← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

الحديث الخامس ٣٥٣/ ٥/ ٦٧ - عن عقبة بن الحارث ﵁ (١) [قال: تزوجت] (٢) أم يحيى بنت أبي أهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما. فذكرتُ ذلك للنبي ﷺ ، فأعرض عني (٣)، فتنحَّيت، فذكرت ذلك له، [قال] (٤) [وكيف] (٥) وقد زعمت أن قد أرضعتكما" (٦). الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث لم يخرجه مسلم (٧) في صحيحه، بل لم

стр. 4342

يخرج في صحيحه عن عقبة بن الحارث شيئًا، وإنما هو من أفراد البخاري (١)، خرَّجه في باب شهادة المرضعة من كتاب النكاح بلفظ: تزوجت امرأة، فجاءتنا امرأة سوداء فقالت: أرضعتكما، فأتيت النبي ﷺ فقلت: تزوجت فلانة بنت فلان فجاءتنا امرأة سوداء، فقالت لي: إني قد أرضعتكما، وهي كاذبة. فأعرض عني، فأتيته من قبل وجهه. قلت: إنها كاذبة. قال: كيف بها وقد زعمت أنها أرضعتكما، دعها عنك، وأشار إسماعيل [بن إبراهيم أحد رواته] (٢) بأصبعيه السبابة والوسطى يحكي أيوب أحد رواته، وخرَّجه من باب تفسير المشتبهات، من كتاب البيوع (٣)، بلفظ عن عقبة بن الحارث، أن امرأة سوداء جاءت فزعمت أنها أرضعتهما، فذُكر ذلك للنبي ﷺ فأعرض عنه وتبسم النبي ﷺ قال: كيف وقد قيل؟ وقد كانت تحته ابنة أبي أهاب التميمي. وخرَّجه أيضًا (٤) في باب ما إذا شهد شاهدٌ أو شهود بشيء، وقال آخرون: ما علمنا بذلك يحكم بقول من شهده بلفظه: عن عقبة بن الحارث أنه تزوج بنتًا لأبي أهاب بن عزيز، فأتته امرأةٌ فقالت: قد أرضعت عقبة والتي تزوج. فقال لها عقبة: ما أعلم، أنك أرضعتيني، ولا أخبرتني. فأرسل إلى آل أبي أهاب يسألهم، فقالوا: ما علمناه أرضعت صاحبتنا، فركب إلى النبي ﷺ بالمدينة

стр. 4343

فسأله، فقال رسول الله ﷺ : كيف وقد قيل؟ ففارقها ونكحت زوجًا غيره، هذا ما حضرنا من المواضع التي خرج البخاري هذا الحديث في صحيحه وفي سياقه المصنف له زيادة عليه، ولم ينبه على ذلك أحد من الشراح وهو مما يتعين معرفته على طالب الكتاب (١). ثانيها في التعريف براويه: وهو عقبة بن الحارث بن عامر بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، أبو سِروعة، بكسر السين المهملة، النوفلي المكي من مسلمة الفتح , وكان أبوه أحد المطعمين يوم بدر مع المشركين، وهو قاتل خبيب بن عدي، وأمه خزاعية (٢). [قال ابن حبان: واسمها درة بنت أبي لهب بن عبد المطلب] (٣) قال الزبير بن بكار: وأهل النسب يقولون: عقب هذا [هو] (٤) وأبو سروعة أسلما معًا يوم الفتح، والأصح أنه أبو سروعة، وهو قول أهل الحديث.

стр. 4344

وقال ابن الأثير: الأول أصح. روى له البخاري ثلاثة أحاديث كما عدها الحميدي في "جمعه"، وتبعه عبد الغني، وذكره بقي بن مخلد فيمن روى سبعة أحاديث. وقال أبو عمر: له حديث واحد ما حفظ له غيره في شهادة امرأة على الرضاع، روى عنه عبيد بن أبي مريم، وابن أبي مليكة. وقيل: ابن أبي مليكة لم يسمع منه وأن بينهما عبيد بن أبي مريم. الثالث: أم يحيى بنت أبي أهاب اسمها غَنِيَّةُ، بفتح الغين المعجمة، ثم نون، ثم مثناة تحت، ثم هاء بنت أبي أهاب بن عُزَيْز بن قيس بن سويد بن ربيعة بن زيد بن عبد الله بن دارم. قاله الزبير بن بكار فيما حكاه عنه ابن بشكوال (١) الحافظ. وهي امرأة جبير بن مطعم، وأم ولده نافع ومحمد. الرابع: هذه المرأة السوداء لا أعلم اسمها بعد البحث عنه، فليتبع. الخامس في فوائده: الأولى: ذكر السبب المفضي لرفع النكاح والتنبيه عليه. الثانية: تكرار السؤال على من سكت وأعرض عن الجواب أول مرة إذا رجا جوابه ثانيًا، وإعراضه ﵊ عن الجواب أولًا يجوز أن يكون لإِنكار ما وقع، فلما ألحَّ عليه أجابه بالورع والاحتياط.

стр. 4345

الثالثة: أن للمفتي الإِعراض عن المستفتي أول وهلة لعله يكف عما سأل. [الرابعة] (١): اختلف العلماء في شهادة المرضعة وحدها بالرضاع، فقبلها ابن عباس، والحسن وإسحاق وأحمد وتحلف مع ذلك. ولم يقبلها الشافعي وحدها، بل مع ثلاث نسوة أخر، وقبلها مالك مع أخرى، ولم يقبل أبو حنيفة فيه شهادة النساء المتمحضات من غير ذكر. وقال الإِصطخري من الشافعية: إنما يثبت بالنساء المتمحضات، فمن قبلها وحدها أخذ بظاهر الحديث. قال الشيخ تقي الدين (٢): ولابد فيه -مع ذلك أيضًا، إذا أجريناه على ظاهره- من قبول شهادة الأمة. قلت: هذا على رواية المصنف، وقد سقناه عن البخاري من وجهين بلفظ: "امرأة" (٣)؛ ومن وجه ثالث، فجاءتنا [امرأة] (٤) سوداء ولا يلزم من ذلك أن تكون أمة (٥)، ومن لم يقبلها وحدها حمل الحديث على ورع دون التحريم، ويشعر به قوله ﵊: "كيف وقد قيل؟ " والورع في هذا متأكد.

стр. 4346

أما حديث ابن عمر أنه ﵊: "سُئل ما الذي يجوز من الشهود في الرضاع؟ فقال: رجل أو امرأة"، فرواه أحمد (١) في مسنده بإسناد فيه جهالة وضعف. [الرابعة] (٢): فيه شهادة المرضعة على فعل نفسها. وقال أصحابنا: إنها لا تقبل. وكذا إن ذكرت أجرة على الأصح للتهمة. وقيل: يقبل في ثبوت المحرمية دون الأجرة، فإن لم تذكر أجرة، فالأصح قبول شهادتها، فإنها لم تجر لنفسها نفعًا ولم تدفع ضررًا. وقيل: لا تقبل أيضًا كما لو قالت: أشهد أني قد ولدته.

стр. 4347

الحديث السادس ٣٥٤/ ٦/ ٦٧ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ -يعني من مكة-، فتبعتهم ابنة حمزة، تنادي: يا عم [يا عم] (١)، فتناولها علي، فأخذ بيدها، وقال لفاطمة: دونكِ ابنة عمك، فاحتملتها، فاختصم فيها علي [وزيد وجعفر] (٢). فقال علي: أنا أحق بها، وهي ابنة عمي. وقال جعفر: ابنة عمي، وخالتها تحتي. وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها [النبي ﷺ ] (٣) لخالتها، وقال: الخالة بمنزلة الأم. وقال لعلي: أنت مني، وأنا منك. وقال لجعفر: أشبهت خلقي وخُلقي. وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا (٤). الكلام عليه من وجوه: الأول: هذا الحديث بهذه السياقة للبخاري فقط، وكذا عزاه

стр. 4348

إليه غير واحد. ومنهم البيهقي (١) الحافظ، ومن المتأخرين عبد الحق في "جمعه". والمزي في "أطرافه" (٢)، ووقع لصاحب "المنتقى" (٣) , ولابن الأثير في "جامعه" (٤)، أنه من المتفق عليه، ومرادهما قصة صلح الحديبية منه، والمصنف اختصره، والبخاري ذكره في موضعين (٥) من صحيحه مطولًا (٦). ومن روايته فيهما: "يا عم، يا عم" مرَّتين، وقال: "احمليها" بدل "فاحتملتها"، وزاد في آخره في باب عمرة القضاء من المغازي، بعد قوله: "ومولانا. قال على: ألا تتزوج ابنة حمزة؟! قال: إنها ابنة أخي من الرضاعة". الثاني: في التعريف براويه وبالأسماء الواقعة فيه، أما راويه فسلف في الصلاة، وابنة حمزة تقدَّم في الباب الاختلاف في اسمها. وعليّ: تقدمت ترجمته في باب المذي وغيره. وفاطمة: هي بنت سيد البشر، وقد أوضحت ترجمتها فيما أفردته من الكلام على رجال هذا الحديث يتعين عليك مراجعته منه. وكذا ترجمة جعفر بن أبي طالب موضحة فيه أيضًا.

стр. 4349

وأما زيد. فسلف التعريف به في الباب قبله (١). الثالث: اسم هذه الخالة أسماء بنت عميس أخت سلمى بنت عميس، ثم تزوجها بعد جعفر، الصديق، ثم عليّ [﵁] (٢)، ولها تسع أخوات. وقيل: عشر لأم، منهن ميمونة إحدى أمهات المؤمنين، وست لأب ولأم. قاله أبو عمر، قال: وأختها سلمى كانت تحت حمزة بن عبد المطلب قال: وقد قيل إن التي كانت تحت حمزة أسماء، ثم خلف بعد عليها شداد، ثم بعده جعفر؛ والأصح عندي أن أسماء كانت تحت جعفر، وسلمى أختها تحت حمزة. الرابع: قوله: "يعني من مكة" قد علمت أنه كان بعد عمرة القضاء ولم يظفر بعض الشراح بهذا، بل قال: يحتمل أن ابنة حمزة هذه عرضت عليه، وقال: إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، ولهذا نادته "بيا: عَم"، وخروجه من مكة بعد موت أبيها واستشهاده في غزوة أُحد، إما في عام الحديبية وإما في عمرة القضاء، وقد علمت ما أوردته لك أنه كان بعد عمرة القضاء. وقول زيد: "هي ابنة أخي" سببه أنه ﵊

стр. 4350

آخى بينه وبين أبيها حمزة. ومعنى: "أنت مني وأنا منك"، أي لما بيننا من القرابة والصهارة والصحبة والمحبة. وقوله: "ومولانا" قد أسلفنا في الباب قبله أنه أعتقه، فهو مولاه حقيقة، وقد صح أن "مولى القوم منهم". الخامس: هذا الحديث أصل في باب الحضانة، وهي القيام بحفظ من لا يستقل وتربيته بما يصلحه، وهي نوع ولاية وسلطنة، لكنها بالإِناث أليق لأنهن أشفق وأهدى إلى التربية وأصبر على القيام بها وأشد ملازمة وتربيتهم مقرر في كتب الفروع ليس هذا موضعه. ومعنى قوله ﵊: "الخالة بمنزلة الأم"، أي في الحضانة، لأن سياق الحديث دالٌّ عليه. وفي رواية لأحمد (١) وأبي داود (٢) والبيهقي (٣) من حديث علي ﵁، فقال ﵊: "أما الجارية فأقضي بها لجعفر، فإن خالتها عنده، وإنما الخالة أم"؛ لكن قال البيهقي: الحديث الأول أصح من هذا. وقال الحافظ أبو بكر البزار (٤): لا يُروى عن علي إلا من الطريق المذكورة. وأما أبو محمَّد بن حزم (٥) الظاهري،

стр. 4351

فوهاه (١) في إسناده. وقال: إسرائيل ضعيف، وهانىء وهبيرة مجهولان، ووهم في ذلك؛ فإسرائيل احتج به الشيخان ووثق. وهانىء قال النسائي: ليس به بأس. وهبيرة: هو ابن مريم، روى عن جماعة، وعنه اثنان. وقال أحمد: لا بأس به. السادس: في فوائده: الأولى: صلة الأرحام وإكرامها. الثانية: الاختصام في طلب صلتها والقيام بها إلى الحكام وأهل الفتوى. الثالثة: القضاء بالحق وتبيين الحكم للخصوم، لأنه أبعد عن الشحناء بينهم، ودوام العداوة ولا التفات إلى من منع ذلك، وقال: ينبغي الجزم بالحكم من غير تعليل لئلا يؤدي ذلك إلى استبدال الحكم والطمع فيه، فإن ترك ذلك يؤدي إلى ما ذكرنا. الرابعة: إدلاء كل واحد من المستفتين والخصوم للمفتي والحاكم بحجته لينظر في الصواب منها. الخامسة: أن للخالة حقًا في الحضانة، وأنها مقدمة على بنت العم. السادسة: أنها إذا كانت متزوجة من له حق في الحضانة لا تسقط حضانتها لبنت العم عند عصبتها، فإن لهم حقًا في الحضانة إذا لم يكن محظور شرعي من خلوة ونحوها تسقطها. وكذا حكم كل مستحقة للحضانة إذا نكحت من له حق في الحضانة، أو كانت في نكاح مثله.

стр. 4352

السابعة: قد يستدل بإطلاقه من يرى توريث الخالة عند عدم الوارثين، وأنها بمنزلة الأم في الإِرث، وهم أصحاب التنزيل، إلا أن السياق يقتضي أنها بمنزلتها في الحضانة، وهو طريق إلى بيان المجملات وتعيين المحتملات وتنزيل للكلام على المقصود منه، وفهم ذلك، أعني قاعدة كبيرة من قواعد أصول الفقه تعرض لها بعض المتأخرين وقررها. قال الشيخ تقي الدين (١): وهي قاعدة متعينة على الناظر وإن كانت ذات شغب على المناظر. الثامنة: استعمال مكارم الأخلاق للحاكم والمفتي ونحوهما وتطييب قلب المستفتين والمتحاكمين، فإنه ﵊ قال لكل واحد من عليّ وزيد وجعفر ما تطيب قلبه من الكلام، فإنه جبر عليًا وزيدًا وطيب قلوبهما مما قاله لهما حيث حُرما مرادهما. وأما جعفر، فجبره بما قال له، لأنه جعل الحضانة لخالتها دونهما, ولأنه لو جبرهما بذلك دونه لحصل عنده ألم لا يفي بكون الصبية عند خالتها وهي عنده. التاسعة: يؤخذ منه إثبات التسوية بين الخصوم في الحكم والإِقبال على كل منهم بمثل ما يقبل على الآخر.

стр. 4353

كتاب القصاص

стр. 4354

٦٨ - كتاب القصاص هو بكسر القاف المماثلة مأخوذ من القص، وهو القطع كما قاله الأزهري (١). ومن اقتصاص الأثر وهو تتبعه كما قاله الواحدي وغيره من المحققين، لأن المقتص يتبع جناية الجاني فيأخذ مثلها. يقال: اقتص من غريمه، واقتص السلطان فلانًا من فلان أي أخذ له قصاصه. ويقال: اقتص فلانٌ فلانًا، طلب منه قصاصه. وذكر المصنف في الباب تسعة أحاديث: والثالث منهن في القسامة، والسادس فيه الدية أيضًا. والسادسُ والسابع فيه الغرة، والثامن فيه الصائل، والتاسع من قتل نفسه.

стр. 4355

الحديث الأول ٣٥٥/ ١/ ٦٨ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل دم امرئٍ مسلم يشهد أن لا إله إلَّا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" (١). الكلام عليه من وجوه: أولها: هذا الحديث رواه مسلم أيضًا من رواية عائشة (٢)، لكنه من أفراده. وفي رواية له من حديث ابن مسعود: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: "والذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إله إلَّا الله وأني رسول الله إلَّا ثلاثة نفر: التارك للإسلام. . . ." وذكر الحديث. وفي رواية للبخاري: "والمارق من

стр. 4356

الدين التارك للجماعة". وفي رواية للنسائي: "وإن محصن"، وفيه: "لا يحل قتل مسلم إلا من إحدى ثلاث خصال: رجل يقتل مسلمًا متعمّدًا، ورجل يخرج من الإِسلام فيحارب الله ورسوله فيُقتل، أو يُصلب، أو يُنفى من الأرض". ثانيها: في التعريف براويه وقد سلف في باب المواقيت. ثالثها: في ألفاظه ومعانيه. قوله: "لا يحل دم امرئ مسلم" هو كناية عن قتله، أي لا يحل إلا بإحدى هذه الأمور. وقوله: "دم امرئ" فيه حذف مضاف، أي أجزاء دمه. والدم مخفف الميم على المشهور، وأصله دمى كيد ولامهما محذوفة حتى من التثنية، وجرى الدميان شاذ، وكذا يديان بيضاوان عندهم محكم لا يقاس عليه. وامرىءٍ: يُقال فيه مر كما سلف في حديث: "إنما الأعمال بالنيات". وقوله ﵊: "يشهد أن لا إله إلَّا الله وأني رسول الله" هو كالتفسير لقوله: " [مسلم] (١) "، وكذا: "المفارق للجماعة"، كالتفسير لقوله: "التارك لدينه". والجماعة جماعة المسلمين، وفراقهم بالردة إما بالتكفير بكلمة الكفر أو بالاعتقاد أو بالفعل، ومن خرج عنهم ببدعة أو بغى وكان الخوارج تقاتل حتى يرجع إليهم، وليس بكافر.

стр. 4357

و"الثيب" المراد به المحصن، كما في رواية النسائي السالفة. وهو من وطئ في نكاح صحيح، وهو حر بالغ عاقل. و"الإِحصان": أصله المنع، وله معانٍ. هذا، وهو الموجب رجم الزاني ولا ذكر له في القرآن إلا في قوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (١)، أي محصنين بالنكاح لا بالزنا وبمعنى: العفة، والحرية، والتزوج، والإِسلام، وكلها مذكورة في القرآن. والجامع لأنواع الإِحصان المنع، فكل واحد ممن ذكرنا يمنع ما ينافيه، وقد أوضحت ذلك في كتابي المسمَّى بـ: "الإِشارات إلى ما وقع في المنهاج من الأسماء والمعاني واللغات". و"الثيب": اسم جنس يدخل فيه الذكر والأنثى. قاله أهل اللغة. قال ابن السكيت: وذلك إذا كانت المرأة قد دخل بها، أو كان الرجل قد دخل بامرأته. وقوله: "الزاني" قال النووي في "شرح مسلم" (٢): هو في نسخ "صحيح مسلم" بغير ياء، وهي لغة صحيحة قُرىء بها في السبع من قوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ (٣). قال: والأشهر في اللغة إثبات الياء.

стр. 4358

و"النفس": تُذكَّر وتؤنَّث. قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا﴾ (١)، وقال: "بلى قد جاءتك آياتي، [فإن كان مجردًا من الألف واللام فالأكثر الحذف لا] (٢). رابعها: في فوائده: الأولى: أن المسلم لا يصير مسلمًا إلَّا بالتلفظ بالشهادتين، فإنه ﵊ جعلهما كالتفسير والوصف للمسلم، وذلك لا يُعرف إلا بالتلفظ والاتصاف. ومن الشافعية من قال: إن كان ينكر إحداهما وأقر بها حكم بإسلامه وألزم الإِقرار بالأخرى، فإن أبى، فمرتدّ. وكذا لو أقر بما ينكره مما هو خاص بشريعتنا، والأصح عند جمهورهم أنه لابد منها، اللهم إلا أن يعجز عن النطق لخلل في لسانه أو لعدم التمكن منه كمعالجة المنية أو لغير ذلك. وهل يحتاج معها إلى الإقرار بعموم الرسالة أو البراءة من كل دين يخالف الإِسلام؟ فيه أوجه: أصحّها: إن كان ينكر عمومها ويخصها بالعرب، فلابد من الإقرار أو التبرئة، وإلا فلا, ولو كان كفره بجحود فرض أو استباحة محرم لم يصح إسلامه حتى يأتي بالشهادتين ويرجع عما اعتقده. الثانية: عصمة دم المسلم إلا فيما ذكر النووي (٣)، وهذا الحديث عام، خصَّ منه الصائل ونحوه، فإنه يُباح قتله في الدفع.

стр. 4359

وقد يُجاب عن هذا بأنه داخل في المفارق للجماعة، ويكون المراد لا يحل تعمُّد قتله قصدًا إلا في هؤلاء الثلاث. الثالثة: إباحة دم الزاني المحصن بصفته المعروفة في الأحاديث الصحيحة, وهو الرجم بالحجارة. الرابعة: وجوب القصاص في النفس بشرطه. الخامسة: أن المسلم يقتل بالذمي والحربي والعبد، لعموم قوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (١)؛ وكما في الآية أيضًا قاله أصحاب أبي حنيفة والجمهور على خلافه، ومنهم باقي الأربعة والليث وأنه عموم أريد به الخصوص في المتماثلين، وقد وافقوا على تخصيص هذا العموم في صور: منها: ما إذا قتل السيد عبده عمدًا. ومنها: ما إذا قتل الأب ابنه، ولا حجة لهم في حديث: "لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده" (٢) [حيث قالوا: التقدير بالمال ولا ذو عهد في عهده] (٣) بكافر حربي، فالذي لا يقتل به المسلم هو الحربي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه لأوجه. إحداها: [لا نسلم] (٤) أن الواو هنا عاطفة، بل استثنائية، فلا يلزم الاشتراك.

стр. 4360

ثانيها: سلَّمنا لكن العطف يقتضي الاشتراك في الأصل دون توابعه كما في قولك: مررت بزيد قائم وعمرو. فإنه لا يلزم منه المرور بعمرو قائمًا أيضًا، بل الاشتراك في أصل المرور لا غير، فيقتضي العطف هنا أنه لا يقتل به المسلم. أما تعيين من يقتل به الآخر، فلا؛ لأن الذي يقتل به بعض توابع الحكم. ثالثها: لا نسلم أن معناه بحربي، بل معناه التنبيه على التشبيه، فإن "في" تكون للتشبيه، فيصير معنى الكلام: ولا يقتل ذو عهد بسبب المعاهدة فيفيدنا ذلك أن المعاهدة سبب يوجب العصمة، وليس المراد به أنه يقتص منه ولا غير ذلك. رابعها: أن معناه نفي الوهم عمن يعتقد أن عقد المعاهدين كعقد الذمة يدوم، فنبه ﵊ على أن أمر ذلك العهد إنما هو في ذلك الزمن خاصة لا يتعدّاه، وتكون "في" على هذا للظرفية. [خامسها] (١): إباحة دم المرتد بشرطه وهو إجماع في الرجل والجمهور على إلحاق المرأة به. وقال أبو حنيفة (٢): لا تقتل. وقد أوضح البيهقي المسألة في "خلافياته" (٣)، وضعف حديث ابن عباس بأنها لا تقتل (٤).

стр. 4361

[سادسها] (١): إن مخالف الإِجماع يكفر فيقتل، وقد نسب ذلك إلى بعض الناس [. . .] (٢)، وقد قدمنا الطريق في التكفير، فالمسائل الإِجماعية تارة يصحبها [التواتر] (٣) بالنقل عن صاحب الشرع، كوجوب الصلاة مثلًا. وقد لا يصحبها، [فـ] (٤) الأول يكفَّر جاحده، لمخالفته [التواتر] (٥)، لا لمخالفته الإِجماع. [و] (٦) الثاني: لا يكفَّر به. قال الشيخ تقي الدين: وقد وقع في هذا المكان من يدعي الحِذْق في المعقولات، ويميل إلى الفلسفة، فظن أن المخالفة في حدوث العالم من قبيل مخالفة الإِجماع، وأخذ من قول من قال: "إنه لا يكفر مخالف الإجماع، أن لا يكفَّر هذا المخالف في هذه المسألة. وهذا كلام ساقط بالمرة، إما عن عمى في البصيرة، أو [عن] (٧) تعامٍ؛ [لأن] (٨) حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الإِجماع والتواتر بالنقل عن صاحب الشريعة، فيكفَّر المخالف بسبب مخالفته النقل المتواتر، لا بسبب مخالفة الإِجماع.

стр. 4362

[سابعها] (١): أن تارك الصلاة كسلًا لا يقتل, لأنه ﵊ حصر دم المرء المسلم في هذه الثلاثة بلفظ النفي العام، والاستثناء منه لهذه الثلاثة، وهو قول المزني من أصحاب الشافعي قال: يُضرب ويُحبس حتى يصلي، وهو مشهور مذهب أبي حنيفة، واختاره الحافظ أبو الحسن علي بن المفضّل المقدسي المالكي في قصيدة له مشهورة، أنبأنا بها غير واحد عن شيخ الإِسلام تقي الدين القشيري، عن الفقيه المفتي أبي موسى هارون بن عبد الله المهراني، عنه. خسر الذي ترك الصلاة وخابا ... وأبى معاذًا صالحًا ومآبا إن كان يجحدها، فحسبك أنه ... أمسى بربك كافرًا مرتابا أو كان يتركها لنوع تكاسل ... [غطى] (٢) على وجه الصواب حجابا فالشافعي ومالك رأيا له ... إن لم يتب: حَدَّ الحسام عقابا وأبو حنيفة قال يترك مرة ... هَمَلًا، ويحبس مرة إيجابا والظاهر المشهور من أقواله ... تعزيره زجرًا له وعقابا [. . .] (٣). والرأي عندي: أن يؤدبه الإِمام ... بكل تأديب يراه صوابا

стр. 4363

ويكف عنه القتل طول حياته ... حتى يلاقي في المآب حسابا فالأصل عصمته إلى أن يمتطي ... إحدى الثلاث إلى الهلاك ركابا الكفر أو قتل المكافي عامدًا ... أو محصن طلب الزنا فأصابا واستشكل إمام الحرمين قتله وقوى بعض المتأخرين إزالة الإِشكال في عدم قتله بقوله ﵊: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلَّا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة". فوقف العصمة على مجموع ما ذكر والمرتب على أشياء لا تحصل بحصول مجموعها، وينتفي بانتفاء بعضها. قال الشيخ تقي الدين (١): وهذا إن قصد به الاستدلال بالمنطوق (٢) وهو الأمر بالقتال إلى هذه الغاية، فقد [ذهل] (٣) وسهى؛ لأنه فرَّق بين المقاتلة على الشيء والقتل عليه، فإن "المقاتلة" مفاعلة تقتضي الحصول من الجانبين. ولا يلزم من إباحة المقاتلة على الصلاة إباحة القتل عليها (٤) من الممتنع من فعلها إذا لم يقاتل، ولا إشكال بأن قومًا لو تركوا الصلاة [وقاتلوا عليها قوتِلوا] (٥)، [أي بدليل مناظرة عمر الصديق في

стр. 4364

قتال مانعي زكاة المال] (١) النظر والخلاف فيما إذا تركها إنسان من غير نَصب قتال: [هل يقال يقُتل أم لا؟] (٢) فتأمَّل الفرق بين المقاتلة على الصلاة [والقتل] (٣) عليها وأنه لا يلزم من إباحة المقاتلة عليها [إباحة القتل عليها] (٤) وإن كان أخذ هذا من لفظ آخر الحديث، وهو ترتب العصمة على فعل ذلك، فإنه يدل بمفهومه على أنها لا تترتب على فعل بعضها، [دون المجموع] (٥) هان الخطب لأنها دلالة مفهوم، والخلاف فيها معروف مشهور، وبعض من ينازعه في هذه المسألة لا يقول بدلالة المفهوم، ولو قال بها فقد يرجح عليها دلالة المنطوق في هذا الحديث. واعلم أن قتل تارك الصلاة كسلًا وعدمه مبني على تكفيره وقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: أنه يكفر بذلك، وهو المشهور عن أحمد، وقول المحدثين وبعض المالكية، وحكاه العبدري (٦) عن منصور الفقيه من

стр. 4365

أصحابنا، والشيح أبي إسحاق في "خلافياته" عن أبي الطيب بن سلمة (١)، ونسبه القاضي حسين في باب قتل المرتد إلى أبي جعفر الترمذي (٢)، وابن خربويه (٣)، ووجهه قوله ﵊: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" (٤)، رواه مسلم من حديث جابر. وقوله ﵊: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" (٥). رواه الترمذي من حديث بريدة، وصحَّحه؛ وكذا ابن حبان. وقال

стр. 4366

الحاكم: صحيح الإِسناد ولا نعرف له علة. قال: وله شاهد على شرطهما، فذكره عن شقيق، عن أبي هريرة قال: "كان أصحاب رسول الله - صلي الله عليه وسلم - لا يرون من الأعمال شيئًا تركه كفرًا غير الصلاة" (١). وروى هذا الترمذي عن شقيق بإسناد صحيح. وفي صحيح ابن حبان (٢) من حديث ابن عمرو عن رسول الله ﷺ : أنه ذكر الصلاة يومًا، فقال: "من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها, لم يكن له برهان ولا نور ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون، وهامان، وفرعون". وأصح الوجهين عندهم أنه لا يكفر بذلك، لقوله ﵊: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن فلم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن كان له عند الله عهدًا أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة" (٣)، رواه مالك في الموطأ وأبو داود واللفظ له، والنسائي وابن ماجه، وصحَّحه ابن حبان وابن السكن وابن عبد البر. وجه الدلالة: أنه لو كفر لم يدخل تحت المشيئة، وللأحاديث الصحيحة الثابتة بحديث: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلَّا الله دخل

стр. 4367

الجنة" (١) وشبهه، ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويرثون عنه، ولو كان كافرًا لم يغفر له ولم يورث ولم يرث. نعم يقتل حدًّا وحديث جابر السالف، وكذا حديث بريدة أيضًا يحملان على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه، وهو وجوب القتل، كحديث: "قتال المسلم كفر"، أو على جاحد الوجوب، أو على كفر النعمة، ولأنه عموم دخله التخصيص بحديث عبادة السالف. وإذا قلنا يُقتل، فمتى يُقتل؟ اختلف أصحابنا فيه على أوجه محل الخوض فيها كتب الفروع [وقد أوضحناها فيه، ولله الحمد] (٢).

стр. 4368

الحديث الثاني ٣٥٦/ ٢/ ٦٨ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أول ما يُقضي بين الناس يوم القيامة في الدماء" (١). الكلام عليه من وجوه: أحدها: فيه تعظيم أمر الدماء، فإن البداءة إنما تكون بالأهم فالأهم، وهي حقيقة بذلك، فإن الذنوب تعظم بحسب المفسدة الواقعة بها، أو بحسب فوات المصالح المتعلقة بعدمها. [وهدم] (٢) البنية الإِنسانية من أعظم المفاسد، فإن الله خلقها في أحسن تقويم، وسخر لها ما في السموات وما في الأرض، بل هو أكبر الكبائر بعد الشرك كما نص عليه الشافعي [﵁] (٣)، وهذا إذا

стр. 4369

تجرَّد عن اعتقاد حله في غير محله. الثاني: في سنن أبي داود (١) والنسائي وجامع الترمذي، وقال: حسن من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إن أول ما يحاسب به يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيئًا، قال الرب : انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم تكون سائر أعماله على هذا". ويجمع بين هذا وبين حديث ابن مسعود السالف بأنه فيما بين العبد وبين ربه تعالى، وحديث ابن مسعود فيما بينه وبين العباد. الثالث: فيه القضاء بين: الناس يوم القيامة، وعلمه ﵊ بأحكام الآخرة واطِّلاعه عليه كما هو عالم بأحكام الدنيا.

стр. 4370

الحديث الثالث ٣٥٧/ ٣/ ٦٨ - عن سهل بن أبي حثمة قال: "انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر، وهي يومئذ صلح، فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل -وهو يتشحط في دمه قتيلًا- فدفنه، ثم [أتى] (١) المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي - صلي الله عليه وسلم -، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال (٢) كبر، كبر -وهو أحدث القوم- فسكت. فتكلما، فقال: أتحلفون وتستحقون قاتلكم، أو صاحبكم؟ قالوا: وكيف نحلف، ولم نشهد، ولم نر؟ قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا [فقالوا] (٣): كيف نأخذ بأيمان قوم كفار؟ فعقله النبي - صلي الله عليه وسلم - من عنده" (٤).

стр. 4371

وفي حديث حمّاد بن زيد: فقال رسول الله ﷺ : "يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع برُمَّته، قالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم؟ قالوا: يا رسول الله، قومٌ كفار. وفي حديث سعيد بن عبيد: "فكره رسول الله أن يبطل دمه, فوداه بمائة من إبل الصدقة". الكلام عليه من وجوه: وهو قاعدة عظيمة من قواعد الأحكام، وأصل في القسامة وأحكامها، وهي بفتح القاف وتخفيف السين مشتقة من القسم أو الإِقسام، وهي اليمين التي يحلف بها المدعي للدم عند اللوث. قاله أصحابنا وابن فارس (١) والجوهري (٢). وقال الأزهري (٣): هي اسم للأولياء الذين يحلفون على استحقاق دم المقتول. نقل الرافعي عن (٤) الأئمة أن القسامة في اللغة: اسم للأولياء، وفي لسان الفقهاء: اسم للأيمان. وهذا النقل عن أهل اللغة ليس قولهم كلهم بل بعضهم كما ذكرنا. والصحيح أنها اسم للأيمان. ثم موضع جريان القسامة أن يوجد قتيل لا يوجد قاتله، ولا

стр. 4372

تقوم عليه بينة، ويدعي أهل القتيل قتله على واحد أو جماعة، مع قرينة تشعر بصدق الولي، ويقال له اللوث، فيحلف على ما يدعيه كما سيأتي. الوجه الأول: في التعريف براويه وبالأسماء الواقعة فيه. أما سهل: فسلف التعريف به في باب صلاة الخوف واضحًا. وأما عبد الله بن سهل: فهو أنصاري حارثي، كنيته أبو ليلى، وهو أخو عبد الرحمن -الآتي- قتيل اليهود بخيبر، خرج إليها يمتار تمرًا بعد العصر، فوُجد مقتولًا قبل الليل. قيل: إنه وُجد في عين قد كسرت عنقه مطروحًا فيها. وفي الصحيح: "أنه طرح في فقير أو عين". والفقير: البئر القريبة القعر، الواسعة الفم. وقيل: الحفيرة: التي تكون حول النخل. وأما محيصة: فهو بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر الياء المثناة تحت مشددة على المشهور، ويجوز إسكانها في لغة. وظاهر كلام الشيخ تقي الدين في "شرحه" (١) أنها راجحة. وقال النووي في "شرحه" (٢): اللغتان مشهورتان، وأشهرهما التشديد، وخالف القرطبي فقال في "مفهمه" (٣) المشهور التخفيف، وهو ابن مسعود بن كعب بن عامر بن عدي بن كعب بن مجدعة بن

стр. 4373

حارثة بن الحارث بن الخزرج، أنصاري، حارثي، يُعدّ من أهل المدينة، وكنيته أبو سعيد. له صحبة وغزوات وأحاديث، أسلم قبل الهجرة قبل أخيه حويصة، وكان حويصة أسنّ منه، وكان محيصة أنجب وأفضل. وأسلم حويصة على يد أخيه محيصة، وبعث رسول الله - صلي الله عليه وسلم - محيصة إلى فدك يدعوهم إلى الإِسلام. وأما حويصة: فهو بضم الحاء المهملة وفتح الواو وفي الياء التشديد والتخفيف -كما سلف بما فيه-، وكنيته أبو سعيد أيضًا, وهو شقيق محيصة، وكان سبب إسلامه ما ذكره ابن إسحاق في "مغازيه" عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة كعب بن الأشرف اليهودي الذي كان يؤذي رسول الله ﷺ بشعره ويتبعه ويحرِّض عليه العرب، وهو رجل من بني نَبْهَان من طيء، فلما قتل كعب قال ﵊: "من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه"، فوثب مُحَيْصَة بن مسعود على ابن سُيَيْنَة -رجل من تجّار يهود كان يُلابسهم ويبايعهم- فقتله، وكان حُوَيِّصةُ أخوه إذ ذاك لم يسلم، وكان أسن من مُحَيّصَة، فلما قتله جعل حُوَيِّصةُ يضربه، ويقول: أيْ عدُوَّ الله، أقتلته؟ أما واللهِ لَرُبَّ شحمٍ في بطنك من ماله. قال محيصة: فقلت له: أما والله لقد أمرني بقتله مَنْ لو أمرني بقتلك لضربْتُ عنقك، قال: واللَّهِ لو أمرك بقتلي لقتلتني، قال: نعم، والله لو أمرني بقتلك لقتلتك، قال: والله إن دينًا بلغ بك هذا لعجب، فأسلم حويصة -وكان ذلك أوَّل إسلامه-، فقال محيصة:

стр. 4374

يلوم ابْنُ أُمِّي لو أُمرتُ بقتله ... لَطَبَّقتُ ذِفَرَاهُ بأَبْيَضَ قَاضِبِ حُسامٍ كَلَوْنِ الملح [أُخْلِصَ] (١) صقلُهُ ... متى ما أُصوبه فليس بكاذب وما سرني أني قتلْتُكَ طائعًا ... وأنَّ لنا ما بين بُصرى ومأْرب شهد أُحدًا والخندق وسائر المشاهد مع النبي - صلي الله عليه وسلم -. وأما عبد الرحمن بن سهل: فهو عبد الرحمن بن عمرو بن سهل الأنصاري، ثم الخطمي المدني؛ وهو من بني حارثة. شهد أُحدًا وما بعدها. روى عن عثمان وغيره، وعنه ابنه عمرو وغيره. له حديثان. قال أبو عمر: يقال إنه شهد بدرًا، وكان له فهم وعلم، وهو القائل لأبي بكر لما أعطى الجدة أم الأم دون أم الأب: يا خليفة رسول الله أعطيت الذي لو ماتت لم يرثها وتركت الذي لو ماتت ورثها، فجعله أبو بكر بينهما. قلت: واستعمله عمر على البصرة حين مات عتبة بن غزوان. وأما حمّاد بن زيد فهو عالم أهل البصرة في زمنه أبو إسماعيل حمّاد بن زيد بن درهم الأزدي، البصري، الأزرق، الضرير، الحمصي، مولى جرير بن حازم. سمع خلقًا من التابعين وغيرهم،

стр. 4375

وعنه خلائق من الأئمة والعلماء. قال ابن مهدي: أئمة الناس في زمانهم أربعة: الثوري، ومالك، والأوزاعي، وحماد بن زيد. وقال أحمد: هو أحب إليَّ من حمّاد بن سلمة. وقال أبو زرعة: هو أثبت منه بكثير وأصح حديثًا وأتقن. وُلد سنة ثمان وتسعين، ومات سنة تسع وسبعين ومائة، بعد موت مالك بأشهر، وهو ابن إحدى وثمانين سنة، وصلَّى عليه والي البصرة إسحاق بن سليمان بن علي الهاشمي. وأما سعيد بن عبيد: فهو الطائي الكوفي أبو الهذيل. روى عن بشير بن يسار وسعيد بن جبير وجماعة، وعنه وكيع وجماعة. وثقه أحمد وابن معين والنسائي. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. واعلم أنه وقع في شرح الشيخ تقي الدين (١): سعد بن عبيد، بدل: سعيد، وهو من النساخ، وصوابه سعيد -كما ذكرت-. ووقع في "شرح الفاكهي" على الخطأ أيضًا. ولما رأى بعض الشراح ذلك ترجمه سعيد بن عبيد الزهري -السالف- في باب أفضل الصيام وغيره، فاجتنبه. ووقع في بعض نسخ الكتاب: سعيد بن عبيد، بدل: سعيد بن زيد. فعقد له بعض من تكلم على رجاله ترجمة، وهذا وهم آخر فاحذره، ووهم الصعبي شارح هذا الكتاب وهمًا آخر، فكتب فيما شاهدته من خطه: سعد بن عبيد، ثم ضرب على عبيد وكتب: ابن زيد، فاجتنب ذلك [كله] (٢).

стр. 4376

الوجه الثاني: في بيان ما فيه من الأمكنة والألفاظ: أما خيبر: فتقدم ذكرها في الحديث الخامس من باب الرهن وغيره. وقوله: "فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال: كبر, كبر" كذا في الصحيح. وفيه أيضًا: "فذهب محيصة ليتكلم فقال: كبر، كبر" يريد السن، فتكلم حويصة ثم تكلم محيصة. ومعنى "كبر كبر" ليتكلم الأكبر، وأكَّده بالتكرير تنبيهًا على شرف السن. وقد روعي في الإِمامة وولاية النكاح ندبًا أيضًا، والمراد بكبر السن: القِدم في الإِسلام والسبق إليه والعلم به وممارسة أعماله وأحواله والفقه فيه. ولو كان الشيخ عريًا عن ذلك واتصف الشاب به قدم عليه. وقد قدم وفد على عمر بن عبد العزيز، فتقدَّم شاب للكلام، فقال له عمر: كبر، كبر؛ فقال: يا أمير المؤمنين لو كان الأمر بالسن لكان هنا من هو أولى بالخلافة منك. فقال: تكلم، فتكلم، فأبلغ وأوجز. وكلام عبد الرحمن على رواية الكتاب لم يكن حقيقة دعوى يترتب عليها الحكم، إذ لو كان دعوى لما قدم حويصة ومحيصة عليه لأنه أخوه، وهما ابنا عمه لا حق لهما في المطالبة به مع وجوده، وإنما هو بيان وشرح للواقعة والأكبر أفقه وأعلم بذلك خصوصًا في مخاطبة الكفار (١)، فإذا أراد حقيقة الدعوى تكلم صاحبها. قاله النووي في "شرحه" (٢) قال: ويحتمل أن عبد الرحمن وكلهما في الدعوى

стр. 4377

ومساعدته أو أمر بتوكيله حيث أمر بالتفويض في المطالبة إلى الأكبر، واستبعد غيره ممن أدركناه هذا الاحتمال، وقال: لو كان ثم توكيل لنقل، والأحسن أنه ﵊ لم يعلم أن عبد الرحمن أخص منهما بالكلام، وأن أخاه هو المقتول، وأنهم أتوا بسبب ذلك، وإنما لما جاؤوه مجتمعين فهم من حالهم أنهم أتوه في أمر يشملهم ولم يعلم السبب الذي جاء بهم. فلما رأى أصغر الأخوين بدأ بالكلام نبه على أن الأكبر أولى بذلك. وقول النووي (١): إنه لم يكن المراد بالكلام حقيقة الدعوى. قد يرده قوله ﵊ بعد ذلك بنحو صفحة أن فيه جواز الدعوى في الدماء من غير حضور الخصم (٢). إلا أن يقال أن الظاهر وقوع دعوى بعد هذا، فلا يرد ذلك عليه. وقوله ﵊: "أتحلفون وتستحقون قاتلكم، أو صاحبكم" إن قلت: كيف عرضت اليمين على الثلاثة, وإنما اليمين للوارث خاصة وهو عبد الرحمن دونهما؟ فالجواب كما قاله النووي في "شرحه" (٣) أنه كان معلومًا عندهم أن اليمين تختص بالوارث، فأطلق الخطاب لهم؛ والمراد من يختص به اليمين، واحتمل ذلك لكونه معلومًا عند المخاطبين؛ كما سمع كلام الجميع في قتله وكيفية ما جرى له، وإن كانت حقيقة الدعوى وقت الحاجة مختصة بالوارث.

стр. 4378

قلت: [و] (١) هو جواب حسن، لكن ظاهر قوله ﵊: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم" يخدشه، نعم هو مؤول كما سيأتي، [ولم] (٢) تأوله المالكية، بل قالوا به، وأنه إذا كان ولي الدم وأحد يستعين بعصبته في الأيمان فيحلفون معه وإن لم يكن لهم ولاية. ومعنى "تستحقون قاتلكم، أو صاحبكم": يثبت حقكم على من حلفتم عليه، وهل ذلك الحق قصاص أو دية فيه خلاف بين العلماء -كما سيأتي-. وقوله: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم" لابد من تأويله, لأن اليمين إنما تجب على الوارث خاصة لا على غيره من القبيلة وتأويله عند أصحابنا أن معناه يؤخذ منكم خمسين يمينًا، والحالف لها هو الوارث. وقوله: "فتبرئكم يهود" هو مرفوع لا يصرف، لأنه اسم للقبيلة والطائفة، ففيه التأنيث والعلمية. ومعنى "تبرئكم يهود بخمسين يمينًا": أي تبرأ إليكم من دعواكم بذلك. وقيل: معناه يخلصونكم من اليمين بأن يحلفوا، فإذا حلفوا انتهت الخصومة ولم يثبت عليهم شيء وخلصتم أنتم من اليمين. "الرُّمّة" بضم الراء وتشديد الميم المفتوحة، أصلها: الحبل الذي يكون في عنق البعير أو الأسير ليسلم به من يقوده به، شُبِّه به

стр. 4379

القاتل لتسليمه إلى ولي المقتول للقتل، والجمع: رمم ورمام. وأما الرِّمة بالكسر: فالعظم البالي. يقال: رمم العظم وأرم: إذا بلي. والرميم: الشيء التالف المتفتِّت كالورق المهشَّم؛ ومنه قوله تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ (١). وقولهم: "كيف نأخذ بأيمان قوم كفار" هو استبعاد لصدقهم وتقريب لإِقدامهم على الكذب وجرأتهم على الأيمان الفاجرة. ومعنى "عقله": [أعطى] (٢) عقله، أي ديته: وسُمِّيت الدية عقلًا لأن الإِبل كانت تعقل بفناء المستحقين. "ووداه" بتخفيف الدال: أي دفع ديّته. ومعنى "كره أن يبطل دمه"، أي يجعله هدرًا. الوجه الثاني: في أحكامه: الأول: إثبات القسامة، وهو كما قال القاضي عياض: أصل من أصول الشرع وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار الحجازيين والشاميين والكوفيين وغيرهم، وإن اختلفوا في كيفية الأخذ به. وروي عن جماعة إبطال القسامة، وأنه لا حكم لها ولا عمل بها، منهم: سالم بن عبد الله، والحكم بن عتبة، وقتادة، وأبو قلابة، ومسلم بن خالد، وابن علية، والبخاري. . . . وغيرهم.

стр. 4380

وعن عمر بن عبد العزيز روايتان كالمذهبين، وكذا عن سلمان بن يسار، والصحيح عنه العمل به كما قال القرطبي (١). واختلف قول مالك في جواز القسامة في القتل خطأ، كذا حكاه القاضي عياض، ونوقش في ذلك، وأنه إنما اختلف في قوله في قتل الخطأ مع قول الميت: فلان قتلني، لا فيما إذا كان اللوث غير ذلك. واختلف القائلون بها فيما إذا كان القتل عمدًا هل يجب القصاص بها؟ فقال معظم الحجازيين: يجب، وهو قول الزهري، وربيعة، وأبي الزناد، ومالك وأصحابه، والليث، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود. وهو قول الشافعي في القديم. وروي عن ابن الزُّبير وعمر بن عبد العزيز. قال أبو الزناد: قتلنا بها وأصحاب رسول الله - صلي الله عليه وسلم - متوافرون، إني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان. والذي قال بهذا جعل له شرطين: أحدهما: ما يقتضي القصاص في الدعوى. والثاني: المكافأة في القتل، وشبهوا القتل بها باليمين المراودة في استحقاق ما ادعى به. وقال الكوفيون والشافعي في أصح قوليه: لا يجب بها القصاص، وإنما تجب الدية.
следующие страницы →