وقوله: "واللهِ ما لكِ علينا من شيء" إنما قال لقيامه مقام موكله في ذلك، وكأنه أيضًا مدعى عليه. قال القرطبي: وكأن إرساله بهذا الشعير كان منه متعة، فحسبته هي نفقة واجبة عليه، فلذلك سخطته، ورأت أنها تستحق عليه أكثر من ذلك وأطيب، فأجيبت إذ ذاك بالحكم، فلم تقبل ذلك حتى أخبرها الشارع به.
وقوله: "تلك [امرأة] (١) يغشاها أصحابي" معناه أنهم كانوا يزورون أم شريك، ويكثرون التردد إليها لصلاحها فرأى ﵇ أن على فاطمة من الاعتداد عندها حرجًا من حيث إنه يلزمها التحفظ من نظرهم إليها ونظرها إليهم، وانكشاف شيء منها، وفي التحفظ في هذا مع كثرة دخولهم وترددهم مشقة ظاهرة فأمرها بالاعتداد في بيت ابن أم مكتوم لأنه لا يبصرها ولا يتردد إلى [بيته] (٢) من يتردد إلى بيت أم شريك، ولا يلزم من إذنه ﵊ بالاعتداد [في بيته] (٣) الإِذن لها في النظر إليه، بل فيه أنها تأمن عنده من نظر غيره إليها، وهي مأمورة بغض بصرها، فيمكنها التحرز عن النظر بلا مشقة بخلاف مكثها في بيت أم شريك. وفي هذا بحث سيأتي.
ومعنى "آذنيني" أعلميني، وهو بهمزة ممدودة.
والعاتق: ما بين العنق والمنكب.
وفي معنى لا يضع عصاه عن عاتقه: تأويلات.
стр. 4167
أظهرها: أنه كثير الضرب للنساء، كما جاء مصرحًا به في رواية لمسلم "إنه ضرَّاب للنساء".
ثانيها: أنه كثير الأسفار، وقد جاء في غير مسلم ما يدل له، حكاه القرطبي (١).
ثالثها: أنه كناية عن كثرة الجماع، حكاه صاحب "البيان" والرافعي، والمنذري، واستبعد لأنه ﵊ يبعد منه الاطلاع على هذه الحالة من غيره، ثم يبعد ذكره من خلفه وإذنه، ثم إن المرأة لا ترغب عن الخاطب بذلك لا جرم، لما حكاه صاحب "البيان" قال: إنه غلط، لأنه ليس في الكلام ما يدل على أنه أراد هذا، ثم قال: [. .] (٢) قال الصيمري: لو قيل: إنه أراد بقوله هذا كثرة الجماع، أي أنه كثير التزويج لكان أشبه.
رابعها: أنه شديد على أهله، خشن الجانب في معاشرتهن، مستقص عليهن في باب المغيرة، قاله الأزهري في "زاهره" (٣) ثم حكى القول الثاني والأول، وقال أبو عبيد (٤): في قوله ﵊ "أنفق على أهلك [من طولك] (٥)، ولا ترفع عصاك [عنهم] (٦) لم يرد العصا التي يضرب بها ولا أمر أحدًا بذلك، وإنما
стр. 4168
أراد منعها من الفساد [. .] (١) يقال: للرجل إذا كان رفيقًا حسن السياسة (٢) [لين] (٣) العصا.
وقوله: "وأما معاوية فصعلوك" بضم الصاد أي فقير يعجز عن القيام بحقوق الزوجية.
وفي رواية لمسلم "إنه ترب لا مال له" والترب: بفتح التاء وكسر الراء الفقير، وأكده بأنه لا مال له، لأن الفقير قد يطلق على من له شيء يسير لا يقع موقعًا من كفايته ثم صار بعد معاوية إلى ما صار، فسبحان من بيده الغنى والفقر.
[. .] (٤) قولها: "واغتبطت"، هو بفتح التاء والياء من غير بناء للمفعول، ووقع في بعض روايات مسلم زيادة "به" ولم يقع في أكثرها.
والغبطة: تمني مثل حال المغبوط من غير إرادة زوالها عنه، وليس هو بحسد، تقول غبطته [بما نال أغبطه بكسر الباء غبطًا وغبطة فاغتبط هو.
ومعنى] (٥) "اغتبطت به" أنها لما امتثلت أمر الشارع في نكاح أسامة حصل لها الغبطة وقرت عينها. وأما إشارته -عليه الصلاة
стр. 4169
والسلام- بنكاح أُسامة فلما علمه من دينه وفضله وحسن سيره، فنصحها، فكرهته، لكونه مولى، وكونه أسود جدًّا. فكرر عليها الحث على زواجه لما علم من مصلحتها في ذلك، فكان كذلك و [لهذا] (١) لما قالت بيدها هكذا: أسامة، أسامة، فقال لها -عليه الصلاة السلام-: طاعة الله، وطاعة رسوله خير لك" رواه مسلم.
وقال القاضي حسين إنما كرهته لمعنيين:
أحدهما: أن أسامة ليس بكفء لها، لأنها [قرشية، وهو من الموالي. ويرشد إلى هذا الرواية التي] (٢) أسلفناها أيضًا.
[وثانيهما] (٣): أنها طمعت في أن يتزوج بها رسول الله ﷺ , لأنه قال لها من قبل ما قال: قبل انقضاء العدة.
[الوجه] (٤) الخامس: في فوائده:
الأولى: جواز إيقاع الطلاق الثلاث دفعة لعدم إنكاره ﵊ في رواية "طلقها ثلاثًا"، وفيه احتمال من كونه أنه أوقع عليها طلقة تتم بها الثلاث، كما تقدم في تلك الرواية.
الثانية: أنه لا نفقة للمطلقة البائن غير الحامل ولا سكنى، وفيه ثلاثة مذاهب:
стр. 4170
أحدها: هذا وبه قال ابن عباس وأحمد عملًا بهذا الحديث، وهو قول الأكثرين في السكنى، كما حكاه البغوي في "شرح السنة" (١) وفي النفقة كما حكاه عنهم الشيخ تقي الدين (٢).
ثانيها: يجبان، [وبه قال عمر بن الخطاب وأبو حنيفة (٣).
ثالثها: تجب السكنى دون النفقة] (٤)، وبه قال مالك والشافعي وآخرون، لقوله تعالي: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٥).
والجواب عن حديث فاطمة [هذا] (٦): أن أكثر الرواة لم يذكروا فيه "ولا سكنى"، على أنها مرسلة على ما قاله
стр. 4171
[أبو] (١) مسعود (٢)، [فإنها] (٣) من رواية أبي حازم عن أبي سلمة، ومن رواية الشعبي عن فاطمة، وهي التي أنكرها عليها الأسود، ذكره القرطبي (٤) في "شرحه".
وأجاب القاضي (٥): بأنه خبر واحد [فقد] (٦) لا يخص به العموم قال: هو والقرطبي: ويجوز أن يكون قد [استمر] (٧) [العمل] (٨) بالسكنى على مقتضى العموم، فلا يقبل حينئذٍ خبر الواحد على نسخه اتفاقًا.
وأما سقوط النفقة فأخذوه من مفهوم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (٩) فإنه يفهم عدمها عند عدمه، وقد تورعوا في تناول آية السكنى للبائن، قال الخطيب في "المدرج" (١٠) وأدرج مجالد وحده في هذا الحديث "إنما السكنى والنفقة لمن تملك الرجعة".
ويحتاج من قال: بالسكنى إلى الاعتذار عن حديث فاطمة هذا،
стр. 4172
فمنهم من اعتذر بما رواه الشافعي (١) بسنده عن سعيد بن المسيب وغيره: "أنها كانت امرأة لسنة، واستطالت على أحمائها، فأمرها بالانفصال"، وذكر بعض المفسرين أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾ (٢): أنها نزلت فيها، لأنه كان فيها بذاذة لسان وأذى للأحماء.
ومنهم من قال: لأنها خافت في ذلك المنزل، ويؤيده ما رواه مسلم من قولها "أخاف أن يقتحم عليَّ"، قال البيهقي (٣): وقد تكون العلة لكلاهما.
واستبعد القرطبي (٤) الأول، فإن هذه الصفة لا تليق بمن اختارها رسول الله ﷺ لحبه ابن حبه، [وتواردت رغبات الصحابة عليها حين انقضت عدتها] (٥)، قال: ولم يثبت بذلك نقل [بمسند صحيح] (٥)، وقال الشيخ تقي الدين (٦): سياق الحديث على خلاف هذين [التأويلين] (٧) فإنه يقتضي أن السبب اختلافها مع الوكيل بسبب سخطها الشعير، وأنه ذكر أنه لا نفقة لها. فسألت النبي ﷺ ، فأجابها بما أجاب فالتعليل هو الاختلاف في النفقة لا ما ذكر، فإن قام دليل أقوى من هذا الظاهر عمل به.
стр. 4173
وأما عمر ﵁ فقال: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة جهلت أو نسيت" (١).
قال العلماء: الذي هو في كتاب ربنا: إنما هو إثبات السكنى. قال الدارقطني (٢): [وقوله] (٣): وسنة نبينا. زيادة غير محفوظة، لم يذكرها جماعة من الثقات. واحترزنا بالحايل: عن الحامل فإن النفقة تجب لها، وكذا السكنى، وبالبائن: عن الرجعية، فإنهما يجبان لها بالإِجماع، وبالمطلقة المتوفى عنها، فإنه لا نفقة لها بالإِجماع، والأصح عند الشافعية: وجوب السكنى لها، وقال مالك: لا سكنى لها إلَّا أن تكون قيمة الدار ومنفعتها ملكًا للميت، وقال أبو حنيفة: لا سكنى لها مطلقًا. روي أيضًا عن مالك، حكاها القرطبي (٤) ووصفها بالشذوذ. فلو كانت حاملًا فالمشهور عند الشافعية، أنه لا نفقة لها، وقيل: يجب وهو غلط.
الثالثة: وقوع الطلاق في غيبة المرأة، وهو إجماع.
الرابعة: جواز الوكالة في أداء الحقوق، وهو إجماع أيضًا.
الخامسة: جواز زيارة الرجال المرأة الصالحة إذا لم تؤد إلى فتنتهم وفتنتها, ولا يحصل به خلوة محرمة، ومن ذلك أيضًا الحديث الصحيح (٥) في المرأة التي كانت تصنع لهم أصول السلق والشعير،
стр. 4174
فتقدمه للصحابة عند انصرافهم عن صلاة الجمعة، فيأكلونه عند زيارتهم لها.
السادسة: تحريم نظر المرأة الأجنبية إلى الرجل الأجنبي وتحريم نظره إليها، وقد احتج بحديث فاطمة هذا على جواز نظرها إلى الأجنبي بخلاف نظرها إليه، قال النووي في "شرح مسلم" (١): وهذا قول ضعيف، والذي عليه جمهور العلماء وأكثر [أصحابنا] (٢) أنه يحرم [عليها أيضًا النظر إليه كعكسه] (٣) لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ﴾ (٤) ولأن الفتنة مشتركة، قال: ويدل عليه من السنة الحديث الحسن في سنن أبي داود والترمذي والنسائي عن نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة، أنها كانت هي وميمونة عند النبي ﷺ فدخل ابن أم مكتوم، فقال ﵊: "احتجبا منه" فقلنا: إنه أعمى لا يبصرنا! فقال ﵊: أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟ " (٥)؟
قال الترمذي: حديث حسن، ولا يلتفت إلى قدح من قدح فيه بغير حجة معتمدة.
وأما حديث فاطمة هذا مع ابن أم مكتوم فليس فيه إذن لها في النظر إليه، بل فيه أنها تأمن عنده من نظر غيره إليها كما سلف، واعترض الشيخ تقي الدين فقال: اختار بعض المتأخرين -وعنى به النووي- تحريم نظر المرأة إلى الأجنبي، واستدل بالآية السالفة وفيه نظر، لأن لفظة "من" فيها للتبعيض ولا خلاف أنها إذا خافت الفتنة حرم عليها النظر. [فإن] (١) هذه حالة يجب فيها الغض. [فيمكن حمل الآية عليها فلا تدل الآية حينئذٍ على وجوب الغض مطلقًا] (٢)، أو في غير هذه الحالة، وهذا [و] (٣) إن لم يكن ظاهر اللفظ فهو محتمل له احتمالًا جيدًا، يتوقف معه الاستدلال على محل الخلاف، ثم قال: وقال هذا المتأخر.
وأما حديث فاطمة: فذكر ما أسلفناه، ثم قال: وهذا الذي قاله إعراض عن التعليل [بعماه] (٤) وكان يقوى لو تجرد الأمر بالاعتداد عنده عن التعليل بعماه، وما ذكره من المشقة موجود في نظرها إليه، مع مخالطتها له في البيت، ويمكن أن يقال: [إنه] (٥) إنما علل
стр. 4178
بالعمى [كونها] (١) تضع ثيابها من غير رؤيته لها، فحينئذٍ يخرج التعليل عن الحكم باعتدادها عنده.
وأجاب القاضي (٢)، والقرطبي (٣): عن حديث أم سلمة السالف بوجهين:
أحدهما: أنه لا يصح عند أهل النقل، لأن نبهان مولاها ممن لا يحتج بحديثه. وذكره ابن عبد البر (٤) أيضًا [. .] (٥) قال: ومن قال بحديث فاطمة احتج بصحته، وأنه لا مطعن لأحد فيه، وأن نبهان ليس ممن يحتج بحديثه، وزعم أنه لم يرو إلَّا حديثين منكرين: هذا والآخر في أداء المكاتب (٦). وقال البيهقي في "سننه" (٧) في أبواب المكاتب: صاحبا الصحيح لم يخرجاه عنه، وكأنه لم تثبت عدالته عندهما، [و] (٨) لم يخرج من الجهالة برواية عدل عنه.
стр. 4179
قلت: [قد] (١) روى عنه الزهري، ومحمد بن عبد الرحمن مولى [آل طلحة] (٢)، وذكره ابن حبان في "ثقاته" (٣).
الجواب الثاني: إن ذلك من باب التغليظ على أزواجه لحرمتهن، كما غلظ عليهن أمر الحجاب، وإلى هذا أشار أبو داود (٤)
стр. 4180
وغيره من [الأئمة] (١).
[السابعة] (٢): جواز التعريض بخطبة البائن، وهو الأظهر عند الشافعية، واستبعد القاضي (٣) استنباط هذا الحديث إذ ليس في قوله "آذنيني" أو "لا تسبقيني بنفسك" على الرواية الأخرى التي في مسلم: غير أمرها بالتربص، ولم يسم لها زوجًا، قال: وإنما يكون التعريض من الزوج أو ممن يتوسط له بعد تعيينه ومعرفته. وأما في مجهول فلا يصح فيه التعريض، إذ لا يصح مواعدته، قال: لكن في الحديث ما يدل على منع التعريض والمواعدة في العدة، إذ لم يذكر لها ﵊ مراده ولا واعدها عليه ولا خطبها لأسامة. هذا آخر كلامه، وفيه نظر، إذ لا يلزم من الترك المنع مع أن القرآن مصرح بجواز التعريض.
стр. 4181
الثامنة: مساكنة من ليس بمحرم، وفي "صحيح مسلم" هنا، وفي حديث الجساسة آخر الكتاب، أنه ﵊ قال لها: "انتقلي إلى ابن عمك ابن أم مكتوم، وهو رجل من بني فهر قريش، وهو من البطن الذي هي منه"، هكذا هو في كل نسخة. فاعترض القاضي (١) [بأن] (٢) المعروف أنه ليس [ابن] (٣) عمها, ولا من البطن الذي هي منه، بل هي من [بني] (٤) محارب بن فهر، وهو من بني عامر بن لؤي.
وأجاب النووي (٥) فقال: الصواب أن ما جاءت به الرواية صحيح، والمراد بالبطن هنا القبيلة لا البطن الذي هو أخص منها، والمراد أنه ابن عمها مجازًا, لكنه من قبيلتها، فإنهما يجتمعان في فهر.
[التاسعة: جواز خروج المعتدة من بيت زوجها للحاجة، ولا يجوز لغيرها. ومن الحاجة خروجها للاستفتاء] (٦).
[العاشرة] (٧): جواز الخطبة على الخطبة من لم يجب ولم يرد، أو لا تعلم إجابته ولا رده، أو من أخرت الإِجابة حتى شاور،
стр. 4182
لأنه ﵊ ذكر لها أسامة قبل إجابتها لهما, ولم ينكر أيضًا وقوع خطبتهما، فإذن لا تضادّ بين هذا الحديث وحديث النهي عن الخطبة على الخطبة، لأن حديث النهي محمول على ما إذا صرح للخاطب الأول بالإِجابة. وأيضًا فحديث فاطمة محمول على رعاية المصلحة وأنها لا تحرم عند المصلحة، ويكون ﵊ قد علم بخطبتها ومصلحتها في خلافهما.
الحادي عشرة: جواز ذكر الإنسان بما فيه عند النصيحة، ولا يكون من الغيبة المحرمة، وهو أحد المواضع الستة التي يباح الغيبة فيها، لأجل المصلحة (١).
الثاني عشرة: جواز استعمال المجاز للمبالغة، وجواز إطلاق هذه العبارة، فإن أبا جهم لابد أن يضع عصاه حالة نومه أو أكله، وكذلك معاوية لابد أن يكون له ثوب يلبسه مثلًا، لكن اعتبر حال
стр. 4183
الغلبة وهجر النادر اليسير. والمجاز في أبي جهم أظهر منه في معاوية، لأن لنا أن نقول إن لفظة المال انتقلت في العرف عن موضوعها الأصلي إلى ما له قدر من المملوكات، ذلك مجاز شائع ينزل منزلة النقل، فلا يتناول الشيء اليسير جدًّا بخلاف ما قيل في أبي جهم، نبّه عليه الشيخ تقي الدين (١).
الثالثة عشرة: أن النادر ملحق بالغالب.
الرابعة عشرة: تزويج القرشية بغير قرشي.
الخامسة عشرة: قد يستدل به على أنه إذا لم يكن للمرأة ولي خاص وزوّجها السلطان بغير كفؤ أنه يصح، وهو ما صححه الغزالي وإمامه إمام الحرمين، لأن الظاهر أن فاطمة هذه لم يكن لها ولي خاص -أعني مستحقًا للولاية- لأن أخاها الضحاك إنما كان صغيرًا أو لم يسلم، وهي قرشية، وهو كلبي غير قرشي، وقد زوّجها ﵊، إلَّا أن يدعى أن هذا من خصائص أسامة، خصه الشارع به، وقد يستدل به لمذهب مالك أن الكفاءة في الدين لا النسب.
السادسة عشرة: نصيحة الكبار أتباعهم، وتكريرها عليهم، وإرشادهم إلى مصلحتهم، ورجوع الأتباع إلى قولهم، وتركهم حظوظهم، وأن عاقبة ذلك محمودة، وشاهد ذلك نصًّا قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٢)، وقوله: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا
стр. 4184
شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ (١).
السابعة عشرة: جواز سماع كلام الأجنبية في الاستفتاء ونحوه.
الثامنة عشرة: الحرص على مصاحبة أهل [العرض] (٢) وإن دنت أنسابهم.
التاسعة عشرة: قال القاضي (٣): فيه مراعاة المال في النكاح، لاسيما في حق الأزواج، إذ به تقوم حقوق المرأة.
العشرون: قال: فيه أيضًا حجة لإخراج كل مؤذ لجيرانه عنهم من منزله، لإِخراج فاطمة هذه من حقها في السكنى، وقد قال مالك وأصحابه في مثله إن المنزل يباع عليه أو يكرى.
الحادية والعشرون: استنبط البغوي في "شرح السنة" (٤) منه أيضًا من قوله "وأما معاوية فصعلوك لا مال له" إن الرجل إذا لم يجد نفقة أهله وطلبت فراقه، فرق بينهما.
стр. 4185
٦٥ - باب العدة
هي اسم لمدة معدودة تتربص فيها المرأة لتعرف براءة رحمها، وذلك يحصل بالولادة أو الأقراء أو الأشهر، وذكر المصنف في آخر الباب الإِحداد لتعلقه بها، وذكر فيه أربعة أحاديث:
الحديث الأول
٣٣٧/ ١/ ٦٥ - عن سبيعة الأسلمية: "أنها كانت تحت سعد ابن خولة -وهو من بني عامر بن لؤي، وكان ممن شهد بدرًا- فتوفي في حجة الوداع، وهي حامل فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك -رجل من بني عبد الدار- فقال لها: ما لي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح، والله ما أنت بناكح حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال ليس ذلك جمعت عليَّ ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ ، فسألته عن ذلك؟ فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي" (١).
стр. 4186
قال ابن شهاب: ولا أرى بأسًا أن تتزوج حين وضعت, وإن كانت في دمها، غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر (١).
الكلام عليه من وجوه:
وهو بهذه السياقة لمسلم، وزاد بعد "توفي" لفظة "عنها"، وقبل [لفظة] (٢) "والله" لفظة "إنك".
وفي بعض طرق البخاري (٣) "إنها وضعت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة" ولم يذكر قول ابن شهاب السالف، وفي رواية له (٤) "فمكثت قريبًا من عشر ليال، ثم جاءت النبي ﷺ فقال انكحي".
الأول: في التعريف براويه: هي سُبيعة -بضم السين المهملة ثم باء موحدة مفتوحة، ثم ياء مثناة تحت ساكنة، ثم عين مهملة، ثم هاء- بنت الحارث الأسلمية، لها صحبة ورواية، روت اثنا عشر حديثًا روى عنها زفر بن أوس بن الحدثان وجماعة قال أبو عمر: روى عنها فقهاء أهل المدينة وفقهاء أهل الكوفة من التابعين حديثها
стр. 4187
هذا، وروى عنها ابن عمر حديث: "من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت فإنه لا يموت بها أحد إلَّا كنت له شهيدًا وشفيعًا يوم القيامة" (١). قال: وزعم العقيلي أن التي روى عنها ابن عمر غير الأولى، ولا يصح ذلك عندي (٢).
[فائدة: سبيعة -تصغير سبعة- وهي اللبوة أي أنثى الأسد. قاله الجوهري] (٣).
[الوجه] (٤) الثاني: في التعريف بالأسماء الواقعة فيه: أما سعد بن خولة: فقد سلف واضحًا في باب الوصية.
وقوله: "وهو في بني عامر بن لؤي"، كذا هو في النسخ "في بني عامر" وهو صحيح ومعناه نسبته فيهم أي هو منهم.
стр. 4188
وأما أبو السنابل (١): فهو -بفتح السين- جمع سنبلة ابن
стр. 4189
بعكك -بفتح الكاف- مصروف بن الحارث القرشي العبدري من مسلمة الفتح، في اسمه تسعة أقوال:
أحدها: عمرو. ثانيها: لبيد ربه. ثالثها: حبَّة -بالباء-. رابعها: حنة -بالنون-. خامسها: بعكك. سادسها: عامر. سابعها: أصرم. ثامنها: أن اسمه كنية. تاسعها: بغيض، سكن الكوفة، وهو شاعر إسلامي. قال البخاري (١): لا أعرفه أنه عاش بعد النبي ﷺ . وقال ابن سعد: بقي بعده زمنًا. قال: وأمه عمرة بنت أوس ابن أبي عمرو، من بني عذرة.
وقال خليفة: أقام بمكة حتى مات. قال ابن إسحاق وهو من المؤلفة قلوبهم.
قلت: وله ولد اسمه سنابل قال ابن دريد في
стр. 4190
"الاشتقاق" (١) وله أخ يكنى أبا سنبلة.
فائدة: في قريش آخر يسمى أبا السنابل وهو [ابن] (٢) عبد الله بن عامر بن كريز كانت تحته خديجة بنت علي بن أبي طالب، وربما أشكل بهذا. قال البرقي: ولد مسلمًا أمه أم البنين.
وأما ابن شهاب: فهو منسوب إلى جد جده، وهو أبو بكر محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله [. .] (٣) بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب القرشي الزهري المدني ثم الشامي الإِمام، اعلم الحفاظ، أخذ عن الفقهاء السبعة في جمع كثير من التابعين، وسمع أنسًا وسهل بن سعد وأبا الطفيل وغيرهم من الصحابة [قال ابن طاهر يقال إنه رأى عشرة من الصحابة] (٤). قال أبو داود: حديثه ألفان ومائتان، النصف منها مسند، ومن حفظ الزهري أنه حفظ القرآن في ثمانين ليلة. وقال: ما استودعت قلبي علمًا فنسيته. قال مالك: بقي ابن شهاب وما له في الدنيا نظير. وقال غيره: كانت الدراهم والدنانير عنده بمنزلة البعر، وكان يخضب بالحناء والكتم، أدى هشام عنه سبعة آلاف دينار دينًا، وكان يؤدب ولده، ويجالسه، [ووفد] (٥) على عبد الملك أيضًا فأعجبه ووصله وقضى دينه، أملى على بعض ولد هشام بن عبد الملك أربعمائة حديث ثم خرج فأملاها
стр. 4191
على أصحاب الحديث، ثم إن هشامًا قال له بعد شهر أو نحوه: ضاع الكتاب فأملاها وقوبل بالأول فما غادر حرفًا. قال عراك بن مالك: أعلمهم جميعًا يعني ابن المسيب وعروة وعبيد الله بن عبد الله وأعلمهم جميعًا عندي محمَّد بن شهاب، لأنه جمع علمهم إلى علمه مات سنة أربع وعشرين ومائة، ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، وقيل: سنة ثلاث في ناحية الشام، وقد جاوز السبعين، وأوصى أن يدفن على قارعة الطريق بضيعة يقال لها "شغب بدا" بفتح السين وسكون العين المعجمتين وبباء موحدة ثم دال مهملة قيل: إنها ضيعته.
الوجه الثالث: لم يذكر المصنف مدة وضع الحمل بعد وفاة زوجها. وقد أسلفناها أيضًا "فمكثت قريبًا من عشر ليال، ثم جاءت النبي ﷺ ، فقال: انكحي". وفي رواية لأحمد من حديث ابن مسعود "أنها وضعت بعد وفاته بخمس عشرة ليلة. وفي رواية [له] (١) من حديث بن الأسود عن أبي السنابل "بثلاث وعشرين ليلة". وفي رواية للنسائي "قريبًا من عشرين ليلة". وفي رواية له: "لأدنى من أربعة أشهر وفي رواية للنسائي والترمذي "بثلاث وعشرين يومًا أو خمسة وعشرين". وفي الطبراني "فمكثت بعده شهرين ثم وضعت" وفي رواية له "ثمان أو سبع" وفي رواية له "ببضع وعشرين ليلة".
الوجه الرابع: كان الخاطب لها كهلًا هو أبو السنابل وشابًا
стр. 4192
وهو أبو اليسر قاله ابن العطار في "شرحه" (١).
الوجه الخامس: في ألفاظه.
معنى "لم تنشب" لم تمكث.
ومعنى "تعلت من نفاسه": طهرت منه، وحكى الأصبهاني فيه لغة أخرى: تعالت [قال القرطبي (٢): ويحتمل أن يكون المراد "تعلت" هنا: الاستقلال من أوجاعها] (٣). [وخطبة أبي السنابل لها ثابتة في "صحيح البخاري" من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن ولفظه وكان أبو السنابل فيمن خطبها وفي "مسند أحمد" (٤) من حديث ابن مسعود "أنها لما أخبرته بقول أبي السنابل، قال ﵊ "كذب أبو السنابل إذا أتاك أحد ترضيه فأنبئني [به] (٥) أو قال: فأنبئني، فأخبرها أن عدتها قد انقضت"] (٦).
ومعنى "تجملت": أي تزينت.
стр. 4193
ومعنى قوله ﵊ في رواية أحمد "كذب" أي أخطأ وقيل: سماه كاذبًا، لأنه كان عالمًا ثم أفتى بخلافه، حكاه ابن داود من أصحابنا، وفيه بعدٌ، فإنه حلف بالله على ما أفتاها به وقيل: إنما قال لها أبو السنابل ما قال لتتربص حتى يأتي أولياؤها إذ كانوا غيبًا فيتزوجها هو إذ كان له فيها غرض، وكان رجلًا كبيرًا، فمالت إلى نكاح غيره كما جاء في حديث مالك، حكاه القاضي (١) قال: ويحتمل أنه حمل الآية على العموم، كما حملها غيره.
وقول ابن شهاب: "غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر"، معناها أن زواجها بعد الوضع صحيح، وأن وطئها حال النفاس حرام كغيرها، وهو مجمع عليه.
الوجه السادس: في فوائده:
الأولى: إن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها بوضعه ولو كان بلحظة قبل غسله، وبه قال الأئمة الأربعة والعلماء كافة إلَّا رواية عن علي وابن عباس وسحنون المالكي، أن عدتها بأقصى الأجلين، فإن تقدم وضع الحمل على تمام أربعة أشهر وعشرًا انتظرت تمامها، وإن تقدمت الأربعة أشهر والعشر على وضع الحمل انتظرت وضع الحمل، وروي عن ابن عباس الرجوع عنه، ويصحح ذلك أن أكابر أصحابه كعطاء وعكرمة وجابر بن زيد يقولون بما أسلفناه عن العلماء.
стр. 4194
وسبب هذا الخلاف: تعارض عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ. . . .﴾ (١) الآية، مع قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢)، فإن كل واحد من الاثنين عام من وجه خاص من وجه، فعموم الأولى [و] (٣) هي المتوفى عنها، سواء كانت حاملًا أم لا؟ والثانية وهي وأولات الأحمال، سواء كانت المرأة متوفى عنها زوجها أم لا؟ فلعل هذا التعارض هو السبب لاختيار من اختار أقصى الأجلين لعدم ترجيح أحدهما على الآخر عنده، وذلك يوجب [أن] (٤) لا يرفع تحريم العدة السابقة إلَّا بيقين الحل, وذلك بأقصى الأجلين لكن فقهاء الأمصار اعتمدوا على هذا الحديث فإنه يخصص عموم آية الوفاة، وهو أيضًا آخر الأمر فإنه بعد حجة الوداع مع ظهور المعنى في حصول البراءة بوضع الحمل. وكان علي ﵁ يرى أن آية البقرة آخر الآيتين نزولًا، وخالفه ابن مسعود وقال: من شاء لاعنته أن آية الطلاق نزلت بعدها، فهي مخصصة بعمومها، أو ناسخة له على من يرى أن التخصيص نسخٌ.
الثانية: أن المعتدة تنقضي عدتها بوضع الحمل وإن لم تطهر من النفاس، كما صرح به الزهري، وهو مقتضى قولها "فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي"، وقال الشعبي والحسن وحماد والنخعي فيما روي عنهم: لا يصح زواجها حتى تطهر من نفاسها
стр. 4195
متعلقين بقوله: "فلما تعلت من نفاسها"، أي طهرت , قال لها: "قد حللت فانكحي من شئت" رتب الحل على التعلي، فيكون علة له، وهو ضعيف لتصريح الرواية بأنه أفتاها بالحل بوضع الحمل، وهو أصرح من ذلك الترتيب المذكور نبه على ذلك الشيخ تقي الدين (١) ولم أرَ من خرَّج هذه الرواية بهذا اللفظ، والذي ذكره النووي في "شرحه لمسلم" (٢) إنهم احتجوا بقوله: "فلما تعلت من نفاسها". ثم أجاب بأن هذا إخبار عن وقت سؤالها ولا حجة فيه، وإنما الحجة في قوله ﵊: "إنها حلت حين وضعت"، ولم يعلل بالطهر من النفاس.
الثالثة: انقضاؤها بوضعه على أي وجه كان من مضغة أو علقة أو استبان فيه الخلق أم لا؟ فإنه ﵊ رتب الحل على وضعه من غير استفصال، وهو دال على العموم، وضعفه الشيخ تقي الدين (٣) بأن الغالب هو الحمل التام المتخلق، ووضع المضغة والعلقة نادر، وحمل الجواب على الغالب ظاهر، وإنما تقوي تلك القاعدة حيث لا يترجح بعض الاحتمالات على بعض ويختلف الحكم باختلافها. هذا كلامه، وقد يترجح هنا الأول بالمعنى وهو أن وضع العلقة والمضغة دالة على براءة الرحم، وهو الأحوط هنا وللشافعي قول مخرج أن العدة لا تنقضي بوضع قطعة لحم، ليس فيها صورة بينة ولا خفية، وقالت القوابل: هي أصل آدمي،
стр. 4196
والصحيح الانقضاء بها.
الرابعة: جواز تجمل المرأة للخطاب بشرط أن لا يكون فيه زور في ملبس أو خلق من وصل شعر أو تحمير وجه أو كثرة مال وغير ذلك مما يرغب في نكاحها عادة، فإنه كذب وغش.
الخامسة: أن النكاح لا يجب على المرأة لأمره ﵊ لها به "إن بدا لها"، فلو كان مُحتَّمًا من جهة الشرع لم يقيده باختيارها.
السادسة: التوقف عن الأمر حتى يراجع الشرع.
السابعة: الفتيا في العلم وخروج المرأة لها ليلًا.
стр. 4197
الحديث الثاني
٣٣٨/ ٢/ ٦٥ - عن زينب بنت أم سلمة ﵂ قالت: توفي حميمٌ لأم حبيبة فدعت بصفرةٍ فمسحته بذراعيها، وقالت: إنما أصنع هذا لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلَّا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" (١).
الحميم: القرابة.
الكلام عليه من وجوه: وننبه قبلها أن السياق المذكور لمسلم.
الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في كتاب النكاح.
وأما زينب فهي بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية ربيبة
стр. 4198
النبي ﷺ ، وابنة أخيه من الرضاعة، لأن أباها رضع معه من ثويبة كما سلف، وهي أخت عمر بن أبي سلمة أيضًا، أمهما أم سلمة أم المؤمنين، وُلِدَت بأرض الحبشة، وكان اسمها برة، فسماها رسول الله ﷺ زينب، روى لها البخاري حديثًا، ومسلم آخر، وروى عنها الشعبي وغيره. وقال العجلي إنها مدنية تابعية ثقة. وقال ابن القطان: هي معدودة من [التابعيات] (١) ماتت في ولاية طارق (٢) على المدينة سنة ثلاث وسبعين، وحضر ابن عمر جنازتها، وقيل: قبل السبعين قاله البخاري. قال ابن سعد: تزوجها عبد الله بن زمعة بن الأسود بن عبد المطلب فولدت له أولادًا، وقد كانت أسماء بنت أبي بكر أرضعتها فهي أخت أولادها من الرضاعة. قال أبو عمر: ويروي أنها دخلت على النبي ﷺ وهو يغتسل فنضح في وجهها. قالوا فلم يزل الشباب في وجهها حتى كبرت وعجزت، وكانت من أفقه نساء زمانها.
الوجه الثاني: بيان المبهم الواقع فيه، وهو "حميم أم حبيبة"، وقد قال ابن العطار: في "شرحه" لا أعرفه مسمى في المبهم ولا غيره.
قلت: في الصحيحين (٣) عن زينب بنت أبي سلمة قالت: دخلت أم حبيبة زوج النبي ﷺ حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب فدعت بطيب فيه صفرة، ثم ذكرت الحديث فاستفده.
стр. 4199
الثالث: في ألفاظه ومعانيه.
الحميم: في الأصل الماء الحار. ويقال: لخاصة الإِنسان، ومن يقرب منه حميم أيضًا، وكأنه لما كان القرب من الخمس حاملًا على حرارة الحمية والشفقة عليه سُمِّي حميمًا لمشابهة الماء الحار في المعنى، ووقع في رواية العدوي لمسلم "حميمة" بدل "حميم"، ووقع في نسخة ابن الحذاء "لأم سلمة" بدل "أم حبيبة". والصواب: "حميم" و"أم حبيبة".
و"الصُّفرة" بضم الصاد خلوق بفتح الحاء: طيب مخلوط، وإنما دعت به لتدفع صورة الإِحداد ومسحها به بذراعيها، وفي الصحيحين "بعارضيها" ولعلها مسحتها. لكون ذلك أظهر ما في بدن الإِنسان، ليكون أبلغ في ظهور العمل بالشرع في ترك الإِحداد على الميت غير الزوج.
"والذراعان" عظما المرفقين إلى الرسغ من اليدين.
"والعارضان" جانبا الوجه فوق الذقن إلى ما وراء الأذن.
وقوله: "تحد" هو بالحاء المهملة مضمومة مكسورة. قال الخطابي (١) في كتابه "تصاحيف الرواة": يروى "تحد" بالجيم والحاء وهو أجود، وبمعنى لا يختلف.
وقال غيره: رواية الجيم ليست بشيء، لأن الوجد لا يكون إلى اختيار الآدمي. وقال الترمذي في "شرح الفصيح" (٢): روايته بالحاء
стр. 4200
أشهر، ورواية الجيم مأخوذة من جذذت الشيء إذا قطعته، فكأنها أيضًا قد انقطعت عن الزينة، وما كانت عليه قبل ذلك.
قال أهل اللغة: والحداد والإِحداد: مشتق من الحد، وهو المنع، لأنها تمنع من الزينة والطيب، يقال: أحدت المرأة تحد إحدادًا رباعيًّا، وحدّت تَحُدُّ بضم الحاء وكسرها حِدًّا بكسرها، كذا قاله الجمهور أنه يقال: أحدت وحدت رباعيًا وثلاثيًا (١).
وقال الأصمعي: لا يقال إلَّا رباعيًّا، ويقال: امرأة حادًّا ولا يقال: حادة (٢)، وكل ما يصاغ من (ح، د) كيف ما تصرف فهو راجع إلى معنى المنع. ومنه: الحداد للبواب.
والإِحداد في الشرع: ترك الطيب والزينة، ومحل الخوض في تفصيله كتب الفروع.
وفاعل "لا يحل" المصدر الذي (٣) يمكن صياغته من يحد مع أَنْ. فكأنه قال: الإِحداد.
"وأربعة" منصوب على الظرف. والعامل فيه يحد. "وعشرًا" معطوف، وأنثها لأنه أراد به مدة العشر، قاله المبرد، وقيل: لأنه أراد به الأيام بلياليها، وإليه ذهب العلماء كافة، كما سيأتي.
стр. 4201
الوجه الثالث في فوائده:
الأولى: وجوب الإِحداد على المعتدة من وفاة زوجها, ولا خلاف فيه في الجملة، وإن اختلفوا في التفصيل.
الثانية: وجوبه على كل زوج، سواء كان عند الدخول أو قبله لإِطلاق قوله: "إلَّا [على] (١) زوج".
الثالثة: وجوبه على كل امرأة، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، حرة أو أمة، مسلمة أو كافرة، لعموم قوله: "لامرأة" (٢) وهذا مذهب
стр. 4202
الشافعي والجمهور، ولكن في دخول الصغيرة تحت لفظ المرأة نظر، فإن وجب من غير دخوله تحته فبدليل آخر.
وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيين وأبو ثور وبعض المالكية: لا يجب على الزوجة الكتابية لوصفها بالحديث في الإِيمان.
وأجاب الأولون: بأن هذا ليس لتقييد الحكم به، بل لتأكيده مثل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ وتقول العرب: أطعني إن كنت ابني. وأجاب النووي في "شرحه" (١) أن
стр. 4203
[المؤمن هو الذي ينقاد لأحكام الشرع فلذلك] (١) قيَّد به، ونقل الشيخ تقي الدين في "شرحه" (٢) هذا عن بعض المتأخرين، وعنى به النووي، ثم قال: وغير هذا أقوى منه، وهو أن يكون ذكر [هذا الوصف] (٣) لتأكيد [التحريم] (٤).
وخالف أبو حنيفة في الصغيرة والزوجة الأمة [فقال] (٥): لا إحداد عليهما وقام الإِجماع على أنه لا إحداد على أم الولد ولا على الأمة إذا توفي عنهما سيدهما، وقد يؤخذ ذلك من الحديث من حيث إنهما ليستا بزوجتين، والحكم متعلق بالزوجية، وقام أيضًا على أنه لا إحداد على الرجعية لبقاء أحكام النكاح فيها.
واختلفوا في المطلقة ثلاثًا على قولين (٦):
стр. 4204
أحدهما: لا إحداد عليها لظاهر الحديث, فإن قوله "إلَّا على زوج" إيجاب بعد نفي فيقتضي حصر الإِحداد على المتوفى عنها زوجها، فلا تدخل المطلقة فيه من جهة لفظه بوجه. وبه قال عطاء وربيعة ومالك والليث وابن المنذر، وهو أصح قولي الشافعي.
وثانيهما: نعم وبه قال الحكم وأبو حنيفة والكوفيون وأبو ثور وأبو عبيدة قياسًا على المتوفى عنها.
وحكى القاضي عياض (١) قولًا شاذًا غريبًا عن الحسن البصري (٢) أنه لا يجب الإِحداد على المطلقة، ولا على المتوفى
стр. 4205
عنها. قال القاضي واستفيد وجوب الإِحداد على المتوفى عنها من اتفاق العلماء على حمل هذا الحديث على ذلك، مع أنه ليس في لفظه ما يدل على الوجوب أي فإن قوله: "على زوج" مستثنى من قوله: "لا يحل" وظاهره لا يقتضي إلَّا الجواز، ولكن اتفقوا على حمله على الوجوب عليه قوله ﵊ في حديث أم عطية (١) وأم سلمة (٢) في الكحل والطيب واللباس، ومنعها منه أي وأنه استثنى الواجب من الحرام.
فرع: امرأة المفقود تحد عند مالك خلافًا لابن الماجشون، حكاه ابن عبد البر.
ولا إحداد على من تبين بعد الموت فساد نكاحها، كما قاله