حكم المرفوع، قال والأول أقرب، لأن قوله: "من السنة" يقتضي أن يكون مرفوعًا بطريق اجتهادي محتمل، وقوله: "إنه رفعه" نص في رفعه، وليس للراوي أن ينقل ما هو ظاهر محتمل إلى ما هو نص غير محتمل.
قلت: قوله: "من السنة" نص في رفعه أيضًا بمنزلة قوله، قال رسول الله ﷺ على الأصح كما سلف فتعادلا إذًا.
فائدة: المرفوع في الاصطلاح هو ما أضيف إلى النبي ﷺ خاصة لا يقع مطلقه على غيره متصلًا كان أو منقطعًا أو مرسلًا.
وقال الخطيب: هو ما أخبر به الصحابي عن فعل النبي ﷺ أو قوله فخصه بالصحابة فيخرج مرسل التابعي.
فائدة ثانية: السُّنَّة: أصلها في اللغة الطريقة، ومنه سنن الطريق الذي يمشي فيه غير أنها في عرف الاستعمال صارت موضوعة لطريقته ﵊ في الشريعة.
وهي في الاصطلاح: ما حمد فاعله ولم يذم تاركه. ويسمى مندوبًا ونافلةً ويخرج ذلك.
الوجه الرابع: الحديث يقتضي أن هذا الحق في البكر والثيب إنما هو إذا كانا متجددتين على نكاح امرأة قبلها، ولا يقتضي أنه ثابت لكل متجددة وإن لم يكن قبلها غيرها، وقد استمر عمل الناس على هذا وإن لم يكن قبلها امرأة في النكاح، والحديث لا يقتضيه.
وقد اختلف العلماء في هذا الحق للجديدة هل هو للزوج أو للمرأة أو لهما؟
стр. 4062
فذهب الشافعي والجمهور: إلى أنه حق للمرأة على زوجها لإِيناسها [وإزالة] (١) [الحشمة] (٢) عنها لتجددها.
وقال بعض المالكية: هو حق للزوج على جميع نسائه.
وقال ابن عبد البر (٣): جمهور العلماء على أنه حق لها بسبب الزفاف، سواء كانت عنده زوجة أم لا لعموم الحديث السالف عن رواية مسلم ["إذا تزوج البكر أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا"] (٤) ولم يخص من له زوجة.
وحكى ابن القصار من المالكية: أنه حق لهما جميعًا (٥).
وقالت طائفة: الحديث إنما هو فيمن له زوجة أو زوجات غير هذه، لأن من لا زوجة له هو مقيم عندها كل دهره، مؤنس لها، يتمتع بها، مستمتعة به بلا قاطع بخلاف من له زوجات، فإن جعلت هذه الأيام للجديدة تأنيسًا لها متصلًا لتستقر عشرتها وتذهب حشمتها منه ووحشتها، ويقضي كل واحد منهما لذته من صاحبه، ولا ينقطع بالدوران على غيرها. وقد يفهم ذلك من قوله: "ثم قسم" إذ القسمة لا تكون في زوجة واحدة، وجزم به من أصحابنا البغوي في "فتاويه" فقال: هذا الحق إنما يثبت للجديدة إذا كان في نكاحه أخرى، فإن
стр. 4063
لم يكن أو كانت ولا يبيت عندها لم يثبت للجديدة حق الزفاف، كما لا يلزمه أن يبيت عند زوجته أو زوجاته ابتداءً قال النووي في "شرح مسلم" (١) والمختار الأقوى الأول، لعموم الحديث.
قلت: وبه قال من المالكية (٢) ابن عبد الحكم فيما رواه أبو الفرج عنه، وقال ابن حبيب: بالثاني.
ثم اختلف العلماء في هذا المقام عند البكر والثيب إذا كان له زوجة أخرى هل [هو] (٣) واجب أو مستحب؟ فمذهب الشافعي وأصحابه وموافقيهم أنه واجب، وهي رواية ابن القاسم (٤) عن مالك.
وروى عنه ابن عبد الحكم: أنه على الاستحباب، وهو قول الشافعي أيضًا (٥).
تتمات:
الأولى: نقل الخطابي (٦) عن أصحاب الرأي أن البكر والثيب في القسم سواء، وهو قول الحكم وحماد، وعن الأوزاعي إذا تزوج البكر على الثيب مكث ثلاثًا وإذا عكس أقام يومين. وحكاه
стр. 4064
الترمذي (١) عن بعض أهل العلم، وهما مصادمان للأحاديث "الصحيحة" وأما حديث عائشة رفعته: "للبكر إذا نكحها وله نساء ثلاث ليال، وللثيب ليلتان"، فضعيف رواه الدارقطني (٢)، وفي سنده أم سليم ومحمد بن ضمرة، وهما مجهولان، كما قال ابن القطان والواقدي، وحالته معلومة، وإنما خصت البكر بالزيادة لأن حياءها أكثر.
الثانية: تجب الموالاة في الثلاث، وفي السبع حتى لو فرقها لا يحسب على الأصح، لأن الحشمة لا تزول [به] (٣).
الثالثة: إذا وفَّى الثلاث أو السبع لم يقض للباقيات، نعم، يستحب تخيير الثيب عن ثلاث بلا قضاء وسبع بقضاء فإن اختارت السبع فأجابها قضى السبع للباقيات، وإن أقام بغير اختيارها لم يقض إلَّا الأربع الزائدة على الأصح، هذا مذهب الشافعي وموافقيه، ومِمَّن قال به مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن جرير والجمهور.
وقال أبو حنيفة والحكم وحماد: يجب قضاء الجميع في الثيب والبكر، واستدل بالظواهر الواردة بالعدل بين الزوجات.
وحجة الجمهور: الأحاديث الصحيحة فيه وهي مخصصة للظواهر العامة.
стр. 4065
ونقل أبو عمر (١) عن مالك وأصحابه أنهم لا يقولون بتخيير الثيب وتركوا حديث أم سلمة بحديث أنس.
الرابعة: الحرة والأمة في ذلك سواء على الأصح عندنا، وبه صرح ابن القصار من المالكية (٢)، لأن المراد زوال الوحشة. والأمة كالحرة فيه.
وقيل: هي على النصف من الحرة، ويكمل المنكسر.
وقيل: لا.
الخامسة: إذا قلنا: إن الحق السالف للزوجة فهل يقضي به أم لا؟ فيه خلاف عند المالكية، قال محمد بن عبد الحكم: نعم، وقال محمَّد عن أصبغ لا كالمتعة (٣).
السادسة: قال الشافعي في "المختصر" (٤): لا أُحب أي لمن زفت له امرأة أن لا يتخلف عن صلاة ولا شهود جنازة ولا برٍّ كان يفعله ولا إجابة دعوة. ونصَّ على نحوه في "الأم" (٥)، قال الرافعي: هذا في النهار. أما الليل فقد قال الأصحاب: لا يخرج لأن هذه مندوبات والمقام عندها واجب وقالوا في دوام القسم ينبغي أن يسوي بينهن في الخروج إلى الجماعات وأعمال البر وأن يخرج في
стр. 4066
ليلة الجميع أو لا يخرج أصلًا، فلو خرج في ليلة بعضهن فقط فحرام.
قال الماوردي (١): وإذا كانت عادته التطوع في هذه الأيام بالصوم فالأولى به الفطر؛ لأنها أيام بعال، كما قال ﵊ في أيام التشريق، وقال ابن القاسم عن مالك: لا يتخلف عن الجماعة والجمعة.
قال سحنون (٢): قال بعض الناس: لا يخرج وذلك لها بالسنة.
وقال الشيخ تقي الدين (٣): أفرط بعض الفقهاء من المالكية فجعل مقامه عندها عذرًا في إسقاط الجمعة إذا جاءت في أثناء المدة [وهو] (٤) ساقط، منافٍ للقواعد، فإن مثل هذا من الآداب [و] (٥) السنن لا يترك له الواجب، ولما شعر بهذا بعض المتأخرين، وأنه لا يصلح أن يكون عذرًا توهم أن قائله يرى [أن] (٦) الجمعة فرض كفاية، وهو فاسد جدًّا، لأن قول هذا القائل متردد، محتمل أن يكون جعله عذرًا [أو] (٧) أخطأ في ذلك، وتخطئته في هذا أولى من تخطئته فيما دلت عليه النصوص وعمل الأمة من وجوب الجمعة على الأعيان.
стр. 4067
قلت: هذه المقالة التي ضعفها الشيخ هي قياس من يقول [بوجوب] (١) المقام معها، ويقوى بأنه حق آدمي وهو أضيق والجمعة لها بدل، ويجعل هذا من الأعذار المسقطة، [السابعة] (٢): قال ابن المواز من المالكية (٣): ويبدأ بعد فراغ هذه المدة بأيهما أحب، وأحب أن يبدأ بالقديمة.
خاتمة: في الحديث أحكام: منها العدل بين الزوجات، ومنها أن حق الزفاف بالإِقامة عند المزفوفة ثابت، وأنها تقدم به على غيرها. ومنها التفرقة بين البكر والثيب فيه.
стр. 4068
الحديث الثاني عشر
٣٣٠/ ١٢/ ٦٢ - عن ابن عباس-[﵄] (١) - قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أن [أحدهم] (٢) إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهمَّ جَنِّبنا الشيطان، وجَنِّب الشيطان ما رَزَقْتَنا، فإنه إن يُقدر بينهما وَلَدٌ في ذلك: لم يضره الشيطان أبدًا" (٣).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: هذا الحديث رواه البخاري هنا بلفظ: "أما لو أن أحدهم يقول حين يأتي أهله: باسم الله، اللهم جنبني الشيطان
стр. 4069
وجنب الشيطان ما رزقتنا، ثم قدر بينهما في ذلك أو قضي ولد؛ لم يضره شيطان أبدًا" (١). ورواه في باب صفة إبليس (٢) وجنوده من كتاب بدء الخلق: "أما إن أحدكم إذا أتى أهله وقال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فرزق ولدًا لم يضره الشيطان". ثم رواه بعد بورقة بلفظ: "لو أن أحدكم قال إذا أتى أهله قال: اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني، فإن كان بينهما ولد لم يضره الشيطان ولم يسلط عليه" (٣). [ورواه في الطهارة في باب التسمية (٤) على كل حال، وعند الوقاع. بلفظ: "لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: [بسم الله] (٥) اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضي بينهما ولد لم يضره] (٦)(٧).
ورواه مسلم هنا بلفظ المصنف سواء إلَّا أنه قال: "أحدكم" بدل "أحدهم"، وترجم عليه الترمذي في "جامعه" (٨) ما يقول إذا
стр. 4070
دخل على أهله.
الوجه الثاني: قال القاضي (١): لم يحمل أحد الحديث في نفي ضرره على العموم في نفي جميعه من الوسوسة والإِغواء، بل قيل إن المراد لم يصرعه، وقيل: لم يطعن فيه عند ولادته بخلاف غيره. انتهى. ويبعد هذا التأويل لفظة "أبدًا".
وقال القرطبي (٢): قصره على الصرع وحده ليس بشيء، لأنه تحكم بغير دليل مع صلاحية اللفظ له ولغيره. وأما القول الثاني ففاسد بدليل قوله ﵊: "كل مولود يطعن الشيطان في خاصرته إلَّا ابن مريم. فإنه جاء [يريد] (٣) أن يطعن فطعن في الحجاب" (٤). هذا يدل على أن الناجي من هذا الطعن إنما هو عيسى وحده، وذلك لخصوص دعوة أم مريم حيث قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾ (٥)، ثم إن طعنه ليس بضرر، ألا ترى أنه قد طعن كثيرًا من الأولياء والأنبياء ولم يضرهم ذلك، ومقصود هذا الحديث، والله أعلم أن الولد الذي يقال له ذلك يحفظ من إضلال الشيطان وإغوائه، ولا يكون للشيطان عليه سلطان،
стр. 4071
لأنه يكون من جملة العباد المحفوظين المذكورين في قوله -تعالى-: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (١)، وذلك ببركة نية الأبوين الصالحين وبركة اسم الله -تعالى- والتعوذ والالتجاء إليه. وكأن هذا [اشرب] (٢) من قول أم مريم: "وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم". ولا يفهم من هذا نفي وسوسته، وتشيعثه، وصرعه، فقد يكون كل ذلك، ويحفظ الله -تعالى- الولد من ضرره في قلبه ودينه وعاقبة أمره.
وقال الشيخ تقي الدين (٣): [نفي الضرر] (٤) يحتمل أن يؤخذ عامًّا يدخل تحته الضرر الديني. ويحتمل أن يؤخذ خاصًّا، بالنسبة إلى الضرر البدني، بمعنى أن الشيطان لا يتخبطه، ولا يداخله بما يضر عقله أو بدنه. وهذا أقرب، وإن كان التخصيص على خلاف الأصل. لأن إذا حملناه على العموم اقتضى ذلك أن يكون الولد معصوصًا عن المعاصي كلها، وقد لا يتفق ذلك، أو يعز وجوده، ولابدَّ من وقوع ما أخبر عنه ﷺ . أما إذا حملناه على أمر الضرر في العقل أو البدن فلا يمتنع ذلك، ولا يدل دليل على وجود [خلافه] (٥).
стр. 4072
الوجه الثالث: في أحكامه.
الأول: استحباب التسمية والدعاء المذكور في ابتداء الجماع وإليه الإشارة لقوله: "إذا أراد أن يأتى أهله"، واستحب الغزالي في "الإِحياء" (١) أن يقول قبل هذا الدعاء باسم الله، ويقرأ قل هو الله أحد، ويكبِّر، ويهلِّل، ويقول: باسم الله العلي العظيم، اللهم اجعلها ذرية طيبة، إن كنت قدرت ولدًا يخرج من صلبي، وإذا قربت الإِنزال فقل في نفسك ولا تحرك به شفتيك: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا. . . .﴾ الآية.
الثاني: الاعتصام بذكر الله -تعالى- ودعائه من الشيطان.
الثالث: الحث على المحافظة على تسميته [ودعائه] (٢) في كل حال لم ينه الشرع عنه حتى في حال ملاذ الإنسان. وفيه أيضًا إشارة إلى ملازمة الشيطان لابن آدم من حين خروجه من ظهر أبيه إلى رحم أمه إلى حين موته، أعاذنا الله منه.
فروع متعلقة بالجماع لا بأس أن نعرفها: لا يكره الجماع مستقبل القبلة ولا مستدبرها لا في البنيان ولا في الصحراء، قاله النووي في "الروضة من زوائده" (٣). وقال الغزالي في
стр. 4073
"الإِحياء" (١): لا يستقبل القبلة إكرامًا لها, وليتغطيا بثوب، قال: وينبغي أن يأتيها في كل أربع ليال مرة، وأن يزيد وينقص بحسب حاجتها في التحصين فإن تحصينها واجب، وإن لم تثبت المطالبة بالوطء، قال: ويكره الجماع في الليلة الأولى من الشهر والأخيرة منه وليلة نصفه، يقال: إن الشيطان يحضر الجماع في هذه الليالي (٢).
ويقال: إنه يجامع قال: وإذا قضى وطره فليمهل عليها حتى تقضي وطرها.
стр. 4074
الحديث الثالث عشر
٣٣١/ ١٣/ ٦٢ - عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والدخول على النساء"، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله ﷺ أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت (١).
ولمسلم عن أبي الطاهر عن ابن وهب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحمو" أخو الزوج، وما أشبهه من أقارب الزوج، ابن العم ونحوه.
الكلام عليه من وجوه:
الأول: هذا الحديث ترجم عليه البخاري: الدخول على المغيبة، والترمذي: أيضًا كراهة الدخول أيضًا على المغيبات، ثم قال: وفي الباب عن عمر (٢). . . . . . . . .
стр. 4075
وجابر (١) وعمرو بن العاص (٢).
الثاني: في التعريف براويه والأسماء الواقعة فيه.
أما راويه فقد سلف التعريف به في الحديث السادس من هذا الباب.
وأما أبو الطاهر: فاسمه أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح الأموي مولاهم البصري. روى عن ابن عيينة والشافعي وخلق وعنه [م د س ق] (٣)، وجماعة وثقه النسائي. وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن يونس: كان فقيهًا من
стр. 4076
الصالحين الأثبات توفي في ذي القعدة سنة خمسين ومائتين عن ثمانين سنة، حكاه ابن طاهر، وصلَّى عليه بكار بن قتيبة القاضي.
وأما ابن وهب: فاسمه عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي الفهري مولاهم المصري أبو محمَّد أحد الأئمة الأعلام، ولد سنة خمس وعشرين ومائة وطلب العلم وله سبع عشرة سنة، وجمع بين الفقه والحديث والعبادة، وصنف موطأ. روى عنه شيخه الليث وجماعة، قال بعضهم: عن نحو من أربعمائة رجل، وكان ثقة [حجة] (١) حافظًا مجتهدًا، لا يقلد أحدًا [إذا تعبد وتزهد] (٢) وحدث بمائة ألف حديث، وعرض عليه [القضاء] (٣) فحبس نفسه ولزم بيته، وكان قسم دهره أثلاثًا: ثلثًا في الرباط، وثلثًا يعلِّم الناس، وثلثًا في الحج، قيل: حجَّ ستّا وثلاثين حجة، وكان مالك يكتب إليه: أبي عبد الله مفتي مصر، ولم يفعل هذا مع غيره، ويقال أيضًا: إنه كتب له كتابًا وعنونه بالفقيه، ولم يكتب بذلك لغيره، وهو في طبقة مالك في الفقه، مات بمصر سنة سبع وتسعين ومائة.
وأما الليث: فهو ابن سعد بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم الأصبهاني الأصل الإِمام الحافظ شيخ الديار المصرية وعالمها ومفتيها ورئيسها، روى عن عطاء بن أبي رباح وخلق، وعنه أمم لا يحصون منهم عبد الله بن صالح كاتبه ولد بقلقشنده قرية على
стр. 4077
فراسخ من مصر سنة ثلاث أو أربع وتسعين، وحج سنة ثلاث عشرة ومائة، وكان كبير الديار المصرية وعالمها الأصيل حتى إن نائب مصر وقاضيها من تحت أوامره وإذا رابه من أحد منهم أمر كاتب فيه الخليفة [فيعزله] (١)، وطلب منه المنصور أن يعمل نيابة الملك فامتنع، وكان يُعد من الأبدال، وكان الشافعي يتأسف على فراقه، وكان يقول: هو أفقه من مالك إلَّا أن أصحابه لم يقوموا به.
وفي لفظ: إلَّا أنه ضيعه أصحابه، وقال أيضًا: كان أتبع للأثر من مالك، وقال يحيى بن بكير: كان أفقه من مالك إلَّا أن الحظوة كانت لمالك.
قال محمَّد بن رُمْح: كان دخله في السنة ثمانين ألف دينار فما أوجب الله عليه زكاة قط. انتهى. وبعث إلى مالك بألف دينار وأهدى إلى مالك مرة أحمال عصفر، وكان يصله في سنة بمائة دينار، وأعطى ابن لهيعة لما احترق منزله ألف دينار، ووصل منصور الواعظ بألف دينار وجاءته امرأة بسكرجة تطلب عسلًا فأعطاها ظرف عسل، ومناقبه عديدة وهو إمام حجة كتب التصانيف، مات سنة خمس وسبعين ومائة نصف شعبان، وقيل غير ذلك عن إحدى وثمانين سنة.
فائدة: في الرواة الليث بن سعد أربعة:
أحدهم: هذا.
والثاني: مصري أيضًا حدَّث عن عبد الرزاق الإِدريسي.
стр. 4078
والثالث: روى عن ابن وهب.
والرابع: ثقيفي حدَّث عن بكر بن سهل.
الوجه الثالث: فيما فيه من المبهم وهو هذا الرجل من الأنصار ولم أره مسمى بعد البحث عنه.
الوجه الرابع: معنى: "إياكم والدخول على النساء" باعدوا واتقوا الدخول [عليهن] (١) وهو [من] (٢) باب إياك والأسد! وإياك والشر! أي اتق ذلك واحذره. والمنصوبان مفعولان بفعلين مقدرين يدل عليهما المعنى.
و"الحمو" فسَّره الليث بن سعد، ولمَّا كان الحمو يستعمل عند الناس في أبي الزوج وهو محرم من المرأة ولا يمتنع دخوله عليها، فسره الليث بما يزيل هذا الإِشكال، وحمله على من ليس بمحرم، فإنه لا يجوز له الخلوة بالمرأة.
واتفق أهل اللغة على أن الأحماء أقارب زوج المرأة: كأبيه وعمه وأخيه وابن أخيه وابن عمه ونحوهم.
والأَخْتَان: أقارب زوجة الرجل.
والأصهار: يقع على النوعين.
قال القرطبي (٣): وقد جاء الحمو في هذا الحديث مهموزًا،
стр. 4079
والهمز أحد لغاته، ويقال فيه: هو بواو مضمومة كدلو، وحما مقصور كعصا، والأشهر فيه أنه من الأسماء الستة المعتلة المضافة التي تعرب في حال إضافتها إلى غير ياء المتكلم بالواو رفعًا، وبالألف نصبًا، وبالياء خفضًا، فتقول: جاءني حموك، ورأيت حماك، ومررت بحميك، وحماة المرأة أم زوجها [لغة في] (١) غير هذه.
وقوله: "الحمو الموت" فيه قولان:
أحدهما: أن المعنى فليمت ولا يفعلن ذلك، قاله أبو عبيد.
والثاني: أن لقاء هذا مثل الموت، قاله ابن الأعرابي، حكاها ابن الجوزي في "غريبه" (٢)، ثم قال والمراد بالحديث النهي عن الخلوة ولو بالحمو. وقال النووي في "شرح مسلم" (٣) معناه أن الخوف منه أكثر من غيره، والشر يتوقع منه، والفتنة أكبر لتمكنه من الوصول بالمرأة والخلوة من غير أن ينكر عليه بخلاف الأجنبي. قال: والمراد بالحمو هنا أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه. فأما الآباء والأبناء فمحارم لزوجته يجوز لهم الخلوة بها، ولا يوصفون بالموت، وإنما المراد الأخ [وابن الأخ والعم] (٤) وابن العم ونحوهم ممن ليس بمحرم، وعادة الناس المساهلة فيه، ويخلو بامرأة أخيه، فهذا هو الموت، وهو أولى بالمنع من الأجنبي لما ذكرناه، فهذا
стр. 4080
صواب معنى الحديث. وأما ما ذكره [المازري و] (١) حكاه أن المراد بالحمو أبو الزوج. وقال: إذا نهى عن أبي الزوج وهو محرم فكيف بالغريب فهو كلام فاسد مردود، ولا يجوز حمل الحديث عليه، وكذا ما نقله القاضي (٢) عن أبي عبيد أن معنى "الحمو الموت" فليمت ولا يفعل [ذلك] (٣) هو كلام فاسد، والصواب [ما سلف] (٤)، ثم نقل عن ابن الأعرابي: أنها كلمة تقولها العرب كما تقول: الأسد الموت أي -لقاؤه مثل الموت-.
قال القاضي (٥): معناه الخلوة بالأحماء مؤدية إلى الفتنة والهلاك في الدين، فجعله كهلاك الموت، فورد الكلام مورد التغليظ، ونقل المحب في "أحكامه" عن ابن الأثير (٦) أنه قال: إنما كان [خلوة الحم] (٧) أشد من خلوة غيره، [من البعداء] (٨)، لأنه ربما حسن لها أشياء، وحملها على أمور تثقل على الزوج، من التماس ما
стр. 4081
ليس في وسعه، أو سوء عشرة أو غير ذلك [فلهذا قال: هو الموت] (١)، ولأن الزوج [قد] (٢) لا يؤثر أن يطلع [الحم] (٣) على باطن حاله. ثم قال: -أعني المحب- ويحتمل أن الكراهة إنما كانت لمكان إدلاله على الزوج، فربما تبسط في بيته بما يكره من أخذه ما لا يسهل عليه أخذه ونحو ذلك مما يعز عليه، ولا ينبغي أن يحمل على أمر مكروه، فإن الأجنبي أقرب إلى ذلك منه. وقال البغوي في "شرح السنة" (٤) معناه: احذروا الحمو كما تحذروا الموت، وقال الشيخ تقي الدين القشيري (٥): إن تأويله بحسب اختلاف الحمو، فإن حُمل على محرم المرأة، -كأبي زوجها- فيحتمل أن يكون المعنى أنه لابدَّ من إباحة دخوله، كما أنه لابدَّ من الموت، وإن حُمل على من ليس بمحرم فيحتمل أن يكون هذا الكلام خرج مخرج التغليظ والدعاء، لأنه فهم من قائله طلب الترخيص بدخول هؤلاء الذين ليسوا بمحارم. فغلَّظ عليه لأجل هذا القصد المذموم، بأن جعل دخول الموت عوضًا [من] (٦) دخوله، زجرًا عن هذا الترخيص، على سبيل التفاؤل، أو الدعاء، كأنه يقال: من قصد ذلك فليكن الموت في دخوله عوضًا
стр. 4082
[من] (١) دخول الحمو الذي قَصَد دخوله، قال: ويجوز أن يكون شبهه بالموت، باعتبار كراهته لدخوله، وشبه ذلك بكراهة دخول الموت.
الوجه الخامس: الحديث دال على تحريم الخلوة بالأجانب وقوله: "وإياكم والدخول على النساء" مخصوص بغير المحارم، وعام بالنسبة إلى غيرهن، ولابدَّ من اعتبار أمر آخر، وهو أن يكون الدخول مقتضيًا للخلوة، أما إذا لم تقتضيه فلا يمتنع (٢)، كالدخول للتعليم ونحوه (٣) وعموم النساء يدخل تحته الشابة والعجوز، وذكر البيهقي (٤) عن ابن عباس أنه -تعالى- استثنى [من ذلك وال] (٥) قواعد [من النساء] (٦) [اللاتي لا يرجون نكاحًا] (٧) أن يضعن ثيابهن الجلباب، و"أن يستعففن" بلبس جلابيبهن "خير لهنّ"، وذهب أنس مع النبي ﷺ إلى أم أيمن وبعده انطلق إليها الصديق (٨)، ولعل من هذا دخول سفيان على رابعة ﵂.
стр. 4083
وفي معنى الخلوة بالنساء الخلوة بالأمرد الحسن الذي يفتتن به, بل الخلوة به أشد.
الوجه السادس: يؤخذ من الحديث السؤال عما يلزم أن يكون داخلًا في العموم فإن قوله: "إياكم والدخول على النساء" يعم الحمو وغيره، فسأل عنه. ويؤخذ منه أيضًا الجواب بأمر يلزم فيه التغليظ في النهي والتحذير من ارتكابه.
стр. 4084
٦٣ - باب الصداق
هو -بفتح الصاد وكسرها- وأصله من الصدق لإِشعاره بصدق رغبة الزوج في الزوجة، ويقال: صدق -بفتح الصاد وضم الدال، وبضم الصاد وإسكان الدال، وبفتحها وبضمها، وبالفتح وسكون الدال-، فهذه سبع لغات، وله ثمانية أسماء مجموعة في بيت:
صداق ومهر نحلة وفريضة ... حباء وأجر ثم عقر علائق
وزاد بعضهم: النكاح مستدلًا بقوله -تعالى-: ﴿لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ (١)، والطول مستدلًا بقوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ (٢)، والنفقة والرصاص وهو اسم للمال الواجب للمرأة على الرجل بالنكاح [و] (٣) بالوطء، وذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث:
стр. 4085
الحديث الأول
٣٢٢/ ١/ ٦٣ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ : "أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها" (١).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في باب الاستطابة، ونبهنا عليه لطول العهد.
وصفية: تقدمت في باب الاعتكاف.
الأول: اختلف أصحابنا في معنى هذا الحديث على أربعة أوجه:
أحدها: أنه أعتقها بشرط أن ينكحها فلزمها الوفاء بخلاف غيره، وهذا يقتضي إنشاء عقد بعد ذلك.
стр. 4086
ثانيها: أنه جعل نفس العتق صداقًا، وجاز له ذلك بخلاف غيره، وهذا ما أورده الماوردي (١).
ثالثها: أنه أعتقها بلا عوض، وتزوجها بلا مهر، لا في الحال ولا في المآل. وهذا أقرب إلى الحديث، قال النووي في "الروضة" (٢): وهذا أصحها وسبقه إلى ذلك ابن الصلاح، فقال في "مشكله" إنه أصح وأقرب إلى الحديث، وحكى عن أبي إسحاق وقطع به البيهقي (٣) فقال: أعتقها مطلقًا، قال ابن الصلاح: فيكون معنى قوله: "وجعل عتقها صداقها" أنه لم يجعل لها شيئًا غير العتق، فحل محل الصداق، وإن لم يكن صداقًا، وهو من قبيل قولهم: الجوع زاد من لا زاد له.
رابعها: أنه أعتقها على شرط أن يتزوجها, فوجب له عليها قيمتها فتزوجها به، وهي مجهولة، وليس لغيره أن يتزوج بصداق مجهول. حكاه الغزالي في "وسيطه" نعم لنا وجه في صحة إصداق قيمة الأمة المعتقة المجهولة إذا أعتقها عليه بالنسبة إلينا، وهو يرد على قول الغزالي في "وسيطه" فيه خاصة بالاتفاق إلَّا أن يكون القائل بالصحة في حق غيره غير القائل بالصحة هنا.
وقال أبو محمَّد بن حزم (٤): ما وقع في الحديث سنة جائزة
стр. 4087
صحيحة لكل من أراد أن يفعل مثل ذلك إلى يوم القيامة، وكذا قال الترمذي (١): فإنه لما أخرج الحديث السالف قال: حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من الصحابة وغيرهم، قال: وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وكره بعض أهل العلم أن يجعل عتقها صداقها، حتى يجعل لها مهرًا سوى العتق. قال: والقول الأول أصح.
وترجم البخاري (٢) على الحديث، باب: من جعل عتق الأمة صداقًا، وقال أبو حاتم بن حبان من أصحابنا في صحيحه (٣).
النوع السادس: فعل فعله ﵊ لم تقم
стр. 4088
الدلالة على أنه خص باستعماله دون أمته مباح لهم استعمال ذلك الفعل لعدم وجود تخصيصه فيه، ثم ساق الحديث المذكور، وجمهور العلماء على أنه إذا أعتق أمته على أن يتزوج بها يكون عتقها صداقها, لا يلزمها أن تتزوج به، ولا يصح هذا الشرط، وممن قاله مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر. قال الشافعي: فإن أعتقها على هذا الشرط فقبلت عتقت ولا يلزمها أن تتزوج به، بل له عليها قيمتها, لأنه لم يرض بعتقها مجانًا، وصار ذلك كسائر الشروط الباطلة، فإن رضيت وتزوجها على مهر يتفقان عليه كان لها ذلك المسمى، وعليها له قيمتها، وإن تزوجها على قيمتها، فإن كانت معلومة له أو لها صح الصداق ولا يبقى له عليها قيمة ولا لها عليه صداق، وإن كانت مجهولة فوجهان لأصحابنا:
أحدهما: يصح الصداق كما لو كانت معلومة، لأن هذا العقد فيه ضرب من المسامحة والتخفيف وأصحهما، وبه قال الجمهور، منهم: أنه لا يصح الصداق، بل يصح النكاح ويجب لها مهر المثل، وما حكاه الترمذي فيما سلف عن أحمد وإسحاق، قاله سعيد بن المسيب أيضًا والحسن والنخعي [والزهري] (١) والثوري والأوزاعي وأبو يوسف وظاهر الحديث معهم، لكن الجمهور يؤولونه كما سلف: إن عتقها قام مقام الصداق وإنه سماه باسمه.
стр. 4089
قال الشيخ تقي الدين القشيري (١): والظاهر مع أحمد ومن وافقه إلَّا أن القياس مع الآخرين، فيتردد الحال من ظن نشأ من قياس، وظن نشأ من ظاهر الحديث، مع احتمال الواقعة الخصوصية، وهي وإن كانت على خلاف الأصل إلَّا أنه يُتأنس في ذلك بكثرة خصائص الرسول -عليه أفضل الصلاة والسلام- في النكاح لاسيما هذه الخصوصية لقوله -تعالى-: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً. . . .﴾ (٢) الآية.
تنبيه: في البخاري (٣) في باب اتخاذ السراري، ومن أعتق جارية ثم تزوجها من حديث أبي موسى أنه ﵊: "أعتقها ثم أصدقها"، وذلك يدل على تجديد العقد بصداق غير العتق.
وقال البيهقي (٤): روي من حديث ضعيف أنه أمهرها ثم ذكره، وفي رواية من حديث ابن عمر أن جويرية وقع لها مثل ذلك، لكن أعلها ابن حزم (٥) بيعقوب بن حميد بن كاسب وهو مختلف فيه
стр. 4090
لا كما جزم بضعفه.
تنبيه [آخر] (١): جعل القاضي عياض قوله: "وجعل عتقها صداقها" من قول أنس لم يسنده. قال: ولعله تأويل منه إذا لم يسم لها صداقًا، وبما قاله نظر لا يخفى، فإنه أخبر بما حضره وعلمه وأي إسناد أكثر من هذا (٢).
стр. 4091
الثالث: قد يؤخذ من الحديث استحباب عتق الأمة وتزوجها، وقد صح التصريح به والحث عليه من حديث آخر في الصحيح من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ في الذي يعتق جاريته ثم يتزوجها له أجران (١).
стр. 4092
الحديث الثاني
٣٣٣/ ٢/ ٦٣ - عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة فقالت: إني وهبت نفسي لك، فقامت طويلًا، فقال رجل: يا رسول الله، زوَّجنيها وإن لم يكن لك بها حاجة، فقال: هل عندك من شيء تصدقها؟ فقال: ما عندي إلَّا إزاري [هذا] (١)، فقال رسول الله ﷺ : إزارك إن أعطيتها جلست ولا إزار لك، فالتمس شيئًا، فقال: ما أجد، قال: التمس ولو خاتمًا من حديد، فالتمس، فلم يجد شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : [هل معك شيءٌ من القرآن؟ قال: نعم، فقال رسول الله صلَّى الله] (٢) عليه وسلَّم: زوَّجتكها بما معك من القرآن (٣).
стр. 4093
الكلام عليه من وجوه:
الأول: هذا الحديث ذكره البخاري في مواضع من صحيحه (١) منها: تزويج المعسر بلفظ: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله جئت أهب لك نفسي، قال: فنظر إليها رسول الله ﷺ فصعد النظر [فيها] (٢) وصَوَّبه، ثم طأطأ [رسول الله ﷺ ] (٣) رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقضِ فيها شيئًا جلست، فقام رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله، الحديث بمعنى رواية المصنف وفيه فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام، فرآه رسول الله ﷺ موليًا فأمر به فَدُعِيَ، فلما جاء قال: ماذا معك من القرآن؟ قال: معي سورة كذا وسورة كذا -عددها- فقال: تقرؤهن عن ظهر قلبك؟ قال: نعم، قال: اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن". باب: عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح (٤) مختصرًا، وفيه: "أمكناكها بما معك من القرآن"، وذكره في باب التزويج على القرآن وبغير صداق (٥) فذكره مختصرًا "إنها وهبت نفسها" لرسول الله ثلاث مرات تعيد القول عليه، وتقول , "إنها وهبت نفسها لك، فرَ فيها رأيك"، وفيه: فقال: اذهب فقد أنكحتها بما معك من القرآن"، وذكره مختصرًا في فضائل القرآن في باب: خيركم من تعلم القرآن
стр. 4094
وعلمه (١) بلفظ: "إنها قد وهبت نفسها لله ولرسوله فقال: ما لي في النساء من حاجة، فقال رجل: زوجنيها، فقال: اعطها ثوبًا، قال: لا أجد، قال: [أعطها] (٢) ولو خاتم من حديد، فاعتل له، فقال: ما معك من القرآن؟ قال: كذا وكذا، قال: فقد زوجتكها بما معك من القرآن"، وذكره أيضًا في باب إذا كان الولي هو الخاطب (٣)، مختصرًا. وفي باب السلطان وليٌّ (٤) مختصرًا أيضًا، وفي باب إذا قال: الخاطب [للولي] (٥) زوجني فلانة، فقال: زوجتك بكذا وكذا، جاز النكاح وإن لم يقل للزوج أرضيت أو قبلت (٦) مختصرًا أيضًا.
وذكره مسلم كما ساقه البخاري أولًا، وفي رواية له: "انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن"، ولم يذكر هذه البخاري، ومقصودي بإيرادي الحديث من الصحيحين أن سياق المصنف له
стр. 4095
باللفظ المذكور لم أجدها فيهما ولا في أحدهما.
الوجه الثاني: في التعريف براويه، وقد سلف واضحًا في أول باب الجمعة.
الوجه الثالث: في بيان المبهم الواقع فيه:
أما الواهبة نفسها: فاختلف في اسمها على أربعة أقوال:
أحدها: خولة بنت حكيم بن أمية، ويشهد له ما في الصحيحين عن عائشة كانت خولة بنت حكيم من اللائي وهبن أنفسهن" (١) الحديث.
ثانيها: أم شريك وهو الأشهر وقول الأكثرين كما حكاه النووي عنهم ويشهد له رواية النسائي (٢) عن أم شريك: "أنها كانت ممن وهبت نفسها للنبي ﷺ ، واسمها غزية بنت جابر بن حكيم. وقيل بنت دودان: ابن عوف، وقيل: عزيلة (٣).
ثالثها: ميمونة بنت الحارث، قاله ابن عباس (٤).
رابعها: زينب بنت خزيمة الأنصارية قاله الشعبي، حكاهما الماوردي (٥)، وحكى الذي قبله [ابن] (٦)
стр. 4096
بشكوال (١) عن إسماعيل القاضي.
وأما الرجل الذي سأل تزويجها، فلم أره بعد البحث عنه.
стр. 4097
وأما القرآن الذي كان يحفظ: ففي سنن أبي داود (١) من حديث أبي هريرة أنه ﵊ قال له: "ما تحفظ من القرآن؟ قال: سورة البقرة أو التي تليها، قال: "فقم فعلمها عشرين آية، وهي امرأتك"، وفي إسنادها عسل بن سفيان، ضعفه يحيى وأبو حاتم وليَّنه أحمد، فقال: ليس هو عندي قوي الحديث (٢).
الوجه الرابع: في ألفاظه:
معنى "وهبت نفسي لك"، أي أمر نفسي أو شأن نفسي.
و"طويلًا" يجوز أن يكون نعت لمصدر محذوف أي قيامًا طويلًا، كما ورد ذلك في رواية وأن يكون نعت لظرف محذوف أي قامت زمنًا طويلًا، وإنما سأل الرجل تزويجها لما علم من زهده ﵊ فيها بقرينة الحال.
و"إزارك" بضم الراء مرفوع على الابتداء والجملة الشرطية بعده خبره، والمفعول الثاني لأعطى محذوف التقدير أعطيتها إياه، والإزار: يذكر ويؤنث ما يشد على الوسط.
والخاتم: بكسر التاء وفتحها وخيتام وخاتام وختام وختم ست لغات، والجمع خواتيم، ومحمد خاتم النبيين، بالفتح كالطابع لهم، وبالكسر أي أنه آخرهم، وقد قُرِىءَ بهما، قوله -تعالى-، و "خاتم النبيين".
стр. 4098
وقوله: "ولو خاتمًا من حديد"، أي: لو كان الملتمس خاتمًا من حديد.
ويروى بالرفع على تقدير: ولو حضر خاتم من حديد، و "لو" هنا للتقليل، قال القاضي عياض: وهو على المبالغة لا التحديد، قال: وقيل: لعله إنما طلب منه ما يقدمه لا أن يكون جميع مهره خاتم حديد، قال: وهذا يضعف استحباب مالك تقديم ربع دينار (١) لا أقل.
و"الباء" في قوله: "بما معك"، قيل: إنها الباء المقتضية للمقابلة في العقود كزوجتك بكذا، وبعت كذا بكذا.
وقيل: إنها باء السببية أي بسبب ما معك من القرآن، إما بأن يخلي النكاح عن العوض على سبيل التخصيص لهذا الحكم بهذه الواقعة، وإما بأن يخلي عن ذكره فقط، ويثبت فيه حكم الشرع في أمر الصداق، وجزم المازري (٢) بالأول فقال: إنها "باء" التعويض، قال: ولم يرد أنه ملكه إياها بحفظه القرآن إكرامًا للقرآن، لأنها تصير بمعنى الموهوبة، وذلك خاص به ﵊.
وقال القاضي (٣): الأظهر أنه جعل صداقها أن يعلمها بما معه من القرآن أو مقدار منه بدليل رواية مسلم "فعلمها من القرآن".
الوجه الخامس: اختلفت الروايات في لفظه "زوجتكها" فالذي
стр. 4099
رواه الأكثرون منهم البخاري ومسلم "زوجتكها" وعليها اقتصر المصنف.
قال القاضي عياض: قال الدارقطني: وهو الصواب [وهو] (١) أكثر وأحفظ، ورويت في "صحيح مسلم": "مُلِّكتها" -بضم الميم وكسر اللام المشددة- على ما لم يسم فاعله، وكذا هي في معظم النسخ منه، ونقلها القاضي عن رواية الأكثرين لمسلم، قال: وفي بعض النسخ: "ملكتكها" بكافين، وكذا رويت في البخاري. قال: وقال الدارقطني: رواية من روى "ملكتها" وهم، وجمع النووي (٢) ﵀ بين الروايتين، فقال: يحتمل صحة اللفظين، ويكون جرى لفظ التزويج أولًا "فملكها"، ثم قال له: اذهب فقد "ملكتكها" بالتزويج السابق، ونقل الشيخ تقي الدين: هذا عن بعض المتأخرين -وعنى به النووي- ثم قال: [و] (٣) هذا أولًا بعيد، فإن سياق الحديث يقتضي تعيين موضع هذه اللفظة التي اختُلف فيها، وأنها التي انعقد بها النكاح، وما ذكره يقتضي وقوع أمر آخر انعقد به النكاح، واختلاف [موضع] (٤) كل واحد من اللفظين، وهو بعيدٌ جدًّا، وأيضًا: فإن لخصمه أن يعكس الأمر، ويقول: كان انعقاد النكاح بلفظ التمليك، وقوله: "زوجتكها" إخبار عما مضي بمعناه، فإن ذلك التمليك هو تمليك نكاح.
стр. 4100
وأيضًا فإن رواية من روى ["مُلَّكتها"] (١) التي [لم] (٢) يتعرض لتأويلها يبعد فيها ما قال، إلَّا على سبيل الإِخبار عن الماضي بمعناه، ولخصمه أن يعكسه، وإنما الصواب في [مثل] (٣) هذا أن ينظر إلى الترجيح [بأحد وجوهه] (٤). ثم نقل كلام الدارقطني السالف فإن هذه لفظة واحدة في حديث واحد اختلف فيها، والظاهر القوي أن الواقع منها أحد الألفاظ، لا كلّها.
قلت: وسلك طريق الترجيح من المتأخرين ابن الجوزي أيضًا فقال: في "تحقيقه" (٥)، هذا الحديث رواه مالك والثوري وابن عيينة وحماد بن زيد وزايدة ووهيب والدراوردي وفضيل بن سليمان فكلهم قال: "زوجتكها"، ورواه أبو غسان فقال: "أنكحناكها"، وروى ثلاثة أنفس "ملكتكها" معمر، وكان كثير الغلط، وعبد العزيز بن أبي حازم، ويعقوب الإِسكندراني وليسا بحافظين، والأخذ برواية الحفاظ الفقهاء مع كثرتهم أولى.
قلت: وقد أسلفنا رواية رابعة "مُلَّكتها". وخامسة "أمكناكها".
الوجه السادس: في أحكامه وفوائده.