← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الحديث الثالث ١٦/ ٣/ ٢ - عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: "رقيت يومًا على بيت حفصة فرأيت النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة" (١). الكلام عليه من ثلاثة عشر وجهًا: الأول: في التعريف براويه [هو] (٢): أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وبقية نسبه تقدم في ترجمة والده في أول الكتاب، وهو معدود [من] (٣) المكيين المدنيين، وكان فقيهًا عالمًا زاهدًا ورعًا، أحد الأعلام، قال ابن الحنفية: كان خير هذه الأمة، شهد الخندق وما بعدها من المشاهد، وهو من أهل بيعة الرضوان، وقيل: إنه أول من بايع بها، ولا يصح، واستصغره يوم

стр. 457

أحد؛ لأن سنه كان ثلاث عشرة فمولده قبل الوحي بسنة، قاله ابن حبان، وفي الصحيح أن سنه يوم أحد أربع عشرة، وقال الواقدي: استصغر عام بدر وأجازه عام أحد، والأول أصح، قال الموفق الحافظ: ولم يشهد بدرًا لصغره، أسلم قديمًا مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم، وبايع قبل أبيه وبعده [أدبًا] (١)، وكان ينكر على من يقول إنه أسلم قبل أبيه، وهاجر معه ومع أمه زينب، وقيل: بل هاجر قبل أبيه، وصححوه، وهو شقيق حفصة أم المؤمنين، وأمهما زينب بنت مظعون، وقال ابن حبان: أمه ريطة بنت مظعون. عين للخلافة يوم الحكمين مع وجود مثل الإمام علي وسعد وغيرهما، وروى نافع قال: دخل ابن عمر الكبة فسمعته يقول في سجوده: ما يمنعني من مزاحمة قريش في هذا الأمر إلَّا خوفك، وقال ابن المسيب: أتوا ابن عمر فقالوا: أنت سيد الناس [وابن سيد الناس] (٢) والناس بك راضون، اخرج فنبايعك، فقال: لا والله ما يراق [فيّ] (٣) محجمة دم، ثم زوى عمرو بن العاص الأمر عنه لما رأى أنه لا يوليه شيئًا إن استخلف، ولما قتل عثمان دخل مروان بن الحكم عليه في نفر فعرضوا عليه أن يبايعوه فقال: كيف لي بالناس؟ قال: تقاتلهم، فقال: والله لو اجتمع الناس أهل الأرض إلَّا أهل فدك ما قاتلتهم، فخرج مروان وهو يقول: "والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا".

стр. 458

أثنى عليه النبي ﷺ ووصفه بالصلاح لو أنه يقوم الليل فما تركه بعد، وهو من أكثر الصحابة حديثًا وكان ضابطًا لها لا يزيد فيها ولا ينقص، روي له عن النبى ﷺ ألف [حديث] (١) وستمائة وثلاثون حديثًا اتفق البخاري ومسلم على مائة وثمانية وستين حديثًا، وانفرد البخاري بأحد وثمانين، ومسلم بأحد وثلاثين، روى عنه أولاده وأحفاده ومولاه نافع وأكثر عنه وخلق كثير من التابعين. وهو أحد العبادلة الأربعة أيضًا وباقيهم: عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص. ولا يطلق العبادلة اصطلاحًا على غيرهم وإن كان في الصحابة من يسمى عبد الله جماعات كثيرين، وخصوا هؤلاء من بينهم بالذكر لكونهم من أصاغر الصحابة وفقهاء وتأخروا وأُخذ عنهم العلم والرواية واحتيج إلى علمهم. روى ابن وهب عن مالك أنه قال: بلغ ابن عمر ستة وثمانين سنة وأفتى في الإِسلام ستين سنة، وقيل: لأن كل واحد صحابي ابن صحابي، قيل: للإِمام أحمد: فابن مسعود؛ قال: ليس من العبادلة. قال البيهقي في سننه: [إن] (٢) ابن مسعود تقدمت وفاته، وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم فإذا اتفقوا على شيء قيل: هذا قول العبادلة أو فعلهم أو مذهبهم. ونبه النووي ﵀ في كتابه (المبهمات) وغيره على شيء سبق القلم [منه] (٣) فيه فإنه

стр. 459

قال: وأما قول الجوهري في صحاح اللغة (١): أن ابن مسعود منهم، وحذف ابن [عمرو] (٢) فليس مقبولًا منه، وكيف يعارض بقوله قول الإِمام أحمد وغيره؟ هذا لفظه. وتبعه تلميذه ابن العطار في شرحه جازمًا بذلك، وكنت تبعته أيضًا في بعض التصانيف ثم رجعت ولله الحمد، فإن هذا ليس في الصحاح أصلًا، والذي فيها: والعبادلة ابن عباس وابن عمرو وابن عمر، وهذا لفظه فلم يذكر ابن مسعود أصلًا، وذكر ابن عمر. نعم يعترض على صاحب الصحاح لكونه حذف عبد الله بن الزبير وهو معدود منهم قطعًا، فتنبه لذلك فإنه [من] (٣) طغيان القلم. ووقع للرافعي أيضًا في كتاب الجنايات عند ابن مسعود في العبادلة وحذف ابن الزبير وابن عمرو بن العاصي وهو عجيب منه (٤). ولعبد الله بن عمر فضائل شهيرة ومناقب كثيرة، وكان صوّامًا قوّامًا متواضعًا بكّاءً خشاعًا، لا يأكل حتى يُؤتى بمسكين فيأكل معه،

стр. 460

لم تَمِلْ به الدنيا، وكان إذا أعجبه شيء من ماله قربه لربه، وكان رقيقه يتزينون له بالعبادة وملازمة المسجد، فيعتقهم فيقول له أصحابه: ما بهم إلَّا خديعتك، فيقول: من خدعنا بالله انخدعنا له، قال مالك: قال ليس ابن شهاب: لا تعدلن برأي ابن عمر فإنه أقام ستين سنة بعد النبي ﷺ فلم يخف عليه شيء من أمره ولا من أمر أصحابه، وقال الداروردي: عن مالك: أفتى ستين سنة وحج سبعين حجة، وأعتق ألف رأس، وحبَّس ألف فرس، وكان لا ينام من الليل إلَّا قليلًا، حكاه ابن دحية في كتابه (مرج البحرين) عنه، قال: وذكر عنه ابن شعبان أنه اعتمر ألف عمرة، وكان من أكرم أهل زمانه، [قال] (١) ميمون بن مهران: أتت ابن عمر اثنان وعشرون ألف دينار في مجلس فلم يقم حتى فرقها. قلت: وكان ﵁ يتحفظ ما سمع من النبي ﷺ ويسأل عما غاب عنه من قول أو فعل من حضره ويتبع آثاره حتى [موضع] (٢) صلاته عليه أفضل الصلاة والسلام سفرًا وحضرًا، قال نافع: لو نظرت إليه إذا اتبع أثر رسول الله ﷺ لقلت: إنه مجنون (٣)،

стр. 461

ولم يمت حتى أعتق ألف إنسان (١) وزيادة، وربما تصدق في المجلس الواحد بثلاثين ألفًا، وبعث إليه معاوية بمائة ألف فلم يحل حول وعنده منها شيء، وكان إذا تلى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢) الآية، يبكي حتى يغلبه، وإذا تلى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ (٣) يبكي ويقول: إن هذا الإِحصاء لشديد (٤). قال سعيد بن المسيب: لو شهدت لأحدٍ أنه من أهل الجنة في الدنيا لشهدت لابن عمر. وكان ﵁ ممن اعتزل الفتنة فلم يقاتل مع أحد من الفريقين تورعًا لمَّا أشكل عليه الأمر، ثم ندم على ترك القتال مع علي لمَّا تبينت [له] (٥) الفئة الباغية وقال لمن سأله، عففت يدي فلم أقاتل والمقاتل على الحق أفضل، وقال عند موته: لا آسى على شيء من الدنيا إلَّا تركي قتال الفئة الباغية. [حكاه] (٦) أبو عمر، ولم يكن يتخلف عن سرية من سرايا

стр. 462

رسول الله ﷺ ، ثم أولع بالحج في الفتنة وبعدها، وكان من أعلم الناس بالمناسك، وكان يصفر لحيته، وعمي في آخر عمره. وروى ابن أبي [الزناد] (١) عن أبيه قال: اجتمع في الحجر مصعب وعروة وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر فقالوا: تمنوا، فقال عبد الله بن الزبير: أما أنا فأتمنى الخلافة. وقال عروة: أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عني العلم. وقال مصعب: أما أنا فأتمنى إمرة العراق والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين. وقال ابن عمر: أما أنا فأتمنى المغفرة، فنالوا كلهم ما تمنوا ولعل ابن عمر قد غُفر له. مات ﵁ بمكة سنة ثلاث وسبعين أو أربع وسبعين بعد موت ابن الزبير بثلاثة أشهر، وقيل: سنه ابن أربع -وقيل: ست، وقيل: سبع- وثمانين سنة، وكان مولده قبل الوحي بسنة كما سبق، ودفن بالمحصب، وقيل: بسرَف، وقيل: بفخ بالخاء المعجمة، وكلها مواضع بقرب مكة بعضها أقرب إلى مكة من بعض، وأوصى أن يدفن [في الحل] (٢) فلم يقدر على ذلك من أجل الحجاج، [وكان ابن عمر يتقدم الحجاج] (٣) في المواقف وغيرها، وقال له وقد خطب يومًا فأخر الصلاة: إن الشمسى لا تنتظرك، فقال: لقد هممت أن أضرب الذي فيه عيناك، فقال: إن تفعل فإنك سفيه

стр. 463

مسلط، فعز ذلك عليه. وقيل: إنه أخفى ذلك عن الحجاج فلم يسمعه، فأمر رجلًا فسم زج (١) رمحه ورمحه في الطواف فوقع الزج على قدمه. وروي أنه وقع ذلك به لما دفع من عرفة وأنه أَمَرَّه على ظهر قدمه وهي في غرز راحلته، فمرض منها أيامًا فدخل عليه الحجاج فقال: من فعل بك يا أبا عبد الرحمن؛ فقال: وما تصنع به؟ قال: قتلني الله إن لم أقتله، قال: لست بفاعل، قال: ولم؟ قال: لأنك الذي أمرت به، فقال: لا تفعل يا أبا عبد الرحمن، وخرج عنه، وروي أنه قال: قتلني الذي أمر بإدخال السلاح الحرم ولم يكن يُدخل به، فمات من ذلك الجرح وصلى عليه الحجاج قاتله الله. الوجه الثاني: قوله: "رقيت" بكسر القاف أي صعدت، يقال رقي بكسر القاف يرقى بفتحها، إذا صعد منبرًا وسلمًا أو نحو ذلك، وهذا هو الفصيح المشهور، ولغة طي بفتح القاف. وحكى صاحب المطالع: الفتح مع الهمزة، واختيار ثعلب الكسر هنا. والفتح من الرقة رقيت الرجل أرقيه. وقال الزمخشري (٢): حكى بعضهم رقيت في السلم بفتح القاف ولا أعلم صحته. وفي الجامع: رقات ورقيت أفصح وخالف كراع (٣) فقال:

стр. 464

[رقأت] (١) بالهمز أجود. الثالث: حفصة: هي أخته شقيقته أم المؤمنين ﵂، وسيأتي التعريف بها في باب فضل الجماعة حيث ذكرها المصنف هناك، إن شاء الله. الرابع: اطِّلاع ابن عمر ﵁ لم يكن تحسسًا وإنما كان اتفاقًا من غير قصد ولم ير إلَّا أعاليه فقط. قال القاضي عياض: ويحتمل أن يكون عن قصد للتعلم مع أمنه من الاطلاع على ما لا يجوز له الاطلاع عليه. قلت: يبعده رواية البخاري (٢): "ارتقيت فوق [بيت] (٣) حفصة لبعض حاجتي". الخامس: جاء في رواية الصحيحين: "فرأيته قاعدًا على لبنتين". قال القاضي عياض: يحتمل أن تكونا مبنيتين، فتكون فيه حجة لمن قال أنه لا يتكلف الانحراف في الكنف المبنية إلى القبلة، خلافًا لما ذهب إليه أبو أيوب كما مضى في الحديث قبله. قلت: وفي رواية صحيحة لابن حزم (٤): "رأيته يقضي حاجته

стр. 465

محجر عليه باللبن"، وفي رواية [للبزار] (١): "رأيته في كنيف مستقبل القبلة" قال (٢) البزار: لا نعلم رواها عن نافع إلَّا عيسى الحناط، قلت: وهو ضعيف. السادس: قوله: ["مستقبل الشام مستدبر الكعبة"، كذا هو في الصحيحين، وفي رواية لهما] (٣) "مستقبل بيت المقدس"، ووقع في صحيح ابن حبان (٤): "مستقبل القبلة مستدبر الشام" (٥)، [فالله أعلم] (٦). والشام، والكعبة، تقدم الكلام عليهما في الحديث قبله. السابع: اختلف العلماء في كيفية العمل بهذا الحديث؟ فمنهم من [رآه] (٧) ناسخًا لحديث أبي أيوب السالف واعتقد الإِباحة مطلقًا، وقاس الاستقبال على الاستدبار وطرح حكم تخصيصه بالبنيان ورأى أنه وصف ملغي لا اعتبار فيه.

стр. 466

ومنهم: من رأى العمل بحديث أبي أيوب وما في معناه واعتقد هذا خاصًا بالنبي ﷺ . ومنهم: من جمع بينهما وأعملهما كما تقدم في الحديث قبله. ومنهم: من توقف في المسئلة. ولمن خصه بالنبي ﷺ أن يستدل بأن نظر ابن عمر [كان] (١) اتفاقًا كما مر، وكذا جلوسه ﵇ من غير قصد لبيان حكم الأمة؛ لأنه لو كان ذلك حكمًا عامًا لبينه ﵇ بالقول كغيره من الأحكام، فلما لم يقع ذلك دل على الخصوص، وفيه بعد ذلك بحث [كما قال] (٢) الشيخ تقي الدين (٣): ثم إن حكم العام إذا خص أن يقتصر على موضع التخصيص ويبقى العام فيما عداه على عمومه فيما بقي من الصور، إذ لا معارض له في ذلك، وحديث ابن عمر هذا لم يدل على جواز الاستقبال والاستدبار معًا بل دل على الاستدبار فقط، فالمعارضة بينه وبين حديث أبي أيوب إنما هي في الاستدبار فيبقى الاستقبال لا تعارض فيه، فيجب العمل به في المنع منه مطلقًا، لكن أجازوهما معًا في البنيان، وعليه هذا السؤال كما نبه عليه الشيخ تقي الدين (٤) قال: وهذا إذا كان في حديث أبي أيوب لفظ يعم وليس كذلك، بل هما جملتان: إحداهما عامة في محلها،

стр. 467

تَنَاولَ حديث ابن عمر بعض صور عمومها بالخصوص، والأخرى لم يتناولها فهي باقية على حالها، وتقديم القياس على العام فيه كلام أصولي، وشرط صحة القياس مساواة الفرع للأصل أو زيادته عليه في المعنى المعتبر في الحكم، [ولا تساوي] (١) [ها هنا] (٢) لزيادة قبح الاستقبال على الاستدبار على ما يشهد العرف بذلك، وقد اعتبر أبو حنيفة هذا [المعنى] (٣) في إحدى الروايتين عنه كما أسلفنا عنه، [فمنع الاستقبال وأجاز الاستدبار، وإذا كان أقبح من الاستدبار فلا يلزم من إلغاء الناقص في القبح] (٤) إلغاء الزائد فيه وحكم جوازه. قلت: وفي سنن ابن ماجه بإسناد صحيح عن عراك عن عائشة قالت: ذكر عند النبي ﷺ قوم يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة، فقال: "أراهم قد فعلوها استقبلوا [بمقعدتي] (٥) القبلة" (٦). قال

стр. 468

الإمام [أحمد] (١): هذا أحسن ما روي في الرخصة وإن كان مرسلًا فإن خرجه حسن، وقد قدمنا حديث جابر في الاستقبال أيضًا في الحديث الذي قبله. الثامن: يؤخذ من الحديث تتبع أحواله ﷺ كلها ونقلها، وأنها كلها أحكام شرعية. التاسع: يؤخذ منه أيضًا [جواز] (٢) استقبال القبلة في البنيان، وأنه مخصص لعموم النهي. العاشر: يؤخذ منه أيضًا استعمال الكناية بقضاء الحاجة عن البول والغائط. الحادي عشر: يؤخذ منه أيضًا جواز قضاء الحاجة في مكان غير معدّ له [من] (٣) سطح وغيره، سواء كان مضطرًا إلى ذلك أم لا، كذا استنبطه منه ابن العطار، ورواية البزار وابن حزم المتقدمين ظاهرهما (٤) أن المكان [المذكور] (٥) معد لذلك. الثاني عشر: فيه أيضًا جواز الإِخبار عن مثل ذلك للاقتداء والعمل.

стр. 469

الثالث عشر: فيه أيضًا [جواز] (١) تبسط أقارب الزوجة [في بيت] (٢) الزوج حالة الاحتشام وكف البصر عما يستحى عن رؤيته، فإنه الظاهر من ابن عمر. خاتمة: قال أصحابنا: إنما يجوز استقبال القبلة واستدبارها في البنيان بشرطين: أحدهما: [أن يكون بينه وبين الساتر ثلاثة أذرع فما دونها. الثاني]: (٣) أن يكون الساتر مرتفعًا بحيث يستر أسافل الإِنسان، وقدروه بآخرة الرحل وهو نحو ثلثي ذراع؛ فإن فقد أحد الشرطين فهو حرام إلَّا إذا كان في بيت بني لذلك فلا حرج فيه؛ قالوا: ولو كان في صحراء وتستر بشيء على الشرط المذكور زال التحريم، فالاعتبار بالساتر وعدمه، فيحل في الصحراء والبنيان بوجوده ويحرم فيهما لعدمه، هذا هو الصحيح، ولا فرق في الساتر بين الوهدة والدابة وكثيب الرمل والجدار، والأصح حصول الستر بإرخاء الذيل أيضًا، وحيث جوزنا الاستقبال والاستدبار، قال المتولي: يكره، ونقله النووي في شرح مسلم (٤) عن جماعة من الأصحاب، ثم قال: ولم يذكر الجمهور الكراهة، والمختار: أنه إن كان عليه مشقة في تكلف التحرف عن القبلة فلا كراهة [وإن لم يكن

стр. 470

مشقة فالأولى تجنبه خروجًا من خلاف العلماء، ولا يطلق عليه الكراهة] (١) للأحاديث الصحيحة. فرع: إذا تجنب الاستقبال والاستدبار حالة خروج الفضلة جاز له ذلك حال الاستنجاء بلا كراهة، وكذا إخراج الريح إلى القبلة. فائدة: التغوظ مستقبل القبلة من الصغائر كذا ذكره الرافعي في الشهادات [نقلًا] (٢) عن صاحب العدة [وأقره] (٣).

стр. 471

الحديث الرابع ١٧/ ٤/ ٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أنا وكلام نحوي إداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء" (١). العنزة: الحربة [الصغيرة] (٢). الكلام عليه من اثني عشر وجهًا. والتعريف براويه [سبق] (٣) في الباب وعادتنا أن لا نكرر شيئًا سبق طلبًا للاختصار فاعلم ذلك. الوجه الأول: معنى [كان يدخل الخلاء] يريد دخوله، وقد تقدم أن الخلاء ممدود، وأنه الخالي المتخذ لقضاء الحاجة، وظاهره

стр. 472

هنا البراح من الأرض دون البنيان لقرينة حمل العنزة، فإن الصلاة إليها إنما تكون حيث يخشى المرور بين يديه؛ ولأنه لو كان المراد البنيان لكان الذي يناسب ذلك خدمة أهله من نسائه ونحوهن (١) دون الرجال. الثاني: قوله: "وغلام نحوي" أي مقارب ليس في السن والحرية، لا أنه مثله من كل وجه، وفي البخاري "وغلام منا" -أي من الأنصار (٢) - وكذا أخرجه الإسماعيلي في صحيحه وفيه "معنا عنزة أو عصا أو عكازة" (٣). وقوله: "أحمل أنا وغلام نحوي" يحتمل أن يكون أحدهما يحمل العنزة، والآخر يحمل الإِدواة، ويحتمل أن يكون ذلك باعتبار حالين، والله أعلم. الثالث: "الغلام" هو الذي طرّ شاربه. وقيل: هو من حين يولد إلى أن يشب. والجمع: أغلمة وغلمة وغلمان. والأنثى: غلامة. وفي المخصص (٤): هو غلام من لدن فطامه إلى سبع سنين.

стр. 473

وعن أبي عبيد (١): هو المترعرع المتحرك. وفي الجامع (٢) عن الخليل: الغلومة والغلامية والغلام هو الذي طرَّ شَارِبُهُ. وفي الصحاح: استغنوا بغلمة عن أغلمة، وتصغير الغلمة اغيلمة على غير مكبرة، كأنهم صغروا أغْلِمَة وإن كانوا لم يقولوه. وزعم الزمخشري في أساس البلاغة [أن الغلام] (٣) هو الصغير إلى حد الالتحاء، فإن أجري عليه بعدما صار ملتحيًا اسم الغلام فهو مجاز. ويروى عن علي بن أبي طالب في بعض أراجيزه: "أنا الغلام الهاشمي المكي" وقالت [الأخيلية] (٤) في الحَجّاج: "غلام إذا هز القناة رماها" (٥). قال: وقال بعضهم: يستحق هذا الاسم إذا ترعرع وبلغ الاحتلام؛ لشهوة النكاح، كأنه يشتهي النكاح في ذلك الوقت،

стр. 474

ويسمى الغلام قبل ذلك تفاؤلًا، وبعده مجازًا. وقال صاحب الموعب (١): لا يقال [للأنثى] (٢) غلامة إلَّا في كلام قد ذهب في ألسنة الناس. وقال صاحب الجمهرة (٣): غلام رعرع ورعراع، ولا يكون ذلك إلَّا مع حسن الشباب. ونقل الفاكهي عن أهل اللغة: أن الغلام من فطم إلى سبع سنين. قال أبو جعفر أحمد بن محمد النحوي (٤) في "خلق الإنسان" (٥) له [حكى باب] (٦) ما دام الولد في بطن أمه فهو جنين، فإذا ولد [سمي] (٧) صبيًا ما دام رضيعًا، فإذا فطم سمي غلامًا إلى

стр. 475

سبع سنين، ثم يصير يافعًا إلى عشر، ثم حزوَّرًا إلى [خمس] (١) عشرة، ثم قهدًا إلى خمس وعشرين، ثم غُطِيًّا إلى ثلاثين، ثم صُمُلٌّ إلى أربعين، ثم كهلًا إلى خمسين، ثم شيخًا إلى ثمانين، ثم يصير بعد ذلك [وَهِمٌّ] (٢). فانيًا كبيرًا. الرابع: "الإِداوة" بكسر الهمزة: إناء صغير من جلد يتخذ الماء كالسطيحة ونحوها والجمع إداوى. قال الجوهري (٣): الإِداوة: المطهرة، والجمع: الأداوى مثل المطايا، قال: وكأن قياسه أداوى مثل رسالة ورسائل فتجتبوه وفعلوا به ما فعلوا بالمطايا والخطايا فجعلوا فعايل [فعالى] (٤) وأبدلوا هنا الواو لتدل على أنه [قد] (٥) كانت في الواحدة واوًا ظاهرة، فقالوا: أداوى، فهذه الواو بدل من الألف الزائدة في إداوة، والألف التي في آخر الإداوى بدل من الواو التي في إداوة، وألزموا الواو [هنا] (٦) كما ألزموا الياء في [مطايا] (٧). الخامس: العَنَزَة: بفتح العين والنون والزاي.

стр. 476

قال المصنف: إنها الحرية، وفي شرح الشيخ تقي (١) الدين شيئًا: إنها الحربة القصيرة، وقال في باب الأذان في حديث ركزت له عنزة، قيل: إنها عصا في طرفيها زُجُّ، وقيل: الحربة [القصيرة] (٢) وصحح النووي في شرح مسلم (٣) الأول [فقال] (٤): هي عصا طويلة في أسفلها زُجُّ، قال: ويقال: رمح قصير. وعكس القاضي (٥) فقال: هي رمح قصير، وقيل: عصا في طرفها زج (٦). وفى [المغازي] (٧) قال الزبير بن العوام: رأيت [عُبيدة بن] (٨) سعيد بن العاصي وفي يدي عنزة فأَطعنُ بها في

стр. 477

عينه (١) حتى أخرجتها متعقفة عليها حدقته، فأخذها رسول الله ﷺ فكانت تُحمل بن يديه وبعده بن يدي أبي بكر وعمر. وقال الخوارزمي (٢) في "مفاتيح العلوم": [هي] (٣) الحربة وتسمى العنزة، وكان النجاشي أهداها للنبي ﷺ فكانت تقام بين يديه إذا خرج إلى المصلى وتوارثها من بعد الخلفاء. وفي الطبقات (٤): أهدى النجاشي إلى رسول الله ﷺ ثلاث عنزات فأمسك واحدة لنفسه، وأعطى عليًّا واحدة، وأعطى عمر واحدة. السادس: إنما كان ﷺ يستصحب هذه العنزة معه؛ لأنه كان إذا توضأ صلَّى فيحتاج إلى نصبها بين يديه لتكون حائلًا يصلي إليه، وقد ورد في حديث أنه ﵇ كانت توضع له فيصلي إليها، وهذا إنما يناسب البراح من الأرض دون البنيان كما أسلفناه في الوجه الأول. قيل: ويحتمل أن يكون فعلها ليتقي بها من يكيده من المنافقين

стр. 478

واليهود فإنهم كانوا يرومون قتله واغتياله بكل حيلة، ومن أجل هذا الحديث اتخذ الأمراء المشي أمامهم بالحربة، وذكر بعض شراح المصابيح أن للعنزة فوائد: الأولى: دفع العدو واتقاء السبع. الثانية: نبش الأرض الصلبة عند قضاء الحاجة خشية الرشراش. الثالثة: تعليق الأمتعة بها. الرابعة: [السترة] (١) بها في الصلاة. الخامسة: التوكؤ عليها، وفيها مآرب أخرى. فإن قلت: هل كان ﵇ يستتر بها حال قضاء الحاجة؟. قلت: لم أره منقولًا ويبعد؛ لأن ضابط السترة ما يستر الأسافل كما صرح به النووي في شرح مسلم (٢) نقلًا عن الأصحاب، وقد أسلفته أيضًا في الحديث قبله (٣) لكن من تراجم البخاري (٤) على هذا الحديث "باب: حمل العنزة مع الماء في الاستنجاء" فتأملها.

стр. 479

السابع: في الحديث خدمة الصالحين وأهل الفضل والتبرك بذلك (١)، وتفقد حاجاتهم خصوصًا المتعلقة بالطهارة، [ومن] (٢) تراجم البخاري (٣) على هذا الحديث "باب من حمل معه الماء لطهوره". الثامن: فيه أيضًا استخدام الرجل الفاضل بعض أتباعه الأحرار خصوصًا إذا أُرصدوا لذلك، والاستعانة في مثل هذا. قال الروياني (٤) من أصحابنا: ويجوز أن يُعير ولده الصغير ليخدم من يتعلم منه، ويؤيده قصة أنس التي أسلفناها في ترجمته. وقال صاحب العدة (٥): للأب أن يعير ولده الصغير لمن يخدمه؛ لأن ذلك هبة لمنافعه فأشبه إعارة ماله.

стр. 480

[قال] (١) النووي في الروضة: وهذا محمول على خدمة تقابل بأجرة، أما ما كان محتقرًا لا يقابل بأجرة فالظاهر والذي تقتضيه أفعال السلف أن لا منع منه إذا لم يضر بالصبي. وقال غيره من المتأخرين: ينبغي تقييد المنع بما إذا انتفت المصلحة، أما إذا وجدت كما لو قال لولده الصغير: اخدم هذا الرجل في كذا، ليتمرن على التواضع ومكارم الأخلاق، فلا [منع] (٢) منه، وهذا حسن متجه. التاسع: فيه أيضًا التباعد لقضاء الحاجة عن الناس لقرينة حمل العنزة والإِداوة، وقد صح الإِبعاد من فعله ﷺ . العاشر: فيه أيضًا جواز الاستنجاء بالماء وقد ترجم عليه البخاري بذلك، فقال: باب الاستنجاء بالماء ولفظه فيه: "كان ﷺ إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام معنا إداوة من ماء يعني فيستنجي به". وزعم الأصيلي: أن الاستنجاء بالماء ليس بالبين في هذا الحديث، لأن قوله (فيستنجي به) ليس من قول أنس إنما هو من قول [أبي] (٣) الوليد شيخ البخاري (٤) وقد رواه سليمان بن حرب (٥) عن

стр. 481

شعبة لم يذكر "فيستنجي به" (١) يعني رواية البخاري الثانية تحتمل أن يكون الماء لطهوره أو لوضوئه. وقال ابن التين مثله (٢)، زاد: وقال أبو عبد الملك [البوني] (٣): هو قول أبي معاذ الراوي عن أنس، قال: وذلك [أنه] (٤) لم يصح أنه ﵇ استنجى بالماء، وهذا عجيب من الكل ففي البخاري من حديث أبي معاذ [وهو] (٥) عطاء بن أبي ميمونة عن أنس كان ﷺ "يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام إدواة من ماء وعنزة يستنجي بالماء" (٦) وفيه باب غسل البول (٧)، من حديثه أيضًا: كان ﵇: "إذا تبرز لحاجته أتيته بماء فيغسل به"، وفي رواية لمسلم (٨): "دخل حائطًا وتبعه غلام معه

стр. 482

ميضأة [هو] (١) أصغرنا فوضعها عند رأسه فقضى رسول الله ﷺ حاجته فخرج علينا وقد استنجى بالماء"، وفيه غير ذلك من الأحاديث الصحيحة. وقول الإمام أحمد أيضًا: لم يصح في الاستنجاء بالماء حديث، غريب منه مع جلالته. وزعم ابن بطال (٢) أن حذيفة بن اليمان وسعيد بن المسيب كرها الاستنجاء بالماء، وكان المهاجرون يستحبون الاستنجاء بالأحجار والأنصار بالماء (٣).

стр. 483

وفي المصنف أيضًا عن سعد بن أبي وقاص وعمر بن الخطاب (١) وعبد الله بن الزبير، ومجمع بن يزيد، وعروة بن الزبير، والحسن بن أبي الحسن، وعطاء، شيء من ذلك، والإجماع يقضي على قولهم، وكذا امتنان الله تعالى به في كتابه التطهيرَ به؛ ولأنه أبلغ في إزالة العين. وأجيب عن قول سعيد بن المسيب وقد سئل عن الاستنجاء بالماء: إنه وضوء النساء، أنه لعل ذلك في مقابلة غلو من أنكر الاستنجاء بالأحجار، وبالغ في إنكاره [بهذه] (٢) الصيغة ليمنعه من الغلو، وحمله ابن نافع على أنه في حق النساء، وأما الرجال فيجمعون بية وبين الأحجار، حكاه الباجي (٣) عنه. قال القاضي: والعلة عند سعيد كونه وضوء النساء [معناه] (٤) أن الاستجاء في حقهن بالحجارة متعذر. [وشذ ابن] (٥) حبيب فقال: لا يجوز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء، والسنة قاضية عليه، استعمل ﷺ الأحجار وأبو هريرة معه ومعه إداوة من ماء، ومقابلة هذا في الشذوذ ما ذهب إليه بعض

стр. 484

السلف من أن الأفضل الحجر، حكاه النووي في شرحه (١)، قال: وربما أوهم كلام بعضهم أن الماه لا يجزئ. قلت: وبه صرَّح القاضي والقرطبي (٢) فقالا: فيه حجة على من كره الاستنجاء بالعذب؛ لأن ماء المدينة عذب، تعلقًا بأنه مطعوم، وليس بشيء، لأن الماء ليس من قبيل المطعوم. قلت: ومذهب جمهور السلف والخلف والذي أجمع عليه أئمة الفتوى من أهل الأمصار أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر [فيقدم الحجر] (٣) أولًا ثم يستعمل الماء، فتخف النجاسة ويقل مباشرتها بيده [ويكون] (٤) أبلغ في النظافة (٥) فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل لكونه يزيل عين النجاسة وأثرها والحجر يزيل العين دون الأثر، لكنه معفو عنه في حق نفسه وتصح الصلاة معه كسائر النجاسات. الحادي عشر: الألف واللام في (الماء) تحمل على المعهود وهو المطلق المحدود في كتب الفقه، فلو استنجى [بغيره] (٦) من المائعات لم يصح، ويتعين بعده الاستنجاء بالماء ولا يجزيه الحجر، وأجرى صاحب البيان من أصحابنا خلافًا في ذلك وهو غلط.

стр. 485

الثاني عشر: استدلَّ بعض العلماء بهذا الحديث على (١) أن المستحب أن يتوضأ من الأواني دون البرك ونحوها، وهو [غير] (٢) مقبول. قال القاضي: ولا أصل له [لأنه] (٣) لم ينقل عنه ﷺ أنه وجد البرك والمشارع ثم عدل عنها إلى الأواني (٤).

стр. 486

الحديث الخامس ١٨/ ٥/ ٢ - عن أبي قتادة الحارث بن ربعي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يمسكنَّ أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ولا يتمسح من الخلاء بيمينه ولا يتنفس في الإناء" (١). الكلام عليه من تسعة أوجه: الأول: في التعريف براويه: هو أبو قتادة الحارث بن ربعي بن [بلدمة] (٢) -بفتح الباء الموحدة والدال المهملة وسكون اللام بينهما-، ويقال: بضمهما، ويقال: بالذال -المعجمة المضمومة-، بن خناس -بضم الخاء المعجمة [ثم] (٣) نون ثم ألف ثم سين مهملة-، بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن

стр. 487

كعب بن سَلِمة بكسر اللام، السلمي -بفتحها- ويجوز في لغة كسرها، المدني، فارس رسول الله ﷺ ، شهد أحدًا والخندق وما بعدهما من المشاهد واختلف في شهوده بدرًا فلم يذكره ابن عقبة ولا ابن إسحاق فيهم، وذكره بعضهم فيهم ولم يصح. والمشهور في اسمه: ما ذكره المصنف. وقيل: النعمان، قال الواقدي: وهو أثبت. وقيل: عمرو. واشتهر بكنيته. روى عنه ابنه عبد الله وأبو سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وخلق من التابعين، وروى أيضًا عن عمرو ومعاذ، روي له عن النبي ﷺ مائة حديث وسبعون حديثًا، انفرد البخاري بحديثين ومسلم بثمانية واتفقا على أحد عشر. قال إياس بن مسلمة عن أبيه عن النبي ﷺ : "خير فرساننا أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة" (١)، وقال له ﵇ يوم ذي قرد أيضًا: "اللهم بارك له في شعره وبشره"، وقال: "أفلح وجهك ما هذا [الذي] (٢) بوجهك؟ قلت: سهم رميت به يا رسول الله (٣) قال فبصق عليه فما ضرب

стр. 488

عليَّ [ولا قاح] (١) (٢)، قال العسكري: وشَكَّ أبو قتادة اثنين في رمح يوم ذي قرد، وفي دلائل النبوة للبيهقي: أنه ﵇ قال له يوم ذي قرد: "أبو قتادة سيد الفرسان، بارك الله قيس [يا أبا قتادة] (٣) وفي ولدك وفي ولد ولدك [وفي ولد ولد ولدك] " (٤). وفي وفاته أقوال: أحدها: سنة أربع وخمسين عن سبعين سنة، قاله ابن حبان وغيره. ثانيها: أنه مات في خلافة علي، وصلى عليه وكبر سبعًا، حكاه ابن حبان، قال بعضهم: سنة ثمان وثلاثين، ابن [اثنين] (٥) وسبعين. ثالثها: سنة أربعين، حكاه أبو [عمر، ويرجح] (٦) القول الأول ما علقه البخاري أن مروان أرسل لما كان على المدينة من قبل معاوية إلى أبي قتادة ليريه مواقف [النبي ﷺ ] (٧) وأصحابه. وأما ابن القطان فقال في كتاب الوهم والإِيهام: الصحيح أنه توفي [في] (٨)

стр. 489

زمن علي وهو صلَّى عليه. وفي موضع قبره قولان، أشهرهما: بالمدينة. (١) ثانيهما: بالكوفة وهو غريب. الثاني: هذا الحديث من [الآداب] (٢) النبوية الجامعة. وفي الحلية لأبي نعيم الحافظ عن عثمان ﵁ قال: ما تغنيت (٣) ولا تمنيت -يعني كذبت- ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت بها رسول الله ﷺ . وهذا من التقوى والأدب الذي يؤتيه الله من يشاء من عباده. وعن علي ﵁ أنه قال: يميني لوجهي وشمالي لحاجتي. وقد امتخط ابنه الحسن بيمينه عند معاوية فقال له: بشمالك. وروى الترمذي الحكيم في علله عن أبي العالية قال: ما مسست فرجي بيميني منذ ستين سنة أو سبعين سنة. وفيه عن أبي الدرداء مرفوعًا: "من استنجى بيمينه فقد جعل للشيطان سلمًا إلى نفسه وفقد عقله حتى يذهب منه دينه وهو لا يشعر". الثالث: ظاهر النهي عن مس الذكر باليمين في هذا الحديث خصوصية بحال البول، وورد في حديث آخر النهي عن مس الذكر باليمين مطلقًا، لكن في تقييده بحالة البول تنبيه على رواية الإِطلاق،

стр. 490

وأولى؛ لأنه إذا كان النهي عن المس باليمين حالة الاستنجاء مع مظنة الحاجة إليها فغيره من الحالات أولى، ومن العلماء مَن خصَّ النهي عن مس الذكر باليمين بحالة البول أخذًا بظاهر الحديث كما ذكرنا، ومنهم من أخذ بالنهي عن مسه مطلقًا أخذًا بالرواية المطلقة، وقد يسبق إلى الفهم أن المطلق يحمل على المقيد أو العام على الخامس فيخُص النهي بهذه الحالة، وفيه بحث أصولي نبه عليه الشيخ تقي الدين (١) وهو: أن القاعدة أن حمل العام على الخاص أو المطلق على المقيد ليس هو في باب المناهي وإنما في باب الأمر والإثبات؛ لما يلزم منه [من] (٢) الإِحلال باللفظ الدال على الخصوص أو المقيد، وأما في باب النهي فيلزم منه الإِخلال باللفظ الدال على الإِطلاق أو العموم مع تناول النهي وهو غيرُ سائغ، وهذا أيضًا بعد مراعاة النظر في روايتي الإِطلاق والتقييد أو العموم والخصوص: هل هما حديثان أو حديث مخرجه واحد؟ فإن كانا حديثين فالأمر على ما ذكرناه أولًا، وإن كان حديثًا واحدًا مخرجه واحد، اختلف عليه الرواة فينبغي حمل المطلق على المقيد، ويكون زيادةً مِن عَدْل وهي مقبولة عند الأصوليين والمحدثين، وهذا يكون أيضًا بعد النظر في دلالة المفهوم وما يعمل به منه وما لا يعمل به وبعد أن ينظر في تقديم المفهوم على ظاهر العموم. (تنبيه): إن قلت: قد نهي عن الاستنجاء باليمين وعن مس

стр. 491

الذكر باليمين ولا بد للمستجمر من أحد [اليدين] (١) لأنه إن أمسك ذكره بيمينه دخل في النهي عن مسه، وإن أمسك الحجر بها دخل في النهي عن الاستنجاء باليمين؟ والجواب: أنه لا يلزم منه أن يمسك الحجر بها بل يمكنه الاستجمار بحجر ضخم لايزول عن مكانه أو بجدار هو ملكه لا يتأذَّى مارّ بالتنجيس به حين استناده إليه إذا كان رطبًا ويمسك ذكره بيساره [فيحركه] (٢) بها من غير تكرار وضعه في الموضع الذي [وضعه] (٣) [أولًا] (٤) عليه؛ لئلا يتنجس رأس ذكره بوضعه ثانيًا عليه فلا يجزيه حينئذِ إلَّا الماء، [فلو] (٥) كان الحجر صغيرًا جعله بين عقبيه وفعل ما ذكرنا بالصفة المذكورة، فلو عجز أو شق عليه أخذ الحجر باليمين وجعله بمزلة حائط أو حجر كبير وحرك اليسار دون اليمين ومتى حرك اليمين دخل في النهي، وغلط من قال من أصحابنا: يمسك ذكره بيمينه والحجر يساره ويحركها. فائدة: يستحب أن [لا] (٦) يستعين باليد اليمنى في شيء من أمور الاستنجاء إلَّا لعذر، وإذا استنجى بالماء صبَّ باليمين ومسح

стр. 492

باليسار، [وإن] (١) كان بالحجر مسح باليسار أيضًا. الرابع: الأصل في النهي التحريم إلَّا أن يدل على إرادة الكراهة، وقد حمله في هذا الحديث وأمثاله داود (٢) الظاهري وكذا ابن (٣) حزم على التحريم مطلقًا فقالا: لا يجوز مس الذكر باليمين إلَّا من ضرورة، والعجيب منهما أنهما أجازا مس المرأة فرجها بيمينها وشمالها، وأجازا لها مس [ذكر زوجها بيمينها وشمالها] (٤)، وأجاز مس الخاتن ذكر الصغير للختان باليمين، وكذا الطبيب، وحرموا مس الإِنسان ذكره. وحكى القاضي عياض عن بعض أهل الظاهر: أنه لو استنجى بيمينه لا يجزئه، وبه صرَّح الحسين بن عبد الله الناصري منهم في كتاب البرهان. وجمهور الفقهاء: حملوا النهي هنا على الكراهة. وبعض الشافعية كصاحب المهذب وغيرهم: اشاروا إلى التحريم. وعن مالك: أنه مُسيء ويجزئه. فائدة: الحكمة في النهي عن مس الذكر باليمين احترامها وصيانتها، أو لأنه إذا باشر النجاسة بها ربما تذكَّر عند تناوله الطعام

стр. 493

[أو الشراب] (١) ما باشرت يمينه من النجاسة فينفر طبعه من ذلك. فرع: المرأة كالرجل في حكم مس القبل والدبر باليمين؛ لأنَّ سبب النهي إكرام اليمين وصيانتها عن الأقذار ونحوها كما أسلفناه، وقد علمت تلك المقالة الغريبة العجيبة عن الظاهرية. الخامس: يؤخذ من الحديث أنه إذا كان في يده خاتم فيه اسم الله تعالى، لا يستنجي وهو في يده؛ لأنه إذا نزهت اليمنى عن ذلك فذكر الله أولى وأعظم، وقد [كره] (٢) مالك أن يدفع الدراهم التي فيها اسم الله تعالى لكافر، فهذا أولى. قال ابن بزيزة في شرح الأحكام لعبد الحق: وقعت في العتبية رواية منكرة [مستهجنة] (٣)؛ قال مالك: لا بأس أن يستنجي بالخاتم وفيه اسم الله تعالى، وهذه رواية لا يحل سماعها فكيف العمل عليها؛ وقد كان الواجب أن تطرح العتبية كلها لأجل هذه الرواية وأمثالها مما حوته من شواذ الأقوال التي لم تكن في غيرها، [ولذلك] (٤) أعرض عنها المحققون من علماء المذهب [حتى قال أبو بكر بن العربي -حيث حكى أن من العلماء من كره بيع كتب الفقه- فإن كان ففي العتبية] (٥).

стр. 494

قال ابن العربي: وقد كان لي خاتم [فيه] (١) منقوش محمد بن العربي فتركت الاستنجاء به إجلالًا لاسم [رسول الله -تعالى-] (٢). قال الفاكهي: وروى الأوزاعي مثل ما وقع في العتبية. وقال الحسن: لا بأس أن يدخل الرجل الخلاء وفي إصبعه الخاتم. وقال النخعي: يدخل الناس الخلاء بالدراهم للضرورة، وكره ذلك مجاهد في الدراهم والخاتم قال: وهذا الذي وقع في العتبية، إنما هو بناء على أن الخاتم يحبس في الشمال وهو رواية عن أنس (٣)، والصحيح أنه ﵇ كان يتختم في يمينه، والأصح من مذهب مالك: أنه يحبسه في الشمال ولا يستنجي به، وقد صح عن مالك أنه كان لا يقرأ الحديث إلَّا على طهارة دون الفقه، وهو يناقض ما وقع في العتبية. قلت: والأصح عند الشافعية أنه يتختم في اليمين (٤).

стр. 495

السادس: قوله ﵇: "ولا يتمسح [من] (١) الخلاء بيمينه". [المسح] (٢) هنا الاستنجاء وسمي الخارج من القبل والدبر خلاء لكونه يفعل في المكان الخالي ويلازم ذلك غالبًا، ولفظ الحديث يتناول القبل والدبر، وقد أسلفنا أن الخلاء بالمد وأسلفنا أيضًا كيفية مسح القبل. وأما الدبر: فأصح الوجهين عندنا أن كل حجر لكل مسحة وفيه عسر. وقيل: يوزع على الجانبين والوسط وهو أسهل. السابع: "اليمين"، فقيل: من اليمن، وقيل: من القوة قال تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)﴾ (٣). وقال [نفطويه] (٤): أي لأخذنا بيمينه فمنعناه من التصرف. وفي الصحاح (٥): أن تصغيرها يُمَيِّنٌ بالتشديد بلا هاءٍ. وفي الجمهرة: الجمع: أيمن. الثامن: قوله ﵇: "ولا يتنفس في الإِناء". التنفس
следующие страницы →