← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

عشرين سنة، وبقي بعده دهرًا، سكن البصرة، ومات بقصره بألطف على فرسخين منها، وقيل فرسخ ونصف، ودفن هناك سنة ثلاث وتسعين على الصحيح الذي عليه الجمهور كما نقله عنهم النووي. وقيل: سنة خمس، وقيل: سنة إحدى، وقيل: اثنين. وصلَّى عليه قطن بن مدرك الكلابي، وهو آخر الصحابة موتًا بالبصرة لا موتًا على الإطلاق، فلا التفات إلى من أطلق ذلك، وكان يقول: لم يبق على وجه الأرض ممن صلَّى [إلى] (١) القبلتين غيري (٢). قال أبو عمر: لا أعلم أحدًا مات بعده ممن رأى [النبي] (٣) ﷺ إلَّا أبا الطفيل يعني عامر بن واثلة القائل: وبقيت سهمًا في الكنانة واحدًا ... سيُرمى به أو يكسر السهم ناضله وكانت وفاته سنة مائة وتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثمانية أعوام. قال: واختلف في سِنِّه -يعني من أنس- يوم مات، وأصح ما فيه أنه عمّر مائة إلَّا سنة. [واعترض] (٤) عليه النووي فقال: هذا شاذ مردود، فقد ثبت في الصحيح أنه كان له قبل الهجرة عشر سنين [فعمّر] (٥) فوق المائة.

стр. 422

قلت: قيل: زاد على المائة ثلاث سنين، وقيل: سبعًا، وقيل: عشرين (١). وقد ذكر أبو عمر أيضًا في وفاة [محمود] (٢) بن الربيع قولين: أحدهما: سنة تسع وتسعين، والثاني: سنة ست، فهذا بعد أنس، فكيف يقول: لا أعلم أحدًا مات بعده ممن له رواية إلَّا أبا الطفيل؟. [قال] (٣) مورق العجلي لما مات أنس: ذهب اليوم نصف العلم، قيل له: كيف [ذلك] (٤)؛ قال: كان رجل من [أهل] (٥) الأهواء إذا خالفنا في الحديث قلنا: تعال إلى من سمعه من رسول الله. فائدة مهمة: في الرواة أنس بن مالك خمسة، أولهم هذا. وثانيهم: أبو أمية الكعبي، له حديث: إن الله وضع عن المسافر ... إلى آخره. وثالثهم: أنس بن مالك بن أبي عامر والد مالك بن أنس الفقيه.

стр. 423

ورابعهم: شيخ حمصي. وخامسهم: كوفي حدث عن الأعمش وغيره. فائدة [ثانية] (١): أنس [في] (٢) الرواة [تشتبه] (٣) بأتش بالمثناة فوق بدل النون ثم شين معجمة، وهو محمد بن الحسن بن أتش الصنعاني المتروك (٤) وأخوه علي بن الحسن، فاعلم ذلك. الوجه الثاني: قوله: "كان رسول الله ﷺ " (كان) هنا هي التي تدل على الملازمة والمداومة. الثالث: (إذا دخل) معناه: إذا أراد الدخول، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (٥) وقد ثبت هذا المعنى صريحًا في رواية البخاري تعليقًا: "كان إذا أراد أن يدخل" (٦)، قال الشيخ تقي (٧) الدين: ويحتمل أن يريد به ابتداء الدخول، وذكر الله تعالى مستحب في ابتداء قضاء الحاجة.

стр. 424

قلت: يضعف هذا رواية البخاري التي [ذكرناها] (١). ثم قال: فإن كان المحل الذي يقضي فيه الحاجة [غير] (٢) سعد لذلك كالصحراء مثلًا جاز ذكر الله تعالى في ذلك المكان، وإن كان معدًا لذلك كالكُنف ففي جواز الذكر فيه خلاف بين الفقهاء، فمن كرهه [فهو] (٣) يحتاج إلى أن يؤوِّل قوله: "إذا دخل" بمعنى أراد؛ لأن لفظة دخل أقوى في الدلالة على الكنف المبنية منها على المكان البراح، أو لأنه قد بين في حديث آخر المراد حيث قال ﵇؛ "إن هذه الحشوش محتضرة -أي للجان والشياطين- فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل أعوذ بالله من الخبث والخبائث" (٤). [أي] (٥) وهو حدث صحيح كما شهد له بذلك ابن حبان والحاكم من حديث زيد بن أرقم، [وإن] (٦) تكلم فيه غيرهما، قال: وأما من أجاز ذكر الله تعالى فلا يحتاج إلى هذا التأويل، ويحمل [دخل] (٧) على حقيقتها.

стр. 425

وحديث: "إن هذه الحشوش محتضرة" فيه بيان لمناسبة هذا الدعاء المخصوص لهذا المكان المخصوص، وما ذكره ﵀ من الجزم بجواز الذكر في المكان غير المعد لقضاء الحاجة وحكاية الخلاف في غيره هو مذهب مالك كما ستعلمه، وتبعه الفاكهي على ذلك وزاد نفي الخلاف في الأول، قال: وحملُ الحديث على أن المراد: إذا أراد الدخول، أولى من حمله على ظاهره؛ لأنه لا خلاف في جواز الذكر قبل الوصول إلى المكان المعد لقضاء الحاجة (١)، وأما فيه نفسه فقد اختلف فيه المذهب على قولين، وحملُه على المجمع عليه أولى من المختلف فيه؛ لأن الخلاء المذكور في الحديث هو المعد لقضاء الحاجة [فلا] (٢) إشكال، أما غير المعد فلا خلاف في جواز الذكر فيه. وعبارة صاحب (الجواهر) (٣) منهم: إذا كان [المكان] (٤) غير معد لقضاء الحاجة جاز تقديم الذكر وتأخيره، وإن كان معدًا لها ففي جواز الذكر بعد الدخول قولان مبيان على جواز الاستنجاء بالخاتم فيه اسم الله تعالى. [وهذا] (٥) الذي بناه عليه ستعرف ما فيه في الحديث

стр. 426

[الخامس] (١) إن شاء الله (٢)، [فأما] (٣) أصحابنا فجزموا بالكراهة وأطلقوا، قال ابن العطار: ولا أعلم أحدًا من العلماء ذكر هذه الجملة التي ذكرها الشيخ تقي الدين في الجواز والاختلاف والمناسبة، بل كلهم ذكروا الكراهة فيه، حتى صرح بعض العلماء في الصحراء بالكراهة إذا أراد قضاء الحاجة، وأراد اتخاذ مكان فيه أنه يصير حكمه حكم المكان المتخذ في البنيان، قال: ورأيت بعض المتأخرين ينقل تحريم استصحاب ذكر الله تعالى فيه المكتوب، فكيف بالنطق به؟ ولم أره. ولكنهم صرحوا بالكراهة سواء كان غير قاضٍ حاجته [أم] (٤) قاضيها. ومناسبة الاستعاذة تقتضي ذلك أما إنها تقتضي جواز ذكر الله تعالى فيه، فلا. قلت: وبقية الخلاف قد علمته. الرابع: الخلاء: بفتح الخاء المعجمة والمد: موضع قضاء الحاجة، سمي بذلك لخلائه في غير أوقات قضاء الحاجة، وهو الكنيف، وسمي به للتستر فيه، والكنيف الستر وهو المرحاض (٥)، والمرفق والحش أيضًا، وأصله المكان الخالي ثم كثر استعماله حتى

стр. 427

تُجوز به عن ذلك، وأما الخلى بالقصر فهو الحشيش الرطب، والكلام الحسن أيضًا، ومنه قولهم: هو حسن الخلاء، وقد يكون خلا مستعملًا في باب الاستثناء، وللعرب فيه حينئذٍ مذهبان: منهم من يجعله حرفًا، ومنهم من يجعله فعلًا، فإن كسرت الخاء مع المد فهو عيب في الإبل كالحران في الخيل، وفي الصحيح "ما خلأت القصواء ولكن حبسها حابس الفيل" (١). وفي حديث أم زرع أنه ﵇ قال لها: "كنتُ لكِ كأبي زرع لأم زرع" (٢) في الألفة والوفاء لا في الفرقة والخلاء، وانتصب (الخلاء) في الحديث على أنه مفعول به لا على الظرف [لأنه] (٣) [دخيل] (٤) عدته العرب بنفسه إلى كل ظرفِ مكانٍ مختص (٥)، تقول: دخلت الدار، ودخلت المسجد ونحو ذلك، كما عُدَّتْ: ذهب إلى الشام خاصة، فقالوا: ذهبتَ الشامَ، ولا يقولون: ذهبت العراق ولا اليمن. الخامس: [قوله] (٦) "اللهم" فيه لغتان، أفصحهما: أن يستعمل بالألف واللام. الثانية: (لاهم) بحذفهما والميم في آخره زائدة، زيدت لتجعل عوضًا من حرف النداء وهو ياء، وشدِّدت [لتكون] (٧)

стр. 428

على حرفين كالمعوض منه، ولما كانت الميم المشددة [عوضًا] (١) من ياء لم يجز الجمع بينهما فلا يقال: يا اللهم، في فصيح الكلام. السادس: أعوذ أصله: أعْوُذ بسكون العين وضم الواو، واستثقلت الضمة على الواو فنقلت إلى العين فبقيت الواو ساكنة، ومصدره: عوذ وعياذة ومعاذ، [فمعنى] (٢) الاستعاذ: الاستجارة والاعتصام، فمعنى أعوذ بالله: أستجير بالله وأعتصم، وفي رواية لمسلم "وأعوذ بالله" بدل "أعوذ بك". السابع: الخبث: بضم الخاء والباء كما ذكره المصنف. وذكر الخطابي (٣) في أغاليط المحدثين (٤) رواية لهم بإسكانها. قال الشيخ تقي الدين: ولا ينبغي أن يعد هذا غلطًا؛ لأن [فعلًا] (٥) بضم الفاء والعين وتخفف عينه قياسًا، [أي] (٦) وكذلك فعل بالكسر قال: ولا يتعين أن يكون المراد بالخبث بسكون الباء مالا يناسب [المعنى] (٧)، بل يجوز أن يكون -وهو ساكن الباء-

стр. 429

بمعناه، وهو مضموم الباء؛ نعم من حمله -وهو ساكن الباء- على ما لا يناسب فهو غالط في الحمل على هذا المعنى، لا في اللفظ. قلت: وهو كما (١) قال فالإِسكان على سبيل التخفيف قياس مقرر عند أئمة التصريف، كما في كُتُب ورُسُل وعُنُق وأُذُن. ولعل الخطابي أنكر أن الأصل الإِسكان فيه، وممن صرَّح بالإِسكان إمام هذا الفن والعمدة فيه أبو عبيد القاسم بن سلام (٢)، وحكاه أيضًا الفارابي (٣) في (ديوان الأدب)، والفارسي (٤) في (مجمع الغرائب)، وقال القرطبي (٥): رويناه به أيضًا، ونقله القاضي عياض (٦) عن الأكثرين، لكن لا نسلم له في ذلك، فإن الأكثر على الضم. وقد فسر المصنف الخبث والخبائث كما أسلفناه عنه وأنه يريد

стр. 430

ذكران الشياطين وإناثم، ورجحه [المازري] (١)؛ لأن هذه الأماكن محلها. وقيل: الخبث: الشر، وهو قول أبي عبيد. وقيل: الكفر، قاله ابن الأنباري. وقيل: الخبث: الشيطان، والخبائث: المعاصي، قاله الداودي. وقيل: الخبث: الشيطان، وكأنه استعاذ من فعلها، والخبائث: البول والغائط، وكأنه استعاذ من ضررهما. قال القاضي (٢): ولا يبعد أن تستعيذ من الكفر والشياطين ومن جميع الأخلاق الخبيثة والأفعال المذمومة، وهي الخبائث، وإنما جاؤوا بلفظ الخبث لمجانسة الخبائث. وقال ابن الأعرابي (٣): الخبث في كلام العرب: المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار. فائدة: اختلف في وجود الجن والشياطين مع الإِطباق على أنهم ليسوا أشخاصًا جثمانية يبعد ويجيء ويذهب، [بل هي] (٤) كما قيل: أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، لها عقول

стр. 431

وأفهام وقدرة على الأعمال الشاقة، وقد تكون خيرة وهم صالحو الجن، وقد تكون شريرة [وهم الشياطين] (١) فاستُعيذ منهم. الثامن: زاد سعيد بن منصور وأبو حاتم وابن السكن (٢) في صحاحه في أول هذا الحديث: "باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" وصرَّح أصحابنا باستحبابها مع التعوذ، وصرح جماعات منهم باستحباب تقديم البسملة على التعوذ، وفرقوا بين هذا وبين التعوذ في الصلاة بأن التعوذ هناك للقراءة والبسملة من القرآن، فقدم التعوذ عليها بخلاف هذا (٣). التاسع: ظاهر الحديث أنه ﵇ جهز بهذه الاستعاذة ضرورة كونها لو لم تسمع لم تنقل، ويبعد أن يكون ذلك جاء على طريق إخباره ﵇ عن نفسه (٤). العاشر: الظاهر أنه ﵇ قال ذلك إظهارًا للعبودية وتعليمًا للأمة، وإلَّا فهو ﵇ محفوظ من الجن والإنس، وقد ربط عفريتًا في سارية من سواري المسجد ... الحديث بطوله،

стр. 432

[ففيه] (١) دليل على مراقبته ﵇ لربه ومحافظته على ضبط أوقاته وحالاته، واستعاذته عند ما ينبغي أن يستعاذ منه، ونطقه بما ينبغي أن ينطق به، وسكوته عند ما ينبغي أن يسكت عنده، وقد صح أنه ﵇ كان إذا خرج من الخلاء قال: "غفرانك" (٢) كما صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، أي سألتك غفرانك على حالة شغلتني عن ذكرك، [فختم] (٣) بالذكر كما ابتدأ به، قال الشاعر: وآخر شيء أنت أوله هجعه ... وأول شيء أنت عند هبوبي الحادي عشر: صيغة التعوذ: [أعوذ بك] (٤) [و] (٥) أعوذ بالله" كما تقدم. وفي سنن ابن ماجه (٦) بإسناد ضعيف من حديث أبي

стр. 433

أمامة أن رسول الله ﷺ قال لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس [الخبيث] (١) المخبث الشيطان الرجيم" ورواه أبو داود في مراسيله (٢) عن الحسن: أنه ﵇ كان إذا أراد دخول الخلاء قال ... ، فذكر مثله سواء، والرجس بكسر [الراء] (٣) [و] (٤) سكون الجيم، والنجس [بكسر] (٥) النون وإسكان الجيم اتباعًا للرجس، كما ضبطه الشيخ تقي الدين في كتابه [الإمام] (٦). وقال الغزالي: يقول ذلك ولم يذكر الرجس النجس. وقال الإمام في (النهاية) يقول: "باسم الله أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". الثاني عشر: هذه الاستعاذة مجمع على استحبابها وسواء فيها البنيان والصحراء؛ لأنه يصير مأوى لهم بخروج الخارج، [وقبل] (٧) مفارقته إياه. لكن في (البيان) عن الشيخ أبي حامد أن ذكر الدخول

стр. 434

خاص بالبنيان، لأن الموضع لم [يَصِرْ] (١) مأوى الشيطان بعد. (فرع): لو نسي التعوذ ودخل، فذهب ابن عباس وغيره إلى كراهة التعوذ [له] (٢) وأجازه جماعة منهم ابن عمر وقد أسلفنا عن مالك. الثالث عشر: في الحديث ما كان عليه أصحاب النبي ﷺ من ضبط أموره عليه أفضل الصلاة والسلام، وأحواله، وأقواله، وأفعاله، وأذكاره، وغير ذلك، ﵃ أجمعين.

стр. 435

الحديث الثاني (١) ١٥/ ٢/ ٢ - عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا" (٢). قال أبو أيوب: فقدما الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله . [قال المصنف] (٣): الغائط: [الموضع] (٤) المطمئن من الأرض، كانوا ينتابونه للحاجة، فكنوا به عن نفس الحدث كراهة لذكره بخاص اسمه، والمراحيض جمع مرحاض وهو المغتسل، وهو أيضًا كناية عن موضع التخلي.

стр. 436

الكلام عليه من خمسة عشر وجهًا: الأول: في التعريف براويه وهو: أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي النجاري، غلبت عليه كنيته، شهد بدرًا والمشاهد كلها، وهو أحد السبعين الذين بايعوا النبي ﷺ بالعقبة الثانية، [وعليه] (١) نزل رسول الله ﷺ حين قدم المدينة شهرًا حتى بني مسجده ومساكنه، قال أبو أيوب: لما نزل رسول الله ﷺ في بيتي نزل في السفل وأنا وأم أيوب في العلو، قال: فقلت له: بأبي أنت وأمي إني أكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون [تحتي] (٢) فكن أنت في العلو وننزل نحن فنكون في [أسفل] (٣) فقال: "يا أبا أيوب إنه أرفق بنا [ومن] (٤) يغشانا أن نكون في أسفل البيت" قال: فكان رسول الله ﷺ في سفله وكنا فوقه في المسكن فلقد انكسر حب لنا فيه ماء فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف [غيره] (٥) ننشف بها الفاء تخوفًا أن يقطر على [رأس] (٦) رسول الله ﷺ شيء، وفي رواية: فنزلت إلى النبي ﷺ وأنا [مشفق] (٧) فقلت: يا رسول الله

стр. 437

[إنه] (١) ليس ينبغي أن نكون فوقك، انتقل إلى الغرفة، فأمر بمتاعه فنقل ومتاعه قليل، وفي رواية: لما قدم علينا نزل في دارنا [فقلنا] (٢): العلو يا رسول الله، فقال: " [السفل] (٣) أهون علينا وعلى من يغشانا" فقالت أم أيوب حين أمسينا: يا أبا أيوب ننام ورسول الله ﷺ أسفل منا؟ فلم ننم حتى أصبحنا، فنزلت إلى رسول الله ﷺ فذكرت الذي قالت أم أيوب. آخى رسول الله ﷺ [بينه] (٤) وبين مصعب بن عمير، وقيل: بينه وبين طلحة. وهو أحد الصحابة الذين وافقت كنيتهم كنية زوجهم، فإن كنية زوجه أم أيوب. وقد أفرد ذلك الحافظ أبو الحسن محمد بن عبد الله بن حيوية النيسابوري، وعددهم اثنى عشر: أولهم أبو أيوب، وثانيهم أبو أسيد الساعدي، ثالثهم أبو الدحداح، ورابعهم: أبو بكر الصديق كنية زوجته أم بكر، خامسهم: أبو الدرداء، سادسهم: أبو ذر، سابعهم: أبو رافع الأسلمي، ثامنهم: أبو سلمة المخزومي زوجته أم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية، تاسعهم: أبو سيف القين، عاشرهم: أبو طَلِيْق، الحادي عشر: أبو الفضل العباس بن عبد المطلب، الثاني عشر: أبو مَعْقِل الأسدي.

стр. 438

ولمَّا تُحُدِّث في الإِفك وقالت له أم أيوب: ألم تسمع ما يتحدث به الناس؟ [وأخبرته] (١)، فقال ﵁: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم، فأنزل الله الآية: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ (٢) إلى آخرها. روى عنه البراء بن عازب وخلق، وكان من نجباء الصحابة، وأمه [هند] (٣) بنت قيس بن عمرو بن امرئ القيس، قاله ابن حبان في ثقاته. روي له عن النبي ﷺ مائة وخمسون حديثًا، اتفقا منها على سبعة وانفرد البخاري بحديث ومسلم بخمسة، وقال البرقي: حُفظ عنه نحو من خمسين حديثًا. شهد مع علي حروبه كلها ثم سكن دمشق. ولم يزل يغزو الروم حتى قبض في غزوة غزاها يزيد بن معاوية في خلافة معاوية بالقسطنطينية سنة خمسين، وقال أبو زرعة: سنة خمس وخمسين، وقال الواقدي وجماعة: سنة اثنين وخمسين، وقل: إنه المشهور، وقيل: سنة إحدى، وكان يقول: قال الله : ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٤) فلا أجدني إلَّا خفيفًا أو ثقيلًا، وكذلك كان المقداد بن الأسود وأبو طلحة يتأولان هذه الآية، [وروى ابن سيرين أنه غزا زمن معاوية فمرض فقال لهم: قدموني في

стр. 439

أرض الروم ما استطعتم] (١). وروى المدائني أنه دخل عليه يزيد بن معاوية فقال: ما حاجتك؟ قال: تعمق قبري وتوسعه، وقال ابن حبان في ثقاته: إن أبا أيوب قال لهم: إذا أنا مت فقدموني في بلاد الروم ما استطعتم ثم ادفنوني فمات، وكان المسلمون على حصار القسطنطينية فقدموه حتى دفن إلى جانب حائطها، وروى غيره عنه أنه قال: إذا قبضت فلتركب الخيل [ثم القوا] (٢) العدو [فيردنكم] (٣) حتى لا تجدوا متقدمًا فاحفروا حينئذ لي قبرًا ثم سووه وليطأ الخيل والرجال عليه حتى لا يعرف. وروى أنهم لما أصبحوا أشرف عليهم الروم فقالوا: يا معشر العرب قد كان لكم الليلة شأن، فقالوا: مات رجل من أكابر أصحاب نبينا ﷺ والله لئن نبش لأضربن بناقوس في بلاد العرب، فكانوا إذا قحطوا كشفوا عن قبره فأمطروا، وبنى الروم على قبره بناء وعلقوا عليه أربعة قناديل بسرج (٤)، قال [الواقدي] (٥): وصلى عليه يزيد. وكان قد أتى ابن عباس بالبصرة وقد وليها لعلي، فقال: يا أبا أيوب إني أخرج عن [مسكني] (٦) كما خرجت عنه لرسول الله ﷺ ، فأمر أهله فخرجوا وأعطاه كل شيء أغلق عليه الدار فلما كان انطلاقه قال: حاجتك، قال: حاجتي عطائي وثمانية أعبد يعملون في

стр. 440

أرضي، وكان عطاؤه أربعة آلاف فأضعفها له مرات فأعطاه عشرين ألفًا وأربعين عبدًا. وقدم على معاوية فأجلسه معه على السرير، فجعل معاوية يتحدث ويقول: فعلنا وفعلنا، وأهل الشام حوله، فقال: يا أبا أيوب من قتل صاحب الفرس البلقاء يوم كذا؟ فقال أبو أيوب: أنا قتلته إذ أنت وأبوك على الجمل الأحمر معكما لواء الكفر، فنكّس معاوية وتنمر أهل الشام، فرفع معاوية رأسه وقال: مه مه وإلَّا فلعمري ما عن هذا سألتك ولا هذا أردنا منك. الثاني: أبو أيوب ﵁ أنصاري كما نسبه المصنف، وهو نسبة إلى الأنصار، واحدهم نصير كشريف وأشراف، وقيل: ناصر كصاحب وأصحاب، قبيلتان: الأوس، والخزرج، والخزرج أشرفهما لكون أخوال النبي ﷺ منهم وهو وصف لهم [إسلامي] (١). وقيل لهم ذلك: لنصرتهم رسول الله ﷺ ، روى البخاري في صحيحه عن غيلان بن جرير قال: قلت لأنس بن مالك ﵁ "أرأيت اسم الأنصار أكنتم تسمون به، أم سماكم الله به، قال: بل سمانا الله تعالى". وقد ذكرت جملة من فضائلهم في "الإِشارات لغات المنهاج" (٢)، واعلم أن الأوس والخزرج هما أبناء حارثة بن ثعلبة العنقاء (٣) بن عمرو مُزَيْقَياءَ بن عامر ماء السماء بن حارثة الغِطْريف بن

стр. 441

[قيس] (١) ابن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نَبْت بن مالك بن زيد بن [كهلان] (٢) بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عامر بن شالخ (٣) بن أَرفَخْشَدَ بن سام بن نوح ﵇، وقحطان أصل عرب اليمن وهو يقطن، وقيل: يقطان، وسمي قحطان؛ لأنه كان أول من تجبر وظلم وقحط أموال الناس من ملوك العرب، قال ابن ماكولا: اسمه مهرم. وأما عرب الحجاز: وهم العرب المستعربة: فمن ذرية إسماعيل، وأما العرب العاربة: [فهم] (٤) عاد وثمود وجرهم والعماليق [وأميم] (٥)، وقيل: إن جميع العرب ينتسبون إلى إسماعيل، والمشهور ما ذكرنا. فائدة: أيوب في الرواة يشتبه بأثوب بالمثلثة بدل المثناة تحت، وهو [أثوب] (٦) بن عتبة (٧)، ذكره ابن قانع في الصحابة؛

стр. 442

والحارث بن [أَثوَبَ (١)] (٢)، تابعي، كذا قاله عبد الغني، والصواب: ثوب بوزن صوغ [وأثوب بن أزهر] (٣) (٤). الثالث: قوله ﵇: "إذا أتيتم الغائط". استعمل في قضاء الحاجة كيف كان؛ لأن [هذا] (٥) الحكم عام في جميع صور قضاء الحاجة وهو إشارة إلى استعمال هذه اللفظة مجازًا، وقد [سبق] (٦) كلام المصنف في تفسير الغائط. وفي (المحكم) الغائط والغوط: المتسع من الأرض مع طمأنينة، وجمعه أغواط وغياط وغيطان، وكل ما انحدر من الأرض فقد غاط، ومن بواطن الأرض الميتة: الغيطان، الواحد منها غائط، وزعموا أن الغائط ربما كان فرسخًا. والغائط: اسم العذرة نفسها؛ لأنهم كانوا يلقونها بالغيطان، وقيل: لأنهم كانوا إذا أرادوا ذلك أتوا الغائط، وتغوط الرجل: كناية عن الخرأة، والغوط أغمض من الغائط وأبعده. وفي (الصحاح) جمع الغائط: غوط، وفي (المخصص) (٧) أن

стр. 443

قراءة الزهري: (أو جاء أحد منكم من [الغيط] (١)) (٢) مخففة الياء وأصله الغوط. وقال الشيخ تقي الدين (٣): الغائط في الأصل: [المطمئن] (٤) من الأرض، كانوا يقصدون لقضاء الحاجة، ثم استعمل في الخارج وغلب على الحقيقة الوضعية فصار حقيقة عرفية، لكن لا يقصد به إلَّا الخارج من الدبر فقط لتفرقته بينهما، وقد تكلموا في أن قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (٥) لما كانت العادة أن يقصد لأجله وهو الخارج من الدبر (٦)، ولم يكونوا يقصدون الغائط للريح مثلًا، أو يقال: إنه يقصد به الخارج من القبل والدبر كيف كان. الرابع: الحديث دال عل المنع من استقبال القبلة واستدبارها، وللفقهاء في ذلك أربعة مذاهب: أحدها: المنع المطلق في البنيان والصحراء، وهو قول أبي أيوب الأنصاري راوي هذا الحديث، ومجاهد (٧) وإبراهيم النخعي (٨)

стр. 444

التابعيين، وسفيان الثوري (١)، وأبو ثور (٢) وأحمد في رواية (٣)، وهؤلاء حملوا النهي على العموم وجعلوا العلة فيه التعظيم والاحترام للقبلة؛ لأنه معنى مناسب ورد النهي [على] (٤) وفقه فيكون علة له، وقد روي من حديث سلمة بن وهرام عن سراقة مرفوعًا: "إذا أتى أحدكم البراز فليكرم قبلة الله " (٥). وهذا ظاهر قوي في هذا التعليل فلا فرق فيه بين الصحراء والبنيان، ولو كان الحائل كافيًا في جوازه في البنيان لكان في الصحراء من الجبال والأودية ما هو أكفى. وفي الدارقطني عن الشعبي من قوله بإسناد ضعيف أنه علل ذلك: "إن لله تعالى خلقًا من عباده يصلون في الصحراء فلا تستقبلوهم ولا تستدبروهم". [وأما بيوتكم هذه الي تتخذونها للنتن فإنه لا قبلة لها، عيسى بن أبي الخياط وهو عيسى بن ميسرة وهو ضعيف] (٦).

стр. 445

وينبني على هذا الخلاف في التعليل اختلافهم فيما إذا كان بالصحراء واستتر بشيء فمن علل باحترام القبلة منع الاستقبال والاستدبار، ومن علل برؤية المصلين أباح، وضعف صاحب القبس (١) التعليل بذلك، وقال: لم يتعبدنا [به] (٢) الله إلَّا بما نرى. قلت: ثم هذا كله مبنيٌّ على أن العلة المستنبطة معتبرة أما إذا لم [يعتبرها] (٣) فلا كلام. المذهب الثاني: أنهما جائزان مطلقًا وهو قول عروة بن الزبير، وربيعة الرأي شيخ مالك، وداود الظاهري (٤) ورأى هؤلاء حديث أبي أيوب منسوخًا، وزعموا أن ناسخه حديث مجاهد عن جابر ﵁ قال: "نهانا رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة أو نستدبرها ببول ثم رأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها". حسنه الترمذي مع الغرابة (٥)، ونقل عن البخاري تصحيحه كما نقله البيهقي في (خلافياته) عنه (٦)، وصححه أيضًا

стр. 446

ابن حبان (١)، وشيخه ابن خزيمة (٢)، والحاكم وصححه على شرط مسلم (٣)، واستدلالهم بالنسخ ضعيف لأنه لا يصار إليه إلَّا بعد تعذر الجمع وهو ممكن كما ستعلمه. المذهب الثالث: أنه لا يجوز الاستقبال فيهما ويجوز الاستدبار فيهما، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وهو ضعيف جدًا، ويكفي في الرد عليه حديث أبي أيوب هذا. المذهب الرابع: وهو قول الجمهور وبه قال مالك (٤) والشافعي (٥) وإسحاق (٦)، وأحمد في إحدى الروايتين، أنه يحرم الاستقبال في الصحراء دون البنيان، وهو مروي عن اللباس وابن عمر، ورأى هؤلاء الجمع بين الأحاديث وأنه لا يصار إلى النسخ إلَّا بالتصريح به أو بمعرفة تاريخه، وأن الجمع أولى من إلغاء بعض الأحاديث، واستدلوا بحديث ابن عمر الآتي وبأحاديث أخر، ولما

стр. 447

في المنع [في] (١) البنيان من المشقة والتكلف لترك القبلة بخلاف الصحراء، [ويتعلق] (٢) بذلك فروع يأتي بعضها في الحديث الآتي مختصره، ومحل بسطها كتب الفروع وقد بسطتها فيها ولله الحمد. فرع: هل الجماع كقضاء الحاجة أم لا؟ يبني على محل [العلة] (٣) أيضًا، هل هو الخارج؛ فيجوز الجماع إذ لا خارج، أو كشف العورة؟ فيمتنع إذا كشف وقد حكى الخلاف الشيخ تقي الدين (٤) أيضًا، وتبعه الفاكهي. ونقل النووي (٥) عن ابن القاسم الجواز. وعن [ابن] (٦) حبيب الكراهة. وبعض المالكية منعه على العلتين جميعًا لأجل الكشف وخروج المني فإنه نجس عندهم، وصرَّح أصحابنا بأنه لا يكره فضلًا عن الجواز، وبجوازه قال أبو حنيفة وأحمد وداود، وهو الصواب؛ لأن التحريم إنما [ثبت] (٧) بالشرع ولم يرد فيه نهي. الخامس: قوله ﵇: "ولكن شرقوا أو غربوا". هذا الخطاب لأهل المدينة ومن في معناهم كأهل الشام واليمن وغيرهم

стр. 448

ممن قبلته على هذا السمت، فأما من كانت قبلته من جهة المشرق أو المغرب فإنه يتيامن أو يتشأم. السادس: الشأم: مهموز ويجوز تسهيله، ويقال: الشام بالمد وفتح الشين في لغة قليلة، وهو يُذكّر وقد يؤنث فيقال: الشام مبارك ومباركة، وسمي به لأن سام بن نوح سكنه أولًا فعرف بالسين. وقيل: لكثرة قراه ودنو بعضها من بعض كالشامات. وقيل: لأن باب الكعبة مستقبل مطلع النفس فمن استقبله كان اليمن عن يمينه والشام عن شماله، وهي السوما (١) فسميا بذلك. وحَدُّهُ في الطول: من [العريش] (٢) إلى الفرات، وقيل: [من] (٣) بالسن، وفي العرض قال السمعاني: هو بلاد بين الجزيرة و [الغور] (٤) إلى الساحل. وقوله: "فقدمنا الشام" وهو منصوب على الظرفية لا على المفعولية. السابع: قوله: "قد بنيت" يعني في الجاهلية وبناؤها نحو الكعبة ليس قصدًا لها، ولا لقبلة أهل الشام إذ ذاك وهي بيت المقدس، وإنما هو مجرد جهل ومصادفة. الثامن: الكعبة: سميت بذلك لاستدارتها، من التكعب وهو الاستدارة، وهذا مما يدل على أن القبلة التي روي النهي عنها هي

стр. 449

الكعبة، وفي حديث مالك (١): "فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة" فالألف واللام فيها للعهد ولا يجوز أن تكون للجنس. وإن كان ورد النهي عن استقبال بيت المقدس في مسند أحمد وسنن أبي داود وابن ماجه (٢) من حديث معقل بن أبي [معقل] (٣) الأسدي، وزعم ابن حزم أنه لا يصح (٤)، ولأن القبلة عند الإطلاق تصرف إلى الكعبة في شرعنا لا على القبلة المنسوخة، ولأن النهي في الكعبة عن الاستقبال والاستدبار، وذلك إنما ورد في الاستقبال فقط، على أن مذهبنا أنه يكره الاستقبال والاستدبار وفي بيت المقدس أيضًا، وأغرب ابن أبي الدم فحكى وجهًا أنه يحرم، وهو قول ابن سيرين والحسن والنخعي (٥). التاسع: قول أبي أيوب "فقدمنا الشام" إلى آخره ففيه دلالة على أن للعموم صيغة عند العرب وأهل الشرع على خلاف ما ذهب إليه بعض الأصوليين، والمعنى به استعمال صيغة العموم في بعض أفراده كما فعله الجمهور في حديث أبي أيوب هذا. قال الشيخ تقي الدين: وأولى بعض أهل العصر، وما يقرب

стр. 450

به، [بأن] (١) قالوا: صيغة العموم إذا وردت على الذوات مثلًا أو على الأفعال كانت عامة في ذلك مطلقة في الزمان والمكان، والأحوال والمتعلقات. ثم [يقال] (٢): المطلق يكفي في العمل [به] (٣) صورة واحدة فلا يكون حجة فيما عداه. وأكثروا من هذا السؤال [فيما لا] (٤) يحصى من ألفاظ الكتاب والسنة وصار ذلك ديدنًا لهم في الجدال، وهذا عندي باطل، بل الواجب أن ما دل على العموم في الذوات مثلًا يكون، وإلا على ثبوت الحكم في كل ذات تناولها اللفظ، ولا يخرج عنها ذات إلَّا بدليل يخصه، فمن أخرج شيئًا من تلك الذوات فقد خالف مقتضى العموم، نعم يكفي في العمل بالمطلق مرة كما قالوه، ونحن لا نقول بالعموم في هذه المواضع من حيث الإِطلاق، وإنما قلنا به من حيث المحافظة على ما تقتضيه صيغة العموم في كل ذات، فإن كان المطلق لا يقتضي العمل به مرة مخالفة لمقتضى صيغة العموم اكتفينا [في العمل] (٥) به بمرة واحدة، [وإن] (٦) كان العمل به مرة واحدة مما يخالف مقتضى صيغة العموم قلنا بالعموم محافظة على مقتضى صيغته لا من حيث أن المطلق يعم، مثال ذلك: إذا قال: من دخل

стр. 451

داري فأعطه درهمًا، فمقتضى الصيغة العموم في كل [ذات] (١) صدق عليها أنها الداخلة. فإذا قال قائل: هو مطلق في الأزمان فأعمل به في الذوات الداخلة في أول النهار مثلًا، ولا أعمل به في غير ذلك الوقت؛ لأنه مطلق في الزمان وقد عملت به مرة فلا يلزم أن أعمل به أخرى لعدم عموم المطلق. قلنا له: لما دلت الصيغة على العموم في كل ذات، دخلت الدار ومن جملتها الذوات الداخلة في آخر النهار، فإذا أخرجت تلك الذوات فقد أخرجت ما دلت الصيغة على دخوله وهي كل ذات. وهذا الحديث أحد ما يستدل به على ما قلناه فإن أبا أيوب من أهل اللسان والشرع، وقد استعمل قوله: "لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها" عامًا في الأماكن وهو مطلق فيها، وعلى ما قاله هؤلاء المتأخرون لا يلزم العموم، وعلى ما قلناه يعم؛ لأنه إذا خرج عنه بعض الأماكن خالف صيغة العموم في النهي عن الاستقبال والاستدبار، هذا آخر كلامه، وهو نفيس. وكأن كلامه مع القرافي فإنه كان يناظره وهو المكثر من ذلك. وقوى بعضهم كلام القرافي من أوجه: أحدها: من القرآن: قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢) فلو كان العام في المشركين عامًا في المكان لكان

стр. 452

قوله (حيث وجدتموهم) تكرارًا، و (حيث) من صيغ العموم في المكان، قاله القاضي عبد الوهاب. [و] (١) ثانيها: من هذا الحديث نفسه، [فإن] (٢) المكان هو الغائط معرف بالألف واللام، فعم جميع الأماكن، ونزاع القرافي إنما هو فيما إذا لم يكن العموم إلَّا في الأشخاص أو [في] (٣) الأفعال، وأما إذا كان في اللفظ ما يدل على العموم في المكان والزمان مثلًا فإنه ليس محل النزاع، وكذا نص عليه في تصانيفه، فالحديث حجة له؛ لأنه لو كان عموم الفعل في سياق النهي يقتضي العموم في المكان لما كان لتعريف المكان بالألف واللام فائدة. ثالثها: أن الشيخ تقي الدين قال في حديث بيع الخيار: إن الخيار عام [ومتعلقه] (٤) -وهو ما يكون فيه الخيار- مطلق، فيحمل على خيار [الفسخ] (٥) وهذا اعتراف. [و] (٦) رابعها: أن أبا حنيفة في مسألة الفعل في سياق النفي يقول بعدم العموم في المفعول في الزمان والمكان، ووافقه الشافعي على عدم العموم في الزمان والمكان، وخالفه في المفعول به، واحتج عليه أبو حنيفة بقياس المفعول به على الزمان والمكان الذي

стр. 453

[سلَّم] (١) الشافعي عدم العموم فيهما، وهذا مثل مقالة القرافي. العاشر: قوله: "ونستغفر الله " قال صاحب المفهم (٢): هذا دليل على أنه لم يبلغه حديث ابن عمر -يعني الآتي- أو لم يره مخصصًا، وحمل ما رواه على العموم. انتهى، فإن صح هذا الثاني فهو يضعف المقالة السالفة إن العموم في الذوات مطلق في الزمان والمكان والأحوال والمتعلقات. قال الفاكهي: وهو قول بعض الأصوليين، والراجح عند جماعة من المحققين خلافه. قال الشيخ تقي الدين: وهذا الاستغفار قيل: لباني الكنيف على الصفة الممنوعة [عنده] (٣)، وحملهم على هذا التأويل أنه إذا انحرف عنها لم يفعل ممنوعًا فلا يحتاج إلى الاستغفار، والأقرب أنه استغفار لنفسه أي [فالذنب] (٤) يذكر بالذنب؛ ولعل ذلك لأنه بسبب موافقته لمقتضى البناء سهوًا أو غلطًا فيتذكر وينحرف ويستغفر الله. فإن قلت: فالغالط والساهي لم يفعل إثمًا فلا حاجة للاستغفار. فالجواب: أن أهل الورع والمناصب العلية في التقوى قد

стр. 454

يفعلون مثل هذا بناء على نسبتهم [التقصير] (١) إلى أنفسهم في التحفظ ابتداءً. وقال غيره: استغفار أبي أيوب؛ لأن مذهبه تحريم الاستقبال في البنيان كما سلف، ولا يتأتى له الانحراف الكامل في قعوده إلَّا بحسب إمكانه، فاستغفر احتياطًا، ولا يظن به أنه كان يفعل ما يعتقد تحريمه. ومن قال: إن استغفاره لبانيها، ففيه بُعد لوجهين: أحدهما: أن تعقيب الوصف بالفاء والعطف عليه يشعر [بالعلة] (٢) فالحكم المنع من الجلوس إلى القبلة، والوصف الانحراف المتعقب بالفاء، والعطف عليه الاستغفار. ثانيهما: [أن الظاهر] (٣) أن المراحيض بناء الكفار في الجاهلية فكيف يجوز الاستغفار لهم؟ ويحتمل أن استغفاره لمن بناها من المسلمين جاهلًا على اعتقاده. الحادي عشر: [في الحديث] (٤): ما كان عليه ﷺ من القيام بالبيان والإِيضاح لأمته.

стр. 455

الثاني عشر: فيه أيضًا ابتداء العالم أصحابه بالعلم خصوصًا إذا علم أنه بهم حاجة إلى العمل به. الثالث عشر: فيه أيضًا أنه ينبغي للعالم التنبيه على الوقائع المخالفة للعلم والرجوع عنها، أو الاستغفار والتوبة منها. [إن كان تلبس بها ملتبس] (١). الرابع عشر: فيه الكناية عن المستقذرات بألفاظ غير [شنعة النطق بها] (٢). الخامس عشر: فيه أيضًا تعظيم جهة القبلة وتكريمها والنهي عما يلزم منه عدم ذلك كما في الاستدبار.

стр. 456

الحديث الثالث ١٦/ ٣/ ٢ - عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: "رقيت يومًا على بيت حفصة فرأيت النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة" (١). الكلام عليه من ثلاثة عشر وجهًا: الأول: في التعريف براويه [هو] (٢): أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وبقية نسبه تقدم في ترجمة والده في أول الكتاب، وهو معدود [من] (٣) المكيين المدنيين، وكان فقيهًا عالمًا زاهدًا ورعًا، أحد الأعلام، قال ابن الحنفية: كان خير هذه الأمة، شهد الخندق وما بعدها من المشاهد، وهو من أهل بيعة الرضوان، وقيل: إنه أول من بايع بها، ولا يصح، واستصغره يوم

стр. 457

أحد؛ لأن سنه كان ثلاث عشرة فمولده قبل الوحي بسنة، قاله ابن حبان، وفي الصحيح أن سنه يوم أحد أربع عشرة، وقال الواقدي: استصغر عام بدر وأجازه عام أحد، والأول أصح، قال الموفق الحافظ: ولم يشهد بدرًا لصغره، أسلم قديمًا مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم، وبايع قبل أبيه وبعده [أدبًا] (١)، وكان ينكر على من يقول إنه أسلم قبل أبيه، وهاجر معه ومع أمه زينب، وقيل: بل هاجر قبل أبيه، وصححوه، وهو شقيق حفصة أم المؤمنين، وأمهما زينب بنت مظعون، وقال ابن حبان: أمه ريطة بنت مظعون. عين للخلافة يوم الحكمين مع وجود مثل الإمام علي وسعد وغيرهما، وروى نافع قال: دخل ابن عمر الكبة فسمعته يقول في سجوده: ما يمنعني من مزاحمة قريش في هذا الأمر إلَّا خوفك، وقال ابن المسيب: أتوا ابن عمر فقالوا: أنت سيد الناس [وابن سيد الناس] (٢) والناس بك راضون، اخرج فنبايعك، فقال: لا والله ما يراق [فيّ] (٣) محجمة دم، ثم زوى عمرو بن العاص الأمر عنه لما رأى أنه لا يوليه شيئًا إن استخلف، ولما قتل عثمان دخل مروان بن الحكم عليه في نفر فعرضوا عليه أن يبايعوه فقال: كيف لي بالناس؟ قال: تقاتلهم، فقال: والله لو اجتمع الناس أهل الأرض إلَّا أهل فدك ما قاتلتهم، فخرج مروان وهو يقول: "والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا".

стр. 458

أثنى عليه النبي ﷺ ووصفه بالصلاح لو أنه يقوم الليل فما تركه بعد، وهو من أكثر الصحابة حديثًا وكان ضابطًا لها لا يزيد فيها ولا ينقص، روي له عن النبى ﷺ ألف [حديث] (١) وستمائة وثلاثون حديثًا اتفق البخاري ومسلم على مائة وثمانية وستين حديثًا، وانفرد البخاري بأحد وثمانين، ومسلم بأحد وثلاثين، روى عنه أولاده وأحفاده ومولاه نافع وأكثر عنه وخلق كثير من التابعين. وهو أحد العبادلة الأربعة أيضًا وباقيهم: عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص. ولا يطلق العبادلة اصطلاحًا على غيرهم وإن كان في الصحابة من يسمى عبد الله جماعات كثيرين، وخصوا هؤلاء من بينهم بالذكر لكونهم من أصاغر الصحابة وفقهاء وتأخروا وأُخذ عنهم العلم والرواية واحتيج إلى علمهم. روى ابن وهب عن مالك أنه قال: بلغ ابن عمر ستة وثمانين سنة وأفتى في الإِسلام ستين سنة، وقيل: لأن كل واحد صحابي ابن صحابي، قيل: للإِمام أحمد: فابن مسعود؛ قال: ليس من العبادلة. قال البيهقي في سننه: [إن] (٢) ابن مسعود تقدمت وفاته، وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم فإذا اتفقوا على شيء قيل: هذا قول العبادلة أو فعلهم أو مذهبهم. ونبه النووي ﵀ في كتابه (المبهمات) وغيره على شيء سبق القلم [منه] (٣) فيه فإنه

стр. 459

قال: وأما قول الجوهري في صحاح اللغة (١): أن ابن مسعود منهم، وحذف ابن [عمرو] (٢) فليس مقبولًا منه، وكيف يعارض بقوله قول الإِمام أحمد وغيره؟ هذا لفظه. وتبعه تلميذه ابن العطار في شرحه جازمًا بذلك، وكنت تبعته أيضًا في بعض التصانيف ثم رجعت ولله الحمد، فإن هذا ليس في الصحاح أصلًا، والذي فيها: والعبادلة ابن عباس وابن عمرو وابن عمر، وهذا لفظه فلم يذكر ابن مسعود أصلًا، وذكر ابن عمر. نعم يعترض على صاحب الصحاح لكونه حذف عبد الله بن الزبير وهو معدود منهم قطعًا، فتنبه لذلك فإنه [من] (٣) طغيان القلم. ووقع للرافعي أيضًا في كتاب الجنايات عند ابن مسعود في العبادلة وحذف ابن الزبير وابن عمرو بن العاصي وهو عجيب منه (٤). ولعبد الله بن عمر فضائل شهيرة ومناقب كثيرة، وكان صوّامًا قوّامًا متواضعًا بكّاءً خشاعًا، لا يأكل حتى يُؤتى بمسكين فيأكل معه،

стр. 460

لم تَمِلْ به الدنيا، وكان إذا أعجبه شيء من ماله قربه لربه، وكان رقيقه يتزينون له بالعبادة وملازمة المسجد، فيعتقهم فيقول له أصحابه: ما بهم إلَّا خديعتك، فيقول: من خدعنا بالله انخدعنا له، قال مالك: قال ليس ابن شهاب: لا تعدلن برأي ابن عمر فإنه أقام ستين سنة بعد النبي ﷺ فلم يخف عليه شيء من أمره ولا من أمر أصحابه، وقال الداروردي: عن مالك: أفتى ستين سنة وحج سبعين حجة، وأعتق ألف رأس، وحبَّس ألف فرس، وكان لا ينام من الليل إلَّا قليلًا، حكاه ابن دحية في كتابه (مرج البحرين) عنه، قال: وذكر عنه ابن شعبان أنه اعتمر ألف عمرة، وكان من أكرم أهل زمانه، [قال] (١) ميمون بن مهران: أتت ابن عمر اثنان وعشرون ألف دينار في مجلس فلم يقم حتى فرقها. قلت: وكان ﵁ يتحفظ ما سمع من النبي ﷺ ويسأل عما غاب عنه من قول أو فعل من حضره ويتبع آثاره حتى [موضع] (٢) صلاته عليه أفضل الصلاة والسلام سفرًا وحضرًا، قال نافع: لو نظرت إليه إذا اتبع أثر رسول الله ﷺ لقلت: إنه مجنون (٣)،
следующие страницы →