أصحهما: أن المراد معناه اللغوي وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه وهي مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم؛ ليدفع شهوته، ويقطع شر منيه، كما يقطعه الوجاء. ووقع الخطاب للشباب لكونهم مظنة الشهوة كما سلف.
والثاني: أن المراد بالباءة هنا مؤن النكاح، [و] (١) سميت [باسم] (٢) ما يلازمها، فالتقدير: من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطعها فليصم، ليدفع شهوته، والذي حمل القائلين بهذا على هذا أنهم قالوا: قوله ﵊: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم"، قالوا: والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة فوجب تأويل الباءة على المؤن.
وأجاب الأولون: بما قدمناه في القول الأول، وهو أن تقديره: ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤونة وهو محتاج إلى الجماع، فعليه بالصوم (٣).
الرابع: معنى "أغض" أمنع.
و"أحصن" مأخوذ من الحصين الذي يمنع به من العدو.
و"الوجاء": بكسر الواو وبالمد رض الخصيتين، وقال القاضي (٤): أصله الغمز، يقال: وجىء في عنق فلان إذا غمز عنقه
стр. 3922
ودفع، ومنه: وَجأه بالخنجر وشبهه، وجاء ساكن الجيم إذا نخسه به وطعنه، والوجْأ المصدر ساكن الجيم وهو أيضًا اللزق، ومنه الوجيئة: تمر يحل باللبن أو السمن ويرض حتى يلتزق بعضه ببعض، ومنه أخذ الوجاء وهو غمز الأنثيين أو رضهما بحجر أو نحوه.
قال أبو عبيد: وقد قال بعض أهل العلم وجأ بفتح الواو ومقصور [من] (١) الحفاء، وقال: والأول أجود في المعنى، وقال أبو زيد: لا يقولون وجاء إلَّا فيما لم يبرأ وكان قريب عهده. وفي "صحيح ابن حبان" (٢) بعد قوله: "فإنه له وجاء، وهو الإِخصاء"، ولا أدري هذه الزيادة ممن.
والمراد على الرواية المشهورة: وهي رواية المدّ: أن الصوم يقطع الشهوة وشر المني، كما يفعل الوجاء كما سلف، وهو من مجاز المشابهه.
وعلى رواية القصر: يكون شبه الصوم في باب النكاح بالنعت في باب المثنى.
الخامس: قوله ﵊: "فإنه أغض للبصر
стр. 3923
وأحصن للفرج" يحتمل كما قال الشيخ تقي الدين (١): أن تكون "أفعل" فيه لغير المبالغة، بل إخبار عن الواقع، ويحتمل أن تكون على بابها، [فإن التقوى بالتزوج سبب لها]، وهو أبلغ من غضه وتحصينه بمجرد الصوم.
السادس: قوله ﵊: "فعليه بالصوم" (٢)
стр. 3924
ليس إغراء الغائب، لأن الهاء في "عليه" لمن خصه من الحاضرين بعدم الاستطاعة، لتعذر خطابه بكاف الخطاب، كما نبَّه عليه القاضي عياض وأوضحه، ورد به على من قال: إن في الحديث دلالة على الإِغراء بالغائب، وأن النحاة منعوه.
الوجه الثالث: من الكلام على الحديث في أحكامه.
الأول: الأمر بالنكاح لمن استطاع وتاقت نفسه وهو إجماع، لكنه عند الجمهور أمر ندب لا إيجاب فلا يلزم التزوج ولا التسري سواء خاف العنت أم لا؟
وقال داود ومن وافقه من أهل الظاهر: يجب أحدهما على الخائف من العنت مرة واحدة في العمر. وهي رواية عن أحمد، ولم
стр. 3925
يحكِ ابن هبيرة عن أحمد [سواها] (١)، وهو مذهب مالك أيضًا، كما حكاه [المازري] (٢) ووجه عندنا ولم يشترط [ذلك] (٣) بعضهم خوف العنت والواجب عندهم العقد لا الدخول لمجرد الأمر بالتزويج في هذا الحديث وغيره، فإنه ظاهر في الوجوب مع قوله -تعالى-: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٤)، وغير ذلك من الآيات.
وقال المازري (٥): هذه الآية حجة للجمهور لأنه خيره في آخر الآية بين النكاح والتسري، [قال: ولا يجب التسري بالاتفاق، فلو كان النكاح واجبًا لما خيره بينه وبين التسري] (٦)، لأنه لا يصح عند الأصوليين التخيير بين [واجب] (٧) وغيره، لأنه يؤدي إلى إبطال حقيقة الواجب، وأن تاركه لا يكون آثمًا، كذا قرره وفيه نظر، لأنهم يقولون بوجوب النكاح أو التسري، فدعواه الاتفاق على عدم وجوب التسري ليس بجيِّد، وقرره صاحب "البيان" وغيره من أصحابنا بوجه آخر، وهو أنه -تعالى- علقه بالاستطاعة، والواجب ليس كذلك، وفيه نظر أيضًا.
واستدل بعضهم على عدم الوجوب: بقوله -تعالى-
стр. 3926
﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠)﴾ (١)، فإنه لا يقال في الواجب أنت غير ملوم إن فعلته.
وإيجاب الظاهرية: العقد دون الوطء، لا يحصل معه ما ذكر في الحديث من تحصين الفرج وغض البصر (٢).
وقسم أصحابنا الناس في [النكاح] (٣) أربعة أقسام:
أحدها: تائق إليه وآخذ أهبته فهو مستحب في حقه.
ثانيها: عكسه فهو مكروه في حقه.
ثالثها: لا يتوق ويجد الأهبة فترك النكاح والتخلي للعبادة أفضل على الأصح، ولا يقال فعله مكروه.
وقال أبو حنيفة وبعض الشافعية والمالكية: النكاح له أفضل.
رابعها: عكسه فيكره له ويؤمر بالصوم لتوقانه إليه.
وعند المالكية: أن النكاح يختلف باختلاف حال الشخص، فيجب في حق من لا ينكف عن الزنا إلَّا به، ويحرم إذا كان يخل بحق الزوجة في وطء أو إنفاق، ويكره في حق من لا يكون مشتهيًا له، وينقطع بسببه عن فعل الخير.
وقيل: يكره إذا كان حاله في العزبة أجمع منه في التزويج، وهو يرجع إلى الأول.
стр. 3927
وأما من لا يشتهيه ولا ينقطع بسببه عن فعل الخير: فقد يختلف فيه، فيقال: بالندب للظواهر الواردة في الترغيب فيه، وقد يكون في حقه مباحًا.
قال القاضي: وهو مندوب في [حق] (١) كل من يُرجى منه النسل ممن لا يخشى العنت وإن لم يكن له في الوطء شهوة، لقوله ﵊: "فإني مكاثر بكم" (٢)، ولظواهر الحض على النكاح والأمر به، قال: وكذلك في حق من له رغبة في نوع الاستمتاع بالنساء، وإن كان ممنوعًا عن الوطء, لكن النكاح يغض بصره.
وأما في حق من لم ينسل ولا أرب له في النساء جملة ولا مذهب له في الاستمتاع بشيء منهن، فهذا الذي يقال في حقه إنه مباح إذا علمت المرأة بحاله، وقد يقال حتى الَآن إنه مندوب لعموم الأوامر بالتزويج، ولقوله ﵊: "لا رهبانية في الإِسلام" (٣).
стр. 3928
وقسم بعض الفقهاء النكاح إلى الأحكام الخمسة: وجعل الوجوب فيما إذا خاف العنت وقدر على النكاح إلَّا أنه لا يتعين واجبًا، بل إما هو، وإما التسري، فإن تعذر التسري تعين النكاح حينئذٍ للوجود، لا لأصل الشرعية.
قلت: ويجب أيضًا في صورة ثانية على أحد الوجهين، وهي ما إذا نذره حيث كان مستحبًّا، كذا ذكرها ابن الرفعة في "مطلبه" في أثناء باب القسم قبيل الفصل الخامس في المسافرة، ثم قال بعضهم: استثنى حالة خوف العنت إذا لم يقدر على التسري، ولم يذكر زيادة على ذلك.
تنبيه: [(١)] وقع في كلام النووي في "شرح مسلم" (٢) عن العلماء كافة عدم وجوب النكاح أو التسري وإن خشي العنت غير الظاهرية ورواية عن أحمد، وقد علمت أنه مذهب مالك أيضًا ووقع في كلام القاضي أنه إن صح ذلك عن الظاهرية فهو غير مخالف للكافة. انتهى، وهو غير جيد فإن الكافة لا يوجبونه كما سلف الحكم.
الثاني: الأمر بالصوم للعاجز عن القيام بمأمورات النكاح وإنما أحاله على الصوم لما فيه من كسر الشهوة، فإن شهوة النكاح تابعة لشهوة الأكل، تقوى بقوتها، وتضعف لضعفها.
стр. 3929
الثالث: تنصيصه على الصوم ومخرج للكافور ونحوه فإنه نوع من الخصي في "شرح السنة" (١) للبغوي أن هذا الحديث فيه دلالة على أن من لا يجد أهبة النكاح يجوز له المعالجة لقطع الباءة بالأدوية، فإن لم ينقطع شدة توقانه بالصوم لشدة غلمته. وحكاه القاضي (٢) عن الخطابي (٣) أيضًا، حيث قال: حكاية عنه فيه دلالة على جواز معاناة قطع الباءة بالأدوية، وينبغي أن يحمل على دواء يسكن الشهوة دون ما يقطعها أصالة: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥)﴾ (٤).
الرابع: يؤخذ منه أن مقصود النكاح الوطء، ووجوب الخيار في العنت، وبه صرح الخطابي (٥) أيضًا.
الخامس: قد يؤخذ منه أيضًا أن النكاح أفضل من التخلي لنوافل العبادات، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
السادس: يؤخذ منه أيضًا الحث على غض البصر، وقد أمر الله -تعالى- به ورسوله.
السابع: يؤخذ منه أيضًا الحث على تحصين الفرج بكل طريق أمر الشرع به.
الثامن: يؤخذ منه أيضًا عدم التكليف بغير المستطاع.
стр. 3930
التاسع: يؤخذ منه أيضًا مراعاة الشهوات وحظوظ النفوس بحيث لا تقدم على أحكام الشرع، بل دائرة معه.
العاشر: يؤخذ منه أيضًا شرعية تعليل الحكم، فإنه ﵊ علل الحكمة في الأمر بالصوم له بقوله ﵊: "فإنه له وجاء"، أي قاطع لمشقة المكابدة لشهوة النكاح.
الحادي عشر: استنبط القرافي من قوله "ومن لم يستطع فعليه بالصوم" أن التشريك في العبادات لا يقدح بخلاف الرياء، فإنه [﵊ أمر] (١) بالصوم الذي هو طاعة وقربة [يحصل] (٢) به غض البصر وكف الفرج عن الوقوع في المحرم، وليس ذلك بقادح، وفيما ذكره من كونه تشريكًا نظر.
الثاني عشر: يؤخذ من تنصيصه ﵊ تحريم الاستمناء، وهو المشهور.
وسئل (٣) مالك عنه [و] (٤) عن المرأة تجعل في نفسها تستعف به، فتلا قوله -تعالى- ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩)﴾ (٥) إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١)﴾، حكاه الزناتي عنه في "شرح الرسالة".
стр. 3931
قال: وسئل الشافعي (١) فكرهها من غير تحريم، وما نقله عنه خلاف مشهور مذهبه.
قال: وسئل عنها ابن حنبل (٢) فقال: لا بأس بها.
وقال ابن حزم في "مراتب الإِجماع" (٣): اتفقوا على أن [(٤)] سحاق المرأة للمرأة حرام.
واختلف في الاستمناء أحرام هو أم مكروه أم مباح" (٥)؟ [والله
الحديث الثاني
٣٢٠/ ٢/ ٦٢ - عن أنس بن مالك ﵁: أن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج رسول الله ﷺ عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فحمد الله وأثنى عليه وقال: ما بال أقوام قالوا كذا؟ لكني أُصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني (١).
الكلام عليه من وجوه، والتعريف براويه سلف في باب الاستطابة.
الأول: هؤلاء النفر (٢) قيل هم أبو بكر، وعمر، وعلي، وابن
стр. 3935
مسعود، وابن عمر، وابن عمرو، وأبو ذر، وسالم مولى أبي حذيفة، والمقداد، وسلمان الفارسي، ومعقل بن مقرن، اتفقوا على هذا في بيت عثمان بن مظعون، وقد أسلفنا في الحديث الأول من باب الجمعة أن "النفر" [لغة] (١): عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة ولفظ رواية البخاري في صحيحه (٢) لهذا الحديث عن أنس قال: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: "أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا"، وقال آخر: "أنا أصوم الدهر ولا أفطر"، وقال آخر: "وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا فجاء رسول الله ﷺ [(٣)]، فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني
стр. 3936
لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"، رواه عن سعيد بن أبي مريم، عن محمَّد بن جعفر، عن حميد الطويل، عن أنس.
وأما مسلم فأخرجه من طريق آخر إلى أنس رواه عن أبي بكر [بن] (١) نافع العبدي، عن بهز، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بلفظ المصنف سواء، وزاد بعد قوله: "قالوا كذا" لفظة "وكذا" فحينئذ لفظ رواية المصنف هو لمسلم خاصة، فتنبه له، ثم رأيت بعد ذلك المصنف نبه على ذلك في "عمدته الكبرى"، فقال بعد أن ساقه: متفق عليه، واللفظ لمسلم، وللبخاري معناه.
ثم اعلم: بعد ذلك أنه وقع في بعض نسخ الكتاب قبل قوله "فحمد الله" "فبلغ ذلك النبي ﷺ " وهي ثابتة في شرح الشيخ تقي الدين (٢) دون غيره من الشيوخ.
قال ابن منده في "مستخرجه": وروى أيضًا قوله: من رغب عن سنتي فليس مني" ابن عمر، وعثمان بن مظعون، وعائشة.
الوجه الثاني: معنى قوله -عليه الصلاة السلام-: "فمن رغب عن سنتي فليس مني" تركها إعراضًا عنها، غير معتقد لها على ما هي عليه، أما من ترك النكاح على الصفة التي يستحب له تركها كما سبق، أو ترك النوم على الفراش لعجزه عنه أو لاشتغاله بعبادة مأذون فيها ونحو ذلك فلا يتناوله هذا الذم، وكان جماعة من السلف
стр. 3937
يمسكون عن تأويل هذا وأمثاله، لأنه أبلغ في الردع عن مخالفة السنة.
الوجه الثالث في أحكامه:
الأول: يستدل به من رجح النكاح على التخلي لنوافل العبادات، فإن هؤلاء القوم قصدوا هذا المقصد فرده ﵊ عليهم، وأكد ذلك بأن خلافه رغبة عن السنة، قال الشيخ تقي الدين (١): ويحتمل أن تكون هذه الكراهة للتنطع والغلو في الدين، وقد يختلف ذلك باختلاف المقاصد: فإن من ترك أكل اللحم -مثلًا- يختلف حكمه بالنسبة إلى مقصوده، فإن كان من باب الغلو والتنطع، والدخول في الرهبانية فهو ممنوع، مخالف للشرع، وإن كان لغير ذلك من المقاصد المحمودة كمن تركه تورعًا لقيام شبهة في ذلك الوقت في اللحوم، أو عجزًا أو لمقصود صحيح غير ما تقدم، لم يكن ممنوعًا، وظاهر الحديث ما ذكرناه من تقديم النكاح، كما يقوله أبو حنيفة، ومن وافقه قال: ولا شك أن الترجيح يتبع المصالح، ومقاديرها مختلفة، وصاحب الشرع أعلم بتلك المقادير، فإذا لم يعلم المكلف حقيقة تلك المصالح، ولم يستحضر أعدادها فالأولى اتباع اللفظ الوارد في الشرع.
وقال القاضي عياض: لا حجة في هذا الحديث لمن يوجب النكاح لأنه ذكر معه غيره فرد الكلام إلى النكاح وحده دون قرينة لا يلتفت إليه.
стр. 3938
الثاني: فيه تتبع آثاره ﷺ فإنهم لما تتبعوا أحواله الجهرية بحثوا عن السرية، ثم ظنوا أنما عزموا عليه من آثاره فرد عليهم أحسن رد، ولم يعين قائل ذلك لحصول المقصود بدونه من غير شناعة عليه، وقد سلف مثل ذلك في حديث بريرة في البيع، وهذه عادته ﷺ في خطبه، وهو من جزيل مكارم أخلاقه.
الثالث: فيه أيضًا التوصل إلى العلم من النساء إذا تعذر أخذه من أصل محله.
الرابع: فيه أيضًا أنه ينبغي للإِنسان أن يذكر ما عزم عليه من الأعمال الشاقة التي يظن أنها طاعة ليتبين أمرها، ويرجع عنها إلى السنة فيها.
الخامس: فيه استحباب الخطبة لأمور المسلمين الحادثة العامة النفع، والثناء على الله فيها، وبيان الأحكام ليتبعوها، وتحذير مخالفيها.
السادس: فيه أيضًا أن ملاذ النفس والبدن إذا فعلت لامتثال الشرع فيما امتن به وأباحه تصير طاعات مثابًا عليها، وإذا تركت لغير مقصود شرعي عنادًا تصير كفرًا.
السابع: فيه تنبيه على قاعدة أصولية وهي: أن الدوام وعدم الزوال ثابت لله -تعالى-، والتغيير وعدم الديمومة ثابت لما سواه. وشاهد ذلك تنقل المخلوقات من حال إلى حال، فلهذا قال ﵊: "لكني أصلي وأنام" الحديث.
الثامن: استدل به بعض الشراح على قبول خبر الواحد لأنه ما
стр. 3939
عدا المتواتر. قال: ولم يثبت في الحديث أن النفر السائلين وأزواج النبي ﷺ المسؤولات بلغوا حد التواتر، ثم شرع يتكلم في التواتر واختلاف الناس في حده، وفيه نظر.
التاسع: قال الطبري: فيه رد على من منع من استعمال الحلال والمباحات من الأطعمة الطيبة والملابس اللينة وآثر عليها غليظ الطعام وخشن الثياب من الصوف وغيره، وأن صرف فضلها في وجوه البر والقربات، فإن حياطة جسم الإنسان وصيانة صحته بذلك آكد وأولى، واحتج بقوله -تعالى-: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ (١) الآية، وقوله -تعالى-: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٢)، قال القاضي: وهذا الباب مما اختلف فيه السلف كثيرًا، فمنهم من آثر ما قاله الطبري، ومنهم من آثر ما أنكره، واحتج هؤلاء بقوله -تعالى- في ذم أقوام: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (٣)،
وقد احتج عمر بن الخطاب بذلك وحجة [الآخر] (١) عليهم أن الآية نزلت في الكفار بدليل أول الآية وآخرها والنبي ﷺ قد أخذ بالأمرين وشارك في الوجهين فلبس مرة الصوف والشملة الحسنة، ومرة البرد والرداء الحضرمي، وتارةً أكل القثاء بالرطب وطيب الطعام إذا وجد، ومرة لزم أكل الحواري ومختلف الطعام، كل ذلك ليدل على الرخصة بالجواز مرة، والزهد في الدنيا وملاذها أخرى. وكان يحب الحلوى والعسل ويقول: "حبب إليَّ من دنياكم ثلاث، الطيب، والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة" (٢).
стр. 3943
تنبيه: قال القرافي: اختلف العلماء في أول الدهر الذي أدركته هل يدخل الورع والزهد في المباحات أم لا؟ فادعى ذلك بعضهم ومنعه بعضهم، وصنف بعضهم على بعض فيه، وممن قال: إنه لا ورع في المباح الأنباري في كتاب "الورع" له، وممن قال: بمقابله بهاء الدين الحميدي (١)، وهذا الحديث يشهد للأول.
قال القرافي: والجمع بين القولين أن يقال: الاستكثار من المباحات يقع الورع فيه فإنه يجر إلى كثرة الاكتساب والوقوع في المتشابهات. وأما المباح من حيث هو مباح فلا ورع في تركه.
стр. 3944
الحديث الثالث
٣٢١/ ٣/ ٦٢ - عن سعيد بن أبي وقاص ﵁ قال: "رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا" (١).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في الحديث الثاني من الوصايا.
وأما عثمان هذا فهو: ابن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمع بن عمر بن هصيص القرشي الجمحي يكنى أبو السائب، أخو قدامة بن مظعون، أمهما سخيلة بنت العنبس بن أهبان بن حذافة بن جمح، كان عثمان من فضلاء الصحابة وساداتهم وعبادهم ومتهجديهم، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلًا، هاجر هجرتين، وشهد بدرًا، وكان أول رجل مات في المدينة من
стр. 3945
المهاجرين بعدما رجع من بدر، [وأول من تبعه إبراهيم بن رسول الله ﷺ ، ثم زينب] (١)، وكان هو وعلي وأبو ذر همّوا أن يختصوا فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك ,ونزلت فيهم: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ (٢) الآية، وكان أحد من ذم الخمر في الجاهلية، توفي سنة اثنتين من الهجرة، وقيل: في الثالثة بعد شهوده بدر، وكان أول من دفن بالبقيع في قول مصعب الزبيري، ولما مات أكب رسول الله ﷺ عليه، وقبَّله، وجرت دموعه، وقال: "اذهب أبا السائب فقد خرجت منها (يعني الدنيا) ولم تلتبس منها بشيء".
ولما مات قالت له امرأته: هنيئًا لك الجنة، فنظر إليها ﵊ نظرة غضب وقال: "ما يدريك؟! " قالت: يا رسول الله فارسك وصاحبك!! فقال رسول الله ﷺ : "إني رسول الله، وما أدري ما يفعل بي" فأشفق الناس على عثمان، فلما ماتت زينب بنت رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ : "ألحقي بسلفنا الخير: عثمان بن مظعون". فبكى النساء، فجعل عمر يسكتهن، فقال ﷺ : "مهلًا يا عمر"، ثم قال: "إياكن ونعيق الشيطان ومهما كان من العين فمن الله ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان" (٣).
стр. 3946
الوجه الثاني: ترجم البخاري (١) على هذا الحديث باب: ما يكره من التبتل والخصاء، ثم روى معناه من حديث ابن مسعود (٢) وأبي هريرة (٣)، وكذا ترجم عليه الترمذي (٤) أيضًا باب: ما جاء في النهي عن التبتل [ثم ساق من حديث الحسن بن سمرة، أنه ﵊: "نهى عن التبتل"] (٥)، وقرأ قتادة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ (٦)، ثم قال: هذا حديث حسن غريب، وروي عن عائشة (٧) مرفوعًا نحوه قال: ويقال: كلا الحديثين صحيح، ثم روى حديث سعد السالف قال: وفي الباب أيضًا عن أنس (٨) وابن عباس (٩) قلت:
стр. 3947
وابن مسعود (١) وأبى هريرة (٢) كما ذكره البخاري.
وفي "شرح السنة" (٣) للبغوي من حديث عبد الله بن عمرو أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله أتأذن لي أن أختصي؟ فقال ﵊: "خصاء أُمتي الصيام والقيام" (٤).
وفي "أحكام" المحب الطبري أن البغوي روى بسنده عن
стр. 3948
عتبة بن مسعود أن عثمان بن مظعون أتى النبي ﷺ فقال: ائذن لنا في الاختصاء؟ فقال: "ليس منا من خصى أو اختصى، إن خصاء أمتي الصيام"، وقال: يا رسول الله ائذن لنا في السياحة؟ فقال: "إن سياحة أُمتي الجهاد" فقال: يا رسول الله ائذن لنا في الترهب؟ قال: "إن ترهب أُمتي الجلوس في المساجد لانتظار الصلاة" ولم أرَ ما عزاه إلى البغوي في "شرح السنة" هنا والذي فيها ما أسلفته أولًا، وإنما استأذنه [في الخصاء] (١) لمشقة العزوبة في المغازي، وروي أنه قال: "لا، ولكن عليك بالصيام، فإنه مجفر" (٢) وروي "مجفرة"، قال البغوي في "شرحه" (٣): وفي بعض الأحاديث: "صوموا ووفروا أشعاركم فإنها مجفرة" (٤) يعني: مقطعة للنكاح، ونقص للماء، يقال للبعير إذا أكثر الضراب حتى ينقطع: قد جفر يجفر جُفورًا، فهو جافر.
وفي كتاب "الطب" لأبي نعيم من حديث شداد بن عبد الله أن نفرًا من أسلم استأذنوا رسول الله ﷺ في الخصاء فقال: "عليكم بالصوم، فإنه محشمة للعروق [ومذهب للأسر] (٥) ".
стр. 3949
الوجه الثالث: "التبتل": ترك النكاح انقطاعًا [لعبادة] (١) الله.
وأصل التبتل: القطع، ومنه: قيل لمريم: البتول، ولفاطمة: البتول لانقطاعها عن نساء زمانهما دينًا وفضلًا ورغبةً في الآخرة، ومنه: صدقة بتلة أي منقطعة عن تصرف مالكيها.
وقال الطبري (٢): التبتل ترك لذات الدنيا وشهوتها، والانقطاع إلى الله -تعالى- بالتفرغ لعبادته قال: ومنه قيل لمريم: البتول لانقطاعها إلى الله -تعالى- بالخدمة.
وقال القرافي: سميت فاطمة لانقطاعها عن الأزواج إلَّا عن علي [﵁] (٣).
وقال الليث: البتول كل امرأة منقطعة عن الرجال، لا شهوة لها فيهم.
وقال البغوي في "شرح السنة" (٤)، المراد به في الحديث الانقطاع عن النساء، ثم يستعمل في الانقطاع إلى الله -تعالى- ومنه: "وتبتل إليه تبتيلًا" (٥)، أي: انفرد له في الطاعة، أي فالتبتل في الآية غير التبتل في الحديث، فإنه في الآية الانقطاع إلى الله -تعالى-، ورفض الدنيا والتماس ما عنده، ولم يقصد مع ذلك
стр. 3950
ترك [(١)] النكاح ولا أمر به، بل كان موجودًا مع هذا الأمر كله. وأما الذي في الحديث فهو قصد الانقطاع إلى العبادة بالكلية مما هو داخل في باب التنطع والتشديد على النفس والإِجحاف بها والتشبه بالرهبان.
قال الشيخ تقي الدين (٢): ويؤخذ من هذا منع ما هو في هذا الباب وشبيهه، مما قد فعله جماعة من المتزهدين.
الرابع: معنى "رد عليه التبتل" نهاه عنه ليكثر النسل، ويدوم الجهاد، وقد كان خير هذه الأمة أكثرهم نساء (٣) ومات عن تسع، ومات الصديق عن ثلاث، وعمر عن أربع، وعثمان عن اثنتين وعلي عن عدة ما بين حرائر وسراري، والزبير عن أربع، وكذا عبد الرحمن إلَّا أنه طلق واحدة في مرضه. وعليه كان السلف. والتبتل [من] (٤) شريعة النصارى كما ذكره البغوي في "شرحه" (٥)، وهذا الذي عند أصحابنا محمول على من تاقت نفسه إلى النكاح، ووجد أهبته، كما سلف وعلى من أضر به التبتل بالعبادات الكثيرة الشاقة أما الإِعراض عن الشهوات واللذات من غير إضرار بنفسه ولا تفويت حق لزوجة ولا غيرها ففضيلة لا منع فيها، بل مأمور بها. ونقل القاضي
стр. 3951
عياض (١) عن بعضهم أن التبتل حرام، ثم قال: أي عن النساء، ومن الناس من يكون أصلح لدينه.
الخامس: قوله: "ولو أذن له لاختصينا"، أي لو أذن له في الانقطاع عن النساء وغيرهن من ملاذ الدنيا لاختصينا، لدفع شهوة النساء ليمكننا التبتل وهذا محمول على أنهم كانوا يظنون جواز الاختصاء باجتهادهم , ولم يكن ظنهم هذا موافقًا، فإن الاختصاء في الآدمي حرام صغيرًا كان أو كبيرًا، ويحتمل أن المراد [به] (٢) لامتنعنا عن النكاح، فإنه بمثابة الخصي، وهذا هو الظاهر، فإنه لا يخفى عليهم أنه يقطع النسل. قال البغوي: وكذا يحرم خصاء كل حيوان لا يؤكل، وأما المأكول فيجوز في صغره، ويحرم في كبيره. وقال مالك: يكره في الخيل ولا بأس به في البغال والحمير والفرس إذا أكلت وفي الأنعام لأنه يصلح لحومها، وكذا قال القاضي عبد الوهاب: يكره خصاء الخيل، ويجوز خصاء البهائم سواها, ولم يفصل بين صغير وكبير، قال الفاكهي: والظاهر أن الكراهة هنا للتنزيه لا للتحريم، وكره عمر الخصاء، وقال: فيه تمام الخلق أي في بقائه.
السادس: فيه من الأحكام أيضًا عدم الإِقدام على ما تحدثه النفوس من غير سؤال العلماء عنه، وترك التنطع، وتعاطي الأمور الشاقة على النفس، والتسهيل في الأمر، وترك المشقة وعدم المنع
стр. 3952
من الملاذ خصوصًا إذا قصد بها تذكر نعم الله -تعالى- على عبده، أو تعرف لذة ما وعد [الله] (١)، أو تعرف افتقار النفس وحاجتها إلى غيرها، أو امتثال أوامر الشرع وغير ذلك.
стр. 3953
الحديث الرابع
٣٢٢/ ٤/ ٦٢ - عن أم حبيبة بنت أبي سفيان أنها قالت: "يا رسول الله انكح أختي ابنة أبي سفيان، فقال: أو تحبين ذلك؟ فقلت: نعم لست لك بمخلية، وأحب من شاركني في خير أختي، فقال النبي ﷺ : إن ذلك لا يحل لي، قالت: إنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة، قال: بنت أم سلمة؟ قلت: نعم، قال: إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري، ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن عليَّ بناتكن ولا أخواتكن، قال عروة: وثويبة مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبي ﷺ ، فلما مات أبو لهب رآه بعض أهله بشر حيبة، قال له: ماذا لقيت؟ قال له أبو لهب: لم ألقَ بعدكم خيرًا غير أني سُقِيتُ في هذه بعتاقتي ثويبة" (١).
الحيبة: الحالة بكسر الحاء.
стр. 3954
الكلام عليه من وجوه، واعلم قبلها أن قوله: وقال عروة: إلى آخره ليس في مسلم وإنما هو في البخاري، خاصة، وقد نبه على ذلك عبد الحق أيضًا في "جمعه":
أحدها: في التعريف براويه، وقد أسلفت في الجنائز أن اسم أم حبيبة رملة على المشهور، وقيل: هند.
واسم أبيها: صخر بن حرب بن أمية، وهي إحدى أمهات المؤمنين والسابقين إلى الإسلام، هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة فتنصر هناك ومات نصرانيًّا، فتزوجها رسول الله ﷺ وهي هناك سنة ست، وقيل: سنة سبع، وكانت شقيقة حنظلة بن أبي سفيان الذي قتله عليٌّ ﵁ يوم بدر كافرًا وأميمة بنت أبي سفيان، أمهم صفية بنت أبي العاص عمة عثمان بن عفان.
رُوي لها عن النبي ﷺ خمسة وستون [حديثًا] (١) اتفقا على حديثين، ولمسلم مثلهما، روى عنها أخواها: معاوية، وعنبسة، وابن أخيها عبد الله بن عنبسة بن أبي سفيان، وجماعة كثيرة من التابعين منهم ذكوان السمان وغيره، وذكر ابن سعد أنه لما تنصر زوجها عبيد الله، قالت أم حبيبة. رأيت في النوم كأن آتيًا يقول: يا أم المؤمنين، ففزعت فأولتها أن رسول الله ﷺ يتزوجني. فتزوجها سنة سبع، ولما قدم بها المدينة كانت بنت بضع وثلاثين سنة.
واختلف في الذي زوجها منه ﷺ على ثلاثة أقوال:
стр. 3955
أحدها: عثمان. ثانيها: خالد بن سعيد بن العاصي. ثالثها: النجاشي، ولعل أحدهما [(١)] أوجب، والآخر: قبل عنه ﷺ .
واختلف في الصداق الذي أصدقها النجاشي على أقوال: أحدها: أنه كان أربعة آلاف. ثانيها: أربعمائة. ثالثها: مائتان. رابعها: أربعون أوقية، حكاه الصيرفيني.
واختلف في موضع العقد على قولين أصحهما: بأرض الحبشة. ثانيهما: بالمدينة بعد رجوعها من الحبشة، ووقع في "صحيح مسلم" (٢) من حديث النضر بن محمَّد عن عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، عن ابن عباس قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي ﷺ : يا نبي الله ثلاث أعطنيهن، قال: نعم، قال: عندي أحسن نساء العرب وأجملهن أُم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها؟ قال: نعم، قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك، قال: نعم، قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: نعم". وهو حديث مشهور بالإِشكال معروف بالإعضال، ووجه الإِشكال أن أبا سفيان إنما أسلم يوم فتح مكة، وكان الفتح سنة ثمان قطعًا، وكان ﷺ تزوج أم حبيبة قبل ذلك بزمن طويل، قال خليفة والجمهور: تزوجها سنة ست، ودخل بها سنة سبع. وقيل تزوجها سنة سبع كما قدمناه وقيل: سنة خمس ومن عظم هذا الإِشكال طعن جماعة في هذا الحديث فتوسط القاضي
стр. 3956
عياض فقال في "إكماله" (١) تزويج أبي سفيان لها في مسلم غريب جدًّا وخبرها مع أبي سفيان حين ورد بالمدينة في حال كفره مشهور (٢)، وأفصح ابن حزم الظاهري فقال: هذا حديث موضوع لا شك في وضعه، قال: والآفة فيه من عكرمة (٣)، قال: ولا يختلف اثنان من أهل المعرفة بالأخبار في أنه ﵊ لم يتزوج أم حبيبة إلَّا قبل الفتح بدهر، وهي بأرض الحبشة (٤)،
وأبوها أبو سفيان يومئذٍ كافر، قال: ومثل هذا لا يكون خطأ أصلًا، ولا يكون إلَّا قصدًا نعوذ بالله من البلاء. هذا لفظه برمته.
وتبعه على ذلك ابن دحية، فقال في كتابه "التنوير في مولد السراج المنير"، هذا حديث موضوع دس في مسلم وركب له إسناد من الموضوعات على الثقات، وكذا ابن الجوزي فقال في "جامع المسانيد" (١)، انفرد مسلم إخراج هذا الحديث، وهو وهم من بعض الرواة بلا شك، [وقد اتهموا]، (٢) بذلك الوهم عكرمة، وقد ضعف أحاديثه يحيى بن سعيد (٣)، وقال: ليست بصحاح. وكذا أحمد (٤) حيث قال: هي ضعاف، ولذلك لم يخرج عنه البخاري وإنما أخرج عنه مسلم، لأن يحيى بن معين قال هو ثقة، قال؛ وإنما قلنا هذا وهم لأن الرواة أجمعوا على أن رسول الله ﷺ بعث إلى النجاشي ليخطب له أم حبيبة، وكانت قد هاجرت إلى الحبشة وذلك في سنة سبع، وتزوجها وبعثت إليه وأسلم أبو سفيان شيبة ثمان وأنكر الأئمة على ابن حزم ما قاله صونًا للصحيح عن ذلك ورميه عكرمة بالوضع من أفراده، وقد أسلفنا احتجاج مسلم به، وقد استشهد به البخاري أيضًا وروى عنه من الأئمة: شعبة وسفيان الثوري وعبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم، وهم الأئمة المقتدى بهم، وقال يحيى بن معين: ثقة كما أسلفناه عنه،
стр. 3960
وفي رواية: ثبت، وفي رواية: صدوق ليس به بأس، وفي رواية: كان أمينًا حافظًا، وقال علي بن المديني: كان عند أصحابنا ثقة ثلاثًا، وقال الدارقطني: هو ثقة، وقال علي بن عاصم: هو مستجاب الدعوة ولا شك في كون الرجوع إلى قول هؤلاء الأئمة الأثبات في تعديله أولى من الرجوع إلى خرقها.
قال الحافظ أبو الفضل ابن طاهر المقدسي: هذا كلام رجل مجازف هتك فيه حرمة كتاب مسلم، ونسبه إلى الغفلة عما اطلع هو عليه قال: ثم إن هذا الرجل لم يزل به وثوبه على الأئمة المتقدمين مثل مالك بن أنس، ومن بعده من أئمة الحديث حتى مات مهجورًا من سائر الفرق بعد الموات العظيم والحبس الشديد، وأنكر أيضًا الشيخ تقي الدين بن الصلاح هذا على ابن حزم، وتابع في الشناعة عليه، قال: وهذا القول من جسارته فإنه كان هجومًا على تخطئة الأئمة الكبار، وإطلاق اللسان فيهم، قال: ولا نعلم أحدًا من أئمة الحديث نسب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث، وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين وغيرهما، وكان مستجاب الدعوة، وكذا قال المنذري: عكرمة وإن تكلم فيه كثير واحد فلم ينسبه أحد فيما علمناه إلى الوضع.
قلت: وهذه عادة ابن حزم في عكرمة، قال أيضًا في حقه في باب الغسل من محلاه (١) في حديث ذكره عن عائشة: عكرمة هذا ساقط، وقد وجدنا عنه حديثًا موضوعًا في نكاح رسول الله ﷺ