هل هو بسب عويمر العجلاني أم بسبب هلال بن أمية؟ على قولين، وكل منهما ثابت في الصحيح، كما أوضحته في "تخريجي لأحاديث وسيط الغزالي". لكن الجمهور على الثاني، وقد ثبت في صحيح مسلم بأنه أول من لاعن في الإِسلام، وأوّل ابن الصباغ من أصحابنا قوله ﵊ لعويمر: "إن الله قد أنزل فيك وفي صاحبتك" بأن معناه: ما نزل في قصة هلال، لأن ذلك حكم لجميع الناس، وخالف أبو عبد الله أخو المهلب ابن أبي صفرة، فقال: الصحيح أن القاذف لزوجته هو عويمر. وهلال بن أمية خطأ، ونحوًا منه قال: الطبري، وقال: إنما. . . . هو عويمر.
وجمع النووي (١) بين القولين فقال: يحتمل أنها نزلت فيهما
стр. 4240
جميعًا، فلعلهما سألا في وقتين متقاربين، فنزلت الآية فيهما، وسبق هلال باللعان، فيصدق أنها نزلت في ذا وفي ذاك، وأن هلالًا أول من لاعن، وسبقه إلى ذلك الخطيب، كما سلف، والقاضي فقال: قيل لهما قصتان. قال: ويحتمل أنهما متقاربتان فنزل القرآن. والسهيلي أيضًا، فقال في "التعريف والإِعلام" (١) الحديث في كل واحد منها صحيح، فيحتمل أن تكونا قصتين، نزل القرآن في إحداهما، وحكم في الأخرى بما حكم في الأولى.
ثم ذكر مقالة أخي ابن أبي صفرة السالفة، ويحتمل كما قال القرطبي (٢): إن الآية تكرر نزولها، كما قيل في الفاتحة، وهذان الاحتمالان وإن بَعُدا فهما أولى من أن يتطرق الوهم للرواة الأئمة الحفاظ.
الخامس: في ألفاظه ومعانيه:
فـ "فلان": كناية عن الأعلام، كما سلف في الحديث الأول من باب التيمم، وقد أسلفنا لك تسميته.
و"الفاحشة": هنا الزنا.
قال القرطبي: كل فحشاء في القرآن زنا، إلا قوله تعالى: ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ (٣)، فالمراد به البخل ومنع الزكاة.
стр. 4241
وأما سؤاله فيحتمل أن يكون عن أمرٍ لم يقع، ويحتمل أنه وقع، لكن أراد إبهامه استحياء من إظهاره، فعلى الأول: قوله: "إن الذي سألتك عنه قد ابتُليت به" ظاهر لإِخفائه (١).
وعلى الثاني: يحتمل أن الحكم المسؤول عنه إنما تأخر جوابه ﵊ عنه لتبين ضرورة السائل إلى معرفة الحكم عند
стр. 4242
وقوعه، فإن البيان إنما يجب عند الحاجة.
ويحتمل أنه تأخر لأنه لم يكن عنده علم منه، فلما نزل القرآن به تلاه عليه وعرفه الحكم والعمل بمقتضاه، ويكون قوله: "قد ابتُليت به" إخبارًا عما كان وقع وقت سؤاله أولًا.
ويحتمل أنه كان قد رفع له أمارات، فسأل عن حكمه، ثم تحققه بعد وعلمه.
وقوله: "فأنزل الله تعالى هذه الآيات" مقتضاه أن سؤاله سبب نزولها، وقد أسلفنا من نزلت فيه (١).
والوعظ: هو النصح والتذكير بالعواقب، كما قاله الجوهري (٢) [فقوله] (٣) "وذكره" هو [ذكر] (٤) لبعض أفرادها ويسن للقاضي وعظها، ويبالغ عند الخامسة.
وقال الشيخ تقي الدين (٥): ذكر الفقهاء استحبابها عندما تريد
стр. 4243
المرأة أن تتلفّظ بالغضب. قال: [وظاهر] (١) هذه الرواية أنه لا يختص بالمرأة، فإنه ذكره فيها وفي الرجل، قال: فلعل هذه الموعظة عامة.
قلت: قد صرح أصحابنا بأنه يسن وعظهما، وأنه يبالغ عند الخامسة، كما قدمته.
و"بدأ" مهموز، لأنه بمعنى شرع، بخلاف ما إذا كان بمعنى ظهر، فإنه لا يهمز. وبدأ به ﵊ للتأسِّي بالقرآن، قال تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ (٢)، والدرء يقتضي [وجود] (٣) سبب العذاب عليها، وذلك بلعان الزوج.
وقوله: "إن أحدكما كاذب" هو مما غلب فيه المذكر على المؤنث. قال القاضي (٤): وفيه رد على من قال من النحاة إلى أن أحدًا لا تستعمل إلا في النفي، وعلى من قال: منهم لا تستعمل إلا في الوصف, وأنها لا توضع موضع واجب، ولا توقع موقع واحد، وأجاز هذا المبرد، وقد جاء في هذا الحديث في غير وصف ولا نفي، وبمعنى واحد، وقد قال تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ (٥)، وأقرّه النووي (٦) على ذلك، ورده الفاكهي، وقال: إنه من أغرب
стр. 4244
وأعجب ما يسمع من القاضي مع براعته وحذقه، فإن الذي قاله النحاة في "أحد" التي للعموم، نحو: ما في الدار من أحد. وما جاءني من أحدٍ، ونحوهما. أما "أحد" بمعنى "واحد"، فلا خلاف في استعمالها في الإِيجاب، نحو قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (١)، و ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ (٢)، وهذا الحديث. وقد جمع الشاعر بين "أحد" التي للعموم والأخرى فقال:
لقد ظهرت فلا تخفى على أحد ... إلا على أحد لا يعرف القمر
فاستعمل الأولى لعمومها في النفي، والثانية: التي هي بمعنى "واحد" في الإِيجاب.
وقوله ﵊: "فهل منكما تائب؟ "، يحتمل أنه إرشاد إلى التوبة بينهما وبين الله تعالى، فإنه لم يحصل اعتراف منهما أو من أحدهما.
ويحتمل أنه إرشاد للزوج، فإنه لو راجع وأكذب نفسه كان توبة. قال القاضي (٣): وظاهر الحديث أنه قال هذا الكلام بعد فراغهما من اللعان. والمراد بيان أنه يلزم الكاذب التوبة. [قال] (٤): وقال الداودي: أنه قال قبل اللعان تحذيرًا لهما منه. قال: والأول أظهر وأولى [بسياق] (٥) الكلام.
стр. 4245
وقوله: "لا سبيل لك عليها" يحتمل [رجوعه] (١) إلى [التفريق] (٢) بعد اللعان، لعموم دخوله في عدم السبيل، ويحتمل رجوعه إلى المال.
الوجه السادس: في فوائده:
الأولى (٣): الاستعداد للوقائع بعلم أحكامها قبل وقوعها إذا قلنا إن سؤاله عن أمر لم يقع، وعليه استمر عمل الفقهاء فيما فرّعوه وقرّروه من النوازل قبل وقوعها، وقد كان في السلف من يكره الحديث في الشيء قبل أن يقع، ويراه من باب التكلف. وفي الصحيح (٤) من حديث سهل بن سعد أنه ﵊: "كره المسائل وعابها"، والمراد المسائل التي لا تحتاج إليها, لاسيما ما كان فيه هتك ستر مسلم أو مسلمة أو إشاعة فاحشة أو شناعة. قال العلماء: إذا كانت المسألة مما يحتاج إليها في أمور الدين، وقد وقعت فلا كراهة فيها , وليس هو المراد في هذا الحديث. وقد كان المسلمون يسألون رسول الله عن الأحكام الواقعة فيجيبهم، ولا يكرهها، وإنما كره المسائل هنا وعابها لأنها لم تقع بعد، ولم يحتج إليها، وفيها شناعة على المسلمين والمسلمات وتسليط اليهود والمنافقين ونحوهم على الكلام في أعراض المسلمين وفي الإِسلام، ولأن من المسائل ما يقتضي جوابه تضييقًا. وفي الحديث الآخر:
стр. 4246
"أعظم الناس جرمًا من سأل عما لم يحرم فحُرِّمَ من أجل مسألته" (١).
الثانية: الرجوع إلى الله ورسوله فيما نزل بالشخص والتثبت في أحكام الشرع.
الثالثة: وعظ المستفتي والمدعي، وذكر الدليل له، وتذكيره بالله تعالى وبالآخرة وعذابها، وتفخيم أمر الآخرة، وكذلك المستفتى عليه والمدعى عليه.
الرابعة: أجراء الأحكام على الظاهر، والله يتولى السرائر.
الخامسة: عرض التوبة على المذنبين.
السادسة: أن الزوج إذا أكذب نفسه كانت توبة.
السابعة: البداءة في الزوج في اللعان. ونقل القاضي (٢) عياض وغيره فيه الإِجماع، فلو لاعنت قبله لم يصح لعانها، وصححه أبو حنيفة وطائفة، ونقله الفاكهي عن مشهور مذهبهم.
الثامنة: أن ألفاظ اللعان هي التي ذكرها الله ورسوله وهو إجماع.
واختلف أصحابنا فيما إذا أبدل لفظ الشهادة بالحلف (٣) ونحوه
стр. 4247
أو الغضب باللعن وعكسه، والأصح عدم الصحة فيه. وفي "شرح الشيخ تقي الدين" (١) أن محل الخلاف في إبدال الغضب باللعنة في جانب الرجل. أما جانبها فلا يكتفى به، وهذه طريقة "صاحب التنبيه"، والأصح جريان الخلاف في جانبها أيضًا كما أطلقت أولًا.
التاسعة: أن الخصمين المتكاذبين لا يعاقب واحد منهما حدًّا ولا تعزيرًا وإن علمنا كذب أحدهما على الإِبهام.
العاشرة: أن اللعان يكون بحضرة الإِمام أو القاضي، وأنه يلاعن بينهما.
الحادية عشرة: وقوع الفرقة بينهما بعد لعانهما.
الثانية عشرة (٢): أن التفريق بينهما لا يقع بنفس التلاعن، بل
لابد من تفريق الحاكم بينهما، لقوله: "ثم فرّق بينهما"، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك والشافعي والجمهور: تقع الفرقة بينهما بنفس اللعان، وتحرم على التأبيد، لكن قال الشافعي وبعض المالكية: تحصل الفرقة بلعان الزوج وحده، ولا يتوقف على لعانها.
وقال بعض المالكية: [لا تحصل الفرقة بلعان الزوج، وهذا لا] (١) يتوقف على لعانها، قالوا: ولا يفتقر إلى قضاء القاضي، لقوله ﵊: "لا سبيل لك عليها"، وفي رواية لمسلم من حديث سهل بن سعد: "ففارقها عند النبي ﷺ "، فقال ﵊: "ذلكم التفريق بين كل متلاعنين".
وقال عثمان: لا أثر للعان في الفرقة، ولا يقع به فراق أصلًا. وحكاه الطبري عن جابر بن زيد، وهو مردود بالنصوص، ومثل هذا في الشذوذ من ادعى أنه ثلاث.
ثم اختلف القائلون بتأبيد التحريم فيما إذا كذب نفسه بعد ذلك.
стр. 4254
فقال أبو حنيفة: يحل له لزوال المعنى المحرم.
وقال مالك والشافعي: لا تحل له أبدًا، لعموم قوله: "لا سبيل لك عليها".
الثالثة عشرة: أن الفرقة لا تقع بلعانهما إلَّا بالإِتيان بجميع ألفاظه المذكورة في الحديث، فلو أتى ببعضها لا يتعلق به حكم اللعان، وهو مذهب العلماء كافة، واعتبر أبو حنيفة الأكثر.
الرابعة عشرة (١): أن اللعان لا يجوز إلا بين [حرين
مسلمين] (١) غير محدودين، فإن الواقعة كانت كذلك، فلو كان الزوجان أو أحدهما رقيقًا أو ذميًّا أو محدودًا في قذف فلا لعان بينهما. وبه قال الزهري والأوزاعي، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
نعم ظاهر القرآن حجة للجمهور، منهم: سعيد بن المسيب، وسلمان بن يسار، والحسن [و] ربيعة (٢)، ومالك، والشافعي في صحة اللعان بين الأحرار والعبيد والمسلمين وأهل الذمة وجريانه بينهم، فإنه تعالى أطلق الأزواج ولم يفصل.
الخامسة عشرة (٣): ثبوت مهر الملاعنة المدخول بها،
стр. 4257
واستقرار جميعه لها، وهو إجماع، واختلف في غيرها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن لها نصفه كغيرها، قاله فقهاء الأمصار.
ثانيها: لا شيء لها أصلًا، لأنه فسخ، قاله الزهري وحُكي عن مالك.
ثالثها: لها جميعه إذ ليس بطلاق، قاله الحكم وحماد وأبو الزناد، وهو بعيدٌ جدًا.
السادسة عشرة: أن الملاعنة لو أكذبت نفسها لم يسقط شيء من مهرها لوجود العلة، وهي أنه مقابل لما استحل من فرجها.
стр. 4258
الحديث الثاني
٣٤٢/ ٢/ ٦٦ - عن ابن عمر أيضًا أن رجلًا رمى امرأته، وانتفى من ولدها في زمان رسول الله ﷺ [فأمرهما] (١) رسول الله ﷺ ] (٢) فتلاعنا، كما قال [الله ] (٣) ثم قضى بالولد للمرأة، وفرق بين المتلاعنين (٤).
هذا الحديث أخرجه الشيخان بمعناه، ولم أره هنا بلفظه، وفيه زيادة أحكام على الذي قبله.
منها: نفي الولد، وأنه يلحق بالمرأة ويرثها بإرث البنوة منها، وتثبت أحكام البنوة بالنسبة إليها.
واختلفوا فيما لو كانت بنتًا هل يحل الملاعن نكاحها؟ والأصح: عند أصحابنا تحريمه.
ومنها: انقطاع النسب عن الأب مطلقًا لمفهوم إلحاقه بالمرأة اللهم إلَّا أن يكذب نفسه.
стр. 4259
ومنها: أنه إذا لاعن ونفى عنه نسب الولد انتفى عنه، ووجه أخذ ذلك أنه قال فتلاعنا، كما قال تعالى، وكتاب الله تعالى يقتضي أن يشهد أنه لمن الصادقين، وذلك راجع إلى ما ادعاه، ودعواه قد اشتملت على نفي الولد.
ومنها: أن اللعان موجب للفُرقة ظاهرًا وقد سلف ما فيه في الحديث قبله.
فائدة: ما أسلفته من جريان التوارث بينه وبين أمه، هو إجماع الأمة، وكذا بينه وبين أصحاب الفروض من جهة أمه، وهو إخوته وإخوانه من أمه وجداته من أمه ثم إذا دفع إلى أمه فرضها وهو الثلث في حالة والسدس في أخرى على ما تقرر في علم الفرائض أو إلى أصحاب الفروض، وبقي شيء فهو لموالي أمه إن كان عليها ولاء، ولم يكن هو عليه ولاء بمباشرة إعتاقه. فإن لم يكن لها موالٍ فهو لبيت المال هذا تفصيل مذهبنا، وبه قال الزهري ومالك وأبو ثور، وقال الحكم وحماد: يرثه ورثة أمه.
وقال آخرون عصبته عصبة أمه، روي هذا عن علي وابن مسعود وعطاء وأحمد بن حنبل.
وقال أحمد: إن انفردت الأم أخذت جميع ماله بالعصوبة.
وقال أبو حنيفة: إن انفردت أخذت الجميع لكن الثلث بالفرض والباقي بالرد على قاعدة مذهبه في إثبات الرد.
стр. 4260
الحديث الثالث
٣٤٣/ ٣ / ٦٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: "جاء رجل من بني فِزارة إلى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود! فقال النبي ﷺ : "هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال فما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقًا. قال: فأنَّى أتاها ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرق. قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق" (١).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: اسم هذا الرجل ضمضم بن قتادة، ذكره عبد الغني في "غوامضه" (٢) وقال: فيه ولد مولود أسود من امرأة من بني عجل، وفيه أيضًا: فقدم عجائز بني عجل فأخبرن أنه كان للمرأة جدة سوداء.
قلت: وأما اسم المرأة وابنها فلم أره بعد البحث عنه.
стр. 4261
الثاني: "الأورق" هو الذي فيه سواد وليس بصافٍ، قاله النووي في "شرحه" (١).
وعبارة المازري (٢): هو الأسمر. وزاد القرطبي (٣): الذي يميل إلى الغبرة.
وقال الأصمعي (٤): هو من الإِبل الذي في لونه بياض إلى سواد، وهو أطيب الإِبل لحمًا وليس بمحمود عند العرب في عمله وسيره. ومنه قيل للرماد أورق وللحمامة ورقاء وجمعه ورق بضم الواو وإسكان الراء كأحمر وحمر. وقال أبو زيد: هو الذي يضرب لونه إلى خضرة.
وقال ابن الأعرابي: وغيره هو لون بين السواد والغبرة رمادي، وهو ما قاله النووي أولًا.
والمراد بالعرق هنا: الأصل من النسب تشبيهًا بعرق الثمرة، ومنه: فلان معرق في الحسب والنسب واللؤم والكرم.
ومعنى: "نزعه عرق" أشبهه، واجتذبه إليه، وأظهر لونه عليه، وأصل النزع الجذب، فكأنه جذبه بشبهه له. يقال: منه نزع الولد لأبيه وإلى أبيه، ونزعه أبوه ونزعه إليه.
стр. 4262
الثالث: في فوائده:
الأولى: حُسن [تأنى] (١) المستفتي وتثبته وعدم تصريحه، فإنه عرض بنفي الولد، وفي الصحيح: "هو حينئذ يعرض بأن ينفيه"، وفيه: "أن امرأتي ولدت غلامًا أسود، وإني أنكرته"، ومعناها استغربت أنه مني لا أنه نفاه عن نفسه.
الثانية: أن التعريض بنفيه في محل الاستفتاء والضرورة لا يوجب حدًّا ولا تعزيرًا (٢).
стр. 4263
[الثالثة] (١): أن الولد ملحق بأبيه وإن خالف لونُه لونَه، سواء كانت المخالفة من سواد إلى بياض أو عكسه في الزوجين أو أحدهما، لعموم احتمال أنه نزعه عرق من أسلافه، وخالف في ذلك بعض أصحابنا عند وجود الريبة وهو غلط، وفي الصحيح: "فلم يرخص له في الانتفاء منه".
الرابعة: الاحتياط للأنساب وإلحاقها بمجرد الإِمكان والاحتمال.
الخامسة: إثبات القياس والاعتبار بالأشباه، وضرب الأمثال تقريبًا للأفهام، وعرض الغامض المشكل على الظاهر البين، فيرجع الخصم إليه، فإنه ﵊ شبّه ولد هذا المخالف للونه بولد الإِبل المخالفة لألوانها، والعلة الجامعة هي نزع العرق، إلَّا أنه تشبيهه في أمر وجودي، والذي حصلت المنازعة فيه هو التشبيه في الأحكام الشرعية، لكن الحجة في كونه ﵊ أقر العمل به في الشرعيات، ومن تراجم البخاري (٢) على هذا الحديث
стр. 4264
باب: من شبه أصلًا معلومًا بأصل مبين, قد بين [النبي ﷺ ] (١) حكمهما ليفهم السائل. وذكر معه حديث: "أرأيت لو كان على أمك دين" (٢).
السادسة: أن التعريض بنفي الولد ليس نفيًا، وأن التعريض بالقذف ليس قذفًا، وهو مذهب الشافعي وموافقيه (٣). قاله النووي في "شرحه" (٤). واعترض الشيخ تقي الدين (٥) [فقال] (٦): [كما] (٧) قيل وأشار به إليه، وفيه نظر؛ لأنه جاء على سبيل الاستفتاء، والضرورة داعية إلى ذكره وإلى عدم ترتيب الحد أو التعزير على المستفتين. وسبقه إلى ذلك القرطبي، فقال في "مفهمه" (٨) في الحديث أن التعريض اللطيف إذا لم يقصد به العيب، وكان على جهة الشكوى أو الاستفتاء لم يكن فيه حد، قال: وقد استدل به من لا يرى الحد في التعريض، وهو الشافعي، ولا حجة فيه، لما ذكرنا.
وقال الخطابي (٩): فيه دلالة على نفي الحد على من قال: هذا الولد ليس مني.
стр. 4265
قال القاضي (١) ولا حجة فيه له إذ ليس فيه إلَّا إنكاره لون ولده لا إنكار الولد. ونفيه.
قلت: هو يرجع إليه.
السادسة: فيه كما قال القرطبي (٢): تنبيه على استحالة التسلسل العقلي، وأن الحوادث لابد أن تستند إلى أول ليس بحادث كما يعرف في الأصول الكلامية.
стр. 4266
الحديث الرابع
٣٤٤/ ٤/ ٦٦ - عن عائشة ﵂ قالت: "اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام. فقال سعد: يا رسول الله هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقاص، عهد إلى أنه ابنه، انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله، وُلِدَ على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه، فرأى شبهًا بينًا بعتبة، فقال: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر. واحتجبي منه يا سودة. فلم ير سودة قط" (١).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: في التعريف بالأسماء الواقعة فيه.
أما سعد بن أبي وقاص: فسلف في الحديث الثاني من الوصايا.
стр. 4267
وأما عبد بن زمعة فهو قرشي عامري. وزمعة -بفتح الميم وإسكانها- وهو الأكثر.
واسم أم عبد: عاتكة بنت الأخيف بن علقمة، وكان عَبْدُ شريفًا سيدًا من سادات الصحابة، وهو أخو سودة أم المؤمنين لأبيها وأخوه لأبيه عبد الرحمن بن زمعة المبهم في هذا الحديث، وأخوه لأمه قرظة بن عمر بن نوفل بن عبد مناف، وقال ابن حبان: من زعم أنها أخت عبد الله بن زمعة فقد وهم.
وأما عتبة بن أبي وقاص: فذكره العسكري في الصحابة، [و] (١) قال: كان أصاب دمًا في قريش فانتقل إلى المدينة قبل الهجرة ومات في الإسلام. وكذا قاله أبو عمر: قال النووي: لم يذكره الجمهور في الصحابة. وذكره ابن منده فيهم، واحتج بوصيته إلى أخيه سعد بابن وليدة زمعة، وأنكر أبو نُعيم على ابن منده ذكره في الصحابة. قال أبو نعيم: وعتبة هو الذي شج وجه رسول الله ﷺ وكسر رباعيته يوم أُحُد. قال: وما علمت [له] (٢) إسلامًا، ولم يذكره أحد من المتقدمين في الصحابة. قيل: إنه مات كافرًا. وعتبة هذا أخو سعد لأبيه، وكذلك خالدة أخت سعد لأبيه وإخوته لأبيه وأمه عمر وعامر أمهم حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وأمه: بنت وهب بن الحارث بن زهرة وابناه: هشام ونافع رويا عن رسول الله ﷺ .
стр. 4268
وأما سودة: فهي أم المؤمنين، وهي بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حسد بن عامر بن لؤي بن غالب القرشية العامرية.
يقال: كنيتها أم الأسود.
وأمها: الشموس بنت قيس بن [زيد بن عمرو] (١) بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار.
تزوجها النبي ﷺ بعد موت خديجة وقبل [العقد] (٢) على عائشة.
وقيل: بعد عائشة. وكانت قبله عبد ابن عمها السكران بن عمرو، أخي سهيل بن عمرو. روت عن النبي ﷺ خمسة أحاديث. قال النووي في "تهذيبه" (٣): روى لها (خ) حديثين. وقال ابن الجوزي: أخرج لها في الصحيح حديث واحد. قال الحميدي: وهو البخاري وحده. قال: وذكرها ابن أبي الفوارس فيمن اتفق عليهن.
قلت: لها في (خ، س) حديث الدباغ، وفي (د) حديث الأساري. وروى عنها ابن عباس وغيره، وكانت امرأة ثقيلة ثبطة وأسنّت عند رسول الله ﷺ فهم بطلاقها فوهبت نوبتها لعائشة فأمسكها، وفيها نزلت: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ (٤) الآية.
стр. 4269
وقيل: طلقها ثم راجعها. أسلمت قديمًا وبايعت وأسلم زوجها السكران أيضًا، وخرجا مهاجرين إلى الحبشة في الهجرة الثانية، وتزوجها النبي ﷺ في رمضان سنة عشر من النبوة، وظل بها بمكة وهاجر بها إلى المدينة. ماتت في سنة خمس وخمسين، قاله ابن حبان. وفي كتاب ابن عمر عن أحمد بن وهب: أنها ماتت في آخر زمن عمر بن الخطاب، ولم يحك غيره، وجزم به الكلاباذي أيضًا. فقال: ماتت في آخر خلافة عمر بن الخطاب، وكان آخر خلافته منصرم سنة ثلاث وعشرين من الهجرة.
قلت: وفيه نظر فلعله في آخر خلافة معاوية، فإن ابن سعد روى عن الواقدي عن محمَّد بن عبد الله بن مسلم [عن أبيه] (١)، قال: توفيت سودة بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية بن أبي سفيان. قال الواقدي: وهذا أثبت عندنا.
الوجه الثاني: في بيان المبهم فيه، وهو الغلام المتنازع فيه، واسمه عبد الرحمن -كما سلف-. قال عبد الحق في "أحكامه": وأمه امرأة يمانيه، وله عقب بالمدينة. وهذه المخاصمة كانت عام الفتح كما أخرجه البخاري في الفرائض.
الوجه الثالث: في ألفاظه ومعانيه:
"الوليدة" الجارية، وجمعها: ولائد. قال ابن داود من أصحابنا: وهو اسم لغير أم الولد.
стр. 4270
وقال الجوهري (١): الوليدة: الصبية والأَمة، والجمع: الولائد.
وقوله: "هو لك يا عبد بنَ زمعة"، يجوز في "ابن" رفعه على النعت ونصبه على الموضع [لأن الصفة إذا كانت لاسم علم منادى جاز فيها ذلك] (٢)، ويجوز في "عبد" ضم داله على الأصل وفتحها اتباعًا لنون "ابن"، و"زمْعة" بإسكان الميم على الأكثر كما مضى.
واختُلف في معنى قوله: "هو لك يا عبد" على قولين:
أحدهما: معناه هو أخوك قضى فيه ﵊ بعلمه لا باستلحاق عبد له، لأن زمعة كان صهره، [وسودة ابنته كانت زوجًا له ﵊ فيمكن أن يكون] (٣) ﵊ علم أن زمعة كان يمسها.
والثاني معناه: لك يا عبد ملكًا، لأنه ابن وليدة أبيك، وكل أمة تلد من غير سيدها فولدها عبد [، ولم يقر زمعة] (٤) ولا شهد (٥) عليه (٦). والأصول تدفع قول ابنه (٧) [فلم يبق إلا أنه عبد تبعًا
стр. 4271
لأمه] (١). قاله ابن جرير.
وقال الطحاوي (٢): معنى "هو لك": أي هو بيدك لا ملك لك، لكنك تمنع منه غيرك، كما قال [في اللقطة للملتقط] (٣) "هي لك"، أي بيدك تدفع عنها غيرك حتى يأتي صاحبها, لا أنها ملك لك قال: ولا يجوز أن يضاف إلى النبي ﷺ أن يجعله ابنًا لزمعة، ويأمر أخته (٤) أن تحتجب منه، لكن لما كان لعبد شريك فيما ادعاه، وهو سودة، ولم يعلم منها تصديقه ألزم ﵊ عبدًا بما أقر به، ولم يجعله حجة على سودة، ولم يجعله أخاها، وأمرها أن تحتجب (٥)
стр. 4272
[منه] (١).
قلت: في هذا نظر لا يخفى وسيأتي الجواب على احتجابها منه ولا يجوز أن يجعله ﵊ ابنًا لزمعة [ثم يأمر
стр. 4273
أخته أن تحتجب منه هذا محال لا يجوز أن يضاف إلى رسول الله ﷺ ] (١).
قلت: ليس بمحال، بل له وجه ستعلمه. ويزيد الأول رواية البخاري في المغازي: "هو لك هو أخوك يا عبد بن زمعة"، لكن في "مسند أحمد" و"سنن النسائي" (٢): "ليس لك بأخ"، واختُلف في تَصْحِيْحِهَا فأعلها البيهقي (٣). وقال
المنذري (١): إنها زيادة غير ثابتة.
وقال المازري (٢): لا تعرف في هذا الحديث، وهي باطلة مردودة. ورواها الحاكم في "مستدركه"، وصحح إسنادها وقال بعضهم: الرواية فيه: "هو لك عبد" بإسقاط حرف النداء الذي هو ياء، أي هو وارثه فيرث هذا الولد وأمه. قال المازري والمنذري: وهذه الرواية غير صحيحة. قال: ولو صحت جَمَعَ بينها وبين الرواية المشهورة، بأن يكون المراد: يا عبد. فحذف حرف النداء، كما قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ (٣).
واعلم أن أهل الجاهلية كانوا يقتنون الولائد، ويضربون عليهن الضرائب، فيكتسبن بالفجور، وكان من سيرتهم إلحاق النسب بالزناة إذا ادعوا الولد كما في النكاح، فكانت لزمعة أَمَةٌ، وكان يُلَمُّ بها، وكان له عليها ضريبة فظهر بها حمل كان يظن أنه من عتبة بن أبي وقاص، فهلك عتبة كافرًا لم يسلم، فعهد إلى سعد أخيه أن يستلحق الحمل الذي بأمة زمعة، وكان لزمعة ابن يقال له: عبد، فخاصم سعد عبد بن زمعة في الغلام الذي ولدته الأَمة، فقال سعد: هو ابن أخي على ما كان عليه الأمر في الجاهلية. فقال عبد بن زمعة: بل هو أخي وُلِدَ على فراش أبي على ما استقر عليه