلالة أيضًا على تسمية الأحكام سننًا. الثامن بعد العشرين: فيه دلالة أيضًا على أن المرأة إذا فوتت بضعها على زوجها بعد الدخول بفسخ بحرية لم ترجع بمهرها, لأن بريرة فوتت ذلك على زوجها بكتابتها وحريتها واختيارها ولم يقضِ له بالرجوع [عليها] (١). ومذهب الشافعي: أنه إن كان الفسخ بعتق بعد الدخول وجب المسمى، وإلَّا فمهر المثل على الأظهر، وإن كان الفسخ قبل الدخول فلا شيء. التاسع بعد العشرين: فيه دلالة أيضًا على أن الشيء المحرم لوصف يزول تحريمه بزوال وصفه. الثلاثون: فيه دلالة أيضًا على جواز الحيل المباحة أو المستحبة بطريقة الشرع، وفيه أيضًا حسن الجواب بالصدق.

стр. 3915

واستعمال الورع الذي لا يؤدي إلى مخالفة الشرع من الزوجة للزوج، ومثله كل متبوع مع تابعه، وأنه إذا رأى العالم أن بتابعه حاجة إلى تعليم علم أو معرفة حكم أن يذكره له مبتدئًا من غير سؤال، واختيار أطيب الإِدام ليتقوى به على طاعة ربه، خلاف ما ذهب إليه بعضهم، وغير ذلك.

стр. 3916

باب النكاح

стр. 3917

٦٢ - باب النكاح أصله في كلام العرب الوطء وسُمِّي به العقد لأنه سببه، والأصح أنه حقيقة في العقد، مجاز في الوطء. وعكس أبو حنيفة. وقيل: إنه حقيقة بينهما بالاشتراك (١)، وذكر المصنف في الباب ثلاثة عشر حديثًا.

стр. 3918

الحديث الأول ٣١٩/ ١/ ٦٢ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" (١). الكلام عليه من وجوه: الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في الحديث الأول من كتاب الصلاة. قال ابن منده في "مستخرجه": ورواه مع ابن مسعود، عائشة وجابر بن عبد الله، وأنس.

стр. 3919

الثاني: في ألفاظه. الأول: قال أهل اللغة: المعشر: الطائفة الذين يشملهم وصف. فالشباب: معشر، والشيوخ: معشر، والأنبياء: معشر، والنساء: معشر، وكذا ما أشبه ذلك. الثاني: "الشباب" جمع شاب، ويجمع على شبان وشببة. قال الأزهري: ولا يجمع فاعل على فعال غيره. قال "صاحب الجامع": وأصل الشباب الحركة والنشاط، لأن الإِنسان أول عمره أكثر حركة، ونشاطًا منه في آخر عمره، والشباب عند الشافعية من بلغ ولم يجاوز ثلاثين سنة، كما نقله النووي في "شرحه لمسلم" (١) عنهم. وقال الزمخشري: حده من لدن البلوغ إلى اثنتين وثلاثين سنة، وقال ابن شاس (٢) من المالكية: الشبان والأحداث لمن بلغ حتى يكمل أربعين سنة. وحكى القرطبي عن أهل اللغة: أنه يقال له حدث إلى ست عشرة سنة، ثم شاب إلى اثنتين وثلاثين، ثم كهل في ثلاثة وثلاثين.

стр. 3920

وقد أسلفت في الكلام على الحديث الرابع من باب الاستطابة عن أبي جعفر النحوي أسماء الإِنسان من حين يخلق في بطن أمه إلى أن يهرم، فراجعه منه، وخص في الحديث الشباب بذلك لأن الغالب وجود قوة الداعي فيهم إلى النكاح بخلاف الشيوخ. والمعنى معتبر إذا وجد في الكهول والشيوخ أيضًا. الثالث: "الباءة" أصلها في اللغة الجماع، وهي مشتقة من المباءة، وهي المنزل، ومنه مباءة الأرض وهو موطنها، ثم قيل لعقد النكاح باءة لأن من تزوج امرأة فقد بوأها منزلًا، فهو من مجاز الملازمة. وفي "الباءة" (١) أربع لغات: أفصحها وأشهرها الباءه بالمد والهاء. وثانيها: بدون مد. وثالثها: بالمد بلا هاء. ورابعها: الباهه بهاءين بلا مد، وفي بعض "شروح التنبيه" أنها بالمد: القدرة على مؤن النكاح. وبالقصر: الوطء والنكاح. واختلف في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد:

стр. 3921

أصحهما: أن المراد معناه اللغوي وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه وهي مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم؛ ليدفع شهوته، ويقطع شر منيه، كما يقطعه الوجاء. ووقع الخطاب للشباب لكونهم مظنة الشهوة كما سلف. والثاني: أن المراد بالباءة هنا مؤن النكاح، [و] (١) سميت [باسم] (٢) ما يلازمها، فالتقدير: من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطعها فليصم، ليدفع شهوته، والذي حمل القائلين بهذا على هذا أنهم قالوا: قوله ﵊: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم"، قالوا: والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة فوجب تأويل الباءة على المؤن. وأجاب الأولون: بما قدمناه في القول الأول، وهو أن تقديره: ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤونة وهو محتاج إلى الجماع، فعليه بالصوم (٣). الرابع: معنى "أغض" أمنع. و"أحصن" مأخوذ من الحصين الذي يمنع به من العدو. و"الوجاء": بكسر الواو وبالمد رض الخصيتين، وقال القاضي (٤): أصله الغمز، يقال: وجىء في عنق فلان إذا غمز عنقه

стр. 3922

ودفع، ومنه: وَجأه بالخنجر وشبهه، وجاء ساكن الجيم إذا نخسه به وطعنه، والوجْأ المصدر ساكن الجيم وهو أيضًا اللزق، ومنه الوجيئة: تمر يحل باللبن أو السمن ويرض حتى يلتزق بعضه ببعض، ومنه أخذ الوجاء وهو غمز الأنثيين أو رضهما بحجر أو نحوه. قال أبو عبيد: وقد قال بعض أهل العلم وجأ بفتح الواو ومقصور [من] (١) الحفاء، وقال: والأول أجود في المعنى، وقال أبو زيد: لا يقولون وجاء إلَّا فيما لم يبرأ وكان قريب عهده. وفي "صحيح ابن حبان" (٢) بعد قوله: "فإنه له وجاء، وهو الإِخصاء"، ولا أدري هذه الزيادة ممن. والمراد على الرواية المشهورة: وهي رواية المدّ: أن الصوم يقطع الشهوة وشر المني، كما يفعل الوجاء كما سلف، وهو من مجاز المشابهه. وعلى رواية القصر: يكون شبه الصوم في باب النكاح بالنعت في باب المثنى. الخامس: قوله ﵊: "فإنه أغض للبصر

стр. 3923

وأحصن للفرج" يحتمل كما قال الشيخ تقي الدين (١): أن تكون "أفعل" فيه لغير المبالغة، بل إخبار عن الواقع، ويحتمل أن تكون على بابها، [فإن التقوى بالتزوج سبب لها]، وهو أبلغ من غضه وتحصينه بمجرد الصوم. السادس: قوله ﵊: "فعليه بالصوم" (٢)

стр. 3924

ليس إغراء الغائب، لأن الهاء في "عليه" لمن خصه من الحاضرين بعدم الاستطاعة، لتعذر خطابه بكاف الخطاب، كما نبَّه عليه القاضي عياض وأوضحه، ورد به على من قال: إن في الحديث دلالة على الإِغراء بالغائب، وأن النحاة منعوه. الوجه الثالث: من الكلام على الحديث في أحكامه. الأول: الأمر بالنكاح لمن استطاع وتاقت نفسه وهو إجماع، لكنه عند الجمهور أمر ندب لا إيجاب فلا يلزم التزوج ولا التسري سواء خاف العنت أم لا؟ وقال داود ومن وافقه من أهل الظاهر: يجب أحدهما على الخائف من العنت مرة واحدة في العمر. وهي رواية عن أحمد، ولم

стр. 3925

يحكِ ابن هبيرة عن أحمد [سواها] (١)، وهو مذهب مالك أيضًا، كما حكاه [المازري] (٢) ووجه عندنا ولم يشترط [ذلك] (٣) بعضهم خوف العنت والواجب عندهم العقد لا الدخول لمجرد الأمر بالتزويج في هذا الحديث وغيره، فإنه ظاهر في الوجوب مع قوله -تعالى-: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٤)، وغير ذلك من الآيات. وقال المازري (٥): هذه الآية حجة للجمهور لأنه خيره في آخر الآية بين النكاح والتسري، [قال: ولا يجب التسري بالاتفاق، فلو كان النكاح واجبًا لما خيره بينه وبين التسري] (٦)، لأنه لا يصح عند الأصوليين التخيير بين [واجب] (٧) وغيره، لأنه يؤدي إلى إبطال حقيقة الواجب، وأن تاركه لا يكون آثمًا، كذا قرره وفيه نظر، لأنهم يقولون بوجوب النكاح أو التسري، فدعواه الاتفاق على عدم وجوب التسري ليس بجيِّد، وقرره صاحب "البيان" وغيره من أصحابنا بوجه آخر، وهو أنه -تعالى- علقه بالاستطاعة، والواجب ليس كذلك، وفيه نظر أيضًا. واستدل بعضهم على عدم الوجوب: بقوله -تعالى-
следующие страницы →