← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الحديث الثاني عشر (١) ١٢/ ١٢/ ١ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ : "يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله" (٢). الكلام عليه من عشرة أوجه: الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في الحديث الخامس من الباب واضحًا، وأن لها عدة خصائص، وفد فصلتها في (العدة

стр. 387

في معرفة رجال العمدة) فزادت على الثلاثين، فراجعها منه فإنه من المهمات. الثاني: التيمن: معناه هنا: الابتداء باليمين قبل الشمال، وفي "المغرب" للمطرزي: يامن وتيامن [من] (١) أخد جانب اليمين، ومنه: كان ﵇ يحب التيامن في كل شيء، وهذا اللفظ الذي ذكره رواه ابن حبان في صحيحه بزيادة: "حتى في الترجل والانتعال" (٢) والتيمن من الألفاظ المشتركة، لأنه أيضًا مصدر تيمن بالشيء إذا تبرك به، مأخوذ من اليمن بضم الياء وهو البركة. والتيمن أيضًا النسبة إلى اليمن بفتح الياء والميم، يقال تيمن [إذا] (٣) انتسب إلى اليمن. الثالث: التنعل: لبس النعل وهي الحذاء مؤنثة وتصغيرها نعيلة، قال الجوهري (٤) تقول: نعلت فانتعلت، إذا احتذيت، وأهمل تنعلت أيضًا كما هو في الحديث؛ لأن التنعل مصدر تنعل كالتعلم مصدر تعلم.

стр. 388

الرابع: الترجل: تسريح الشعر [يقال] (١): شعر مرجل أي مسرح، وشعرٌ رَجِل [ورَجَل، ورجله صاحبه: إذا سرحه ودهَّنه، وشعر رجَل ورَجِل] (٢) ورَجْل: بين السبوطة والجعودة، وقد رجَّل رجلًا ورجلَّه وهو رجل [رجيل] (٣) الشعر ورجل، وجمعهما أرجال ورجالًا، ذكره ابن سيده في محكمه، وفي الغريبين ومجمع الغرائب: المُرَجِّل والمُسرِّح المشط، وفي المغرب للمطرزي (٤): رَجّلَ شعرَهَ: أرسله بالمِرجَل وهو المشط، وتَرَجَّلَ: فَعَل ذلك بنفسه، قال بعضهم: ومن الترجل: النزول عن الدابة على الرجل اليمنى، وادَّعى أن الترجل مشط الرأس والمشي راجلًا [وأن] (٥) كلاهما مشهور في اللغة. الخامس: الطُّهور: بضم الطاء والمراد به فعل الطهارة، وأما بالفتح: فهو الماء الذي يتطهر به، [وقال] (٦) سيبويه: الطهور بالفتح يقع على الماء والمصدر معًا. السادس: معنى التيمن في النعل: البداءة بالرجل اليمنى، بخلاف النزع فإنه ينزع اليسرى أولًا؛ لأن الانتعال للرجل أفضل من

стр. 389

الحفاء، ومعناه في الترجل: البدأة بالشق الأيمن من الرأس في تسريحه ودهنه، وفي الطُهور: البدأة بالشق الأيمن في الغسل، [وباليد] (١) اليمنى والرجل اليمنى في الوضوء. والضابط في ذلك: أن كل ما كان من باب التكريم والزينة كان باليمين وما كان بخلافه فباليسار، فمن الأول: لبس الثوب والسراويل والخف ودخول المسجد والسواك والانتعال وتقليم الأظفار والاكتحال وقص الشارب وترجيل الشعر ونتف الإبط وحلق الرأس والسلام في الصلاة وغسل أعضاء الطهارة والخروج من الخلاء والأكل والشرب والمصافحة واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك [مما] (٢) هو في معناه كالاضطجاع. ومن الثاني: دخول الخلاء والأماكن المستقذرة والخروج من المسجد والمنزل والامتخاط والاستنجاء وخلع الثوب والسراويل والخف، وشبه ذلك، وذلك كله لكرامة اليمين وشرفها. ونقل ابن بطال عن عطاء: قال ابن عمر: "خير المسجد المقام ثم ميامن المسجد" [وكان أنس وابن المسيب يصلي في الشق الأيمن من المسجد] (٣) وكان إبراهيم يعجبه أن يقوم عن يمين الإِمام، [وكذلك] (٤) عن الحسن وابن سيرين.

стр. 390

ويستثنى من القسم الأول الخدان والعينان [والأذنان] (١) والمنخران والكفان، فلا يشرع التيمن [فيهما] (٢) كما أسلفناه في الحديث العاشر إلَّا أن يكون أقطع فيقدم اليمين. قال ابن المنذر (٣): وأجمعوا [على أن لا إعادة] (٤) على [من] (٥) بدأ بيساره في الوضوء قبل يمينه، وروينا عن علي (٦) وابن مسعود (٧) أنهما قالا: لا تبالي بأي [يد] (٨) بدأت، وفيه رد على الشيعة [فإنهم] (٩) قالوا بوجوب تقديم اليمين ولا عِبرة بخلافهم، وزعم المرتضى الشيعي أن الشافعي كان في القديم يقول به، وهو عجيب، فهذا شيء لا يعرفه أصحابنا، وقد حكاها الإمام الرافعي وأنكرها، وأما النووى فإنه حذفها من الروضة وما قصّر في ذلك، وكأن سبب وهمه في هذا النقل أنه رأى [أن] (١٠) الشافعي يقول

стр. 391

بوجوب الترتيب في أعضاء الوضوء، وهو عجيب فإنه وإن قال به فإن اليدين والرجلين كالعضو الواحد حيث جمعا في لفظ القرآن العزيز حيث قال: ﴿أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (١)، نعم نص الشافعي في الأم (٢) على كراهته؛ وقد صح أنه ﷺ (٣) قال: "إذا توضأتم [فابدأوا بميامنكم] (٤) " صححه ابن خزيمة (٥)، وابن حبان (٦)، وظاهر الأمر فيه للوجوب فمخالفته محرمة، لكن انعقد الإِجماع على عدم التحريم فبقيت الكراهة. واعترض الفاكهي فقال: لِمَ لا يقال: إن ذلك من باب ترك الأولى ولا يتم الاستدلال على الكراهة؟ وجوابه ما رواه ابن حبان من حديث ابن عمر: "نهى رسول الله ﷺ : أن يتعاطى أحدنا شيئًا بشماله" (٧).

стр. 392

فرع: لو تعارض الانتعال والخروج من المسجد خرج [منه] (١) بيساره ووضعها على نعله اليسرى من غير لبس، ثم خرج باليمنى ولبسها ثم لبس اليسرى. [فائدة] (٢): قسم بعضهم ما يستحب فيه التيامن وما لا يستحب خمسة أقسام: أولها: ما يستحب فيه التيامن فقط. ثانيها: ما يستحب فيه [التياسر] (٣) فقط، وقد قدمنا أمثلتهما. ثالثها: ما اختلف فيه وهو الامتخاط والتنخم ومسح [القذا] (٤). قلت: الذي ينبغي في هذا القطع باليسار. ورابعها: ما خُيِّر فيه بينهما وهو سد الفم عند التثاؤب، فإن سُد باليمنى يخير بين سده بظاهرها أو باطنها، وإن سُد باليسرى فليكن بظاهرها. خامسها: ما يجمع فيه بينهما، وذلك أكل كل حار ببارد كما جاء عنه ﵇ "أنه أكل قثاء بِرُطَب (٥) هذا بيده [وهذا

стр. 393

بيده] " (١) قال بعض العلماء: وهذا مستثنى من الأكل بالشمال. السابع: يدخل في عموم قولها: "وفي شأنه كله" الأحوال التي أسلفناها ومنها الأخذ والعطاء ومنها السواك كما قدمناه، ومذهب [أحمد] (٢) استحبابه باليسار (٣)؛ لأنه إزالة مستقذر فكان كالحجر في الاستنجاء، ونقل عن القرطبي أيضًا، ويرده رواية أبي داود في هذا الحديث في اللباس وسواكه، زادها مسلم بن إبراهيم أحد رواته عن شعبة، ثم قال [أبو] (٤) داود: رواه عن [شعبة] (٥) معاذ، لم يذكر سواكه.

стр. 394

وقال الترمذي الحكيم: والاستياك باليسار إلَّا من علة من [فعل] (١) الشيطان، قال: وقد روي مرفوعًا "الشيطان [يأكل بيساره] (٢) ويشرب بيساره ويعمل الأعمال بيساره فاجتنبوا الأعمال بها إلَّا من علة". قلت: ولأن في السواك تعبدًا حيث أُمر به، ولا إزالة، فهو من باب التكريم فيُفعل باليمين كالأكل والشرب، فإن قلت: كان ينبغي التفصيل [بين] (٣) حالة التغيير فيكون باليسار وبين عدمها فيكون باليمين. قلت: إطلاق الرواية السالفة التي قدمنا ترد هذا التفصيل. فرع: يستحب البداءة أيضًا بالجانب الأيمن من الفم بالسواك. الثامن: قولها: "وفي شأنه كله" هذا عام في كل شيء، لكن

стр. 395

خُص منه دخول الخلاء والخروج من المسجد والامتخاط والاستنجاء [وما شابه] (١) ذلك، فقد روى أحمد وأبو داود عنها وصححه ابن حبان والحاكم، قالت: "كان رسول الله ﷺ يجعل يمينه لطعامه وشرابه ويجعل شماله لما سوى ذلك" (٢). وروى أحمد وأبو داود عنها أيضًا قالت: "كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى" (٣). [ورواية] (٤) الطبراني بلفظ: "كان يُفرغ يمينه لطعامه وحاجته، ويفرغ شماله للاستنجاء وما هنالك". التاسع: فيه دلالة على أن التختم في اليمين دون اليسار؛ لأن لباس الخاتم من شأنه، وهو الصحيح عند الشافعية، وصح أنه ﵇ تختم في اليسار أيضًا. العاشر: فيه دلالة على أن التأكيد لا يرفع المجاز؛ لأنه ورد هنا مؤكدًا للعموم مع الجزم بالخصوص بما ذكرناه (٥).

стр. 396

خاتمة: ورد الشرع بإكرام جهة اليمين وتفضيلها على الشمال في مواضع في الشرب "لمَّا شرب وعن يساره الصديق وعن يمينه الأعرابي فشرب ثم ناول الأعرابي وقال الأيمن فالأيمن" (١)، وفي الصف الذي يلي يمين الإمام وفي غير ذلك ما تقدم وقال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ (٢)، وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧)﴾ (٣)، وما في معنى ذلك من التيمن.

стр. 397

(الحديث الثالث عشر) (١) ١٣/ ١٣/ ١ - عن نعيم المجمر عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" (٢). وفي لفظ: "رأيت أبا هريرة توضأ فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين، ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا محجلين

стр. 398

من أثر الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" (١). وفي لفظ لمسلم: سمعت خليلي (٢) ﷺ يقول (٣): "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء" (٤). الكلام عليه من تسعة عشر وجهًا: أحدها: نعيم هذا هو ابن عبد الله، وقيل ابن محمد، أبو (٥) عبد الله المدني القرشي العدوي، مولى عمر، تابعي ثقة، سمع ابن عمر وأنسًا، وجالس أبا هريرة عشرين سنة، وعنه: مالك والناس (٦)، كان يجمر المسجد، قال له عمر يحسن تجمير المسجد [أي تبخيره، قال: نعم] (٧) فكان يجمر المسجد فعرف به، وقيل: إن أباه كان يأخذ المجمر قدام عمر بن الخطاب إذا خرج إلى الصلاة في رمضان، وبه جزم ابن حبان، فالمُجمِّر: بضم الميم وإسكان الجيم وكسر الميم الثانية، ويقال: المُجَمِّر بفتح الجيم وتشديد الميم الثانية، على هذا القول صفة لعبد الله أبي نعيم لا لنعيم، وبه جزم النووي في شرح مسلم (٨)، وعزى إلى صاحب

стр. 399

المطالع والأكثرين، قالوا: وأُطلق على [ابنه] (١) نعيم مجازًا، ويقال: إن عمر جعل نعيمًا على أجمار المسجد فسمي المجمر، ذكره عبد الغني في ترجمة كيسان، والله أعلم. وجزم الشيخ تقي الدين بأن الوصف لنعيم (٢). "فائدة": مجمر تشتبه بمخمر بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الميم الثانية، وهم جماعة سردهم الأمير، منهم: [ذو] (٣) مخمر ابن أخي النجاشي، له صحبة، ويقال: مخبر بالباء الموحدة بدل الميم (٤). ثانيها: أبو هريرة، تقدم التعريف [به] (٥) في الباب في الحديث الثاني. ثالثها: (أمة) جاءت على ثمانية أوجه ذكرها العزيزي ﵀: أمه: جماعة، كقوله تعالى: ﴿أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ (٦).

стр. 400

وأمة: أتباع الأنبياء ﵈؛ كما نقول: نحن أمة محمد، عليه أفضل الصلاة والسلام. وأمة: رجل جامع للخير يقتدى به، كقوله تعالى: [﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ (١). وأمة: دين وملة، كقوله تعالى] (٢): ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ (٣). وأمة: حين وزمان كقوله تعالى: ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ (٤)، وقوله تعالى (٥): ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ (٦) أي بعد حين، ومن قرأ (بعد أمةٍ) بفتح الهمزة وتخفيف الميم فسيان. وأمة: قامة (٧)، يقال: فلان حسن الأمة، أي القامة. وأمة: رجل منفرد بدين لا يشركه فيه أحد، قال ﷺ : "يبعث زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحده" (٨).

стр. 401

وأمة: أمّ، يقال: أمّة زيد. والمراد بالأمة إذا قلنا: أمة محمد ﷺ : المؤمنون خاصة، هذا هو الحق، وقد يطلق على غيرهم بعلاقة كونه مرسلًا إلى الناس (١) أجمعين (٢). رابعها: قوله: "يوم القيامة" يوم: من الأسماء الشاذة لوقوع الفاء والعين فيه حرفي علة فهو من باب ويل وويح، والقيامة: فعالة من قام يقوم، أصله القوامة فقلبت الواو فيه ياء لانكسار ما قبلها. خامسها: قوله: "غرًا محجلين" [أهما] (٣) منصوبان على الحال من الضمير في يدعون وهو الواو. والأصل يدعوون بواوين تحركت الأولى وانفتحَ ما قبلها قلبت ألفًا، اجتمع ساكنان الألف والواو بعدها فحذفت الألف لالتقاء الساكنين فصار يُدعون، ومعناه -والله أعلم-: يُدعون إلى موقف الحساب أو إلى الميزان أو إلى غير ذلك.

стр. 402

وقال الشيخ تقي الدين: [يحتمل] (١) أيضًا أن يكون مفعولًا ليُدعون بمعنى التسمية، أي يُسمّوُن غرًّا، قال؛ والأقرب أن تكون حالًا وتعدَّى يدعون في المعنى بالحرف كما قال تعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٢)، ويجوز أن لا [يعدى] (٣) يدعون بالحرفية ويكون غُرًّا حالًا أيضًا، واقتصر الفاكهي على إعرابه حالًا [من] (٤) الضمير في يدعون، ثم قال: وقد خلّط بعض الناس في إعراب هذا الموضع وليس من شأنه. سادسها: الغرة: بياض في [جبهة] (٥) الفرس. والتحجيل: بياض في يديها ورجليها فسمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة: غرة وتحجيلًا، تشبيهًا بذلك. قال ابن سيده: الغرة بياض في [الجبهة] (٦)، فرس أغر وغرا. وقيل: الأغر في الخيل: الذي غرته أكبر من الدرهم قد وسطت جبهته ولم تصب واحدة من العينين ولم تمل على واحدة من

стр. 403

الخدين ولم تسل سفلى، [وهي] (١) أفشى من القُرْحة (٢). وقال بعضهم: بل يقال للاغر: أغر أقرح؛ لأنك إذا قلت أغر فلا بد [من] (٣) أن تصف الغرة بالطول والعرض والصغر والعظم والدقة، وكلهن غرر، فالغرة جامعة لهن، [وغرة] (٤) الفرس: البياض يكون في وجهه، فإن كانت مدور فهي [وتيرة] (٥)، وإن كانت طويلة فهي شارخة وعندي أن الغرة نفس القَدر الذي يشغله البياض، والأغر: الأبيض من كل شيء، وقد غَرَّ وجهه يَغَرُّ بالفتح غَرَرا وغُرّة وغِرَارةَ: صار ذا غُرّة. قال: والتحجيل: بياض يكون في قوائم الفرس كلها. وقيل: هو أن يكون البياض في ثلاث قوائم منهم دون الأخرى، في رجل ويدين، فلا يكون التحجيل في اليدين خاصة إلَّا مع الرجلين ولا في يد واحدة دون الأخرى إلَّا مع الرجلين. والتحجيل: بياض قل أو كثر حتى يبلغ نصف الوطيف ولون سائره ما كان، وفي الصحاح (٦): يجاوز الأرساخ ولا يجاوز الركبتين ولا العرقوبين، وفي المغيث (٧) لأبي موسى:

стр. 404

فإذا كان البياض في طرف اليد فهو العصمة، يقال: فرس أعصم. [السابع] (١): المراد بالغرة: غسل شيء من مقدم الرأس وما يجاوز الوجه زائدًا على الجزء الذي يجب غسله لاستيعاب كمال الوجه، وفي التحجيل غسل ما فوق المرفقين والكعبين. وادَّعى ابن بطَّال ثم القاضي عياض اتفاق العلماء على أنه لا يستحب الزيادة فوق المرفق والكعب وهي دعوى باطلة، فقد ثبت فعل ذلك عن رسول الله ﷺ وأبي هريرة، وعمل العلماء وفتواهم عليه، فهما محجوبان بالإجماع واحتجاجهما بقوله ﵇: "من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" (٢) غير صحيح؛ لأن المراد به الزيادة في عدد [المرات] (٣) أو النقص عن الواجب أو الثواب المرتب على [بعض] (٤) العدد لا الزيادة

стр. 405

على تطويل الغرة والتحجيل. وأما حد الزائد فغايته: استيعاب العضد والساق. [وقال جماعة من أصحابنا: يستحب إلى نصف العضد والساق] (١). وقال البغوي: نصف العضد فما فوق، ونصف الساق فما فوقه. وجمعها النووي في شرح مسلم [فقال] (٢): اختلف أصحابنا في القدر المستحب على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيت. وثانيها: إلى نصف العضد والساق. وثالثها: يستحب إلى المنكب والركبتين، قالا: والأحاديث تقتضي ذلك كله. وقال الشيخ (٣) تقي الدين: ليس في الحديث تقييد ولا تحديد لمقدار ما يغسل من العضدين والساقين، وقد استعمل أبو هريرة الحديث على إطلاقه، وظاهره في طلب إطالة الغرة،

стр. 406

[فغسل] (١) إلى قريب من المنكبين ولم ينقل ذلك عن النبي ﷺ ، وأكثر استعماله في الصحابة والتابعين، [فلذلك] (٢) لم يقل به الفقهاء ورأيت بعض الناس قد ذكر أن حد ذلك نصف العضد ونصف الساق، هذا آخر كلامه. وقوله: (لم يقل به الفقهاء) عجيب مع ما قدمناه عنهم. ومن أوهام ابن بطال (٣) والقاضي أيضًا إنكارهما على أبي هريرة بلوغه الماء إبطيه وأن أحدًا لم يتابعه عليه، فقد قال [به] (٤) القاضي حسين وآخرون من أصحابنا (٥) أيضًا، وفي (مصنف ابن أبي شيبة) حدثنا وكيع عن العمري عن نافع عن ابن عمر: "أنه كان ربما بلغ بالوضوء إبطه في الصيف" (٦)، ثم روى عن

стр. 407

وكيع أيضًا عن عقبة بن أبي صالح عن إبراهيم أنه كرهه (١). قلت: وهذا مردود بما سلف، وما أبعد مَنْ أوّل الاستطاعة [في] (٢) الحديث على إطالة الغرة والتحجيل بالمواظبة على الوضوء لكل صلاة وإدامته فتطول غرته بتقوية نور أعضائه (٣). الثامن: قوله: "من آثار الوضوء". هو بضم الواو [وهذا] (٤) هو المعروف، ويجوز أن يقال بفتحها (٥)، ويكون المراد آثار الماء المستعمل في الوضوء، فإن الغرة والتحجيل نشأ عن الفعل بالماء فيجوز أن ينسب إلى كل منهما. التاسع: قوله: "فمن استطاع إلى آخره" اقتصر فيه على ذكر الغرة دون التحجيل، وإن ذكر معها في رواية أخرى في الصحيحين (٦) [للعلم] (٧) به وكأنه من باب قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (٨). ولم يذكر البرد للعلم به.

стр. 408

وقال الشيخ تقي لدين (١): كأن ذلك من باب التغليب بالذكر لأحد السببين على الآخر وإن كانا سبيل واحد للترغيب فيه، وقد استعمل الفقهاء ذلك أيضًا، فقالوا: يستحب تطويل الغرة، ومرادهم الغرة والتحجيل، وفي هذا نظر كما قال الفاكهي؛ لأن القاعدة في التغليب أن يغلب المذكر على المؤنث لا العكس والأمر هنا بالعكس؛ [لتأنيث] (٢) الغرة وتذكير التحجيل، وأيضًا [فمثل] (٣) هذا لا يسمى تغليبًا إذ لم يؤت فيه إلَّا بأحد الاسمين، والتغليب اجتماع الاسمين أو الأسماء وتغليب أحدهما على الآخر، نحو [العُمرين] (٤) والأبوين وشبههما. ويجاب أيضًا بأنها خُصت بالذكر؛ لأن محلها أشرف أعضاء الوضوء، ولأنه أول ما يقع عليه البصر يوم القيامة. العاشرة: ادَّعى بعضهم أن قوله: "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" من قول أبي هريرة أدرجه آخر الحديث، ذكره في رواية البخاري عن نعيم قال: "رقيت مع أبي هريرة على ظهر المسجد فتوضأ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل". وفي هذه

стр. 409

الدعوى عندي بُعد. فليتأمل (١). (فائدة): قال ابن منده في مستخرجه حديث: "أمتي الغر [المحجلين] (٢) من آثار الوضوء". رواه [مع] (٣) أبي هريرة من الصحابة ابن مسعود (٤) وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري وأبو أمامة الباهلي وأبو ذر الغفاري وعبد الله بن بسر المازني (٥) وحذيفة بن اليمان [﵃] (٦). الحادي عشر: المنكب: مجمع عظم العضد والكتف، قاله الجوهري (٧). وقال غيره: هو مجمع رأس العضد والكتف وطرف الترقوة، والساقان تثنية ساق وهي مؤنثة غير مهموزة وفيها لغة قليلة بالهمز وقد قرئ بهما (٨) في السبع في قوله تعالى: ﴿وكشفت عن ساقيها﴾ (٩) وغيره.

стр. 410

الثاني عشر: استدل جماعة من العلماء بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة زادها الله شرفًا، وبه [جزم] (١) الحليمي في (منهاجه) وفي الصحيح أيضًا: "لكم سيما ليست لأحد من الأمم تردون [عليَّ] (٢) غرًا محجلين من أثر الوضوء" (٣)، وقال آخرون: ليس الوضوء مختصًا بها (٤) وإنما الذي اختصت به الغرة والتحجيل، قال ابن العطار: في شرحه في باب التيمم في الكلام على حديث جابر: وهو المشهور من قول العلماء، واحتجوا بالحديث الآخر. "هذ وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي" وأجاب [الأولون] (٥) عن هذا بوجهين: أحدهما: أنه حديث ضعيف (٦). والثاني: أنه لو صح لاحتمل اختصاص الأنبياء دون أممهم بخلاف هذه الأمة، وفي هذا شرف عظيم لهذه الأمة حيث استووا مع

стр. 411

الأنبياء في هذه الخصوصية وامتازت بالغرة والتحجيل. ونقل الزناتي المالكي شارح الرسالة عن العلماء: أن الغرة والتحجيل حكم ثابت لهذه الأمة، من توضأ منهم ومن لم يتوضأ (١)، كما قالوا: لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة، إن أهل القبلة كل من آمن به من أمته سواء صلى أو لم يصل، وهذا نقل غريب، وظاهر الأحاديث تقتضي خصوصية ذلك بمن توضأ منهم، وفي صحيح ابن حبان: "يا رسول الله: كيف تعرف من لم تر (٢) من أمتك، قال: غرٌ محجلون بلق من آثار الوضوء" (٣). [الثالث عشر] (٤): في جامع الترمذي مصححًا: "أمتي يوم القيامة غر من السجود محجلون من الوضوء" (٥)، ولا تضاد بينه وبين

стр. 412

ما نحن فيه فنوّرت وجوههم بسببين وأرجلهم بسبب واحد. [الرابع عشر] (١): قال صاحب المعلم (٢): قد استوفى ﷺ بذكر الغرة والتحجيل جميع أعضاء الوضوء، فإن الغرة: بياض في الوجه، والتحجيل: بياض في اليدين والرجلين أي والرأس داخلة في مسمّى [الغرة] (٣). [الخامس عشر] (٤): المراد بالحلية في هذا: حلية أهل الجنة، وقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "تبلغ حلية أهل الجنة مَبلغ الوضوء" (٥)، [فقوله] (٦): تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء، يحتمل أن يكون المراد به ما في هذا الحديث فيُحلى في الجنة في مواضع الوضوء تحلية تبلغ حيث بلغ الماء فيها، تقول منه: حليته احليه تحلية إذا ألبسته الحلية. السادس عشر (٧): أصل الخليل: الصديق، فعيل بمعنى مفعول، وهو المحبوب الذي تخللت محبته القب فصارت خلاله أي في باطنه، والمخاللة مفاعلة وهي لا تكون إلَّا من اثنين غالبًا، وقد اختلف الناس في الخليل فقيل: إنه الصاحب، وقيل: إنه الخالص

стр. 413

في [الصحبة] (١) وهو أخص من الصاحب، واختلفوا أيضًا: هل الخلة أرفع درجة من المحبة (٢)، أو عكسه، أو هما سواء، على أقوال، واختلفوا أيضًا في اشتقاقه على أقوال: أحدها: أنه من الخَلة بفتح الخاء وهي الحاجة. ثانيها: من الخُلة بضمها وهي تخلل المودة في القلب فلا يدع ليه خلا إلَّا ملا به، قاله ثعلب. ثالثها: من الخلة وهي نبت يستحليه الإِبل ومن أمثالهم، الخلة خُبْز الإِبل والحَمْض فاكهتها، وقال القاضي عياض: الخلة عبارة عن صفاء المودة، قال الشاعر: قد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلا [فذا ما نطقت كنت حديثي ... وإذا ما سكت كنت العليلا] (٣) وقال الزجاج: معنى الخليل: الذي ليس في محبته خلل. [وقيل] (٤): معناه الذي يُوالي فيه ويُعادي.

стр. 414

وقيل: الخليل هو المختص بشيء دون غيره، ولا يجوز أن يخص النبي ﷺ أحدًا بشيء من الديانات دون غيره، قاله النحاس. ولذلك قال رسول الله ﷺ : "إني أبرأ إلى كل خليل من خلته ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن صاحبكم خليل الرحمن، يعني نفسه" (١) فهذا منه ﵇ قطع للمخاللة بينه وبين غيره، وحينئذ فما الجواب عن قول أبي هريرة: سمعت خليلي ﷺ ؟ فإن أجيب بأن المنفي أن يتخذ هو خليلًا، وما نفى أن يتخذ غيره خليلًا، ورد عليك ما قدمناه من أن المخاللة مفاعلة وهي غالبًا لا تكون إلَّا من اثنين، وقد يجيب بأن هذا من ذلك النادر، أو أنه أراد مجرد الصحبة فقط فعبّر عنها بالخُلة مجازًا، ولا شك أنه يُحبُ رسول الله ﷺ محبة تخالط القلب والبدن مقدمة على النفس والمال والولد والناس أجمعين. ويجوز إطلاق ذلك [منا] (٢) بهذا المعنى فيقول أحد الصحابة أو كلهم: سمعت خليلي، وقال خليلي، وأما هو ﷺ فلم يتخذ أحدًا خليلًا؛ لأن خلته كانت مقصورة على حب الله تعالى، فليس فيها متسع لغيره، ولا ينال ذلك إلَّا بفضل الله لمن يشاء من عباده، وقد وقع من جماعة من الصحابة غير أبي هريرة [إضافة خلتهم له تشرفًا بها ولم ينكر عليهم وهو دال على جوازه] (٣).

стр. 415

السابع عشر: في الحديث استحباب المحافظة على الوضوء وسننه [الشرعية] (١) فيه. الثامن عشر: فيه أيضًا ما أعد الله تعالى من الفضل والكرامة لأهل الوضوء يوم القيامة. التاسع عشر: فيه أيضًا ما أطلعه الله تعالى لنبيه ﷺ من المغيبات المستقبلة التي لم يطلع عليها نبيًا غيره من أمور الآخرة وصفات ما فيها.

стр. 416

٢ - باب الاستطابة (١) الباب: ضرب من الكتاب تتقارب مسائله وهو مجاز من الباب الصوري الذي يُدخل منه إلى الشيء، والأصح: أنه المنفذ لا الخشب المركب عليه، وإنما سُمي الخشب بابًا لملازمته له، وهو في [العلوم] (٢) للتمييز بينه وبين ما بعده وهو مستعمل هنا لافتتاح أحكام مندرجة تحت اسم خاص.

стр. 417

والاستطابة: إزالة الأذى عن المخرجين بحجر ونحوه، أو مأخوذ من الطيب؛ لأن إزالة الفضلة تطيب المحل وتذهب عنه القذر، يقال: استطاب الرجل فهو مستطيب، وأطاب فهو مطيب. وذكر المصنف ﵀ في الباب ستة أحاديث:

стр. 418

الحديث الأول ١٤/ ١/ ٢ - عن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" (١). [الخُبُث: بضم الخاء والباء جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة، استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم] (٢). الكلام عليه من ثلاثة عشر وجهًا: الأول: في التعريف براويه: هو أنس بن مالك بن النضْر بضاد معجمة ساكنة، ابن ضمضم بضاد معجمة ثم ميم، ابن زيد بن حرام بالحاء المهملة والراء، وجميع ما في الأنصار من الأسماء كذلك وفي

стр. 419

قريش بكسر الحاء المهملة والزاي، الأنصاري الخزرجي النجاري. كنيته: أبو حمزة، كناه رسول الله ﷺ ببقلة كان يجتنيها، قال الأزهري: البقلة التي جناها أنس كان في طعمها لذع فسميت حمزة بفعلها. يقال: رمانة حامزة [أي] (١) فيها حموضة. خادم رسول الله ﷺ ، شهد بدرًا، جاءت به أمه أم سليم بنت مِلحان -بكسر الميم وفتحها- إلى رسول الله ﷺ ليخدمه حين قدم المدينة، فقالت: يا رسول الله أنس غلام كاتب [لبيب] (٢) يخدمك، فقبله وخدمه عشر سنين، وكان عمره عشرًا، وقيل ثمانية، ودعا له بكثرة المال والولد وطول الحياة ودخول الجنة، فكان له كَرْم يحمل في السنة مرتين. وفي الترمذي عن أبي العالية أنه ﵇ دعا له وكان له بستان يحمل في كل سنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك، ثم قال: حديث حسن (٣)، ورأى من أولاده وأحفاده عددًا كثيرًا. وكان يقول: إني لمن أكثر الأنصار مالًا وولدًا، ويقال: إنه ولد له ثمانون ولدًا (٤) ليس فيهم أنثى إلَّا اثنتين حفصة وأم عمرو، وفي البخاري أنه دفن لصلبه مقدم حجاج البصرة بضع وعشرون

стр. 420

ومائة. وفي الطبراني الكبير عنه قال: لقد دفنت بيدي هاتين (مائتين) (١) [من] (٢) ولدي، لا أقول سقطًا ولا ولدَ ولدٍ. وفي مسند عبد بن حميد لمَّا دعا له بكثرة المال والولد قال: وبارك له فيه، وروي عنه أنه قال: رأيت كثرة المال والولد وأرجو دخول الجنة (٣). قلت: ومات له في طاعون [الجارف] (٤) ثلاثة وثمانون ابنًا، ويقال ثلاثة وسبعون. وكان من أكثر الصحابة أيضًا حديثًا، روي له عن النبي ﷺ ألفا حديث ومائتا حديث وستة وثمانون حديثًا، أخرج له في الصحيحين ثلاثمائة حديث وثمانية عشر حديث، اتفقا منها على مائة وثمانية وستين، وانفرد البخاري بثمانين، ومسلم بسبعين، حكاه ابن الجوزي. وقال المقدسي: انفرد البخاري بثلاثة وثمانين، ومسلم بأحد وسبعين. روى عنه أبو أُمامة، ومن أولاده موسى والنضر وأبو بكر، وأحفاده، وخلق كثير من التابعين. وكان يصلي فيطيل القيام حتى تفطر قدماه دمًا، وأُتي به إلى الحجاج فآذاه -آذاه الله-. وكان رسول الله ﷺ يدخل على أمه أم سليم فيصلي في بيتها غير المكتوبة ويدعو لهم بخير الدنيا والآخرة. وهو من أطول الصحابة عمرًا، توفي رسول الله ﷺ وهو ابن

стр. 421

عشرين سنة، وبقي بعده دهرًا، سكن البصرة، ومات بقصره بألطف على فرسخين منها، وقيل فرسخ ونصف، ودفن هناك سنة ثلاث وتسعين على الصحيح الذي عليه الجمهور كما نقله عنهم النووي. وقيل: سنة خمس، وقيل: سنة إحدى، وقيل: اثنين. وصلَّى عليه قطن بن مدرك الكلابي، وهو آخر الصحابة موتًا بالبصرة لا موتًا على الإطلاق، فلا التفات إلى من أطلق ذلك، وكان يقول: لم يبق على وجه الأرض ممن صلَّى [إلى] (١) القبلتين غيري (٢). قال أبو عمر: لا أعلم أحدًا مات بعده ممن رأى [النبي] (٣) ﷺ إلَّا أبا الطفيل يعني عامر بن واثلة القائل: وبقيت سهمًا في الكنانة واحدًا ... سيُرمى به أو يكسر السهم ناضله وكانت وفاته سنة مائة وتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثمانية أعوام. قال: واختلف في سِنِّه -يعني من أنس- يوم مات، وأصح ما فيه أنه عمّر مائة إلَّا سنة. [واعترض] (٤) عليه النووي فقال: هذا شاذ مردود، فقد ثبت في الصحيح أنه كان له قبل الهجرة عشر سنين [فعمّر] (٥) فوق المائة.

стр. 422

قلت: قيل: زاد على المائة ثلاث سنين، وقيل: سبعًا، وقيل: عشرين (١). وقد ذكر أبو عمر أيضًا في وفاة [محمود] (٢) بن الربيع قولين: أحدهما: سنة تسع وتسعين، والثاني: سنة ست، فهذا بعد أنس، فكيف يقول: لا أعلم أحدًا مات بعده ممن له رواية إلَّا أبا الطفيل؟. [قال] (٣) مورق العجلي لما مات أنس: ذهب اليوم نصف العلم، قيل له: كيف [ذلك] (٤)؛ قال: كان رجل من [أهل] (٥) الأهواء إذا خالفنا في الحديث قلنا: تعال إلى من سمعه من رسول الله. فائدة مهمة: في الرواة أنس بن مالك خمسة، أولهم هذا. وثانيهم: أبو أمية الكعبي، له حديث: إن الله وضع عن المسافر ... إلى آخره. وثالثهم: أنس بن مالك بن أبي عامر والد مالك بن أنس الفقيه.

стр. 423

ورابعهم: شيخ حمصي. وخامسهم: كوفي حدث عن الأعمش وغيره. فائدة [ثانية] (١): أنس [في] (٢) الرواة [تشتبه] (٣) بأتش بالمثناة فوق بدل النون ثم شين معجمة، وهو محمد بن الحسن بن أتش الصنعاني المتروك (٤) وأخوه علي بن الحسن، فاعلم ذلك. الوجه الثاني: قوله: "كان رسول الله ﷺ " (كان) هنا هي التي تدل على الملازمة والمداومة. الثالث: (إذا دخل) معناه: إذا أراد الدخول، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (٥) وقد ثبت هذا المعنى صريحًا في رواية البخاري تعليقًا: "كان إذا أراد أن يدخل" (٦)، قال الشيخ تقي (٧) الدين: ويحتمل أن يريد به ابتداء الدخول، وذكر الله تعالى مستحب في ابتداء قضاء الحاجة.

стр. 424

قلت: يضعف هذا رواية البخاري التي [ذكرناها] (١). ثم قال: فإن كان المحل الذي يقضي فيه الحاجة [غير] (٢) سعد لذلك كالصحراء مثلًا جاز ذكر الله تعالى في ذلك المكان، وإن كان معدًا لذلك كالكُنف ففي جواز الذكر فيه خلاف بين الفقهاء، فمن كرهه [فهو] (٣) يحتاج إلى أن يؤوِّل قوله: "إذا دخل" بمعنى أراد؛ لأن لفظة دخل أقوى في الدلالة على الكنف المبنية منها على المكان البراح، أو لأنه قد بين في حديث آخر المراد حيث قال ﵇؛ "إن هذه الحشوش محتضرة -أي للجان والشياطين- فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل أعوذ بالله من الخبث والخبائث" (٤). [أي] (٥) وهو حدث صحيح كما شهد له بذلك ابن حبان والحاكم من حديث زيد بن أرقم، [وإن] (٦) تكلم فيه غيرهما، قال: وأما من أجاز ذكر الله تعالى فلا يحتاج إلى هذا التأويل، ويحمل [دخل] (٧) على حقيقتها.

стр. 425

وحديث: "إن هذه الحشوش محتضرة" فيه بيان لمناسبة هذا الدعاء المخصوص لهذا المكان المخصوص، وما ذكره ﵀ من الجزم بجواز الذكر في المكان غير المعد لقضاء الحاجة وحكاية الخلاف في غيره هو مذهب مالك كما ستعلمه، وتبعه الفاكهي على ذلك وزاد نفي الخلاف في الأول، قال: وحملُ الحديث على أن المراد: إذا أراد الدخول، أولى من حمله على ظاهره؛ لأنه لا خلاف في جواز الذكر قبل الوصول إلى المكان المعد لقضاء الحاجة (١)، وأما فيه نفسه فقد اختلف فيه المذهب على قولين، وحملُه على المجمع عليه أولى من المختلف فيه؛ لأن الخلاء المذكور في الحديث هو المعد لقضاء الحاجة [فلا] (٢) إشكال، أما غير المعد فلا خلاف في جواز الذكر فيه. وعبارة صاحب (الجواهر) (٣) منهم: إذا كان [المكان] (٤) غير معد لقضاء الحاجة جاز تقديم الذكر وتأخيره، وإن كان معدًا لها ففي جواز الذكر بعد الدخول قولان مبيان على جواز الاستنجاء بالخاتم فيه اسم الله تعالى. [وهذا] (٥) الذي بناه عليه ستعرف ما فيه في الحديث
следующие страницы →