← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

لأمه] (١). قاله ابن جرير. وقال الطحاوي (٢): معنى "هو لك": أي هو بيدك لا ملك لك، لكنك تمنع منه غيرك، كما قال [في اللقطة للملتقط] (٣) "هي لك"، أي بيدك تدفع عنها غيرك حتى يأتي صاحبها, لا أنها ملك لك قال: ولا يجوز أن يضاف إلى النبي ﷺ أن يجعله ابنًا لزمعة، ويأمر أخته (٤) أن تحتجب منه، لكن لما كان لعبد شريك فيما ادعاه، وهو سودة، ولم يعلم منها تصديقه ألزم ﵊ عبدًا بما أقر به، ولم يجعله حجة على سودة، ولم يجعله أخاها، وأمرها أن تحتجب (٥)

стр. 4272

[منه] (١). قلت: في هذا نظر لا يخفى وسيأتي الجواب على احتجابها منه ولا يجوز أن يجعله ﵊ ابنًا لزمعة [ثم يأمر

стр. 4273

أخته أن تحتجب منه هذا محال لا يجوز أن يضاف إلى رسول الله ﷺ ] (١). قلت: ليس بمحال، بل له وجه ستعلمه. ويزيد الأول رواية البخاري في المغازي: "هو لك هو أخوك يا عبد بن زمعة"، لكن في "مسند أحمد" و"سنن النسائي" (٢): "ليس لك بأخ"، واختُلف في تَصْحِيْحِهَا فأعلها البيهقي (٣). وقال

стр. 4274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4275

المنذري (١): إنها زيادة غير ثابتة. وقال المازري (٢): لا تعرف في هذا الحديث، وهي باطلة مردودة. ورواها الحاكم في "مستدركه"، وصحح إسنادها وقال بعضهم: الرواية فيه: "هو لك عبد" بإسقاط حرف النداء الذي هو ياء، أي هو وارثه فيرث هذا الولد وأمه. قال المازري والمنذري: وهذه الرواية غير صحيحة. قال: ولو صحت جَمَعَ بينها وبين الرواية المشهورة، بأن يكون المراد: يا عبد. فحذف حرف النداء، كما قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ (٣). واعلم أن أهل الجاهلية كانوا يقتنون الولائد، ويضربون عليهن الضرائب، فيكتسبن بالفجور، وكان من سيرتهم إلحاق النسب بالزناة إذا ادعوا الولد كما في النكاح، فكانت لزمعة أَمَةٌ، وكان يُلَمُّ بها، وكان له عليها ضريبة فظهر بها حمل كان يظن أنه من عتبة بن أبي وقاص، فهلك عتبة كافرًا لم يسلم، فعهد إلى سعد أخيه أن يستلحق الحمل الذي بأمة زمعة، وكان لزمعة ابن يقال له: عبد، فخاصم سعد عبد بن زمعة في الغلام الذي ولدته الأَمة، فقال سعد: هو ابن أخي على ما كان عليه الأمر في الجاهلية. فقال عبد بن زمعة: بل هو أخي وُلِدَ على فراش أبي على ما استقر عليه

стр. 4276

الحكم في الإِسلام، فقضى النبي ﷺ به لعبد بن زمعة، وأبطل دعواه في الجاهلية. نبه على ذلك الخطابي (١). وكذا قال القاضي (٢) عياض أيضًا: إنه كان من عادة الجاهلية إلحاق النسب بالزنا، وكانوا يستأجرون الإِماء له، فمتى اعترفت الأمة أنه له ألحقوه به، فجاء الإِسلام بإبطال ذلك، وإلحاق الولد بالفراش الشرعي. فلما تخاصم عبد وسعد، وقام سعد بما عهد إليه أخوه عتبة من سيرة الجاهلية إذ مات مشركًا ولم يعلم سعد بطلان ذلك في الإسلام، ولم يكن حصل إلحاقه في الجاهلية: إما لعدم الدعوى، وإما لكون الأم لم تعترف به لعتبة. واحتج ابن زمعة بأنه ولد على فراش أبيه، فحكم له به النبي ﷺ . قال ابن عبد البر (٣): وفي الحديث إشكال: فإن الأمة مجتمعة على أن أحدًا لا يدعي عن أحد دعوى إلا بتوكيل (٤)، ولم يذكر في هذا الحديث توكيل عتبة لأخيه سعد على ما ادعى به عنه، ومن ذلك ادعا عبد بن زمعة عن أبيه ولد بقوله: "أخي وابن وليدة أبي، وُلِدَ على فراشه" ولم يثبت إقرار أبيه بذلك، ولا تقبل دعوى أحد عن غيره. قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ (٥)، ثم ذكر أبو عمر بعد ذلك أن عتبة انتقل إلى المدينة قبل الهجرة، واتخذ بها

стр. 4277

منزلًا ومالًا، وتُوفي في الإِسلام، وأوصى إلى أخيه سعد. وفي "الموطأ": "عهد إلى أخيه سعد أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه إليك". وكذا في البخاري في المغازي: "أنه عهد إليه أن يقبض ابن وليدة زمعة". وفي هذا ما يزيل الإِشكال المذكور، فإنه إذا كان وصَّى لأخيه، فهو أحق بكفالة ابن أخيه وحفظ نسبه، وتصح دعواه بذلك، والحالة هذه، وكذا تصح دعوى عبد بن زمعة المخاصمة في أخيه، بأنه كافله وعاصبه إن كان حرًّا ومالكه إن كان عبدًا. ووقع في كلام الباجي (١) التوقف في ادعاء عتبة هذا الولد، حيث قال: فإن ثبت أن عتبة ادعى هذا الولد وإلا لم تصح دعوى سعد فيه، [لأن] (٢) استلحاق العم لا يصح وهو عجيب، فالحديث مصرح باعتراف عتبة به، ودعواه وعهده إلى أخيه [سعد] (٣) بقبضه كما سلف. وقوله ﵊: "الولد للفراش" أي لصاحب الفراش، أي تابع له أو محكوم به له، كما قال تعالى: ﴿وَسئَلِ الَقَريَةَ﴾، أي أهلها. وكذا أخرجه البخاري في كتاب الفرائض (٤) من صحيحه من

стр. 4278

حديث أبي هريرة: "الولد لصاحب الفراش"، وترجم عليه (١) وعلى حديث عائشة: "الولد للفراش حرة كانت أو أمة". قال الأزهري: والعرب تكنى عن المرأة بالفراش. وقال القاضي (٢): أصحاب أبي حنيفة حملوه على صاحب الفراش، ولذلك لم يشترطوا إمكان الوطء في الحرة، والأظهر أن المراد به هنا حالة الافتراش، فيفهم منه إمكان الوطء، قال: ووطء زمعة وليدته وافتراشها كان معلومًا. وقد قيل: لا تعلم في اللغة إيقاع الفراش على الزوج. وقوله ﵊: "وللعاهر الحجر" قال العلماء: العاهر: الزاني، وعهر: زنى، وعهرت: زنت. ومعنى "له الحجر" أي له الخيبة، ولا حقّ له في الولد (٣). وعادة العرب أن تقول: له الحجر، وبفيه الأَثْلَبُ وهو التراب، ويريدون: ليس له إلَّا الخيبة، ومنه الحديث: "وإذا جاءك يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابًا" (٤) تعبيرًا بذلك عن خيبته وعدم استحقاقه لثمن الكلب، وفي "الكنى" للحاكم أبي أحمد من حديث زيد بن أرقم، أنه ﵊ قال: "الولد للفراش وفي فم العاهر

стр. 4279

الحجر" (١)، وفي "صحيح ابن حبان" (٢) من حديث ابن عمر رفعه: "الولد للفراش وبفي العاهر الأثلب"، فقال رجل: يا رسول الله ﷺ : ما الأثلب؟ قال: "الحجر". ورواه الإِمام أحمد (٣) كذلك، لكن من حديث عبد الله بن عمرو، وكذا ابن الجوزي في "جامع المسانيد" وأبعد بعضهم فقال: معناه للزاني الرجم بالحجر (٤)، ووجه بعده أن هذا في حق بعض الزناة، وهو المحصن، فلا يجري لفظ العاهر على عمومه بخلاف ما إذا حملناه على الخيبة، فإنه حينئذ على عمومه في حق كل زان، والأصل العمل بالعموم فيما تقتضيه صيغته، كيف والحديث إنما ورد في نفي الولد عنه لا في رجمه. الوجه الرابع في فوائده: الأولى: إلحاق الولد بالفراش، سواء أكان بطريق الزوجية أو الملكية بشرط إمكان كونه منه، ومدة الإِمكان ستة أشهر من حين

стр. 4280

إمكان الاجتماع. والإِجماع قائم على مصير [الزوجة] (١) فراشًا بالعقد، واختلفوا في اشتراط الإِمكان فيها. والجمهور على اشتراطه حتى لو نكح مغربي مشرقية ولم يفارق [واحد] (٢) منهما وطنه. ثم أتت بولد لستة أشهر أو أكثر لم يلحقه، لعدم إمكان كونه منه. وخالف أبو حنيفة فاكتفى بمجرد العقد، قال: حتى لو طلق عقبه من غير إمكان وطء، فولدت لستة أشهر من العقد لَحِقَهُ، واستضعف ذلك، ونسب [إلى] (٣) الفساد. والحديث خرج على الغالب وهو حصول الإِمكان عند العقد. هذا حكم الزوجة (٤).

стр. 4281

وأما الأَمة (١): فلا تصير فراشًا إلا بالوطء، وأما الملك فلا أثر له حتى لو بقيت في ملكه سنين، وأتت بأولاد ولم يطأها, ولم يقر بوطئها لا يلحقه أحد منهم. فإذا وطئها صارت فراشًا، فإذا أتت بعد الوطء بولد أو أولاد لمدة الإِمكان لحقوه، وبهذا قال مالك والشافعي، وخالف أبو حنيفة، فقال: لا تصير فراشًا إلا إذا ولدت ولدًا واستلحقه فما تأتي بعد ذلك يلحقه إلا أن ينفيه، قال: لأنها لو صارت فراشًا بالوطء لصارت بعقد الملك كالزوجة. قال أصحاب الشافعي: والفرق بين الزوجة والأَمة: أن الزوجة تراد للوطء خاصة، فجعل الشرع العقد عليها كالوطء لما كان هو المقصود بخلاف الأَمة، فإنها تراد لملك الرقبة وأنواع المنافع غير الوطء، ولهذا يجوز أن يملك أختين وأمًّا وبنتها، ولا يجوز جمعهما

стр. 4282

بعقد النكاح فلم تَصِرِ الأَمة بنفس عقد الملك فراشًا. فإذا حصل الوطء صارت كالحرة، فصارت فراشًا. واعلم أن حديث عبد بن زمعة هنا محمول على ثبوت مصير أمة أبيه فراشًا لزمعة. فلهذا ألحق ﷺ به الولد. وثبوت فراشه: إما ببينة على إقراره بذلك في حياته، وإما بعلمه ﵊ بذلك. وقد أسلفنا من كلام القاضي أن افتراشها له كان معلومًا (١). وفي هذا دلالة للشافعي ومالك على أبي حنيفة [فإن] (٢) لم يكن لزمعة ولد من هذه الأمة قبل هذا [فدل] (٣) على (٤) أنه ليس بشرط خلاف ما قال أبو حنيفة. الثانية: فيه أيضًا دلالة للشافعي وموافقيه على مالك وموافقيه. في استلحاق النسب، لأن الشافعي يقول: يجوز أن يستلحق الوارث نسبًا لمورثه بشرط أن يكون حائزًا للإِرث, أو يستلحقه كل الورثة، [ويشترط] (٥) أن يمكن كون المستلحق ولدًا للميت، وبشرط أن لا يكون معروف السبب من غيره, وبشرط أن يصدقه المستلحق إن كان بالغًا عاقلًا. وهذه الشروط كلها موجودة في هذا الولد الذي ألحقه ﵊ بزمعة حين استلحقه عبد بن زمعة، ويتأول أصحابنا هذا تأويلين:

стр. 4283

أحدهما: أن سودة بنت زمعة أخت عبد استلحقته معه ووافقته في ذلك حتى يكون كل الورثة مستلحقين. وثانيهما: أن زمعة مات كافرًا فلم ترث سودة لكونها مسلمة وورثه عبد بن زمعة. وقال البويطي: لا يجوز إقرار الأخ بأخيه عندي. قال: وإنما ألحق ﵊ ابن زمعة [به] (١) لمعرفته بفراشه. وادعى أبو عمر أن هذا مشهور مذهب الشافعي حيث قال: اختلف قول الشافعي في أن الأخ هل يستلحق؟ فرُوِيَ عنه المنع، كقول مالك، وهو قول الكوفيون وجمهور الفقهاء، وإليه ذهب المزني والبويطي، وروي عنه أنه يقبل إذا كان جائزًا؛ وهو قول النخعي، والأول [هو] (٢) مشهور مذهبه. وقد قال في غير موضع في كتبه. لو قُبل استلحاق غيرِ الأب كان فيه إثبات حقوق [على] (٣) الأب بغير بينة تشهد عليه ولا إقراره، هذا كلامه. والذي نعرفه من مذهبنا قبوله إذا كان جائزًا بالشروط السالفة (٤). فرع: لا يصح استلحاق الجد (٥) عند مالك خلافًا لأشهب. الثالثة: فيه أيضًا استعمال الورع في الأمر الثابت في ظاهر الشرع والأمر للاحتياط، فإنه ﵊ أمرها بالاحتجاب

стр. 4284

من ولد أبيها الذي حكم بإلحاقه به لما رأى الشبه البين بعتبة، وخشي أن يكون من مائه ويكون أجنبيًّا منها باطنًا، فحكم بظاهر الشرع في إلحاق النسب وبالورع في الاحتجاب ومن تراجم البخاري (١) عليه باب: تفسير المشبهات. قال الخطابي (٢): وقد كان [جائزًا] (٣) أن لا يراها لو كان أخًا [لها] (٤) ثابت السبب، [ولأمهات المؤمنين] (٥) في هذا الباب ما ليس لغيرهن [من النساء] (٦)، قال تعالى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٧) الآية. وزعم بعض الحنفية أنه إنما أمرها بالاحتجاب منه، لأنه جاء في رواية: "واحتجبي، فإنه ليس لكِ بأخ"، وقد أسلفنا من ضعفها، وأنه جاء في "صحيح البخاري" في المغازي: "هو أخوك يا عبد"، وقال الطبري: إنما أمرها بذلك، لأنها لا تملك منه إلا شقصاء. قلت: قد أسلفنا أن سودة لم ترث زمعة لكونه مات كافرًا. وقيل: إنما أمرها به لأنه يجوز أن يمنع الزوج زوجته من رؤية أخيها.

стр. 4285

وقيل: لأنه غير أخيها في الباطن، لأنه من الزنا، حكاهما أبو عمر (١)، وعزى الأول إلى أصحاب الشافعي، والثاني إلى الكوفيين. وقال في الثاني: إنه قول فاسد لا يعقل، ورجح قول المزني، وهو أنه يحتمل أن يكون ﵊ أجابهم عن المسألة وأعلمهم أن حكمها كذلك يكون إذا تداعى الولد صاحب الفراش وصاحب الزنا لا على أنه يلزم عتبة دعوى أخيه سعد، ويلزم زمعة دعوى ابنه عبد، ويبين ذلك قوله لسودة: "واحتجبي منه" وإلى هذا ذهب الباجي (٢)، وقال: إنه أصح الأقوال، وقال: إن قوله: "هو لك يا عبد"، أي ملكًا إذ لم يثبت إعتراف زمعة به. قال: ولو استلحقه بزمعة لم ينه عنه سودة، ولم يأمرها بقطع رحمه، وقد حض أزواجه على مداخلة الأخ والعم من الرضاعة. قلت: قد أسلفنا أن استفراشه لها كان معلومًا ونهيه لسودة سلف تأويله. الرابعة: فيه أيضًا أن الشبه وحكم القافة إنما يعتمد إذا لم يكن هناك أقوى منه كالفراش كما لم يحكم بالشبه في قصة المتلاعنين مع أنه جاء على الشبه المكروه. الخامسة: فيه أيضًا أن حكم الحاكم بالظاهر لا يحل الأمر بالباطن عما هو عليه، فإذا حكم بشهادة شاهدين زور أو نحو ذلك لم يجل المحكوم به للمحكوم له، وموضع الدلالة أنه -عليه الصلاة

стр. 4286

والسلام- حكم به لعبد بن زمعة وأنه أخ [له ولسودة] (١)، واحتمل بسبب الشبه أن يكون من عتبة. فلو كان الحكم يحل الباطن لما أمرها بالاحتجاب. السادسة: احتج [به] (٢) بعض الحنفية ومن وافقهم على أن الوطء بالزنا له حكم الوطء بالنكاح في حرمة المصاهرة، وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأحمد، وقال مالك والشافعي وأبو ثور وغيرهم: لا أثر لوطء الزنا، بل للزاني أن يتزوج أم المزني بها وبنتها، بل زاد الشافعي فجوّز نكاح البنت المتولدة من مائه بالزنا. قال: ووجه الاحتجاج أن سودة أمرت بالاحتجاب، وهذا احتجاج عجيب، كما نبّه عليه النووي (٣)، فإنه على تقدير كونه من الزنا يكون أجنبيًّا من سودة لا يحل الظهور له، سواء ألحق بالزاني أم لا، فلا تعلق له بالمسألة المذكورة.

стр. 4287

السابعة: استدل به بعض المالكية على قاعدة من قواعدهم، وأصل من أصول مذهبهم، وهو الحكم بين حكمين، وذلك أن يكون فرع قد أخذ مشابهة من أصول متعدِّدة، فيُعطَى أحكامًا مختلفة، ولا يُمحَّض لأحد الأصول. وبيانه من الحديث أن الفراش مقتضٍ لإِلحاق الولد بزمعة والشبه البين مقتضٍ لإِلحاقه بعتبة، فأعطى النسب بمقتضى الفراش، وألحق بزمعة. ورُوعي أمر الشبه أمر سودة بالاحتجاب منه، فأعطى الفرع حكمًا بين حكمين، ولم يمحض أمر الفراش فتثبت المحرمية بينه وبين سودة، ولم يراع أمر الشبه مطلقًا فيلحق بعتبة، قالوا: وهذا أولى التقديرات، فإن الفرع إذا دار بين أصلين، فألحق [بأحدهما] (١) مطلقًا، فقد أبطل شبهه بالثاني من كل وجه. وكذلك إذا فعل بالثاني، ومُحض إلحاقه به كان إبطالًا لحكم شبهه بالأول، فإذا ألحق بكل واحد منهما من وجه كان أولى من إلغاء أحدهما من كل وجه. قال الشيخ تقي الدين (٢): ويعترض على هذا بأن صورة النزاع ما إذا دار الفرع بين أصلين شرعيين، يقتضي الشرع إلحاقه بكل واحد منهما من حيث النظر إليه. وهاهنا لا يقتضي الشرع إلا إلحاق هذا الولد بالفراش. والشبه هاهنا غير مقتضٍ للإِلحاق شرعًا، فيحمل قوله: "احتجبي منه يا سودة" على سبيل الاحتياط. والإِرشاد لمصلحة وجودية، لا على سبيل بيان وجوب حكم شرعي. ويؤكده

стр. 4288

أنا لو وجدنا شبهًا في ولد لغير صاحب الفراش لم يثبت لذلك حكمًا. وليس في الاحتجاب هنا إلا ترك أمر مباح على تقدير ثبوت المحرمية وهو قريب. الثامن: احتج الشعبي ومن قال: بقوله بعموم قوله: "الولد للفراش"، أن الولد لا ينتفي باللعان ولا غيره، وهو شذوذ، كما قال القاضي. وقد حكي عن بعض المدنيين، ولا حجة فيه، لأنه ﵊ إنما قال: هذا في ولد الأمة المدعي فيه غير سيدها، وقد حكم ﵊ في ولد الزوجات بخلاف ذلك ولاعن وألحق الولد بأمه دون الزوج كما سلف.

стр. 4289

الحديث الخامس ٣٤٥/ ٥/ ٦٦ - عن عائشة ﵂ قالت: أن رسول الله ﷺ دخل عليّ مسرورًا، تبرق أسارير وجهه، فقال: ألم تري أن مجززًا [المدلجي] (١) نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض" (٢). وفي لفظ: "كما مجززًا قائفًا". الكلام عليه من وجوه: الأول: في التعريف براويه وبالأسماء الواقعة فيه. أما مجززًا: فبميم مضمومة ثم جيم مفتوحة ثم زاي مكسورة مشددة، وحُكي فتحها، ثم زاي أخرى. وقيل إنه بالحاء [والراء] (٣) المهملة ثم زاي -وهو مجزز بن

стр. 4290

الأعور بن جعدة بن معاذ بن عيوارة بن عمرو بن مدلج الكناني المدلجي القائف. وسُمي مجززًا: لأنه يجز نواصي أسارى الحرب. وقيل. لأنه كان إذا أخذ أسيرًا جز لحيته. وقيل: ناصيته وكان من بني مدلج كما سلف، وكانت القيافة فيهم وفي بني أسد تعترف لهم العرب بذلك، وكانت الجاهلية تقدح في نسب أسامة لكونه أسود شديد السواد، وكان زيد أبيض، كما قاله أحمد بن صالح فيما نقله أبو داود عنه، ونقل عبد الحق عن أبي داود، أن زيدًا كان شديد البياض، وكذا قال البندنيجي في "الذخيرة" والقاضي حسين من أصحابنا، ونقل المازري (١) والبغوي (٢) عنه أنه كان أبيض من القطن، وقال إبراهيم بن سعد: كان أسامة أسود مثل الليل، وزيد أبيض [أصفر] (٣). وقال الماوردي: إن زيدًا كان أخضر اللون. وقال غيره: أزهر اللون، حكاه القاضي عياض. وقال الرافعى: كان أسامة طويلًا أقنى الأنف أسود، وكان زيد قصيرًا أخنس الأنف بين السواد والبياض. فاتفق أنهما ناما في المسجد، كما قاله أبو عمر وغطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فمر عليهما مجزز فقال: "إن هذه الأقدام بعضها من بعض". فسر بذلك ﷺ وأعجبه. وكانت العرب تصغي إلى قول القافة، وكان يقال من علوم العرب ثلاثة:

стр. 4291

السياقة (١): وهي شم تراب الأرض فيعلم بها الاستقامة على الطريق أو الخروج منها. والعيافة (٢): وهي زجر الطير والتفاؤل بها، وما قارب ذلك. وأما السانح والبارح: ففي الوحش، وكانوا يتطيَّرون بالبارح، ويتفاءلون بالسانح أن يرمونه. يقال: برح الطير بفتح الراء بروحًا إذا ولاك مياسره يمر من ميامنك إلى مياسرك ويتفاءلون بالسانح. قال الجوهري (٣): لأنه لا يمكنك أن ترمه حتى تنحرف.

стр. 4292

وفي الحديث: "العيافة والطرق من الجبت" (١)، والطرق (٢): هو الرمي بالحصى. أما القيافة: فهي ما نحن فيه، وهي اعتبار الأشباه لإِلحاق الأنساب. وأما أسامة: فسلف التعريف به في باب دخول مكة. وأمه أم أيمن واسمها بركة، وكانت حبشية سوداء، وهي بركة بنت محصن بن ثعلبة بن [عمرو] (٣) بن حضين بن مالك بن سلمة بن

стр. 4293

عمرو بن النعمان، قال القاضي (١): ولم أر لأحد أنها سوداء إلا أحمد بن سعيد الصيرفي ذكر في "تاريخه" من رواية عبد الرزاق عن ابن سيرين أنها كانت سوداء، فإن كان هذا، فلهذا خرج أسامة أسود، لكن لو صح هذا لم ينكر لون أسامة إذ لا ينكر أن يلد الأبيض أسود من سوداء. وأما والده زيد بن حارثة: فهو مولى النبي ﷺ سبي، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فوهبته للنبي ﷺ فتبنّاه، وكان يدعى زيد بن محمَّد حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٢)، فقيل: زيد بن حارثة، وهو أول من أسلم من الموالي، وشهد بدرًا والمشاهد، وكان من الأمراء الشهداء ومن الرماة المذكورين، له حديثان ومناقبه جمّة منها: إن الله ذكره في القرآن. استشهد يوم مؤتة سنة ثمان من الهجرة عن نيف وخمسين سنة. وترجمته مبسوطة فيها أفردناه في الكلام على رجال هذا الكتاب فسارع إليه. الوجه الثاني في ألفاظه ومعانيه. السرور: خلاف الحزن، وسبب سروره ﵊ ما تقدم من طعنهم في نسب أسامة، وقصد بعض المنافقين بالطعن مغايظة رسول الله ﷺ ، لأنهما كانا حبيبيه. فلما قال المدلجي ذلك: وهو لا يرى إلا أقدامهما سره ذلك. وقد ترك المصنف من الحديث: "تغطية رؤوسهما وبدو

стр. 4294

أقدامهما"، وهي زيادة مفيدة لما فيها من الدلالة على صدق القيافة. وتبرق -بفتح أوله وضم ثالثه-: أي يضيء ويستنير من السرور والفرح، فإن المسرور ينطلق وجهه ويجري ماء البشر بخلاف المقطب، أي المجمع والحزين، فإن الحزن والغضب جمعه وقبضه. والأسارير: هي الخطوط التي في الجبهة [و] (١) الوجه مثل التكسير. ويقال فيها أيضًا: [الأسر] (٢)، وهي جمع قلة. والغضون واحدها سَرَر (٣) وسُرُر، وجمعه: أسْرَار، وجمع الجمع أسارير. وقال الأصمعي: الخطوط التي تكون في الكف مثلها السَرَر بفتح السين والراء، والسِّر بكسر السين وعبارة الصحاح (٤): السِّرَرُ واحد أسْرارِ الكف والجبهة، وهي خطوطها. ومعنى آنفًا: قريبًا. وقال القاضي (٥): معناه قبل، وقيل: أول وقت نحن فيه قريب، وهو بمد الهمزة على المشهور، ويجوز قصرهما وقرىء بهما في السبع. والقائف: متبع الآثار والأشباه، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ

стр. 4295

لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (١)، أي لا تتبع، والجمع: قافة كبائع وباعة. الوجه الثالث في أحكامه: فيه العمل بالقيافة بقول القائف بالشبه في إلحاق الولد بأحد الرجلين، ولا يكون ذلك إلا فيما أشكل من وطئين محترمين: كالمشتري والبائع يطأآن الجارية المبيعة في طهر قبل الاستبراء من الأول، فتأتي بولد لستة أشهر فصاعدًا من وطء [الثاني] (٢)، ولدون أربع سنين من وطء الأول. وأثبت العمل بها الشافعي وفقهاء الحجاز وجماهير العلماء، ونفاه أبو حنيفة وأصحابه والثوري وإسحاق. وفي المسألة قول ثالث: وهو إثباته في حق الإِماء دون الحرائر، وهو مشهور مذهب مالك، وعنه رواية كالأول. وجه الدلالة للأول: أنه ﵊ سرّ بذلك، ويكون في أمته من يميز الأنساب عند الاشتباه ولا يسر بباطل. واعتذر الباقون عنه: بأنه لم يقع فيه إلحاق متنازع فيه ولا هو [وارد] (٣) في محل النزاع، فان أسامة كان لاحقًا بفراش زيد من غير منازع له فيه، وإنما كان الكفار يطعنون في نسبه للتباين السالف بين لونيهما، فلما ألحقه مجزز به كان فيه إبطالًا لطعن الكفار بسب اعترافهم بحكم القيافة وإبطال طعنهم حق، فلم يسر إلَّا لحق. والأول: يجيبون بأنه وإن كان ذلك واردًا في صورة خاطئة إلا

стр. 4296

أن له جهة عامة، وهي دلالة الأشباه على الأنساب فيأخذ هذه الجهة من الحديث ويعمل بها. واحتج من فرق بين الحرة والأمة: بأن الحرة لها فراش ثابت يرجع إليه، فلم يلتفت إلى تطلب معنى آخر سواه أخفض منه رتبة، والأمة: لا فراش لها، فافتقر فيها إلى مراعاة الشبه. واتفق القائلون بالعمل بالقائف على اشتراط عدالته، والأصح عند الشافعية أنه لا يشترط فيه العدد بل يكفي الواحد بناء على أنه حكم لا شهادة، وبه قال ابن القاسم من المالكية، وقال مالك: لابد من اثنين وهو أحد الوجهين عند الشافعية، وحكاه القاضي عياض قولًا عن الشافعي (١)، وحكى الباجي (٢) عن مالك أنه يجزئ الواحد إن لم يوجد غيره قال: وعليه جماعة أصحابنا إلا ما روى أشهب عن مالك أنه لا يجزئ إلا اثنان، وبه قال عيسى بن دينار وقال أبو عمر المشهور عن مالك وعليه أكثر أصحابه قبول الواحد، والاثنان أحوط عندي. والأصح عند الشافعية أيضًا أن القيافة لا تختص ببني مدلج، لأن المعتبر في ذلك الأشباه، وهو غير خاص بهم، ووجه مقابله أن لبني مدلج في ذلك قوة ليست لغيرهم، ومحل النص إذا اختص بوصف يمكن اعتباره لم يمكن إلغاؤه لاحتمال أن يكون مقصودًا للشارع.

стр. 4297

واتفق القائلون بها على أنه يشترط أن يكون خبيرًا بها مجربًا، ثم إذا رجع إليه فإن ألحقه بأحدهما لحق به، وإن أشكل عليه أو نفاه عنهما ترك الولد حتى يبلغ فينتسب إلى من يميل إليه منهما، وهو مذهب عمر بن الخطاب (١). وفي المسألة قول ثان: [إنه] (٢) يكون ابنًا لهما، قاله أبو ثور وسحنون. وقول ثالث: أنه يلحق بأكثرهما [له] (٣) شبهًا، [قاله عبد الملك بن الماجشون] (٤) ومحمد بن مسلمة المالكيان. قال ابن مسلمة: إلا أن يعلم الأول فيلحق به. واختلف النافون في الولد المتنازَع فيه على أقوال: أحدها: أنه يلحق بهما رجلين كانا أو امرأتين، قاله أبو حنيفة. وثانيهما: يلحق بالرجلين ولا يلحق بامرأتين، قاله أبو يوسف، وقال محمَّد بن الحسن نحوه يلحق بالآباء وإن كثروا، ولا يلحق إلا بامرأة واحدة. ثالثها: إنه يقرع بينهما، قاله إسحاق والشافعي في القديم على

стр. 4298

ما حكاه القاضي عياض (١)، ثم القرطبي (٢)، والبغوي في "شرح السنّة" (٣) [وحكم علي ﵁ باليمن بالإقراع في جماعة وقعوا على أمة في طهر في اليمن] (٤)، وأخذ به جماعة من أهل الحديث. تنبيهان: الأول: لا حجة لمن نفى القافة في قصة اللعان السالفة في كونه ﵊ لاعن عليه ولم يؤخره حتى تضع ويرى الشبه فيه لأنه عارض الشبه هنا الفراش وهو أقوى، كما أسلفناه في الحديث قبله أيضًا. الثاني: قال ابن حزم في "كتاب الاستقصاء فيما خالف فيه

стр. 4299

مالك الموطأ" (١). ومما احتجوا بالحديث في مكان لم يرد فيه وتركوه حيث ورد حديث مجزز، فإنه إنما ورد في حديث ابن حرة لأن أم أيمن أعتقها ﵊ وزوجها زيدًا، فولدت له أسامة وهم إنما يقضون بالقافة في ابن الأمة وقالوا: الفراش في الحرة وإنما تكون الأمة فراشًا إذا أقرَّ السيد بالوطء ولم يدعى استبراء فإن ادعاه فليست فراشًا، وحديث "الولد للفراش"، إنما جاء في ابن أمة زمعة، فوضعوا كلًا من الحديثين في غير موضعه، وكذا تعجب القرطبي من ذلك، فقال في "مفهمه" (٢): العجب إن هذا الحديث الذي هو أصل الباب إنما وقع في الحرائر، فكيف يلغى السبب الذي خرج عليه دليل الحكم وهو الباعث عليه، هذا ما لا يجوز عند الأصوليين، قال: والأولى رواية ابن وهب عن مالك أن لا يقصر ذلك على ولد الأمة لأن تفرقته بينهما بأن الواطىء في الاستبراء يستند [وطؤه] (٣) لعقد صحيح، فله شبهة الملك، فيصح إلحاق الولد به، إذا أتت به لأكثر من ستة أشهر من وطئه؛ بخلاف الوطء في العدة إذ لا عقد (٤) يصح، [وعلى هذا فـ] (٥) يلزم منها أن من نكح في العدة أن يُحد، ولا يلحق به الولد، إذ لا شبهة له وليس مشهور مذهبه.

стр. 4300

الحديث السادس ٣٤٦/ ٦/ ٦٦ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "ذكر العزل لرسول الله ﷺ فقال: "ولم يفعل ذلك أحدكم؟ ولم يقل: فلا يفعل ذلك أحدكم، فإنه ليست نفس مخلوقة إلَّا الله خالقها" (١). الكلام عليه من وجوه: واعرف قبلها أن البخاري لم يصل سنده به كما نبه عليه عبد الحق في "جمعه". الأول: "العزل" هو أن يجامع فإذا قارب الإِنزال نزع وأنزل خارج الفرج، وتتأذى المرأة فيه، وهو طريق إلى قطع النسل، وسماه الشارع "الوأد الخفي" في الصحيح (٢) لأنه قطع طريق الولادة كما يقتل المولود بالوأد.

стр. 4301

ومعنى قوله: "فإنه ليست نفس منفوسة إلَّا الله خالقها" أن ترك العزل ليس فيه ضرر عليهم، فإن الله [تعالى] (١) قدر خلقه سواء عزلتم أو لا، فلا فائدة في عزلكم فإنه إن كان الله قدر خلقها سبقكم الماء فلا ينفعكم حرصكم في منع الخلق وقد أتت القدرة بخلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وبخلق حواء منه وبخلق عيسى بن مريم من غير ذكر. وفي "مسند أحمد" و "صحيح ابن حبان" من حديث رجل جاء إلى رسول الله ﷺ يسأل عن العزل فقال: "لو أن الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة لأخرج الله منها أو يخرج الله منها ولدًا، وليخلقن الله نفسًا هو خالقها" (٢). الثاني: "العزل" مكروه عندنا أو خلاف الأولى في كل حال وكل امرأة وإن رضيت لما أسلفناه. وأما التحريم فقال أصحابنا لا يحرم في مملوكته ولا في زوجته الأمة، سواء رضيت أم لا، لأن عليه ضررًا في مملوكته بمصيرها أم ولد وامتناع بيعها وعليه ضرر في زوجته الرقيقة بمصير ولدها رقيقًا تبعًا لأمه. وأما زوجته الحرة: فإن أذنت فيه لم يحرم، لأنه إذا

стр. 4302

[جاز] (١) ترك أصل وطئها بغير رضاها فلأن يجوز العزل برضاها أولى وإلَّا فوجهان: أصحهما لا يحرم أيضًا لهذا لحديث، قال أصحابنا: ولأن حقها في الوطء لا في الإِنزال بدليل انقطاع طلبها في الإِيلاء والعنة بتغييب الحشفة. قالوا: فعلى هذا هل يكره؟ فيه وجهان [و] (٢) في "مسند أحمد" (٣) و"سنن ابن ماجه" (٤) من حديث عمر أنه ﵊ "نهى عن الحرة إلَّا بإذنها" وفي سنده ابن لهيعة، وقد سئل عنه الدارقطني فاعله، ولهم وجه آخر، أنه لا يجوز وإن رضيت، لأنه "الوأد الخفي" كما سلف. ونقل ابن عبد البر (٥): الرخصة في العزل عن جماعة من الصحابة، وقال: إنه قول جمهور الفقهاء، وعن جمع منهم الكراهة وكان ابن عمر يضرب بعض ولده إذا فعل. واختلف فيه بحضرة عمر. وقال علي: إنها لا تكون موؤدة حتى تمر عليها التارات السبع ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢). . . .﴾ الآية، [فقال] (٦) عمر: صدقت، وأطال الله بقاءك

стр. 4303

قيل: أول من قال هذه اللفظة في الإِسلام عمر لعلي. وروى ابن المسيب عن عمر، وعثمان الكراهة. قال: ولا خلاف أن الحرة لا يعزل عنها زوجها إلَّا بإذنها. قلت: قد أسلفنا الخلاف فيه عندنا ثم نقل عن أبي حنيفة ومالك إلحاق الزوجة الأمة بالحرة، وعن الشافعي أنه يعزل عنها دون إذن مولاها وإذنها قال: وقيل لا يعزل عنها إلَّا بإذنها. قال الباجي (١): وعندي أن هذا صحيح، لأن لها بالعقد حقًّا في الوطء، فلا يجوز أن يعزل عنها إلَّا بإذنها وإذن مولاها لحقه في طلب الولد. ونقل الشيخ تقي الدين (٢): عن المالكية أن مذهبهم الكراهة في الحرة إلَّا بإذنها، وفي الزوجة الأمة إلَّا بإذن السيد لحقهما في الولد دون السراري. وأغرب ابن هبيرة فنقل الإِجماع على جواز العزل عن الأمة، وعلى أنه ليس له العزل عن الحرة إلَّا بإذنها. [وقال] (٣) القاضي عياض في الأخير: إنه قول أصحاب الشافعي ومالك وتبعه الفاكهي، وهو وجه مرجوح عندنا، كما علمته. وحاصل الخلاف عندنا في الحرة والأمة أربعة أوجه. أصحها: الجواز المطلق.

стр. 4304

ثانيها: المنع المطلق وصححه القاضي حسين. ثالثها: الجواز في الأمة. رابعها: تخصيصه في الحرة بالرضى، وادعى المتولي أنه المذهب، ولا خلاف على المشهور في جوازه في الأمة، كما جزمت به أولًا، والأولى تركه. وأما المستولدة: ففيها خلاف مرتب على المنكوحة وأولى بالجواز، لأنها غير راسخة في الفراش، ولهذا لا يقسم لها. قال إمام الحرمين: وحيث حرمنا فذلك إذا نزع بقصد أن يقع الإِنزال خارجًا تحرزًا عن الولد، فأما إذا عنَّ له أن ينزع لا على هذا القصد فيجب القطع بأنه لا يحرم. ووقع في "شرح ابن العطار" أن التحريم لم يقل به أحد إلَّا في صورة على وجه لبعض أصحاب الشافعي، وهو العزل عن الحرة بغير إذنها، وقد علمت أنه قيل به في الأمة والمستولدة. الثالث: فيه إشارة إلى إلحاق الولد، وإن وقع العزل، وهو قول أكثر الفقهاء. الرابع: فيه إرشاد إلى الإِيمان بالقدر وسكون النفس إليه. خاتمة: في الصحيحين من حديث أبي سعيد أيضًا من أن السائل عن العزل [هو] (١) وغيره، وأن السؤال وقع في غزوة بني المصطلق لا في غزوة أوطاس، كما ادعاه موسى بن عقبة لما سبوا كرائم العرب، وطالت عليهم العزوبة، ورغبوا في الفداء فتنبه لذلك.

стр. 4305

الحديث السابع ٣٤٧/ ٧/ ٦٦ - عن جابر ﵁ قال: "كنا نعزل والقرآن ينزل ولو كان شيئًا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن" (١).

стр. 4306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4307

الكلام عليه من وجوه: الأول: هذا الحديث رواه مسلم بلفظين. أحدهما: من حديث عطاء عن جابر: "كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ فبلغ ذلك نبي الله ﷺ فلم ينهنا". الثاني: عن أبي الزبير عن جابر "كنا نعزل والقرآن ينزل". زاد إسحاق ابن إبراهيم أحد رواته، قال سفيان: فلو كان شيئًا يُنهى عنه لنهانا عنه القرآن". ورواه البخاري من حديث عطاء عن جابر بلفظ: "كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ ", وفي لفظ: "والقرآن ينزل" وفي لفظ: "كنا نعزل والقرآن ينزل". الثاني: قد أسلفنا الكلام على حكم العزل في الحديث قبله، والخلاف فيه عندنا وعند السلف، وهذا الحديث دال على جوازه مطلقًا، وما عارضه محمول على كراهة التنزيه والأحاديث الواردة بالإِذن دالة على عدم التحريم لا على نفي الكراهة. واستدل جابر ﵁ بالتقرير من الله تعالى على الجواز. قال الشيخ تقي الدين: وهو استدلال غريب (١)، وكان يحتمل

стр. 4308

أن يكون الاستدلال بتقرير الرسول ﷺ لكنه مشروط بعلمه بذلك، ولفظ الحديث لا يقتضي إلَّا الاستدلال بتقرير الله تعالى. قلت: الرواية الأولى التي نقلناها عن مسلم دالة على أنه ﵊[. .] (١) اطلع عليه وقرره ولعله خص القرآن بالذكر في الرواية الأخرى لشرفه. الثالث: في الحديث أيضًا دلالة لما كانت الصحابة -رضوان الله عليهم- من التمسك بالكتاب في كل شيء حتى في العزل عن النساء.

стр. 4309

الحديث الثامن ٣٤٨/ ٨/ ٦٦ - عن أبي ذر ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ليس من رجل ادعى لغير أبيه -وهو يعلمه- إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له: فليس منا وليتبوأ مقعده من النار. ومن دعا رجلًا بالكفر أو قال: عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه (١). كذا عند مسلم، وللبخاري نحوه. الكلام عليه من وجوه: الأول: قوله: وللبخاري نحوه: هو كما قال، فإنه أخرجه في أواخر بدء الخلق (٢) بلفظ: "ليس من رجل ادعى لغير أبيه، وهو يعلمه إلا كفر بالله، ومن ادعى قومًا ليس فيهم، فليتبوأ مقعده من النار"، وأخرجه في "الأدب" (٣) بلفظ آخر: وهو لا يرمي رجل رجلًا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك".

стр. 4310

الثاني: في التعريف براويه هو أبو ذر جندب بن جنادة على أصح الأقوال الكثيرة فيه الغفاري أحد النجباء والخدام والأرداف، ويقال فيه أيضًا: أبو الذر روى عنه ابن عباس وغيره. روى له عن رسول الله ﷺ مائتا حديث وثمانون حديثًا، اتفقا على اثني عشر، انفرد البخاري بحديثين، ومسلم بتسعة عشر. قال ﵊ في حقه: "ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر"، وقال أيضًا: "أمرت بحب أربعة من أصحابي وأخبرني الله أنه يحبهم علي، وأبو ذر، وسلمان، والمقداد". وقال "أبو ذر في أمتي علي زهد عيسى بن مريم" وهو أول من حيا النبي ﷺ بتحية الإِسلام ولا عقب له وكان قوّالًا بالحق وكان يتأله في الجاهلية ويقول: لا إله إلا الله ولا يعبد الأصنام وهو رابع أربعة أو خامس خمسة في الإِسلام، مات بالربذة سنة اثنين وثلاثين، وأبعد من قال سنة أربع وعشرين، وصلى عليه ابن مسعود، وقيل: جرير، ومناقبه جمّة، وقد بسطت ترجمته فيما أفردناه في الكلام على رجال هذا الكتاب، فليراجع منه. الثالث: في ألفاظه ومعانيه. "من" في قوله: "ليس من رجل" زائدة في المعنى. "والدعاء" الانتساب. والتقييد بالرجل خرج مخرج الغالب وإلا فالمرأة كذلك. و"الكفر" هنا متروك الظاهر عند الجمهور، لأن أهل السنة لا تكفر بالمعاصي وفي تأويله أوجه:
следующие страницы →