← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4027

وحكى الماوردي (١): من أصحابنا وجهين في أنها حرمت بالنص أو باستخباث العرب لها، وأما حديث "أطعم أهلك من سمين حمرك" أخرجه أبو داود (٢) فاتفق الحفاظ على تضعيفه كما قاله النووي في "شرح (٣) المهذب"، ثم لو صحَّ يحمل على حال

стр. 4028

الاضطرار. وتقييد الحديث "بالأهلية" وفي رواية "بالإِنسية" يخرج الوحشية فإنها من الطيبات ولا خلاف في حلها.

стр. 4029

الحديث التاسع ٣٢٧/ ٩/ ٦٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول الله ﷺ ، وكيف إذنها؟ قال: "أن تسكت" (١). الكلام عليه من وجوه: وهو حديث عظيم أصل من أصول الأحكام: أحدها: المراد [(٢)] "بالأيم" [هنا] (٣) الثيب خاصة، فإنها جعلت مقابلة للبكر وجمع الأيم أيامى، وأصله أيائم فنقلت (٤)

стр. 4030

والأيمة في اللغة: العزوبة ورجل: أيم، وامرأة: أيم، وحكى أبو عبيدة: أيمة، وأيم في الرجال، كالمستعار من النساء فإنه أكثر ما يكون فيهن، و [أمَت] (١) المرأة من زوجها تئميم أيّمًا وأيْمَةً وأْيُومًا (٢)، وقد أمت هي وأمْتُ أنا، وفي الحديث: "كان يتعوذ من الأيمة" -وهي طول العزوبة-، و"العَيْمة" -وهي شدة الشهوة للبن-، و"الغَيْمَة" -وهي شدة العطش (٣) -، ومن كلامهم "الغزو مأيمة" أي بقتل الرجال فتصير النساء أيامى، وللأيم معانٍ أُخر: منها بتشديد الياء وتخفيفها الحية (٤). ونقل القاضي عياض (٥): اتفاق أهل اللغة على أنه يطلق على كل امرأة لا زوج لها صغيرة كانت أو كبيرة بكرًا أو ثيبًا، ونقله عن إبراهيم الحربي وإسماعيل القاضي وغيرهما (٦).

стр. 4031

وحكى الماوردي (١) قولين لأهل اللغة في الأيم: أحدهما: هذا، وثانيهما: أنه لا يقال أيم إلَّا إذا نكحت ثم حلت بموت أو طلاق بكرًا كانت أو ثيبًا. ثم اختلف الفقهاء في المراد بها هنا على قولين: أحدهما: أنها الثيب، قاله علماء الحجاز والفقهاء [كافة] (٢) وهو أكثر استعمالها في اللغة أيضًا (٣). وثانيهما: أنها كل امرأة لا زوج لها بكرًا كانت أو ثيبًا، قاله الكوفيون وزفر، قالوا: فكل امرأة بلغت فهي أحق بنفسها من وليها، وعقدها النكاح على نفسها صحيح، وبه قال الشعبي والزهري: قالوا: وليس الولي من أركان صحة النكاح وإنما هو من تمامه. وقال الأوزاعي و [(٤)] أبو يوسف ومحمد بن الحسن: يتوقف صحة النكاح على إجازة الولي. الوجه الثاني: أصل الاستئمار طلب الأمر. وأصل الاستئذان طلب الإِذن، فمعنى "حتى تستأمر" يطلب الأمر منها "وحتى تستأذن" يطلب الإِذن منها.

стр. 4032

وقوله: "وكيف إذنها؟ " راجع إلى البكر، وفيه تعليم كيفية استئذان البكر، وإنما سألوا عن الإِذن دون الأمر لتردد الإِذن بين القول والسكوت بخلاف الأمر، فإنه صريح في القول، وإنما جعل السكوت إذنًا في حقها لأنها قد تستحي أن تفصح به، فتظهر رغبتها في النكاح وأبدى بعض المالكية لاستئذان الأب لابنته البكر فائدة، وهي تطييب قلبها واستعلام حالها فقد تكون موصوفة بما يخفى على الأب مما يمنع النكاح فإذا استأذنها أعلمته. قال القاضي عياض (١): وحمل مالك البكر في هذا الحديث على اليتيمة، لأنها التي تستأذن في نفسها، وحمله غيره على ظاهره على الندب في ذات الأب، وعلى الوجوب في اليتيمة. الوجه الثالث: الحديث دال على أن إذن البكر سكوتها، وهو عام بالنسبة إلى لفظ البكر ولفظ النهي في قوله: "لا تنكح" إن حمل على الكراهة دون التحريم كان دليلًا على استحباب الاستئذان، وهو خاص عند الشافعي بالبكر البالغة إذا كان الولي أبًا أو جدًا، فإن كان غيرهما فلابدَّ من إذنها، ويكفي السكوت على الأصح كما سيأتي، ووافقه ابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق وغيرهم. وقال الأوزاعي وأبو حنيفة وغيره من الكوفيين: يجب الاستئذان في كل بكر بالغة وإن حمل على التحريم تعين أحد الأمرين إما أن يكون المراد بها من عدا الصغيرة فعلى هذا لا تخبر البكر البالغ وهو مذهب أبي حنيفة، وحكاه الترمذي في

стр. 4033

"جامعه" (١) عن أكثر أهل العلم وتمسكه بالحديث قوي، كما قاله الشيخ تقي الدين (٢) لأنه أقرب إلى العموم في لفظ: "البكر"، وربما يزاد على ذلك بأن يقال: الاستئذان إنما يكون في حق من له إذن، ولا إذن للصغيرة، فلا تكون داخلة تحت الإرادة، ويختص الحديث بالبوالغ، فيكون أقرب إلى التأويل، وقد ترجم البخاري (٣) على هذا الحديث باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلَّا برضاهما. وإما أن يكون المراد اليتيمة، وقد اختلف قول أصحاب الشافعي فيها هل يكتفى فيها بالسكوت أم لا؟ والحديث يقتضي الاكتفاء [منه] (٤) وهو الأصح، وقد ورد مصرحًا في حديث آخر صحيح "ليس للولي مع الثيب أمر واليتيمة تستأمر وصمتها إقرارها"، رواه أبو داود (٥) [والنسائي] (٦) من حديث ابن عباس، وقال البيهقي في "خلافياته": رواته ثقات. وفي الترمذي [و] (٧) قال: [حديث] (٨) [حسن، من حديث

стр. 4034

أبي هريرة] (١): "اليتيمة تستأمر في نفسها، فإن صمتت فهو إذنها، وإن أبت، فلا جواز عليها" (٢)، يعني إذا أدركت فردت، وجعل الشيخ تقي الدين في الشرح (٣) هذا الخلاف للشافعي نفسه لا لأصحابه، وقال: مال إلى ترجيح [الاكتفاء به] (٤) من يميل إلى الحديث من أصحابه، وغيرهم من أهل الفقه يرجح الآخر. ونقل ابن عبد البر (٥) عن مالك: أن سكوت البكر اليتيمة قبل إذنها وتفويضها لا يكون رضى منها بخلاف ما إذا كان تفويضها إلى وليها. وفرق بعض الشافعية بين الأب والجد وغيرهما، فالنفي بالسكوت بالنسبة إلى الأب والجد دون غيرهما لأنها تستحي منهما أكثر من غيرهما، والصحيح الذي عليه الجمهور أن السكوت كاف في جميع الأولياء لعموم الحديث. فرع: مذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا يشترط إعلام البكر بأن

стр. 4035

سكوتها كافٍ، [وشرطه] (١) بعض المالكية (٢)، واتفق أصحاب مالك على استحبابه، وقال ابن شعبان منهم: يقال لها ذلك ثلاث مرات إن رضيت فاصمتي وإن كرهت فانطقي، قال عبد الملك: ويطال المقام عندها لئلا تخجل فيمنعها ذلك من المسارعة إلى الإِنكار، وروى محمَّد عن مالك أن إنكارها بالقول لا بالصمت، وقال ابن الجلاب: إن نفرت أو بكت أو قامت أو ظهر منها ما يدل على [الكراهة لم] (٣) تنكح [(٤)]. وعند الشافعية: يحصل الغرض ضحكت أو بكت إلَّا إذا بكت مع الصياح وضرب الخد فإنه لا يكون رضا. الوجه الرابع: الحديث دال أيضًا على اشتراط استئمار الثيب في نكاحها وهو بالنطق، وعن الحسن (٥) أن للأب إجبارها وهو شاذ فإن كانت صغيرة لم تزوج عند الشافعية لأن عبارتها ملغاة خلافًا للحنفية. وعند المالكية ثلاثة أقوال في افتقار أبيها إلى إذنها. ثالثها: يفتقر ما لم تبلغ فتسقط، وسواء زالت البكارة بوطىء حلال أو حرام أو شبهة ولا أثر لزوالها بلا وطء لسقطة أو أصبع أو طول

стр. 4036

تعنيس -وهو الكبر- على الأصح عندهم وفيه نظر [لأنها لم تمارس الرجال وهي على بكارتها وحيائها وكذا في الوطىء في الدبر] (١). الخامس: الحديث دال أيضًا على اشتراط الولي في النكاح وفي المسألة مذاهب: أحدها: يشترط وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، وعن مالك أنها إن كانت دنيئة زوجت نفسها وإن كانت شريفة فلابدَّ من الولي. ثانيها: لا، مطلقًا بل لها أن تزوج نفسها بغير إذنه وهو قول أبي حنيفة. ثالثها: يجوز أن تزوج نفسها بإذن وليها ولا يجوز بغير إذنه، قاله أبو ثور. رابعها: أنه يتوقف صحته على إجازته، قاله الأوزاعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن. خامسها: يشترط في تزويج البكر دون الثيب، احتج الأولون بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٢)، قال الشافعي (٣): وهي أصرح دليل على اعتباره وإلَّا لما كان لعضله معنى، والحديث

стр. 4037

الصحيح المشهور: "لا نكاح إلَّا بولي" (١)، حسنه الترمذي وصححه البخاري وابن المديني وهو مقتضٍ لنفي الصحة وبالحديث الآخر الصحيح. "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" ثلاث مرات (٢)، حسنه الترمذي وصححه ابن حبان (٣) والحاكم (٤)، وقال: على شرط الشيخين، وقال ابن معين: إنه أصح ما في الباب. قلت: وهو حديث كثير الفوائد استنبط الشافعي منه خمسة وثلاثين حكمًا ذكرها أصحابنا عنه في تعاليقهم. واحتج داود: بحديث ابن عباس الثابت في "صحيح مسلم" أنه ﵊ قال: "الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها سكوتها" (٥).

стр. 4038

وأجاب أصحابنا [عنه] (١): بأنها "أحق" أي شريكة في الحق بمعنى أنها لا تجبر وهي أيضًا "أحق" في تعيين الزوج، وناقض أيضًا مذهبه في تفرقته المذكورة فإنه إحداث قول ثالث في مسألة مختلف فيها لم يسبق إليه ومذهبه أنه لا يجوّز إحداث مثل هذا (٢).

стр. 4039

واحتج أبو حنيفة بالقياس على البيع وغيره فإنها تستقل فيه بلا ولي (١)،

стр. 4040

وحمل الأحاديث المذكورة في اشتراط الولي على الصغيرة، وخص عمومها بهذا القياس وتخصيص العموم بالقياس جائز عند كثير من أهل الأصول (١).

стр. 4041

واحتج أبو ثور (١) بالحديث السالف: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل"، ولأن الولي إنما يراد به ليختار كفؤًا ولدفع العار، وذلك يحصل بإذنه. ورد مذهبه: بأن إذن الولي لا يصح إلَّا لمن ينوب عنه، والمرأة لا يصح أن تكون نائبة عنه، لأن الحق عليها كالوكيل لا يجوز أن يبيع من نفسه.

стр. 4042

الحديث العاشر ٣٢٨/ ١٠/ ٦٢ - عن عائشة ﵂ قالت: "جاءت امرأة رفاعة القرظيِّ إلى النبي ﷺ ، فقالت: كنت عند رفاعة القرظي فطلقني، فَبَتَّ طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزَّبير، وإنما معه مثل هُدبة الثوب، فتبسم رسول الله ﷺ ، وقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عُسيلته، ويذوق عسيلتك"، قالت: وأبو بكر عنده، وخالد بن سعيد بالباب ينتظر أن يؤذن له، فنادى: "يا أبا بكر، ألا تسمع [إلى] (١) هذه ما تجهر به عند رسول الله ﷺ (٢). الكلام عليه من وجوه:

стр. 4043

أحدها: امرأة رفاعة هذه صحابية وتحصل في اسمها خمسة أقوال: أحدها: أميمة بنت الحارث. ثانيها: تميمة -بفتح التاء وضمها- بنت وهب بن عبيد القرظية. ثالثها: سهيمة. رابعها: عائشة. خامسها: نعيمة (١) بنت وهب، وقد ذكرتها معزوة إلى قائليها فيما أفردناه في الكلام على رجال هذا الكتاب في الباب السابع منه في المبهمات، قال الحافظ أبو موسى: اختلف في اسمها فقيل: تميمة، وقيل: سهيمة، وقيل: أميمة، والرميصاء، والغميصاء، قال أبو عمر: لا أعلم لها غير قصتها مع رفاعة ولم يذكر الفاكهي في شرحه غير أنها تميمة -بفتح التاء من غير زيادة, فاستفد ما ذكرناه لك. فائدة: لما ذكر الترمذي في "جامعه" هذا الحديث من طريق عائشة قال: وفي الباب عن ابن عمر (٢)

стр. 4044

وأنس (١) وأبي هريرة والرميصاء [أو] (٢) الغميصاء (٣) وهو دال على أن الرميصاء والغميصاء غير امرأة رفاعة المذكورة في حديث عائشة خلاف ما أسلفناه عن الحافظ أبي موسى. ثانيها: في الأسماء الواقعة فيه. أما رفاعة: فهو ابن شموال -بفتح الشين وكسرها-، وفي "ثقات ابن حبان" (٤) سموال، وقيل: ابن رفاعة القرظي الأنصاري من

стр. 4045

بني قريظة، وهو خال صفية بنت حيي، روى عنه قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ الآية فيّ، وفي عشرة من أصحابي. و"القرظي" -بضم القاف وفتح الراء ثم ظاء معجمة ثم ياء النسب- نسبةً إلى قريظة، وهو اسم رجل نزل أولاده حصنًا بقرب المدينة فنسب إليهم، و"قريظة" و"النضر" أخوان من أولاد هارون ﵇. وأما عبد الرحمن بن الزبير: فهو صحابي وأبوه الزبير -بفتح الزاي وكسر الباء- بلا خلاف قتله الزبير بن العوام يوم بني قريظة كافرًا [ووالد الزبير] (١) باطا بلا مد ولا همز، و [(٢)] يقال: باطيا (٣)، حكاه صاحب "المطالع"، ولعبد الرحمن ولد يقال له الزبير أيضًا بضم الزاء عند البخاري وغيره وبعضهم فتحه (٤)، وزعم ابن منده وأبو نعيم في كتابيهما "معرفة الصحابة" (٥) أن الذي تزوج امرأة

стр. 4046

رفاعة إنما هو عبد الرحمن بن الزبير بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك الأوس بن الخزرج والذي ذكره أبو عمر والمحققون ما أسلفناه من أنه عبد الرحمن بن الزبير بن باطا. قال النووي (١): وهو الصواب. وأما خالد بن سعيد بن العاص: فهو أبو سعيد خالد بن سعيد بن العاص بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي، أمه أم خالد بنت حيان بن عبد ياليل من خزاعة أسلم قديمًا لرؤيا رآها، قيل: إنه أسلم قبل الصديق حكاه "ابن حبان" (٢) وهو من مهاجري الحبشة قدم في السفينة من الحبشة عام خيبر وترجمته مبسوطة في الكتاب السالف الذكر الذي أشرنا إلى إفراده بالأسماء الواقعة في هذا الكتاب، قتل بمرج الصفر، وقيل: بأجنادين، قال ابن زبر (٣): استشهد بها هو وأخواه أبان وعمرو سنة ثلاث عشرة، قال ابن حبان: واستعمله النبي ﷺ على صدقات بني زبيد وهو أول من كتب بسم الله الرحمن الرحيم. الوجه الثالث: في ألفاظه: الأول: معنى "بَتَّ طلاقي"، أي طلقني ثلاثًا، وعلى هذا اقتصر النووي في "شرح مسلم" (٤)، وقال الشيخ تقي الدين (٥):

стр. 4047

تطليقه إياها بالبتات من حيث اللفظ، يحتمل أن يكون بإرسال الطلقات الثلاث، ويحتمل أن يكون بإيقاع آخر طلقة، ويحتمل أن يكون بإحدى الكنايات التي تُحمل على البينونة عند جماعة من الفقهاء، وليس في اللفظ عموم , ولا إشعار بأحد هذه المعاني، وإنما يؤخذ ذلك من أحاديث أخر تبين المراد، ومن احتج على شيء من هذه الاحتمالات بالحديث فلم يصب لأنه إنما دل على مطلق البت، والدال على المطلق لا يدل على أحد قيديه بعينه. قلت: قد جاء في رواية لمسلم: "أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات" فيترجح الاحتمال الثاني، وفي الموطأ: "إنه طلقها ثلاثًا"، وهو يؤيد الاحتمال الأول، وأدخل [هذا الحديث] (١) في باب من أجاز طلاق الثلاث (٢)، وادعى القرطبي في "مفهمه" (٣) أن ظاهر قولها "بتَّ طلاقي" قال لها: أنت طالق البتة، وأن فيه حجة لمالك على أن البتة محمولة على الثلاث: في المدخول بها, وليس بجيِّد منه. الثاني: "الهُدبة" -بضم الهاء وإسكان الدال-، قال الجوهري في "صحاحه": وضم الدال لغة وهو طرفه الذي ينسج وجاء في رواية لمسلم: "لما قالت ذلك أخذت بهدبة من جلبابها"، شبهوها بهدبة العين وهو شعر جفنها، فيحتمل أن يكون شبهته لصغره أو لاسترخائه، وعدم انتشاره، وهو الظاهر، وبه جزم ابن

стр. 4048

الجوزي في "غريبه" (١)، لأنه يبعد أن يبلغ من الصغر إلى حد لا تغيب منه الحشفة أو مقدارها الذي يحصل به التعليل، وفي رواية للبخاري (٢): "وكانت معه مثل هُدْبَة الثوب فلم يصل منه إلى شيء يريده"، وفيه: "ولم تكن معه إلَّا مثل الهدبة، فلم يقربني إلَّا هنة واحدة، ولم يصل مني إلى شيء" (٣). وفي رواية له في كتاب اللباس في باب الثياب الخضر (٤)، "فجاء ومعه ابنان له من غيرها، قالت: والله ما لي إليه من ذنب إلَّا أن ما معه ليس بأغنى غني من هذه -وأخذت هُدْبة من ثوبها-

стр. 4049

فقال: كَذَبَتْ يا رسول الله، إني لأنفضها نفض الأديم ولكنها ناشز، تريد رفاعة، فقال ﷺ : فإن كان ذلك لم تحلين له أو لم تصلحين له حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك"، قال: فأبصر معه ابنين فقال: أبنوك هؤلاء؟ قال: نعم، قال: هذا الذي تزعمين ما تزعمين؟ فوالله لهم أشبه به من الغراب بالغراب". الثالث: تبسمه ﵊ تعجب من جهرها وتصريحها بأمر تستحي النساء من ذكره عادةً أو لرغبتها في زوجها الأول وكراهة الثاني. ومعنى قوله: "تريدين أن ترجعي إلى رفاعة" لأنه إن كان الأمر كما ذكرت من الكناية المذكورة فلا ترجعي إلى رفاعة حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك؛ فإنه ﵊ فهم عنها إرادة فراقه والرجوع إلى رفاعة. و"العسيلة": -بضم العين وفتح السين- تصغير عسلة، وهو كناية عن الجماع تشبيه لذته بلذة العسل وحلاوته، وقال الماوردي (١): اختلف في العسيلة فذهب أبو عبيد القاسم بن سلَّام إلى أنها لذة الجماع، أي لأن العرب يسمون كل شيء يستحلونه عَسَلًا. وذهب آخرون: إلى أنها الإِنزال. وذهب الشافعي وأكثر الفقهاء: إلى أنها الجماع، لأن اللذة

стр. 4050

زيادة [و] (١) الإِنزال [غاية] (٢)، وقد روى عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة مرفوعًا أن "العسيلة (٣) هي الجماع". فإن قلت: لم أنثه فقال عُسيلة؟ قلت: عنه أربعة أجوبة (٤): أحدها: أن العسل يذكر ويؤنث فمن أنثه، قال: في تصغيره عسيلة. ثانيها: أنثه على معنى النطفة وهو ضعيف، لأن الإِنزال لا يشترط. ثالثها: على نية اللذة. رابعها: أنه أراد قطعة من العسل. واستعمال لفظ العسيلة في كل ذلك مجاز: إما [من] (٥) اللذة كما سلف، وإما من مظنتها وهو الإِيلاج على مذهب جمهور الفقهاء الذين يكتفون بتغييب الحشفة، قال بعضهم: وفي تصغير العسيلة دلالة على أن الوطأة الواحدة كافية في إباحتها لمطلقها.

стр. 4051

[خامسها] (١): معنى "ترفع" تجهر برفع صوتها. وفي غير "صحيح مسلم" " [تهجر] (٢) " من الهجر وهو الفحش من القول. الوجه الرابع في أحكامه: الأول: تحريم المبتوتة بالطلاق الثلاث على مطلقها حتى تنكح زوجًا غيره، وهو صريح القرآن أيضًا. الثاني: أن المراد بنكاح الثاني عقده ووطئه، وهو قول جميع العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وانفرد سعيد بن المسيب فلم يشترط الوطء واكتفى بالعقد، لقوله -تعالى-: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٣)، والنكاح: حقيقة في العقد على الصحيح. وأجاب الجمهور: بأن هذا الحديث مخصص لعموم الآية ومبين للمراد بهذا, ولعل سعيد لم يبلغه الحديث، ولم يقل أحد من العلماء بقوله إلَّا طائفة من الخوارج، كذا قال، وعزا بعضهم إلى "شرح الرسالة" للقاضي عبد الوهاب؛ أن سعيد بن جبير وطائفة من السلف قالوا به أيضًا. واتفق العلماء: على أن تغييب الحشفة في قبلها كافٍ في ذلك من غير إنزال المني. وشذ الحسن البصري: فشرط الإِنزال، وجعله حقيقة العسيلة. وأجاب الجمهور: بأن إدخال الحشفة يحصل اللذة

стр. 4052

والعسيلة (١). الثالث: اشتراط الانتشار في التحليل من حيث إنه يرجع حمل قولها: "إنما معه مثل هدبة الثوب" على الاسترخاء وعدم الانتشار

стр. 4053

لاستبعاد أن يكون الصغر قد بلغ إلى حد لا تغيب فيه الحشفة أو مقدارها الذي يحصل به التحليل، كما أسلفته. والمشهور عند الشافعية: أنه إذا لم يكن انتشار أصلًا لتعنن أو شلل أو غيرهما لا يحصل التعليل خلافًا للجويني والغزالي فإنهما قالا بحصوله لحصول صورة الوطء وأحكامه. والأصح عندهم أيضًا: أنه لابدَّ من صحة النكاح وفي كونه ممن يمكن جماعه لا طفلًا (١) لا يتأتى منه ولا يخفى أنه لابدَّ من حلها, للأول من انقضاء عدتها من الثاني وأنه لا يحل للثاني نكاحها حتى تنقضي عدتها من الأول وكان ابن المنذر (٢) يقول: في الحديث دلالة على أن الزوج الثاني لو واقعها وهي نائمة، أو مغمى عليها لا تحس باللذة أنها لا تحل للأول، لأن الذواق أن تحس بها، كذا نقله البغوي عنه في "شرح السنة" (٣)، ثم قال: وعامة أهل العلم على أنها (٤) تحل، وقال القرطبي في "مفهمه" (٥): إنه حجة لأحد القولين

стр. 4054

عندهم في أنه لو وطئها نائمة أو مغمى عليها لم تحل، وعند ابن القاسم إن وطئ المجنون يحلها، [وخالفه أشهب وعندهما وعند ابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ إن وطئها حائضًا لا يحلها] (١)، وخالف ابن الماجشون وعند المالكية خلاف فيما إذا وطئها بعد أن رأت القصة البيضاء ولم تغتسل، وكذا فيما إذا وطئها وهي صائمة. ومحل الخوض في ذلك كتب الفروع فإنه أليق به (٢). الرابع: استنبط القاضي عياض (٣) من شكواها وأن الذي معه كالهدبة على التطليق لعدم الجماع، وانه من حقوق الزوجة قال: وهو قول كافة العلماء بعد ضرب الأجل سنة للاختبار إذا رجىء زوال ما به. أما المجبوب والخصي فإنه يطلق عليه ولا يؤجل. وقال بعض السلف: يؤجل عشرة أشهر. وخالف داود: الكافة، ورأى أنه لا يطلق بالعنَّة، ولم يقل به أحد من السلف إلَّا ابن عُليَّة والحكم والإِجماع يرد قولهم. وحجتهم: ظاهر الحديث أنه ﵊ لم يطلق عليه ولم يؤجله، وليس لهما فيه حجة، بل عليهما لقوله ﵊: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة"، فإن دليل شكواها يوجب الفراق، ولأنه قد ناكرها، وفي الموطأ (٤) "أنه

стр. 4055

طلقها"، وذلك إخبار عن مآل الحال بعد هذا المجلس. الخامس: استنبط ابن عبد البر (١) من قوله ﵊: "أتُريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ " أن إرادة المرأة الرجوع إلى [الأول] (٢) لا يضر وذلك لأن الطلاق ليس بيدها، وقصد المطلق أحرى أن لا يراعى. وأما نية المحلل فقال داود: لا أبعد أن يكون مأجورًا عليه إذا لم يُشترط عليه، لأنه قصد إرفاق أخيه وإدخال السرور عليه، وهو قول ربيعة ويحيى بن سعيد أنه مأجور، وقاله سالم والقاسم إذا لم يعلم الزوجان. قال ابن عبد البر (٣): لا معنى لعلمهما فلم يبقَ إلَّا إرادة الناكح، فإن كان ذلك بالشرط دخل تحت اللعنة في الأحاديث الواردة فيه، وكان حكمه حكم نكاح المتعة، كما قال الشافعي: وفسد نكاحه وإن كان بالنية فقولان (٤) عنده: القديم كذلك، كما هو مذهب مالك والجديد الصحة، وهو قول داود عن ابن أبي ليلى إبطال الشرط وصحة العقد. وقال أبو حنيفة: هو جائز، وله أن يقيم عليه، قال مرة: ولا يحلها له، وقال مرة: يحلها.

стр. 4056

وقال زفر: إذا شرط عليه تحليلها فالنكاح جائز، والشرط باطل. وقال أبو يوسف: يفسد بالشرط، ولها مهر المثل (١). السادس: يؤخذ من [هذا] (٢) الحديث أن مثل هذا الواقع من هذه الصحابية [إذا صدر] (٣) من مدعيته لا ينكر عليها ولا يوبخ بسببه، فإنه في معرض المطالبة بالحقوق، ويدل على ذلك أيضًا عدم إنكار الصديق وإن كان خالد قد حركه للإِنكار، وحضه عليه. ويؤخذ منه إظهار ما في النفس ليعرف حكمه. والتبسم أيضًا تعجبا، والأدب عند العلماء والحكام بعدم رفع الصوت بين أيديهم، وعند سؤالهم خصوصًا من النساء فإن رفع صوتهن أقبح من رفع صوت الرجال.

стр. 4057

الحديث الحادي عشر ٣٢٩/ ١١/ ٦٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: "من السنة، إذا تزوج البكر أقام عندها سبعًا، [و] (١) قسم. وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا، ثم قسم" (٢). قال أبو قلابة: "ولو شئت لقلت: إن أنسًا رفعه إلى النبي ﷺ ". الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا اللفظ هو للبخاري، وترجم عليه. "باب: تزوج الثيب على البكر (٣). ثم ساقه من حديث أيوب وخالد عن أبي قلابة عن أنس قال: "من السنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب أقام عندها سبعًا وقسم. وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا إلى آخرها، كما ذكره المصنف، ثم قال: وقال: عبد الرزاق أخبرنا

стр. 4058

سفيان عن أيوب وخالد [قال خالد] (١): ولو شئت [لقلت:] (٢) رفعه إلى النبي ﷺ وترجم عليه قبل ذلك العدل بين النساء (٣)، وأخرجه فيه من حديث خالد عن أبي قلابة عن أنس، ولو شئت أن أقول: قال النبي ﷺ ، ولكن قال "السنة إذا تزوج البكر أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا". وأما مسلم: فرواه من حديث خالد عن أبي قلابة، عن أنس قال: إذا تزوج البكر أقام عندها سبعًا. وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثًا، قال خالد: -يعني الحذاء-، ولو قلت: إنه رفعه لصدقتُ، ولكنه قال: السنة كذلك. ثم رواه من حديث أيوب وخالد عن أبي قلابة، عن أنس قال: "من السنة أن يقيم عند البكر سبعًا، قال خالد: ولو شئت قلت: رفعه إلى النبي ﷺ . [ورواه أبو] (٤) حاتم بن حبان في "صحيحه" مرفوعًا مجزومًا به من حديث سفيان، حدثنا أيوب عن أبي قلابة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "سبع للبكر، وثلاث للثيب". ثم روى بإسناده عن

стр. 4059

سفيان أيضًا، قال: حفظناه من حميد، عن أنس، عن النبي ﷺ بمثله رواهما جميعًا عن شيخه ابن خزيمة، عن عبد الجبار، عن سفيان وقال الترمذي في "جامعه" (١): [و] (٢) رفعه محمَّد بن إسحاق عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس (٣). [ولم يرفعه بعضهم. ورواه الدارقطني مرفوعًا من حديث محمَّد بن إسحاق عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس] (٤) سمعت رسول الله ﷺ يقول: للبكر سبعة أيام، وللثيب ثلاث، ثم يعود إلى نسائه. قال ابن عبد البر في "استذكاره" (٥) ولم يرفع حديث خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس في هذا غير أبي عاصم فيما زعموا وأخطأَ فيه. انتهى. وقد أسلفنا رفعه من غير حديث خالد. الوجه الثاني: في التعريف براويه، وقد سلف في باب الاستطابة. وأما أبو قلابة: فسلف في باب صفة صلاة النبي ﷺ . الثالث: إذا قال الصحابي: "من السنة كذا". كان كالمرفوع إلى رسول الله ﷺ وهو الأصح عند الأصوليين والفقهاء والمحدثين، لأن الظاهر أنه ينصرف إلى سنة رسول الله ﷺ وإن كان يحتمل أن

стр. 4060

ذلك بناءً على اجتهاد رآه ولكن الأظهر خلافه ويؤيده الرواية السالفة التي أسلفنا فيها الجزم برفعها. وأما قول أبي قلابة: "ولو شئت لقلت إن أنسًا رفعه"، معناه أن هذه اللفظة وهي قوله: "من السنة"، كذا صريحة في رفعه، فلو شئت أن أقوله بناءً على الرواية بالمعنى لقلته، ولو قلته كنت صادقًا، كذا قرره النووي [﵀] (١) في "شرح مسلم" (٢)، وقد قاله في الرواية التي أسلفناها، وقد أسلفنا مثل قول أبي [قلابة خالد الحذاء] (٣)، وأسلفنا من رواية البخاري من رواية أبي قلابة عن أنس، ولو شئت أن أقول: قال النبي ﷺ : ولكن قال السنة فذكره، وفي الترمذي من حديث أبي قلابة عن أنس قال: لو شئت أن أقول: قال رسول الله ﷺ : ولكنه قال: "السنة"، فذكره. وقال الشيخ تقي الدين (٤): قول أبي قلابة يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون ظن [رفعه] (٥) من أنس لفظًا فتحرز [عنه] (٦) تورعًا. والثاني: أن يكون رأى أن قول أنس "من السنة" في حكم المرفوع، فلو شاء لعبر عنه بأنه مرفوع، على حسب اعتقاده؛ أنه في

стр. 4061

حكم المرفوع، قال والأول أقرب، لأن قوله: "من السنة" يقتضي أن يكون مرفوعًا بطريق اجتهادي محتمل، وقوله: "إنه رفعه" نص في رفعه، وليس للراوي أن ينقل ما هو ظاهر محتمل إلى ما هو نص غير محتمل. قلت: قوله: "من السنة" نص في رفعه أيضًا بمنزلة قوله، قال رسول الله ﷺ على الأصح كما سلف فتعادلا إذًا. فائدة: المرفوع في الاصطلاح هو ما أضيف إلى النبي ﷺ خاصة لا يقع مطلقه على غيره متصلًا كان أو منقطعًا أو مرسلًا. وقال الخطيب: هو ما أخبر به الصحابي عن فعل النبي ﷺ أو قوله فخصه بالصحابة فيخرج مرسل التابعي. فائدة ثانية: السُّنَّة: أصلها في اللغة الطريقة، ومنه سنن الطريق الذي يمشي فيه غير أنها في عرف الاستعمال صارت موضوعة لطريقته ﵊ في الشريعة. وهي في الاصطلاح: ما حمد فاعله ولم يذم تاركه. ويسمى مندوبًا ونافلةً ويخرج ذلك. الوجه الرابع: الحديث يقتضي أن هذا الحق في البكر والثيب إنما هو إذا كانا متجددتين على نكاح امرأة قبلها، ولا يقتضي أنه ثابت لكل متجددة وإن لم يكن قبلها غيرها، وقد استمر عمل الناس على هذا وإن لم يكن قبلها امرأة في النكاح، والحديث لا يقتضيه. وقد اختلف العلماء في هذا الحق للجديدة هل هو للزوج أو للمرأة أو لهما؟

стр. 4062

فذهب الشافعي والجمهور: إلى أنه حق للمرأة على زوجها لإِيناسها [وإزالة] (١) [الحشمة] (٢) عنها لتجددها. وقال بعض المالكية: هو حق للزوج على جميع نسائه. وقال ابن عبد البر (٣): جمهور العلماء على أنه حق لها بسبب الزفاف، سواء كانت عنده زوجة أم لا لعموم الحديث السالف عن رواية مسلم ["إذا تزوج البكر أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا"] (٤) ولم يخص من له زوجة. وحكى ابن القصار من المالكية: أنه حق لهما جميعًا (٥). وقالت طائفة: الحديث إنما هو فيمن له زوجة أو زوجات غير هذه، لأن من لا زوجة له هو مقيم عندها كل دهره، مؤنس لها، يتمتع بها، مستمتعة به بلا قاطع بخلاف من له زوجات، فإن جعلت هذه الأيام للجديدة تأنيسًا لها متصلًا لتستقر عشرتها وتذهب حشمتها منه ووحشتها، ويقضي كل واحد منهما لذته من صاحبه، ولا ينقطع بالدوران على غيرها. وقد يفهم ذلك من قوله: "ثم قسم" إذ القسمة لا تكون في زوجة واحدة، وجزم به من أصحابنا البغوي في "فتاويه" فقال: هذا الحق إنما يثبت للجديدة إذا كان في نكاحه أخرى، فإن

стр. 4063

لم يكن أو كانت ولا يبيت عندها لم يثبت للجديدة حق الزفاف، كما لا يلزمه أن يبيت عند زوجته أو زوجاته ابتداءً قال النووي في "شرح مسلم" (١) والمختار الأقوى الأول، لعموم الحديث. قلت: وبه قال من المالكية (٢) ابن عبد الحكم فيما رواه أبو الفرج عنه، وقال ابن حبيب: بالثاني. ثم اختلف العلماء في هذا المقام عند البكر والثيب إذا كان له زوجة أخرى هل [هو] (٣) واجب أو مستحب؟ فمذهب الشافعي وأصحابه وموافقيهم أنه واجب، وهي رواية ابن القاسم (٤) عن مالك. وروى عنه ابن عبد الحكم: أنه على الاستحباب، وهو قول الشافعي أيضًا (٥). تتمات: الأولى: نقل الخطابي (٦) عن أصحاب الرأي أن البكر والثيب في القسم سواء، وهو قول الحكم وحماد، وعن الأوزاعي إذا تزوج البكر على الثيب مكث ثلاثًا وإذا عكس أقام يومين. وحكاه

стр. 4064

الترمذي (١) عن بعض أهل العلم، وهما مصادمان للأحاديث "الصحيحة" وأما حديث عائشة رفعته: "للبكر إذا نكحها وله نساء ثلاث ليال، وللثيب ليلتان"، فضعيف رواه الدارقطني (٢)، وفي سنده أم سليم ومحمد بن ضمرة، وهما مجهولان، كما قال ابن القطان والواقدي، وحالته معلومة، وإنما خصت البكر بالزيادة لأن حياءها أكثر. الثانية: تجب الموالاة في الثلاث، وفي السبع حتى لو فرقها لا يحسب على الأصح، لأن الحشمة لا تزول [به] (٣). الثالثة: إذا وفَّى الثلاث أو السبع لم يقض للباقيات، نعم، يستحب تخيير الثيب عن ثلاث بلا قضاء وسبع بقضاء فإن اختارت السبع فأجابها قضى السبع للباقيات، وإن أقام بغير اختيارها لم يقض إلَّا الأربع الزائدة على الأصح، هذا مذهب الشافعي وموافقيه، ومِمَّن قال به مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن جرير والجمهور. وقال أبو حنيفة والحكم وحماد: يجب قضاء الجميع في الثيب والبكر، واستدل بالظواهر الواردة بالعدل بين الزوجات. وحجة الجمهور: الأحاديث الصحيحة فيه وهي مخصصة للظواهر العامة.

стр. 4065

ونقل أبو عمر (١) عن مالك وأصحابه أنهم لا يقولون بتخيير الثيب وتركوا حديث أم سلمة بحديث أنس. الرابعة: الحرة والأمة في ذلك سواء على الأصح عندنا، وبه صرح ابن القصار من المالكية (٢)، لأن المراد زوال الوحشة. والأمة كالحرة فيه. وقيل: هي على النصف من الحرة، ويكمل المنكسر. وقيل: لا. الخامسة: إذا قلنا: إن الحق السالف للزوجة فهل يقضي به أم لا؟ فيه خلاف عند المالكية، قال محمد بن عبد الحكم: نعم، وقال محمَّد عن أصبغ لا كالمتعة (٣). السادسة: قال الشافعي في "المختصر" (٤): لا أُحب أي لمن زفت له امرأة أن لا يتخلف عن صلاة ولا شهود جنازة ولا برٍّ كان يفعله ولا إجابة دعوة. ونصَّ على نحوه في "الأم" (٥)، قال الرافعي: هذا في النهار. أما الليل فقد قال الأصحاب: لا يخرج لأن هذه مندوبات والمقام عندها واجب وقالوا في دوام القسم ينبغي أن يسوي بينهن في الخروج إلى الجماعات وأعمال البر وأن يخرج في
следующие страницы →