بعضهم جعله أولى ما قيل في هذا.
خامسها (١): أنه يحتمل أنه كان في ثيابه دون بدنه ومذهب مالك وأصحابه جواز لبس الثياب المزعفرة، وحكاه مالك عن علماء المدينة (٢)، وهو مذهب ابن عمر (٣) وغيره.
وقال الشافعي وأبو حنيفة (٤): لا يجوز ذلك للرجل لا في الثوب ولا في اللحية، وحكى ابن شعبان المالكي (٥) عن أصحابهم كراهته في اللحية (٦)، قال الباجي (٧): وروى الداروردي أن ابن عمر كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى تمتلىء ثيابه منها، [وقال: إني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها ولم يكن شيء أحب إليه
стр. 4132
منها] (١)، وأنه كان يصبغ بها ثيابه كلها حتى العمامة. قال الباجي: وهذا في الزعفران وأما بغيره مما ليس بطيب ولا ينتقض على الجسد كالصفرة [وغيره] (٢) فلا خلاف في جوازه.
قال أبو عمر (٣): ووجه كراهة الزعفران نهيه ﵊ عنه وأمره يعلي بن مرة بغسله (٤)، وقوله: "لا تقرب الملائكة جنازة كافر ولا جنبًا ولا متضمخًا بخلوق" (٥)، قال القرطبي (٦): ويحتمل أن عبد الرحمن قصد استعماله لاحتياجه إلى التطيب لأجل العرس واستباح القليل منه، لأجل عدم غيره كما قال ﵊ في يوم الجمعة: "ويمس من الطيب ما قدر عليه"، وفي لفظ: "ولو من طيب المرأة" (٧).
الثالث: فيه استحباب تسمية الصداق إما قبل العقد أو في نفسه فإنه ﵊ سأله عما أصدقها بما دون (هل؟).
الرابع: فيه ما كانت الصحابة عليه من عدم التغالي في صدقات النساء مع أن عبد الرحمن بن عوف كان من مياسير الصحابة وأغنيائهم وعمل بالسنة في قلة المهر، ولهذا قال -عليه الصلاة
стр. 4133
والسلام-: "خير النكاح أيسره" (١)، فلو وقعت المغالاة فلا كراهة خلافًا للغزالي في (الإِحياء).
وقال القرطبي (٢): يكره لما فيه من السرف والمباهاة.
الخامس: استحباب الدعاء للمتزوج بقوله: "بارك الله لك" (٣)
أو نحوه ويكره أن يقال له: بالرفاء والبنين.
السادس: مشروعية الوليمة للعرس.
واختلف العلماء، هل الأمر بها للوجوب أو الندب.
والأصح عند الشافعية: الثاني، وحملوا الأمر عليه، وهو قول مالك وغيره.
وأوجبها: داود، وغيره.
واختلف في وقت فعلها عند المالكية: قال القاضي (١): والأصح عند مالك وغيره استحبابها بعد الدخول.
وعند جماعة منهم: عند العقد.
وعن ابن حبيب: عنده، وعند الدخول، قال: واستحبها بعض شيوخنا قبل البناء فيكون الدخول بها.
ولم أرَ عند الشافعية نقلًا عن ذلك، نعم البيهقي ترجم في "سننه" (٢)، باب: وقت الوليمة، وذكر فيه بإسناده إلى أنس ﵁ أنه قال: "بنى رسول الله ﷺ بامرأة فأرسلني فدعوت رجالًا إلى الطعام" (٣)، ولم يذكر فيه غيره وظاهره أنها بعد الدخول، لأن البناء عبارة عن الدخول، وذكر الوليمة بعده بفاء التعقيب، لقوله "فأرسلني".
стр. 4136
السابع: أنه يستحب للموسر أن لا يولم بأقل من شاة، ونقل القاضي عياض (١): الإِجماع على أنه لا حد لقدرها المجزى، بل بأي شيء أولم من الطعام حصلت الوليمة، وقد أولم على صفية بسويق وتمر (٢)، وعلى زينب بخبز ولحم (٣)، وهذا كله جائز تحصل الوليمة به، لكن يستحب أن يكون على قدر حال الزوج.
فرع: اختلف السلف في تكرارها أكثر من يومين: فكرهه طائفة ولم تكرهه أخرى واستحب أصحاب مالك أن يكون أسبوعًا للموسر. قال بعضهم: وذلك إذا دعا في كل حال من لم يدع قبله، ولم يكرر عليهم وكرهوا فيها المباهاة والسمعة (٤) وأولم ابن سيرين ثمانية أيام (٥).
تنبيه: ترجم المحب الطبري في "إحكامه"، الوليمة على الأخوة، ثم روى عن أنس قال: قدم علينا عبد الرحمن بن عوف فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع، فقال النبي ﷺ : "أولم ولو بشاة"، ثم قال: رواه البخاري، قال: وسياق لفظ الحديث يدل على الترجمة، قال: وإضمار ما تقدم في أمثاله محتمل وتكون الوليمة للعرس المضمر لا للإِخاء.
قلت: بل رواية البخاري مصرحة بذلك فإن فيها ذكر الزواج بعد الإخاء وأنه ﵊ قال له: "بارك الله لك أولم ولو بشاة" (١).
فائدة: الضيافات زائدة على العشرة، الوليمة للعرس، والخُرُس -بضم الخاء المعجمة وبالسين المهملة، ويقال بالصاد
стр. 4140
للولادة-، وقال العراقي (١) شارح [المهذب] (٢): يقال له الخرسة، وقال صاحب المستعذب (٣): والخُرْسة ما تطعمه النفساء، قال في الفائق (٤): كأنه سمى خُرْسًا، لأنها تصنع عند وضعها وانقطاع صرختها، وفي أمثالهم: تَخَرَّس لا مُخَرِّسَةَ لَكِ، أي اصنعي لكِ، فإنه لا صانع لَكِ، ويقال: التمر خُرْسَةُ "مريم" ﵍، لقوله -تعالي-: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ (٥).
والإِعذار: -بكسر الهمزة اسم عين مهملة ثم ذال معجمة- للختان، ويقال: العَزبرَةُ أيضًا (٦).
والوكيرة: للبناء.
والنقيعة: لقدوم المسافر مأخوذة من النقع وهو الغبار، ثم قيل إن المسافر يصنعه كما نقله الأزهري (٧) عن الفراء.
стр. 4141
وقيل: يصنعه غير له، وقال أبو زيد (١): النقيعة: طعام الأملاك، وقال ابن العربي في "شرح الترمذي"، التحفة: طعام القادم. والعقيقة: يوم سابع الولادة.
والوضيمة: -بفتح الواو وكسر [الضاد] (٢) المعجمة- الطعام عند المصيبة، نقله الجوهري (٣) عن الفراء.
والمأدبة" -بضم الدال وفتحها- الطعام المتخذ ضيافة بلا سبب، كذا قاله القاضي والرافعي، وقال الأزهري (٤): كل طعام يصنع لدعوة فهو مأدبة، ولعل مراد الأولين أنه لا اسم غير المأدبة.
الحذاق -بحاء مهملة مكسورة ثم ذال معجمة ثم ألف ثم قاف-: طعام حذق الصبي، ذكره صاحب "الشامل" من أصحابنا، قال ابن الرفعة في "مطلبه": وأشار به والله أعلم إلى الطعام المتخذ عند ختم الصبي.
قلت: وروي عن الإِمام أحمد أن بعض أولاده حَذق أي حفظ جملة من القرآن والعلم فقسم على الصبيان الجوز.
стр. 4142
والشُنْدَخيُّ -بضم الشين المعجمة ثم نون ساكنة ثم دال معجمة مهملة مفتوحة ومضمومة ثم خاء معجمة -بعدها ياء- كذا قيده ابن الرفعة في "كفايته" و"مطلبه": طعام الأملاك، مشتق من قولهم: فرس شُنْدَخ، وهو الذي يتقدم الخيل سمي بذلك، لأنه يتقدم العرس ويقال: لهذا الطعام ملاك وإملاك، قال ابن داود: من أصحابنا وسمي باسم وقته.
وزاد صاحب "الرونق" العتيرة، قال: وهي ذبيحة تذبحها العرب أول يوم من رجب، و"النقرى"، قال: وهي التي تخص قوم دون قوم، والجفلى قال: وهي التي يعم بدعوته سائر الناس (١).
خاتمة: قال البيهقي (٢): قال الشافعي: لم أعلمه أمر بذلك قال: أظنه قال: أحدًا غيره يعني غير عبد الرحمن بن عوف قال: ولا أعلم أنه ﵊ ترك الوليمة على عرس ولم أعلمه أولم على غيره.
تنبيه: أنكر القاضي عياض (٣) على من احتج بتفسير النواة بثلاثة دراهم وربع على أنه أقلّ المهر لأنه قال: من ذهب وذلك يزيد على دينارين، بل هو حجة على من يقول إنه لا يكون أقل من عشرة دراهم.
стр. 4143
كتاب الطلاق
стр. 4144
٦٤ - باب الطلاق
هو في اللغة: حل القيد والإِطلاق، ومنه ناقة طالق.
وفي الشرع: اسم لحل عقد النكاح فقط.
"وطلقت": بفتح اللام أصح من ضمها، قاله "صاحب المطالع" "وطلقت": بضم الطاء وكسر اللام مخففة من الولادة طلقا و"طالقة" لغة في طالق.
وذكر المصنف في الباب حديث ابن عمر، وحديث فاطمة بنت قيس.
الحديث الأول
٣٣٥/ ١/ ٦٤ - عن عبد الله بن عمر ﵄؛ "أنه طلق امرأته وهي حائض؛ فذكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ ، فتغيَّظ منه رسول الله ﷺ ؛ ثم قال: "ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر. فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها فتلك العدة، كما أمر الله ".
стр. 4145
وفي لفظ: "حتى تحيض حيضةً مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها [بها] (١) ".
[وفي لفظ: "فيها"] (٢)، وفي لفظ: "فحسبت من طلاقها، وراجعها عبد الله، كما أمر رسول الله ﷺ " (٣).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في باب الاستطابة ووالده سلف في أول الكتاب.
الثاني: هذه المرأة المطلقة اسمها آمنة بنت غفار، قاله "ابن باطيش" (٤).
الثالث: في أحكامه:
الأول: تحريم الطلاق في الحيض، وهو إجماع الأمة إذا طلقها بغير رضاها.
стр. 4146
واختلف في علته، فقيل: لتطويل العدة، فإن بقية الحيض لا تحسب من العدة، وفي ذلك إضرار بها، وفي الحديث دلالة عليه إذ قال ﵊: "فتلك العدة، كما أمر الله ".
وقيل: العلة وجود الحيض فقط وصورته، وينبني عليها طلاق الحامل إذا طلقها في الحيض، وقلنا: "إنها تحيض، فمن علل بالأول لم يحرم، وهو الأصح عند الشافعية، وبه قال أكثر العلماء، كما حكاه عنهم ابن المنذر، منهم: مالك وأحمد، لأن انقضاءها هنا بوضع الحمل على كل حال، ومن علل بالثاني حرّمه، وهو الظاهر من إطلاق الحديث من حيث إنه ﵊ أمر بالمراجعة من غير استفصال ولا سؤال عن حال المرأة في الحمل والحبال. وترك الاستفصال في مثل هذا تنزل منزلة العموم في المقال عند جمع من أرباب الأصول، إلَّا أنه قد يضعف هاهنا هذا المأخذ، والاحتمال أن يكون ترك الاستفصال لندرة الحيض في الحمل، وينبني عليهما أيضًا إذا سألت المرأة الطلاق في الحيض. فإن عللنا بالتطويل فلا يحرم هنا لرضاها به. فإن عللنا بالثاني حرُم وهو الأصح عند الشافعية أيضًا. والعمل بظاهر الحديث في ذلك أولى. وقد يقال في هذا ما قيل في [الأول] (١) من ترك الاستفصال.
وقد يجاب عنه فيهما: بأنه مبني على الأصل، فإن الأصل عدم سؤال الطلاق وعدم الحمل. وبنى على ذلك الفاكهي من المالكية أيضًا غير الممسوسة. وعند الشافعية: أنه لا بدعة في طلاقها ولا
стр. 4147
سنة، وهو ما حكاه غيره من المالكية إذا لم تكن حائضًا. ونقل اتفاقهم عليه. ونقل خلافًا فيما إذا كانت حائضًا وأن المشهور كذلك أيضًا. وأن أشهب كرهه، وضعّف قوله. وعن مالك: في طلاق [الحاكم] (١) على المولى روايتان. وعند الشافعية: أنه ليس بحرام وفيه بحث للرافعي، لأنه أحوجها بالإِيذاء إلى الطلب، وهو غير ملجأ إلى الطلاق لتمكنه من الفيئة.
[الحكم] (٢) الثاني: أنه إذا طلق فيه وقع، وحسب من طلاقها مع الإثم. وشذ بعض أهل الظاهر وابن علية ومن لا يعتد به من الخوارج والروافض فيه، لأنه غير مأذون له فيه، فأشبه طلاق الأجنبية، وذلك باطل للأمر بمراجعتها, لأنه لو لم يقع لم تكن رجعة، لا يقال: إن الرجعة هنا الرجعة اللغوية وهي الرد إلى حالها الأول من غير احتساب طلقة، لأن الحقيقة الشرعية مقدمة عليها. وأن ابن عمر قد صرح بأنها حسبت من طلاقها كما سلف، وراجعها كما أمر الشارع، وكأنهم تمسكوا برواية أبي الزبير عن ابن عمر: "فردها عليَّ، ولم يرها شيئًا" (٣) ولكن قال
стр. 4148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4149
أبو داود (١): الأحاديث كلها بخلاف حديث أبي الزبير. وقال أهل الحديث: لم يرو لأبي الزبير أنكر من هذا.
الثالث: الأمر بمراجعتها: وهل هو على وجه الندب أو الوجوب؟ قولان للعلماء: وبالندب: قال الشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد وفقهاء المحدثين وآخرون (٢).
وبالوجوب: قال مالك وأصحابه. ويجبر الزوج عليها.
قال إمام الحرمين من الشافعية: والمراجعة وإن كانت مستحبة فلا نقول: تركها مكروه. وما ذكره لا يخلو عن نظر؛ فإن الشارع قد أمر بها، وفيها دفع الإِيذاء. ثم ما ذكره الإِمام من عدم الكراهة يخالف ما أشعر به كلامه في موضع آخر من أن المكروه ترك ما ورد فيه أثر يخصه.
فرع: اختلف المالكية فيما إذا لم يراجعها حتى جاء الطهر الذي أبيح له الطلاق فيه: هل يجبر على الرجعة، لأنه حق واجب فلا يزول بزوال وقته أ [م] (٣)، لأنه قادر على الطلاق في الحال، فلا معنى للارتجاع [. .] (٤) قال ابن عبد البر (٥): ودم النفاس كالحيض.
стр. 4150
وقال داود (١): يجبر في الحيض دون النفاس. كذا نقله عن داود، ونقل الباجي (٢) عن داود: أنه يقع في الحيض، وقد أسلفنا نقله عن بعض أهل الظاهر أيضًا.
الرابع. أن الطلاق [في] (٣) غير زمن الحيض لا إثم فيه، وكذلك في الطهر الذي لم يجامعها فيه؛ بخلاف الطهر الذي جامعها [فيه،] (٤) نعم يكره أن تطلق من غير سبب لحديث ابن عمر أيضًا في أبي داود وابن ماجه (٥): "أبغض الحلال إلى الله الطلاق"، فيكون
стр. 4151
حديثه هذا لبيان كراهة التنزيه. وحديثه في الصحيح لبيان عدم التحريم.
واعلم أن الطلاق: قد يكون مكروهًا كما قد عرفته آنفًا، وقد يكون محرمًا كما سلف. وحاصل صور الحرام ثلاث: أن يطلقها في الحيض بلا سبب منها، أو في طهر جامعها فيه قبل بيان الحمل، أو أن يكون عنده زوجات فقسم لهن، وطلق واحدة منهن قبل أن يوفيها حقها.
وقد يكون واجبًا، كما في طلاق الحكم والمولى.
وقد يكون مندوبًا، كما إذا كانت غير عفيفة، أو يخافا أو أحدهما أن لا يقيما حدود الله، ونحو ذلك.
ولا يكون مباحًا مستوى الطرفين، ولا بدعة عند الشافعي في جميع الطلقات الثلاث، وبه قال أبو ثور وأحمد.
وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة والليث: هو بدعة. قال أبو حنيفة: ويجعل في الحامل بين الطلقتين شهرًا، وبه قال أبو يوسف.
وقال مالك وزفر ومحمد بن الحسن: لا يوقع عليها أكثر من واحدة حتى تضع.
стр. 4152
الخامس: أن الرجعة لا تفتقر إلى رضا المرأة ولا وليها ولا تجديد عقد. وهذا الوجه استنبطه الخطابي (١)، ونقله القاضي عنه. ثم قال: وليس بينًا، ولم يظهر لي وجه توقفه فيه.
السادس: أن الأقراء في العدة هي الأطهار وإليه الإشارة بقوله: "فتلك العدة، كما أمر الله" أي كما أذن فلا يتعدى، ولا يتجاوز، ولا يصح عود الضمير في "فتلك" إلى الحيض لأن الطلاق في الحيض غير مأمور به، بل محرم، وقد أجمع الفقهاء والأصوليون واللغويون على أن القرء في اللغة يطلق على الحيض وعلى الطهر.
ثم اختلفوا في الأقراء المذكورة في آية الطلاق، وفيما تنقضي به العدة، فقال مالك والشافعي وآخرون: هي الأطهار (٢).
وقال الأوزاعي وأبو حنيفة وآخرون: هي الحيض. وهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود، وبه قال الثوري وزفر وإسحاق وآخرون من السلف، وهو أصح الروايتين عن أحمد.
قالوا: لأن من قال بالأطهار يجعلها قرءين وبعض الثالث. وظاهر القرآن أنها ثلاثة.
والقائل بالحيض شرط ثلاث حيضات كوامل، فيكون أقرب إلى موافقة القرآن.
ولهذا الاعتراض مال ابن شهاب الزهري إلى أن الأقراء هي الأطهار. قال: ولكن لا تنقضي العدة إلَّا بثلاثة كاملة، وهو مذهب
стр. 4153
تفرد به القائلون بالأطهار اتفقوا على انقضائها بقرءين وبعض الثالث.
وأجابوا عن الاعتراض: بأن الشهر وبعض الثالث يطلق عليه اسم الجمع. قال تعالى: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (١)، ومعلوم أنها شهران وبعض الثالث، وكذا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (٢)، [المراد في يوم وبعض] (٣) الثاني.
واختلف القائلون بالأطهار متى تنقضي عدتها؟.
فالأظهر عند الشافعية أنه بمجرد رؤية الدم بعد الطهر الثالث. وفي قول لا تنقضي حتى يمضي يوم وليلة. والخلاف المذكور ثابت عند المالكية أيضًا.
واختلف القائلون بالحيض أيضًا فقال أبو حنيفة وأصحابه حتى تغتسل من الحيضة الثالثة أو يذهب وقت صلاة (٤).
وقال عمرو وعلي وابن مسعود والثوري وزفر وإسحاق وأبو عبيد: حتى تغتسل من الثالثة.
وقال الأوزاعي وآخرون: ينقضي بنفس انقطاع الدم. وعن إسحاق رواية أنه إذا انقطع الدم انقطعت الرجعة، ولكن لا تحل للأزواج حتى تغتسل احتياطًا وخروجًا من الخلاف (٥).
стр. 4154
السابع: الأمر بإمساك المرأة المراجعة حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها.
واختلف في السر في أمره بالرجعة، ثم تأخير الطلاق إلى طهر بعد طهر يلي هذا الحيض على أوجه:
أحدها: لئلا تصير الرجعة لغرض الطلاق، فوجب أن يمسكها زمنًا كان يحل له فيه طلاقها، وإنما أمسكها لتظهر فائدة الرجعة، وهذا جواب أصحابنا، وهو الأصح. أعني أنه لا يستحب الطلاق في الطهر الثاني لتلك الحيضة، لأن الصيغة "حتى" للغاية.
ثم اختلفوا: هل يندب الوطء في الطهر الأول؟ على وجهين:
أحدهما: نعم ليظهر مقصود الرجعة.
وأصحها: لا، اكتفاء بإمكان الاستمتاع.
ثانيها: أنه عقوبة له, وتوبة من معصيته، واستدراك جنايته. قال المازري (١): وهذا معترض لأن ابن عمر لم يعلم الحكم وإنما يغلظ على المعتمد ونوقش فيه، فإنه ﵊ تغيظ فيه كما في الحديث ولم يعذره. إما لأن الأمر من الظهور بحيث لا يكاد يخفى، فكانت الحال تقتضي التثبت، أو مشاورته ﵊ في ذلك واستفتائه.
ثالثها: أن الطهر الأول مع الذي يليه، وهو الذي طلق فيه: كقرء واحد، فلو طلقها في أول طهر لكان كمن طلق في الحيض.
стр. 4155
رابعها: أنه نهى عن طلاقها في الطهر ليطول مقامه معها، فلعله يجامعها، فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقه، وادعى القرطبي (١) أن هذا أشبهها وأحسنها.
فرع: يكره له عند المالكية أن يطلقها ثلاث طلقات، فيفرقه في ثلاثة أطهار، وأجاز ذلك أبو حنيفة في أحد قوليه. وقاله ابن مسعود وبه قال أشهب مرة، وأجاز أيضًا رجعتها، ثم طلاقها، ثم رجعتها، ثم طلاقها، فتتم الثلاث.
الثامن: أن الأمر المطلق على شرط يعدم عند عدمه فإن ﵊ أذن في الطلاق قبل مسيسها، أي وطئها، وقيده به، وفي ذلك دلالة على امتناعه في الطهر الذي مسَّها فيه لأنه شرط في الأذن عدم المسيس بها. وقد أسلفنا أن الطلاق في طهر مسها فيه حرام، ومذهب مالك: أنه مكروه. وأنصف الفاكهي فقال: الأظهر عندي أنه حرام. ونقل الفاكهي عن بعضهم أنه لا يعتد بهذا الطهر، ويستأنف ثلاثة أطهار، وهو شاذ، وإنما كان الطلاق في الطهر الذي طلقها فيه بدعيًّا حرامًا لخوف الندم، فإن المسيس سبب الحمل، وذلك سبب الندامة على الطلاق بخلاف ما إذا تبين الحمل وطلقها بعد ذلك، فإن يكون من أمره على بصيرة فلا ندم فلا يحرم.
التاسع: مراجعة الشارع في الأمور المهمة، وتغيظه عند وقوع حادث، ومراعاة كتاب الله تعالى، وامتثال ما أمر به رسوله، وغير ذلك من الفوائد، وذكر عمر طلاق ابنه، قال الشيخ تقي
стр. 4156
الدين (١): لعله يعرِّفه الحكم، قال: وتغيظه ﵊ إما لكونه فعل ما يقتضي المنع ظاهرًا من غير تثبت أو لتركه المشاورة له ﵊ في فعله ذلك إذا عزم عليه. قال (٢): ويتعلق بالحديث مسألة أصولية، وهي أن الأمر بالأمر بالشيء، هل هو أمر بذلك الشيء أم لا؟ فإنه ﵊ قال: أي في الصحيح لعمر: "مُره فليراجعها" فأمره بأمره، وعلى كل حال فلا ينبغي أن يتردد في اقتضاء ذلك الطلب، وإنما ينبغي أن ينظر في أن لوازم صيغة الأمر: هل هي أوامر كصيغة الأمر بالأمر، بمعنى أنهما: هل يستويان في الدلالة على الطلب من وجه واحد أم لا؟
خاتمة: الصحيح أن ابن عمر ﵁ طلَّق واحدة، ووهم من روى ثلاثًا، كما بيَّنه مسلم عن ابن سيرين.
فرع: الطلاق في النفاس كالطلاق في الحيض.
تنبيه: قال أبو عمر (٣): روى جماعة: "فليراجعها حتى تطهر، ثم إن شاء طلَّق بعد، وإن شاء أمسك"، ولم يقولوا: "ثم تحيض ثم تطهر"، فأخذ بها أبو حنيفة والمزني وأكثر العراقيين، وزاد بعض الرواة: "ثم إن شاء طلَّقها طاهرًا قبل أن يمس، أو حاملًا".
وأخذ برواية: "ثم تحيض ثم تطهر" فقهاء الحجاز منهم مالك والشافعي. قال: قال وروى قاسم بن أصبغ؛ أنه عليه الصلاة
стр. 4157
والسلام "أمره أن يراجعها فإذا طهرت مسّها، ثم إذا طهرت أُخرى فإن شاء طلَّق، وإن شاء أمسك". وهذه الرواية تؤيد الوجه السالف القائل باستحباب الوطء في الطهر الأول، لكنها معلولة، كما بيَّن ذلك عبد الحق.
стр. 4158
الحديث الثاني
٣٣٦/ ٢/ ٦٤ - عن فاطمة بنت قيس "أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب".
وفي رواية: طلقها ثلاثًا، فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء فجاءت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: "ليس لكِ عليه نفقة"، وفي لفظ: "ولا سكنى" فأمرها أن تعتد في بيت أُم شريك، ثم قال: "تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك، فإذا حللت فآذنيني". قالت: فلمَّا حللت ذكرت ذلك له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله ﷺ : "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك، لا مال له .. انكحي أسامة بن زيد، فكرهته. ثم قال "انكحي أسامة بن زيد"، فنكحته، فجعل الله فيه خيرًا، واغتبطت به (١).
стр. 4159
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: هذا الحديث بهذه السياقه من أفراد مسلم، والبخاري ذكر منه قصة انتقالها فقط (١). وفي رواية له (٢) عن عائشة: "ما لفاطمة ألا تتقي الله؟ " يعني في قولها: "لا سكنى لها ولا نفقة" وفي رواية عنها (٣): "إن فاطمة كانت في مكان وحش، فخيف على ناحيتها فلذلك أرخص لها النبي ﷺ ".
الثاني: في التعريف براويه وبالأسماء الواقعة فيه.
أما راويه: ففاطمة بنت قيس هي أخت الضحاك بن قيس بن خالد الأكبر بن وهب بن ثعلبة بن واثلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشية الفهرية، وكانت أكبر من أخيها الضحاك بعشر سنين، قدمت عليه الكوفة، وكان أميرًا. لها صحبة ورواية، وكانت من المهاجرات الأُول، وذات عقل وكمال، وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى عند قتل
стр. 4160
عمر بن الخطاب، وخطبوا خطبتهم المأثورة، قال الزبير: وكانت امرأة نجودًا، أي نبيلة.
رُوي لها عن النبي ﷺ أربعة وثلاثون حديثًا اتفقا على حديث في مسند عائشة، ولمسلم ثلاثة روى عنها عروة والقاسم وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعبيد الله بن (١) عبد الله ابن عتبة والشعبي، وكل هؤلاء فقهاء.
وأما زوجها أبو عمرو بن حفص: فهو ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي ابن عم خالد بن الوليد وقيل: إنه أبو حفص ابن عمر، وقيل: إنه (٢) أبو حفص ابن المغيرة. قال النووي في "مختصر المبهمات" (٣) وهو ما رواه مسلم في معظم الروايات. وقال في "شرحه لمسلم" (٤) الجمهور على الأول، وكذا قال الشيخ تقي الدين (٥): إن من قاله أكثر.
وفي اسمه أقوال:
أحدها: عبد الحميد: وصححه القاضي عياض، ونقله النووي (٦) في "شرحه" عن الأكثرين.
стр. 4161
ثانيها: أحمد، قاله النسائي (١)، ولا يعرف في الصحابة من اسمه أحمد غيره على هذا القول.
ثالثها: أن اسمه كنيته، وذكره البخاري (٢) ممن لا يعرف اسمه.
أمه: درة بنت خزاعي الثقفية. وكان قد طلق امرأته فاطمة هذه وهو غائب بالشام (٣)، فأرسل إليها وكيله، وفي "الصحابة" للعسكري و "التهذيب" أنه طلَّقها باليمن (٤). نعم أسلم وخرج مع علي إلى اليمن فمات هناك. وحديثه في النسائي يدل على أنه بقي إلى أيام عمر، وأنه قال لعمر لما نزع خالد بن الوليد، واعتذر يوم الجابية بأنه أمره بحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فأعطاه ذا البأس وذا اليسار وذا الشرف، وأثبت أبا عبيدة: والله لقد نزعت عاملًا استعمله رسول الله ﷺ [. .] (٥) وأغمدت سيفًا سلّه، ووضعت لواء نصبه، ولقد قطعت الرحم وحسدت [ابن] (٦) العم. فقال عمر: أما إنك قريب القرابة، حديث السن، تغضب لابن عمك.
تنبيه: وقع في "مبهمات" (٧) الخطيب حافظ المشرق حكاية
стр. 4162
قول إن الذي طلق فاطمة هذه عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وقدمه على غيره، فقال: قيل: اسمه عياش بن أبي ربيعة. وقيل: أبو حفص بن المغيرة، وفي بعض طرقه عمرو بن حفص، وتابعه على ذلك أبو الفرج بن الجوزي في "تلقيحه" (١) وهو عجيب منهما، فإن هذا وكيل زوجها, لا زوجها , لا جرم ضعفه النووي في "اختصاره للمبهمات" (٢)، فقال: هذا الذي قاله الخطيب فاحش، فإن عياش بن أبي ربيعة ليس زوجها قطعًا، إنما هو رسول زوجها، أرسله إليها يخبرها بالطلاق، ويعطيها نفقة من شعير، هكذا جاء مصرحًا به في "صحيح مسلم". وأما زوجها فقد أسلفنا ما فيه.
وأما أم شريك: فهي قرشية عامرية وقيل: أنصارية. وقد ذكره مسلم في آخر "صحيحه" (٣) في حديث الجساسة. وفي اسمها ثلاثة أقوال: أسلفناها في الحديث الثاني من باب الصداق. وقيل: إنها الواهبة نفسها. وقيل غيرها، وذكرها بعضهم في أزواجه، ولا يصح. ومن عدها منهم قال: كان ذلك بمكة. روى لها الشيخان حديثًا واحدًا، ومسلم آخر.
وأما ابن أم مكتوم: فسلف التعريف به في باب الأذان.
وأما معاوية: فسلف في باب الذكر عقب الصلاة نبذة من حاله، وغلط من قال: إن معاوية هذا آخر فرواية المصنف مصرحة
стр. 4163
بأنه ابن أبي سفيان، قال: النووي في "تهذيبه" (١): هذه القولة غلط صريحة لا شك فيها.
وأما أسامة: فسلف في باب دخول مكة.
وأما أبو الجهم: فهو صاحب الإِنبجانية المذكورة في باب الذكر عقب الصلاة، وهو غير أبي الجهيم المصغر المذكور في باب المرور، قال القاضي عياض (٢): وغلط يحيى بن يحيى أحد رواة الموطأ فنسبه فقال: أبو جهم بن هشام، ولم ينسبه في الرواية غيره، وهو غلط ولا يعرف في الصحابة أحد يقال له: أبو جهم بن هشام. قال: ولم يوافق يحيى على ذلك من رواة الموطأ ولا غيرهم، وكذا قال ابن الطلاع (٣) أيضًا إنه غلط، وأنه ليس في جميع الصحابة أحد يقال له أبو جهم بن هشام، وإنما هو أبو جهم بن صخر بن عدي قرشي، ويقال: أبو جهم بن حذيفة.
قلت: [ورواه] (٤) عبد بن حميد في "مسنده" (٥) مصرحًا بالأول، وهذا لفظه: "فخطبها معاوية وأبو جهم بن [صخر] " (٦)، ووقع في بعض روايات مسلم مصغرًا، والمشهور إنه مكبر، وهو المعروف في باقي الروايات وفي كتب الأسماء وغيرها.
стр. 4164
الوجه الثالث: في تبيين المبهم الواقع فيه وهو الوكيل، وقد أسلفنا أنه عياش بن أبي ربيعة المخزومي، واسم أبي ربيعة عمرو.
الوجه الرابع: في تبيين ألفاظه ومعانيه:
فقولها: "طلقها"، هو الصحيح الذي رواه الحفاظ، واتفق على روايته الثقات على اختلاف ألفاظهم: "أنه طلقها ثلاثًا" أو "البتة" أو "آخر ثلاث طلقات"، وجاء في آخر "صحيح مسلم" في حديث الجساسة ما يوهم أنه مات عنها، فإنه روى بإسناده عن فاطمة بنت قيس، فقالت: نكحت ابن المغيرة وهو من خيار شباب قريش يومئذٍ، فأُصيب في الجهاد مع رسول الله ﷺ فلما تأيمت خطبني"، الحديث. قال العلماء: ليست هذه الرواية على ظاهرها، بل هي وهم أو مؤولة على أن معناها أصيب بجراحة أو في ماله أو نحو ذلك، لا أنه مات في الجهاد مع رسول الله ﷺ ، بل إنما تأيمت بطلاقه البائن، كما ذكره مسلم هنا وهناك، وكذا ذكره المصنفون في جميع كتبهم.
وقد اختلفوا في وقت وفاة زوجها. فقيل: مع على عقب طلاقها باليمن، حكاه ابن عبد البر، وقيل: بل عاش إلى خلافة عمر، حكاه البخاري في "تاريخه" (١).
وقولها: "طلقها البتة"، وفي لفظ: "ثلاثًا"، فيه رواية ثالثة: "أنه طلَّقها آخر ثلاث تطليقات"، ورابعة: "أنه طلَّقها طلقة كانت
стр. 4165
بقيت من طلاقها". وخامسة: "أنه طلقها"، ولم يذكر عددًا ولا غيره، والكل في "صحيح مسلم".
والجمع بينهما: أنه كان طلقها قبل هذا طلقتين، ثم طلقها هذه المرة الطلقة الثالثة. فمن روى أنه طلقها مطلقًا، أو واحدة، أو "آخر ثلاث تطليقات"، فهو ظاهر ومن روى "البتة" فمراده طلقها طلاقًا صارت مبتوتة بالثلاث، أو عبر بها عن الثلاث على من يجعل لفظ "البتة" للثلاث، ومن روى "ثلاثًا" أراد تمام الثلاث.
وقولها: "وهو غائب"، قد أسلفنا الخلاف في موضع طلاقها. و "وكيله" منصوب على المفعول، ويجوز رفعه، وجزم بهذا النووي في شرحه (١) فقال: الوكيل مرفوع وهو المرسل، وقال الشيخ تقي الدين (٢): يحتمل النصب، ويكون الوكيل هو المرسل، ويحتمل الرفع، ويكون الوكيل هو المرسل. قال: وقد عينه بعضهم للرواية, ولعله عني فيه النووي حيث جزم به في شرحه، والضمير في وكيله يعود على أبي عمرو بن حفص. واعلم أنه جاء في "صحيح مسلم" وكيله كما ذكره المصنف، وجاء في رواية له: أنهما الحارث بن هشام وعباس بن أبي ربيعة بنفقة. فقال القرطبي (٣) قوله: "وكيله" فإن صوابه أن يقول: وكيليه عملًا بالرواية الأخرى وفيما ذكره نظر.
ومعنى "سخطته" كرهته ولم ترضَ به.
стр. 4166
وقوله: "واللهِ ما لكِ علينا من شيء" إنما قال لقيامه مقام موكله في ذلك، وكأنه أيضًا مدعى عليه. قال القرطبي: وكأن إرساله بهذا الشعير كان منه متعة، فحسبته هي نفقة واجبة عليه، فلذلك سخطته، ورأت أنها تستحق عليه أكثر من ذلك وأطيب، فأجيبت إذ ذاك بالحكم، فلم تقبل ذلك حتى أخبرها الشارع به.
وقوله: "تلك [امرأة] (١) يغشاها أصحابي" معناه أنهم كانوا يزورون أم شريك، ويكثرون التردد إليها لصلاحها فرأى ﵇ أن على فاطمة من الاعتداد عندها حرجًا من حيث إنه يلزمها التحفظ من نظرهم إليها ونظرها إليهم، وانكشاف شيء منها، وفي التحفظ في هذا مع كثرة دخولهم وترددهم مشقة ظاهرة فأمرها بالاعتداد في بيت ابن أم مكتوم لأنه لا يبصرها ولا يتردد إلى [بيته] (٢) من يتردد إلى بيت أم شريك، ولا يلزم من إذنه ﵊ بالاعتداد [في بيته] (٣) الإِذن لها في النظر إليه، بل فيه أنها تأمن عنده من نظر غيره إليها، وهي مأمورة بغض بصرها، فيمكنها التحرز عن النظر بلا مشقة بخلاف مكثها في بيت أم شريك. وفي هذا بحث سيأتي.
ومعنى "آذنيني" أعلميني، وهو بهمزة ممدودة.
والعاتق: ما بين العنق والمنكب.
وفي معنى لا يضع عصاه عن عاتقه: تأويلات.
стр. 4167
أظهرها: أنه كثير الضرب للنساء، كما جاء مصرحًا به في رواية لمسلم "إنه ضرَّاب للنساء".
ثانيها: أنه كثير الأسفار، وقد جاء في غير مسلم ما يدل له، حكاه القرطبي (١).
ثالثها: أنه كناية عن كثرة الجماع، حكاه صاحب "البيان" والرافعي، والمنذري، واستبعد لأنه ﵊ يبعد منه الاطلاع على هذه الحالة من غيره، ثم يبعد ذكره من خلفه وإذنه، ثم إن المرأة لا ترغب عن الخاطب بذلك لا جرم، لما حكاه صاحب "البيان" قال: إنه غلط، لأنه ليس في الكلام ما يدل على أنه أراد هذا، ثم قال: [. .] (٢) قال الصيمري: لو قيل: إنه أراد بقوله هذا كثرة الجماع، أي أنه كثير التزويج لكان أشبه.
رابعها: أنه شديد على أهله، خشن الجانب في معاشرتهن، مستقص عليهن في باب المغيرة، قاله الأزهري في "زاهره" (٣) ثم حكى القول الثاني والأول، وقال أبو عبيد (٤): في قوله ﵊ "أنفق على أهلك [من طولك] (٥)، ولا ترفع عصاك [عنهم] (٦) لم يرد العصا التي يضرب بها ولا أمر أحدًا بذلك، وإنما
стр. 4168
أراد منعها من الفساد [. .] (١) يقال: للرجل إذا كان رفيقًا حسن السياسة (٢) [لين] (٣) العصا.
وقوله: "وأما معاوية فصعلوك" بضم الصاد أي فقير يعجز عن القيام بحقوق الزوجية.
وفي رواية لمسلم "إنه ترب لا مال له" والترب: بفتح التاء وكسر الراء الفقير، وأكده بأنه لا مال له، لأن الفقير قد يطلق على من له شيء يسير لا يقع موقعًا من كفايته ثم صار بعد معاوية إلى ما صار، فسبحان من بيده الغنى والفقر.
[. .] (٤) قولها: "واغتبطت"، هو بفتح التاء والياء من غير بناء للمفعول، ووقع في بعض روايات مسلم زيادة "به" ولم يقع في أكثرها.
والغبطة: تمني مثل حال المغبوط من غير إرادة زوالها عنه، وليس هو بحسد، تقول غبطته [بما نال أغبطه بكسر الباء غبطًا وغبطة فاغتبط هو.
ومعنى] (٥) "اغتبطت به" أنها لما امتثلت أمر الشارع في نكاح أسامة حصل لها الغبطة وقرت عينها. وأما إشارته -عليه الصلاة
стр. 4169
والسلام- بنكاح أُسامة فلما علمه من دينه وفضله وحسن سيره، فنصحها، فكرهته، لكونه مولى، وكونه أسود جدًّا. فكرر عليها الحث على زواجه لما علم من مصلحتها في ذلك، فكان كذلك و [لهذا] (١) لما قالت بيدها هكذا: أسامة، أسامة، فقال لها -عليه الصلاة السلام-: طاعة الله، وطاعة رسوله خير لك" رواه مسلم.
وقال القاضي حسين إنما كرهته لمعنيين:
أحدهما: أن أسامة ليس بكفء لها، لأنها [قرشية، وهو من الموالي. ويرشد إلى هذا الرواية التي] (٢) أسلفناها أيضًا.
[وثانيهما] (٣): أنها طمعت في أن يتزوج بها رسول الله ﷺ , لأنه قال لها من قبل ما قال: قبل انقضاء العدة.
[الوجه] (٤) الخامس: في فوائده:
الأولى: جواز إيقاع الطلاق الثلاث دفعة لعدم إنكاره ﵊ في رواية "طلقها ثلاثًا"، وفيه احتمال من كونه أنه أوقع عليها طلقة تتم بها الثلاث، كما تقدم في تلك الرواية.
الثانية: أنه لا نفقة للمطلقة البائن غير الحامل ولا سكنى، وفيه ثلاثة مذاهب:
стр. 4170
أحدها: هذا وبه قال ابن عباس وأحمد عملًا بهذا الحديث، وهو قول الأكثرين في السكنى، كما حكاه البغوي في "شرح السنة" (١) وفي النفقة كما حكاه عنهم الشيخ تقي الدين (٢).
ثانيها: يجبان، [وبه قال عمر بن الخطاب وأبو حنيفة (٣).
ثالثها: تجب السكنى دون النفقة] (٤)، وبه قال مالك والشافعي وآخرون، لقوله تعالي: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٥).
والجواب عن حديث فاطمة [هذا] (٦): أن أكثر الرواة لم يذكروا فيه "ولا سكنى"، على أنها مرسلة على ما قاله