الكلام عليه من وجوه:
الأول: هذا الحديث رواه مسلم بلفظين.
أحدهما: من حديث عطاء عن جابر: "كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ فبلغ ذلك نبي الله ﷺ فلم ينهنا".
الثاني: عن أبي الزبير عن جابر "كنا نعزل والقرآن ينزل". زاد إسحاق ابن إبراهيم أحد رواته، قال سفيان: فلو كان شيئًا يُنهى عنه لنهانا عنه القرآن".
ورواه البخاري من حديث عطاء عن جابر بلفظ: "كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ ", وفي لفظ: "والقرآن ينزل" وفي لفظ: "كنا نعزل والقرآن ينزل".
الثاني: قد أسلفنا الكلام على حكم العزل في الحديث قبله، والخلاف فيه عندنا وعند السلف، وهذا الحديث دال على جوازه مطلقًا، وما عارضه محمول على كراهة التنزيه والأحاديث الواردة بالإِذن دالة على عدم التحريم لا على نفي الكراهة. واستدل جابر ﵁ بالتقرير من الله تعالى على الجواز.
قال الشيخ تقي الدين: وهو استدلال غريب (١)، وكان يحتمل
стр. 4308
أن يكون الاستدلال بتقرير الرسول ﷺ لكنه مشروط بعلمه بذلك، ولفظ الحديث لا يقتضي إلَّا الاستدلال بتقرير الله تعالى.
قلت: الرواية الأولى التي نقلناها عن مسلم دالة على أنه ﵊[. .] (١) اطلع عليه وقرره ولعله خص القرآن بالذكر في الرواية الأخرى لشرفه.
الثالث: في الحديث أيضًا دلالة لما كانت الصحابة -رضوان الله عليهم- من التمسك بالكتاب في كل شيء حتى في العزل عن النساء.
стр. 4309
الحديث الثامن
٣٤٨/ ٨/ ٦٦ - عن أبي ذر ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ليس من رجل ادعى لغير أبيه -وهو يعلمه- إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له: فليس منا وليتبوأ مقعده من النار. ومن دعا رجلًا بالكفر أو قال: عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه (١).
كذا عند مسلم، وللبخاري نحوه.
الكلام عليه من وجوه:
الأول: قوله: وللبخاري نحوه: هو كما قال، فإنه أخرجه في أواخر بدء الخلق (٢) بلفظ: "ليس من رجل ادعى لغير أبيه، وهو يعلمه إلا كفر بالله، ومن ادعى قومًا ليس فيهم، فليتبوأ مقعده من النار"، وأخرجه في "الأدب" (٣) بلفظ آخر: وهو لا يرمي رجل رجلًا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك".
стр. 4310
الثاني: في التعريف براويه هو أبو ذر جندب بن جنادة على أصح الأقوال الكثيرة فيه الغفاري أحد النجباء والخدام والأرداف، ويقال فيه أيضًا: أبو الذر روى عنه ابن عباس وغيره. روى له عن رسول الله ﷺ مائتا حديث وثمانون حديثًا، اتفقا على اثني عشر، انفرد البخاري بحديثين، ومسلم بتسعة عشر. قال ﵊ في حقه: "ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر"، وقال أيضًا: "أمرت بحب أربعة من أصحابي وأخبرني الله أنه يحبهم علي، وأبو ذر، وسلمان، والمقداد". وقال "أبو ذر في أمتي علي زهد عيسى بن مريم" وهو أول من حيا النبي ﷺ بتحية الإِسلام ولا عقب له وكان قوّالًا بالحق وكان يتأله في الجاهلية ويقول: لا إله إلا الله ولا يعبد الأصنام وهو رابع أربعة أو خامس خمسة في الإِسلام، مات بالربذة سنة اثنين وثلاثين، وأبعد من قال سنة أربع وعشرين، وصلى عليه ابن مسعود، وقيل: جرير، ومناقبه جمّة، وقد بسطت ترجمته فيما أفردناه في الكلام على رجال هذا الكتاب، فليراجع منه.
الثالث: في ألفاظه ومعانيه.
"من" في قوله: "ليس من رجل" زائدة في المعنى.
"والدعاء" الانتساب. والتقييد بالرجل خرج مخرج الغالب وإلا فالمرأة كذلك.
و"الكفر" هنا متروك الظاهر عند الجمهور، لأن أهل السنة لا تكفر بالمعاصي وفي تأويله أوجه:
стр. 4311
أحدها: كفر الإِحسان والنعمة وحق الله تعالى وحق أبيه.
ثانيها: أنه قارب الكفر لعظم الذنب فيه بتسميته للشيء باسم ما قاربه. وقد جاء: "المعاصي بريد الكفر"، ونحو هذا أنه يشبه فعله فعلهم.
ثالثها: محله على فاعل ذلك مستحلًا له.
وأصل الكفر في اللغة: الستر والتغطية.
ومعنى قوله: "فليس منا": أي [ليس] (١) مثلنا أو ليس مهتديًا بهدينا ولا متبعًا لسنتنا. ومن العلماء من قال إبهام معناه أولى من تأويله، لأنه أبلغ من الزجر والوعيد هنا أخف من الوعيد إلى الادعاء إلى غير أبيه، لأنه أخف في المفسدة منه إذا كانت الدعوى بالمال مثلًا وليس في اللفظ ما يقتضي الزيادة على الدعوى بأخذ المال المدعى به مثلًا.
وقوله: "فليتبوأ مقعده من النار"، أي ينزل منزلة منها، أو فليتَّخذ منزلًا بها.
قال الخطابي (٢): وأصله من [مباءة] (٣) الإِبل، وهي أعطانها. ثم قيل: إنه دعاء بلفظ الأمر أي بوّأه الله ذلك.
وقيل: هو خبر وهو أبلغ في الزجر، والمعنى هذا جزاؤه، فقد يجازى، وقد يعفى عنه، وقد يوفق للتوبة ويسقط عنه ذلك.
стр. 4312
وقوله: "أو قال: عدو الله"، أي أو قال: يا عدو الله، فهو منصوب على النداء، ويجوز رفعه على أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي قال له: أنت عدو الله [ونحو ذلك] (١).
وقول: "إلا حار عليه" في "إلا" وجهان:
أحدهما: أنها واقعة على المعنى أي ما يدعوه أحد إلا حار عليه.
والثاني: [على اللفظ في قوله: "ليس من رجل"] (٢).
وحار -بالحاء المهملة-: أي رجع عليه الكفر. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)﴾ (٣)، أي يرجع حيًا، وفي تأويله أوجه (٤):
أحدها: حمله على المستحل لذلك.
وثانيها: حمله على الخوارج المكفرين للمؤمنين. قاله مالك ابن أنس، ولعله مبني على القول بتكفيرهم، وهو خلاف ما عليه الأكثر.
وثالثها: أن المعنى رجعت عليه نقيصته لأخيه، ومعصية تكفيره إياه.
رابعها: أنه يؤول به إلى الكفر، وذلك أن المعاصي "بريد
стр. 4313
الكفر" -كما سبق-، ويخاف على المكثر منها أن تكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر، ويؤيد هذا رواية أبي عوانة في مستخرجه (١) على "صحيح مسلم": "والإباء بالكفر"، وفي رواية: "إذا قال لأخيه: يا كافر، وجب الكفر على أحدهما".
خامسها: المعنى فقد رجع عليه تكفيره فليس الراجع عليه حقيقة الكفر، بل التكفير لكونه جعل أخاه المؤمن كافرًا، فكأنه كفر نفسه إما لأنه كفر من هو مثله، وإما لأنه كفر من لا يكفر إلا كافر، يعتقد بطلان دين الإِسلام.
الرابع: في فوائده:
الأولى: تحريم الانتفاء من النسب المعروف، والاعتزاء إلى نسب غيره، ولا شك أن ذلك كبيرة لما يتعلق به من المفاسد العظيمة. وقد سلف بعضها في أول اللعان، والتبني كان في أول الإِسلام ثم نسخ. وشرط ﵊ العلم لأن الأنساب قد تتراخى فيها مدَد الآباء والأجداد، ويتعذر العلم بحقيقتها، وقد يقع اختلال في النسب في الباطن من جهة النساء فلا يشعر به (٢). فشرط العلم بذلك من حيث إن الإِثم إنما يكون في حق العالم بالشيء.
الثانية: أنه لا يأثم بالانتساب المذكور إلا إذا كان عالمًا بخلاف ما ادّعاه دون الجاهل كما قررناه وعليه التعلق.
الثالثة: جواز إطلاق الكفر على أصحاب المعاصي والبدع
стр. 4314
لقصد الزجر، لا لأنه كفر حقيقي، إلا أن يعلم اعتقاد تحليل المحرم أو عكسه فيكون حقيقيًّا.
الرابعة: تحريم دعوى ما ليس له في كل شيء، سواء تعلق به حق لغيره أم لا، ويدخل فيه الدعاوى الباطلة كلها مالًا وعلمًا وتعلمًا ونسبًا وحالًا وصلاحًا ونعمة وولاء .. ويخرج ذلك من الأوصاف خصوصًا إذا ترتب عليها مفاسد وإليه تفسير الحديث الآخر في الصحيح: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" (١)، وقد جعل الوعيد هنا بالنار، وهو مقتض لدخولها, لأن التمييز في الأوصاف فقط يشعر بثبوت الأصل.
قال الشيخ تقي الدين (٢): وأقول إنه يدخل فيه أيضًا ما ذكره بعض الفقهاء في الدعاوى، من نصب مسخَّر يدعى في بعض الصور، حفظًا لرسم الدعوى والجواب، وهذا المسخر يَدَّعي ما يعلم أنه ليس له، والقاضي الذي يقيمه عالم بذلك أيضًا، وليس حفظ هذه القوانين من المنصوصات في الشرع، حتى يختص بها هذا العموم، والمقصود الأكبر في القضاء إيصال الحق إلى مستحقه. فانخرام هذه [المراسيم] (٣) الحكمية -مع تحصيل مقصود القضاء، وعدم تنصيص صاحب الشرع على وجوبها- أولى من مخالفة هذا الحديث، والدخول تحت الوعيد العظيم الذي دل عليه. وهذه طريقة
стр. 4315
أصحاب مالك، أعني عدم التشديد في هذه المراسيم.
الخامسة: أنه لا يحل له أن يأخذ ما حكم له به الحاكم إذا كان لا يستحقه.
السادسة: الوعيد العظيم على من كفَّر أحدًا من المسلمين وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق كثير من المتكلمين، ومن المنسوبين إلى السنة وأهل الحديث، لما اختلفوا في العقائد، فغلطوا على مخالفيهم، وحكموا بكفرهم وخرق حجاب الهيبة في ذلك جماعة من الحشوية، وهذا الوعيد لاحق بهم إذا لم يكن خصومهم كذلك، وقد اختلف الناس في التكفير وسببه، حتى أفرد بالتصنيف.
قال الشيخ تقي الدين: والذي يرجع إليه النظر في هذا أن مآل المذاهب: هل هو مذهب أم لا؟ أي والأكثرون على الأول، فمن أكثر المبتدعة قال: إن مآل المذهب مذهب. فنقول: المجسمة كفار، لأنهم عبدوا جسمًا، وهو غير الله تعالى، فهم عابدون لغير الله، فمتى عبد غير الله كفر. وتقول: المعتزلة كفار، لأنهم وإن اعترفوا بأحكام الصفات فقد أنكروا الصفات. ويلزم من إنكارها إنكار أحكامها، ومن أنكر أحكامها فهو كافر. وكذلك المعتزلة تنسب الكفر إلى غيرها بطريق المآل.
قال الشيخ تقي الدين (١): والحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة عن صاحبها، فإنه يكون حينئذ
стр. 4316
مكذبًا للشرع، وليس مخالفة القواطع مأخذًا للتكفير، وإنما مأخذه مخالفة القواعد السمعية القطعية طريقًا ودلالة، وعبر بعض أصحاب الأصول عن هذا بما معناه: أن من أنكر طريق إثبات الشرع لم يكفر كمن أنكر الإِجماع، ومن أنكر الشرع بعد الاعتراف بطريقه كفر، لأنه مكذب له. وقد نقل عن بعض المتكلمين أنه قال: لا أكفر إلا من كفرني، وربما خفي سبب هذا اللفظ على بعض الناس، وحمله على غير محمل الصحيح، والذي ينبغي أن يحمل عليه أنه قد لمح هذا الحديث الذي يقتصي أن من دعا رجلًا بالكفر -وليس كذلك- رجع عليه الكفر، وكذلك قال ﵊: "من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما" وكأن هذا المتكلم يقول: الحديث دل على أنه يحصل الكفر لأحد الشخصين: إما المكفِّر، وإما المكفَّر. فإذا كفّرني بعض الناس فالكفر واقع بأحدنا، وأنا قاطع بأني لست بكافر، فالكفر راجع إليه. هذا آخر كلام الشيخ، وهو من النفائس.
السابع: تحريم دعاء المسلم بالكفر وظاهر الحديث يقتضي أنه لا يكفر إلا بشرط أن لا يكون الكفر كما دعاه به، فيرجع ما دعاه به إليه، وبه صرح المتولي من الشافعية فقال: لو قال مسلم لمسلم: يا كافر، بلا تأويل، كفر، لأنه سمى الإِسلام كفرًا.
قلت: وفي صحيح ابن حبان (١) من حديث أبي سعيد أنه ﵊ قال: "ما أكفر رجل رجلًا قط إلا باء أحدهما بها إن
стр. 4317
كان كافرًا وإلا كفر بتكفيره"، وهو مؤيد للوجه الآخر أنه يكفر بالدعاء بالكفر (١).
стр. 4318
الإعلام بفوائد عمدة الأحكام
للإمام الحافظ العلامة
أبي حفص عُمر بن عَليٍّ بن أحمد الأنصاري الشَّافعيِّ
المعروف بابن الملقن
(٧٢٣ - ٨٠٤) هـ
تقديم
فضيلة الشيخ
صالح بن فوزان الفوزان
عضو هيئة كبار العلماء
وعضو اللجنة الدائمة للافتاء
فضيلة الشيخ
بكر بن عبد الله أبو زيد
عضو هيئة كبار العلماء
وعضو اللجنة الدائمة للافتاء
حقّقه وضبط نصه وعزا آياته وخرّج أحاديثه ووثق نقوله وعلّق عليه
عبد العزيز بن أحمد بن محمد المشيقح
غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين
الجزء التاسع
كتاب الرضاع - كتاب الأيمان والنذور
(٣٤٩ - ٣٨٦) حديث
دارُ العاصمة
لِلنَشر والتوزيع
стр. 4319
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4320
كتاب الرضاع
стр. 4321
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللهمَّ صلِّ على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه وسلِّم
٦٧ - كتاب الرضاع
هو بفتح الراء، وكسرها قليل، وكذا الرضاعة. وقرأ أبو حيوة وغيره بالكسر، وقد رضِع الصبي أمه -بكسر الضاد- يرضَع -بفتحها- رضاعًا. وأهل نجد يعكسون ويجعلون المصدر رضعًا. وأرضعته أمه (١) , وامرأةٌ رضع، أي لها ولد ترضعه، فإن وصفتها بإرضاعه، قلت: مرضعة.
وذكر المصنف -[﵀]- (٢) في الباب ستة أحاديث، والسادس في الحضانة.
стр. 4322
الحديث الأول
٣٤٩/ ١/ ٦٧ - عن ابن عباس ﵄ قال:
قال رسول الله ﷺ في بنت حمزة: "لا تحل لي؛ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وهي ابنة أخي من الرضاعة" (١).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: في اسم ابنة حمزة هذه، قال ابن العطار في "شرحه": لا يحضرني اسمها ولا رأيته في أسماء المبهمات.
قلت: تحصَّل لي في اسمها ستة أقوال فاستفدها:
أحدها: أمامة.
ثانيها: أمة الله.
ثالثها: سلمى.
رابعها: أم الفضل، وفي هذا تجوز كنية لا اسمًا. حكاهن
стр. 4323
الحافظ جمال الدين المزي في "أطرافه".
خامسها: عمارة، قاله ابن بشكوال (١) وصرَّح بأن أم الفضل كنية لها.
سادسها: فاطمة، قاله أبو نعيم (٢) وابن طاهر (٣).
قال المحب الطبري في أثناء النكاح: الظاهر أن فاطمة درجت صغيرة، وأن هذه أمامة.
الثاني: هذا الحديث مما ورد على سبب، فإنه ﵊ أريد على ابنة حمزة -كما ثبت في الصحيحين في هذا الحديث- فأجاب بأنها لا تحل له, لأن أباها حمزة -وإن كان عمه من النسب- فقد ارتضع معه من ثويبة -كما سلف في النكاح-، فصار أخاه من الرضاعة أيضًا. وسيأتي في الحديث السادس أن عليًّا ﵁ هو الذي سأل ذلك عقب الفراغ من عمرة القضاء.
الثالث: الحديث دال على حرمة بنت الأخ من الرضاعة، وأن ما حَرُم بالنسب حرم بالرضاع، ونص القرآن دال على حرمة سبع
стр. 4324
بالنسب؛ قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ (١).
وهذه السنّة الصريحة دالة على تحريمهن بالرضاع.
وقد استثنى جماعة صورًا من هذا العموم يحرمن في النسب ولا يحرمن في الرضاعة (٢). والمحققون على عدم استثنائها, لأنها
стр. 4325
ليست داخلة فيه، وقد أوضحت ذلك كله في كتب الفروع فإنه أمس به؛ وكذا شروط الحرمة (١)، فراجعه منها.
стр. 4326
الحديث الثاني
٣٥٠/ ٢/ ٦٧ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة" (١).
هذا الحديث في معنى الحديث الذي قبله، وهما دالّان أيضًا على أن لبن الفحل يحرم بالنسبة إليه أيضًا، وهو قول أكثر [أهل] (٢) العلم.
وشذ أهل الظاهر، وابن علية، وابن بنت الشافعي، فقالوا: لا تثبت الحرمة بين الرجل والرضيع. ونقله المازري (٣) عن ابن عمر وعائشة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٤)؛ ولم يذكر البنت والعمة كما ذكرهما في النسب.
стр. 4327
واحتج الجمهور: بالأحاديث الصحيحة في ذلك؛ منها حديث عائشة الآتي في عمها، وفي الصحيحين مثله في عم حفصة أيضًا (١)، وقوله ﵊ مع إذنه فيه إنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة.
وأما الآية فالجواب عنها: أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه لو لم [يعارضه] (٢) دليل آخر، كيف وقد جاءت هذه الأحاديث الصحيحة وما سلف عن عائشة بعيد، فإنها راوية التحريم فكيف تخالفه؟!
لا جرم أن بعضهم قال لم يصح ذلك عنها. نعم قال الشافعي (٣): [و] (٤) نشر الحرمة إلى الفحل خارج عن القياس، فإن اللبن ليس ينفصل منه وإنما ينفصل منها.
ثم اعلم أن الأمة مجمعة على أنه لا يترتب على الرضاع أحكام الأمومة من كل وجه؛ فلا توارث، ولا نفقة، ولا عتق بالملك، ولا عقل، ولا ترد شهادته له، ولا يسقط عنها القصاص بقتله، وإنما تترتب عليه الحرمة والمحرميَّة فقط.
стр. 4328
الحديث الثالث
٣٥١/ ٣/ ٦٧ - وعنها: أن أفلح -أخا أبي القعيس- استأذن عليَّ، بعدما أنزل الحجاب، فقلت: والله لا آذن له، حتى أستأذن رسول الله ﷺ ، فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس، فدخل عليَّ رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله وإن الرجل ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته، فقال: "ائذني له، فإنه عمك تربت يمينك" (١).
قال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول: حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب.
وفي لفظ: استأذن عليَّ أفلح فلم آذن له، فقال: أتحتجبين مني وأنا عمك؟ فقلت: وكيف ذلك؟ قال: أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي، قالت: فسألت رسول الله ﷺ فقال: "صدق أفلح، ائذني له
стр. 4329
تربت يمينك"، أي افتقرت والعرب تدعو على الرجل ولا تريد وقوع الأمر به.
الكلام عليه من وجوه:
ولم يتكلم عليه الشيخ تقي الدين في شرحه وإنما أورده فقط، وهذا اللفظ الأخير خرَّجه البخاري في باب الشهادة على الأنساب والرضاع.
الأول: أفلح: بالفاء وكنيته أبو الجعد الأشعري، واسمه وائل بن أفلح كما قاله الدارقطني وأبو عمر. وقال صاحب "التنقيب" على "المهذب": اسمه وائل بن حجر، كذا رأيته فيه، وهو أخو أبي القعيس بقاف مضمومة ثم عين مهملة مفتوحة ثم مثناة تحت ثم سين مهملة [وقيل اسمه الجعد] (١) أيضًا حكاه أبو عمر قال: وأفلح بن أبي القعيس، ويقال أخو أبي القعيس لا أعلم له خبرًا ولا ذكرًا إلا في حديث عائشة في الرضاع، وقد اختلف فيه فقيل: أبو القعيس، وقيل: أخو أبي القعيس.
قلت: وفي رواية لمسلم أفلح بن قعيس قال: وأصحها ثانيها، ونص في "استيعابه" على أنهما من الصحابة أعني: أفلح، وأخا أبي القعيس.
الثاني (٢): قولها: "استأذن عليّ بعدما أنزل الحجاب" إلى آخره، نص في أن سؤالها كان وهو حي، ووقع في الصحيحين (٣)
стр. 4330
عنها: "أنه لو كان فلان حيًّا لعمها من الرضاعة دخل عليّ"، فقيل: إنهما عمّان، أحدهما: أخو أبيها أبي بكر، من الرضاع، أرضعتهم امرأة واحدة؛ والثاني: أخو أبيها أبي القعيس من الرضاعة. وقيل: هما واحد، و [غلطه] (١) النووي (٢) لما أسلفناه من كون عمها حيًّا في الأولى، وأنه استأذن عليها؛ وميتًا في الثانية، قاله تبعًا للقاضي عياض، والأشبه الأول، أي فكان سؤالها مرتين في وقتين، إما لأنها نسيت القصة الأولى [فاستجدت] (٣) سؤالًا آخر، وإما لأنها جوَّزت تبدل الحكم فسألت مرة أخرى أو لأنه يحتمل أن أحدهما كان عمًا من أحد الأبوين والآخر منهما أو عمًا أدنى، ونحو ذلك من الاختلاف، فخافت أن تكون الإِباحة مختصة بصاحب الوصف المسؤول عنه أولًا.
الثالث: [وقع] (٤) في رواية الباجي (٥) أن أبا القعيس أخو عائشة، وهو وهم، والصواب ما سلف من كونه أبًا لها [وقال ابن الأثير في "معرفة الصحابة" (٦) هو عمها. وقيل: أبوها. ثم ذكر سنده عنها قالت: جاءني أبو القعيس، فلم أذن له، قال ليدخل عليك، الحديث. وفي آخره وكان أبو القعيس أخا ظئر عائشة] (٧). وادعى
стр. 4331
بعض الشرّاح أن ظاهر أول الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة أن أفلح وأبا القعيس عمَّين لعائشة، وظاهر آخره يخالفه من أن أفلح عمها بخلاف أبي القعيس، فإنه أبوها، وما ذكره في الأول ليس كما قال بل هو موافق للآخر فتأمَّله.
الرابع: نزل الحجاب آخر سنة خمس من الهجرة.
الخامس: قد فسر المصنف معنى: "تربت يمينك"، وحكى ابن العربي في "الأحوذي" أقوالًا في معناها:
أحدها: استغنت وهو ضعيف، لأن المعروف ترب إذا افتقر، وأترب إذا استغنى. وذكر بعضهم وجهًا، وهو أن الغنى تراب، لأنه وجميع الدنيا إلى التراب.
ثانيها: ضعف عقلك، أي لقولك هذا للدعاء عليها.
ثالثها: تربت من العلم.
رابعها: تربت يمينك إن لم تفعلي قال: وهذا أصحها.
خامسها: أنه حث على العلم كقولهم إلخ ثكلتك أمك، ولا يريد أن يثكل.
سادسها: أصابها التراب.
سابعها: خابت.
ثامنها: ثربت بمثلثة في أوله، وهو تصحيف.
تاسعها: أنه دعاء خفيف. ثم إن دعاءه ﷺ مغاير لدعائنا فإنه قد سأل الله تعالى أن يجعل كل من دعا عليه بشيء وليس أهلًا أن
стр. 4332
يكون له زكاة ورحمة، كما صح في الحديث (١).
السادس في أحكامه:
الأول: ثبوت حرمة الرضاع بين الرضيع وبين الرجل المنسوب إليه اللبن، وقد سلف ما فيه في الحديث قبله.
الثاني: أن من ادعى رضاعًا وصدقه الرضيع ثبت حكم الرضاع بينهما ولا يحتاج إلى إقامة بيّنة، فإن أفلح ادعاه وصدقته عائشة واذن له الشارع بمجرد ذلك.
الثالث: قال القاضي: قيل فيه دلالة على أن قليل الرضاع يحرم إذ لم يقع سؤال عن عدد بل اكتفى بأنه عم من الرضاعة.
قلت: لعله ﵊ لم يستفصلها لأنها راوية لحديث: "كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن، بخمس معلومات" (٢) الحديث في "صحيح مسلم"، وهذا
стр. 4333
مذهبها، وإن كان جمهور العلماء على أن التحريم يثبت برضعة واحدة.
الرابع: [أن] (١) من شك في حكم من أحكام الشرع توقف عن العمل به حتى يراجع العلماء فيه.
الخامس: أن العالم إذا سئل عن مسئلة قال فيها بعض أصحابه ما هو الصواب أن يصدقه ويقر قوله.
السادس: جواز قول: تربت يمينك لا بقصد الدعاء.
السابع: وجوب احتجاب المرأة من الرجال الأجانب [وأنه] (٢) كان مباحًا أول الإِسلام.
الثامن: استئذان الرجال المحارم على محارمهم وأن المرأة لا تأذن لأحد في الدخول عليها إلا بإذن الزوج، أو بأن يكون محرمًا لها.
التاسع: أن من اشتبه عليه شيء ينبغي أن يطالب خصمه ببيانه والدليل عليه ليظهر له وينظر فيه.
العاشر: جواز التسمية بأفلح، والنهي الثابت (٣)
стр. 4334
فيه للكراهة لا للتحريم.
الحادي عشر: ابتدار المستفتي المفتي بالتعليل قبل سماع الفتوى.
وفي قوله ﵊: "تربت" تنبيه لها على ذلك، فإن من حقها أن تسأل عن الحكم [فقط] (١).
стр. 4335
الحديث الرابع
٣٥٢/ ٤/ ٦٧ - وعنها [قالت] (١): دخل عليَّ النبي ﷺ وعندي رجل، فقال: يا عائشة، من هذا؟ [قلت: أخي] (٢) من الرضاعة. فقال: يا عائشة. انظرن من إخوانكن؟ فإنما الرضاعة من المجاعة (٣).
الكلام عليه من وجوه، والغريب أن الصعبي حذفه من "شرحه" ولم يذكره.
الأول: هذا الحديث بهذه السياقة للبخاري في كتاب الشهادات، لكنه قال: "فإنما" بدل "إنما"، ورواه في باب ما يحرم من نكاح قليل الرضاع (٤) وكثيره بلفظ: أنه ﵊
стр. 4336
دخل عليها وعندها رجل فكأنه تغير وجهه، كأنه كره ذلك، فقالت: إنه أخي، فقال: "انظرن من إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة".
ورواه مسلم بزيادة بعد قولها: "وعندي رجل قاعد فاشتد عليه ذلك، ورأيت الغضب في وجهه. قالت: فقلت: يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة، فقال: "انظرن من إخوانكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة عن المجاعة"، وفي لفظ: "من المجاعة".
الوجه الثاني: هذا المبهم، وهو أخو عائشة من الرضاعة، لا يحضرني اسمه بعد البحث عنه في كتب المبهمات فليتتبع.
الثالث: معنى هذا الحديث أن الرضاعة التي تقع بها الحرمة هي ما كان في زمن الصغر والرضيع طفل يقويه اللبن ويشد جوعه. أما ما كان منه بعد ذلك في الحال التي لا يحصل له فيها ذلك ولا يشبعه إلا الخبز واللحم وما في معناهما فلا حرمة له.
ولهذا قال ابن مسعود ﵁: "لا رضاع إلا ما شد العظم وأنبت اللحم" (١). رواه أبو داود، ثم رواه مرفوعًا بمعناه، وقال: "أنشز العظم".
وقوله ﵊: "انظرن من إخوانكن"، تنبيه على الزمن الذي يثبت للمرضع فيه حكم الرضاع وتترتب أحكامه عليه خشية أن تكون رضاعة ذلك الشخص وقعت في حالة الكبر ولا يترتب عليه أحكامه.
стр. 4337
الوجه الرابع في فوائده:
الأولى: جواز دخول من اعترفت المرأة بالرضاع معه عليها، وأنه يصير أخًا لها.
الثانية: أن الزوج يسأل زوجته عن موجب الخلوة مع الرجل.
الثالثة: الأمر بالاحتياط في ذلك والنظر فيه، وفيما يبيح عدم الاحتجاب.
الرابعة: قبول قول المرأة فيمن اعترفت برضاعه مجردًا والإِرشاد إلى الاحتياط لذلك.
الخامسة: أن الرضاع المحرم هو ما كان بلبن المرأة في زمن يستقل الرضيع به دون غيره من الأغذية، وهو حولان فما دونها عند الجمهور.
وقال أبو حنيفة: هو حولان ونصف.
وقال زفر: ثلاثة أحوال.
وعن مالك: رواية زيادة أيام بعد حولين.
ورواية شهر وشهرين وهي ما في "المدونة".
ورواية ثلاثة أشهر حكاها ابن شاس.
وقالت عائشة وداود: تثبت الحرة برضاع البالغ كالطفل.
وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (١).
стр. 4338
وهذا الحديث وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة، وروى الدارقطني من حديث ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين" (١)؛ ثم قال: لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ. وخالف ابن القطان، فأعله بالراوي عن الهيثم، وهو [أبو الوليد بن برد] (٢) الأنطاكي، وقال: لا يعرف، وهو غريب منه؛ فقد روى عن جماعة، وعنه جماعة. وقال النسائي في "كناه": صالح.
وفي "جامع الترمذي": من حديث فاطمة بنت المنذر عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام" (٣). ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وعزاه ابن حزم (٤) إلى النسائي أيضًا، ثم قال: خبر منقطع، وفاطمة هذه لم تسمع من أم سلمة.
قلت: إدراكها ممكن لا جرم، خرَّجه ابن حبان في صحيحه (٥) إلى قوله: الأمعاء، ومن شرطه الاتصال.
стр. 4339
وأما قصة سهلة بنت سهيل في "صحيح مسلم" (١) في رضاعها سالمًا، وهو رجل، وقوله ﵊ لها: "أرضعيه تحرمي عليه"، فهي محمولة إلى أنها مختصة بها وبسالم. وقد روى مسلم في صحيحه (٢) عن أم سلمة وسائر أزواج النبي ﷺ أنهن خالفن عائشة [﵂] (٣) في هذا.
قال القاضي عياض: ولعل سهلة حلبت لبنها من غير أن يمص ثديها, ولا التقت بشرتاهما. قال النووي (٤): وهو حسن، ويحتمل أنه عفى عن مسه للحاجة كما رخص بالرضاعة مع الكبر.
السادس: أن كلمة "إنما" للحصر، لأن المقصود حصر الرضاعة المحرمة لا مجرد إثبات الرضاعة في زمن المجاعة.
السابع: استعمال لفظة إخوان في غير الأصدقاء، وهو أكثر ما يستعمل فيهم عند أهل اللغة والإِخوة في الولادة، فكأنه حمل على الأصدقاء.
الثامن: فيه رد على قولة داود: إنه لا يحرم الرضاع حتى يلتقم
стр. 4340
الثدي كما حكاه المازري، ورأى أن قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، إنما يطلق على ملتقم الثدي، وقد نبَّه ﵊ على ما فتق الأمعاء، وهذا يوجد في اللبن الواصل إلى الجوف صبًا في الحلق [أو] (١) التقامًا للثدي.
стр. 4341
الحديث الخامس
٣٥٣/ ٥/ ٦٧ - عن عقبة بن الحارث ﵁ (١) [قال: تزوجت] (٢) أم يحيى بنت أبي أهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما. فذكرتُ ذلك للنبي ﷺ ، فأعرض عني (٣)، فتنحَّيت، فذكرت ذلك له، [قال] (٤) [وكيف] (٥) وقد زعمت أن قد أرضعتكما" (٦).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: هذا الحديث لم يخرجه مسلم (٧) في صحيحه، بل لم
стр. 4342
يخرج في صحيحه عن عقبة بن الحارث شيئًا، وإنما هو من أفراد البخاري (١)، خرَّجه في باب شهادة المرضعة من كتاب النكاح بلفظ: تزوجت امرأة، فجاءتنا امرأة سوداء فقالت: أرضعتكما، فأتيت النبي ﷺ فقلت: تزوجت فلانة بنت فلان فجاءتنا امرأة سوداء، فقالت لي: إني قد أرضعتكما، وهي كاذبة. فأعرض عني، فأتيته من قبل وجهه. قلت: إنها كاذبة. قال: كيف بها وقد زعمت أنها أرضعتكما، دعها عنك، وأشار إسماعيل [بن إبراهيم أحد رواته] (٢) بأصبعيه السبابة والوسطى يحكي أيوب أحد رواته، وخرَّجه من باب تفسير المشتبهات، من كتاب البيوع (٣)، بلفظ عن عقبة بن الحارث، أن امرأة سوداء جاءت فزعمت أنها أرضعتهما، فذُكر ذلك للنبي ﷺ فأعرض عنه وتبسم النبي ﷺ قال: كيف وقد قيل؟ وقد كانت تحته ابنة أبي أهاب التميمي.
وخرَّجه أيضًا (٤) في باب ما إذا شهد شاهدٌ أو شهود بشيء، وقال آخرون: ما علمنا بذلك يحكم بقول من شهده بلفظه: عن عقبة بن الحارث أنه تزوج بنتًا لأبي أهاب بن عزيز، فأتته امرأةٌ فقالت: قد أرضعت عقبة والتي تزوج. فقال لها عقبة: ما أعلم، أنك أرضعتيني، ولا أخبرتني. فأرسل إلى آل أبي أهاب يسألهم، فقالوا: ما علمناه أرضعت صاحبتنا، فركب إلى النبي ﷺ بالمدينة
стр. 4343
فسأله، فقال رسول الله ﷺ : كيف وقد قيل؟ ففارقها ونكحت زوجًا غيره، هذا ما حضرنا من المواضع التي خرج البخاري هذا الحديث في صحيحه وفي سياقه المصنف له زيادة عليه، ولم ينبه على ذلك أحد من الشراح وهو مما يتعين معرفته على طالب الكتاب (١).
ثانيها في التعريف براويه: وهو عقبة بن الحارث بن عامر بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، أبو سِروعة، بكسر السين المهملة، النوفلي المكي من مسلمة الفتح , وكان أبوه أحد المطعمين يوم بدر مع المشركين، وهو قاتل خبيب بن عدي، وأمه خزاعية (٢). [قال ابن حبان: واسمها درة بنت أبي لهب بن عبد المطلب] (٣) قال الزبير بن بكار: وأهل النسب يقولون: عقب هذا [هو] (٤) وأبو سروعة أسلما معًا يوم الفتح، والأصح أنه أبو سروعة، وهو قول أهل الحديث.
стр. 4344
وقال ابن الأثير: الأول أصح.
روى له البخاري ثلاثة أحاديث كما عدها الحميدي في "جمعه"، وتبعه عبد الغني، وذكره بقي بن مخلد فيمن روى سبعة أحاديث. وقال أبو عمر: له حديث واحد ما حفظ له غيره في شهادة امرأة على الرضاع، روى عنه عبيد بن أبي مريم، وابن أبي مليكة. وقيل: ابن أبي مليكة لم يسمع منه وأن بينهما عبيد بن أبي مريم.
الثالث: أم يحيى بنت أبي أهاب اسمها غَنِيَّةُ، بفتح الغين المعجمة، ثم نون، ثم مثناة تحت، ثم هاء بنت أبي أهاب بن عُزَيْز بن قيس بن سويد بن ربيعة بن زيد بن عبد الله بن دارم. قاله الزبير بن بكار فيما حكاه عنه ابن بشكوال (١) الحافظ. وهي امرأة جبير بن مطعم، وأم ولده نافع ومحمد.
الرابع: هذه المرأة السوداء لا أعلم اسمها بعد البحث عنه، فليتبع.
الخامس في فوائده:
الأولى: ذكر السبب المفضي لرفع النكاح والتنبيه عليه.
الثانية: تكرار السؤال على من سكت وأعرض عن الجواب أول مرة إذا رجا جوابه ثانيًا، وإعراضه ﵊ عن الجواب أولًا يجوز أن يكون لإِنكار ما وقع، فلما ألحَّ عليه أجابه بالورع والاحتياط.
стр. 4345
الثالثة: أن للمفتي الإِعراض عن المستفتي أول وهلة لعله يكف عما سأل.
[الرابعة] (١): اختلف العلماء في شهادة المرضعة وحدها بالرضاع، فقبلها ابن عباس، والحسن وإسحاق وأحمد وتحلف مع ذلك.
ولم يقبلها الشافعي وحدها، بل مع ثلاث نسوة أخر، وقبلها مالك مع أخرى، ولم يقبل أبو حنيفة فيه شهادة النساء المتمحضات من غير ذكر.
وقال الإِصطخري من الشافعية: إنما يثبت بالنساء المتمحضات، فمن قبلها وحدها أخذ بظاهر الحديث.
قال الشيخ تقي الدين (٢): ولابد فيه -مع ذلك أيضًا، إذا أجريناه على ظاهره- من قبول شهادة الأمة.
قلت: هذا على رواية المصنف، وقد سقناه عن البخاري من وجهين بلفظ: "امرأة" (٣)؛ ومن وجه ثالث، فجاءتنا [امرأة] (٤) سوداء ولا يلزم من ذلك أن تكون أمة (٥)، ومن لم يقبلها وحدها حمل الحديث على ورع دون التحريم، ويشعر به قوله ﵊: "كيف وقد قيل؟ " والورع في هذا متأكد.