← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

الوجه الثاني: في بيان ما فيه من الأمكنة والألفاظ: أما خيبر: فتقدم ذكرها في الحديث الخامس من باب الرهن وغيره. وقوله: "فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال: كبر, كبر" كذا في الصحيح. وفيه أيضًا: "فذهب محيصة ليتكلم فقال: كبر، كبر" يريد السن، فتكلم حويصة ثم تكلم محيصة. ومعنى "كبر كبر" ليتكلم الأكبر، وأكَّده بالتكرير تنبيهًا على شرف السن. وقد روعي في الإِمامة وولاية النكاح ندبًا أيضًا، والمراد بكبر السن: القِدم في الإِسلام والسبق إليه والعلم به وممارسة أعماله وأحواله والفقه فيه. ولو كان الشيخ عريًا عن ذلك واتصف الشاب به قدم عليه. وقد قدم وفد على عمر بن عبد العزيز، فتقدَّم شاب للكلام، فقال له عمر: كبر، كبر؛ فقال: يا أمير المؤمنين لو كان الأمر بالسن لكان هنا من هو أولى بالخلافة منك. فقال: تكلم، فتكلم، فأبلغ وأوجز. وكلام عبد الرحمن على رواية الكتاب لم يكن حقيقة دعوى يترتب عليها الحكم، إذ لو كان دعوى لما قدم حويصة ومحيصة عليه لأنه أخوه، وهما ابنا عمه لا حق لهما في المطالبة به مع وجوده، وإنما هو بيان وشرح للواقعة والأكبر أفقه وأعلم بذلك خصوصًا في مخاطبة الكفار (١)، فإذا أراد حقيقة الدعوى تكلم صاحبها. قاله النووي في "شرحه" (٢) قال: ويحتمل أن عبد الرحمن وكلهما في الدعوى

стр. 4377

ومساعدته أو أمر بتوكيله حيث أمر بالتفويض في المطالبة إلى الأكبر، واستبعد غيره ممن أدركناه هذا الاحتمال، وقال: لو كان ثم توكيل لنقل، والأحسن أنه ﵊ لم يعلم أن عبد الرحمن أخص منهما بالكلام، وأن أخاه هو المقتول، وأنهم أتوا بسبب ذلك، وإنما لما جاؤوه مجتمعين فهم من حالهم أنهم أتوه في أمر يشملهم ولم يعلم السبب الذي جاء بهم. فلما رأى أصغر الأخوين بدأ بالكلام نبه على أن الأكبر أولى بذلك. وقول النووي (١): إنه لم يكن المراد بالكلام حقيقة الدعوى. قد يرده قوله ﵊ بعد ذلك بنحو صفحة أن فيه جواز الدعوى في الدماء من غير حضور الخصم (٢). إلا أن يقال أن الظاهر وقوع دعوى بعد هذا، فلا يرد ذلك عليه. وقوله ﵊: "أتحلفون وتستحقون قاتلكم، أو صاحبكم" إن قلت: كيف عرضت اليمين على الثلاثة, وإنما اليمين للوارث خاصة وهو عبد الرحمن دونهما؟ فالجواب كما قاله النووي في "شرحه" (٣) أنه كان معلومًا عندهم أن اليمين تختص بالوارث، فأطلق الخطاب لهم؛ والمراد من يختص به اليمين، واحتمل ذلك لكونه معلومًا عند المخاطبين؛ كما سمع كلام الجميع في قتله وكيفية ما جرى له، وإن كانت حقيقة الدعوى وقت الحاجة مختصة بالوارث.

стр. 4378

قلت: [و] (١) هو جواب حسن، لكن ظاهر قوله ﵊: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم" يخدشه، نعم هو مؤول كما سيأتي، [ولم] (٢) تأوله المالكية، بل قالوا به، وأنه إذا كان ولي الدم وأحد يستعين بعصبته في الأيمان فيحلفون معه وإن لم يكن لهم ولاية. ومعنى "تستحقون قاتلكم، أو صاحبكم": يثبت حقكم على من حلفتم عليه، وهل ذلك الحق قصاص أو دية فيه خلاف بين العلماء -كما سيأتي-. وقوله: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم" لابد من تأويله, لأن اليمين إنما تجب على الوارث خاصة لا على غيره من القبيلة وتأويله عند أصحابنا أن معناه يؤخذ منكم خمسين يمينًا، والحالف لها هو الوارث. وقوله: "فتبرئكم يهود" هو مرفوع لا يصرف، لأنه اسم للقبيلة والطائفة، ففيه التأنيث والعلمية. ومعنى "تبرئكم يهود بخمسين يمينًا": أي تبرأ إليكم من دعواكم بذلك. وقيل: معناه يخلصونكم من اليمين بأن يحلفوا، فإذا حلفوا انتهت الخصومة ولم يثبت عليهم شيء وخلصتم أنتم من اليمين. "الرُّمّة" بضم الراء وتشديد الميم المفتوحة، أصلها: الحبل الذي يكون في عنق البعير أو الأسير ليسلم به من يقوده به، شُبِّه به

стр. 4379

القاتل لتسليمه إلى ولي المقتول للقتل، والجمع: رمم ورمام. وأما الرِّمة بالكسر: فالعظم البالي. يقال: رمم العظم وأرم: إذا بلي. والرميم: الشيء التالف المتفتِّت كالورق المهشَّم؛ ومنه قوله تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ (١). وقولهم: "كيف نأخذ بأيمان قوم كفار" هو استبعاد لصدقهم وتقريب لإِقدامهم على الكذب وجرأتهم على الأيمان الفاجرة. ومعنى "عقله": [أعطى] (٢) عقله، أي ديته: وسُمِّيت الدية عقلًا لأن الإِبل كانت تعقل بفناء المستحقين. "ووداه" بتخفيف الدال: أي دفع ديّته. ومعنى "كره أن يبطل دمه"، أي يجعله هدرًا. الوجه الثاني: في أحكامه: الأول: إثبات القسامة، وهو كما قال القاضي عياض: أصل من أصول الشرع وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار الحجازيين والشاميين والكوفيين وغيرهم، وإن اختلفوا في كيفية الأخذ به. وروي عن جماعة إبطال القسامة، وأنه لا حكم لها ولا عمل بها، منهم: سالم بن عبد الله، والحكم بن عتبة، وقتادة، وأبو قلابة، ومسلم بن خالد، وابن علية، والبخاري. . . . وغيرهم.

стр. 4380

وعن عمر بن عبد العزيز روايتان كالمذهبين، وكذا عن سلمان بن يسار، والصحيح عنه العمل به كما قال القرطبي (١). واختلف قول مالك في جواز القسامة في القتل خطأ، كذا حكاه القاضي عياض، ونوقش في ذلك، وأنه إنما اختلف في قوله في قتل الخطأ مع قول الميت: فلان قتلني، لا فيما إذا كان اللوث غير ذلك. واختلف القائلون بها فيما إذا كان القتل عمدًا هل يجب القصاص بها؟ فقال معظم الحجازيين: يجب، وهو قول الزهري، وربيعة، وأبي الزناد، ومالك وأصحابه، والليث، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود. وهو قول الشافعي في القديم. وروي عن ابن الزُّبير وعمر بن عبد العزيز. قال أبو الزناد: قتلنا بها وأصحاب رسول الله - صلي الله عليه وسلم - متوافرون، إني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان. والذي قال بهذا جعل له شرطين: أحدهما: ما يقتضي القصاص في الدعوى. والثاني: المكافأة في القتل، وشبهوا القتل بها باليمين المراودة في استحقاق ما ادعى به. وقال الكوفيون والشافعي في أصح قوليه: لا يجب بها القصاص، وإنما تجب الدية.

стр. 4381

وروي عن الصديق، والفاروق، وابن عباس، ومعاوية، والحسن البصري، والشعبي، والنخعي، وعثمان البتي، والحسن بن صالح، وإسحاق؛ واستدل لذلك بقوله ﵊ في الصحيح: "إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب" فإنه يدل على أن المستحق دية لا قود، ولأنه لم يتعرض للقصاص؛ لكن الاستدلال بقوله ﵊ فيما مضى فيدفع "برمته" أقوى من الاستدلال بقوله: "وتستحقون دم صاحبكم", لأن قولنا "يدفع برمته" [مستعمل] (١) في دفع القاتل للأولياء للقتل، و [لو] (٢) أن الواجب الدية لبعد استعمال هذا اللفظ [فيها] (٣)، وهو [في] (٤) استعماله في تسليم القاتل أظهر، والاستدلال بقوله: "دم صاحبكم" كما ثبت في الصحيح من رواية الكتاب: "تستحقون قاتلكم، أو صاحبكم" لأن هذا اللفظ الأخير لابد فيه من إضمار، فيحتمل أن يضمر: "دية صاحبكم". [إضمارًا] (٥) ظاهرًا، وإنما بعد التصريح بالدم، فيحتاج إلى تأويل اللفظ، بإضمار بدل "دم صاحبكم"، والإِضمار على خلاف الأصل، ولو احتيج إلى الإِضمار لكان حمله على ما يقتضي إراقة الدم أقرب، والمسألة مستشنعة عند المخالفين لهذا المذهب،

стр. 4382

أو بعضهم، فربما أشار بعضهم إلى احتمال أن يكون المراد بقوله: "دم صاحبكم" هو القتيل لا القاتل، ويرده قوله: "دم صاحبكم أو قاتلكم". ثم اختلفوا فيمن يحلف في القسامة، فقال مالك والشافعي والجمهور: يحلف الورثة ويجب الحق بحلفهم خمسين يمينًا، واحتجوا بهذا الحديث الصحيح، وفيه التصريح بالابتداء بالمدعى وهو ثابت من طرق كثيرة صحاح لا يندفع، وقال مالك: الذي أجمعت عليه الأمة قديمًا وحديثًا أن المدَّعين يبدؤون في القسامة، ولأن جنبة المدعي صارت قوية باللوث. قال القاضي (١): وضعف هؤلاء رواية من روى الابتداء بيمين المدعى عليهم. قال أهل الحديث: هذه الرواية وهم من الراوي، لأنه أسقط الابتداء بيمين المدعى عليهم، ولم يذكر رد اليمين، ولأن من روى الابتداء بالمدعين معه زيادة علم ورواياتها صحاح من طرق كثيرة مشهورة توجب العمل بها ولا يعارضها رواية من نسي. قال: وكل من لم يوجب القصاص واقتصر على الدية بدأ بيمين المدعى عليهم إلا الشافعي وأحمد، فقالا بقول الجمهور، وأنه يبدأ بيمين المدعي، فإن نكل ردت على المدعى عليه. وأجمع العلماء: على أنه لا يجب قصاص ولا دية بمجرد الدعوى حتى يقترن بها شبهة يغلب الظن بالحكم بها. واختلفوا في هذه الشبهة المعتبرة الموجبة للقسامة؛ لها سبع صور:

стр. 4383

الأولى: أن يقول المقتول في حياته دمي عند فلان. وهو قتلني أو ضربني وإن لم يكن به أثرًا وفعل بي هذا من إنفاذ مقاتلي أو جرحني، ويذكر العمد، فهذا موجب للقسامة عند مالك والليث، وادعى مالك: أنه مما أجمع عليه الأئمة [حديثًا وقديمًا] (١). قال القاضي (٢): ولم يقل بهذا من فقهاء الأمصار غيرهما ولا روي عن غيرهما، وخالفا في ذلك العلماء كافة، فلم ير أحد غيرهما في هذا قسامة، واشترط بعض المالكية وجود الأثر والجرح في كونه قسامة. واحتج مالك في ذلك بقصة بني إسرائيل، وقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ (٣)، قالوا: فحي الرجل وأخبر بقاتله. واحتج أصحابه: بأن تلك حالة تطلب فيها غفلة الناس، فلو شرطنا الشهادة وأبطلنا قول المجروح أدى ذلك إلى إبطال الدماء غالبًا. قالوا: ولأنها حالة يتحرى فيها المجروح الصدق، ويتجنب الكذب والمعاصي، ويتزوَّد البر والتقوى، فوجب قبول قوله. وقال الباجي (٤): إن قيل ذلك -أعني ما سلف من قصة بني إسرائيل- أنه قيل: إنما الآية في إحيائه، وإذا صار حيًا لم يكن كلامه آية؛ وهذا مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا إلا ما ثبت نسخه.

стр. 4384

قال أبو عمر (١): هذه غفلة شديدة, لأن هذه الآية لا تصح إلا لنبي، أو بحضرة نبي، وقتيل بني إسرائيل لم يقسم عليه أحد بيمين واحدة ولا خمسين، وقد أجمعوا أن شرعة المسلمين وسنتهم في الدماء والأموال لا يقضى فيها بالدعاوى المجردة، وأن المقتول لو قال عند موته: دمي عند فلان، ولي على فلان درهم فما فوقه لم يقبل قوله في الدرهم. واختلفت المالكية: في أنه هل يكتفى في الشهادة على قوله بشاهد أم لابد من اثنين؟ حكاه القاضي عنهم، ونقل غيره أن المشهور الثاني. واختلفوا أيضًا إذا لم يقم على الضرب أو الجرح إلا شاهد واحد. فقال ابن القاسم: يقسم معه. وقال غيره: لا يقسم حتى يثبت أصل الجرح أو الضرب. الثانية: اللوث من غير بيِّنة على معاينة القتل، وبهذا قال مالك والليث والشافعي: ومن اللوث شهادة العدل وحده. وكذا قال جماعة ليسوا عدولًا، وفي الواحد غير العدل خلاف عن مالك، وجعل الليث وربيعة ويحيى بن سعيد شهادة العبيد والصبيان والذميين لوثًا. وقال بعض المالكية: شهادة الصبيان والنساء لوث وأباه أكثرهم.

стр. 4385

الثالثة: إذا شهد عدلان بالجرح فعاش بعده أيامًا ثم مات قبل أن يفيق منه، قال مالك والليث: هو لوث، أي إذا لم ينفذ مقاتله عند مالك. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا قسامة هنا، بل يجب القصاص بشهادة [العدلين] (١). [الرابعة] (٢): يوجد المتهم عند المقتول، أو قريبًا منه، أو آت من جهته ومعه آلة القتل، وعليه أثر من لطخ دم وغيره، وليس هناك سبع ولا غيره. مما يمكن إحالة القتل عليه أو تفرق جماعة عن قتيل، فهذا لوث موجب للقسامة عند مالك والشافعي. [الخامسة] (٣): أن تقتتل طائفتان فيوجد بينهما قتيل، ففيه القسامة عند مالك والشافعي. وعن مالك رواية: أنه لا قسامة، بل فيه دية على الطائفة الأخرى إن كان من الطائفتين، وإن كان من غيرهما فعلى الطائفتين ديته. وقال أحمد وإسحاق: ديته على الفئة المنازعة، فإن عينوا رجلًا ففيه القسامة. [السادسة] (٤): أن يوجد الميت في زحمة الناس. قال الشافعي: تثبت فيه القسامة وتجب بها الدية.

стр. 4386

وقال مالك: هو هدر. وقال الثوري وإسحاق: تجب ديته في بيت المال. وروى مثله عن عمر وعلي. [السابعة] (١): أن يوجد في محلة قوم أو قبيلتهم أو مسجدهم. فقال مالك والليث والشافعي وأحمد وداود وغيرهم: لا تثبت بمجرد هذا قسامة، بل القتيل هدر، لأنه [لا] (٢) يقتل الرجل الرجل ويلقيه في محلة طائفة ليست لهم ليلطخهم به. قال الشافعي: إلا أن يكون في محلة أو قرية صغيرة. [لا عداية] (٣) لا يساكنهم غيرهم فيكون كالقصة التي جرت بخيبر، فحكم ﵊ بالقسامة لورثة القتيل لما كان بين الأنصار وبين اليهود من العداوة، ولم يكن هناك سواهم. وعن أحمد نحو قول الشافعي، وتأوله بعضهم على مذهب مالك. وقال أبو حنيفة والثوري ومعظم الكوفيين: وجود القتيل في المحلة والقرية يوجب القسامة، ولا تثبت القسامة عندهم في شيء من الصور السبعة إلا بهذا، لأنها عندهم في الصورة التي حكم بها النبي - صلي الله عليه وسلم - فيها بالقسامة، ولا قسامة عندهم إلا إذا وجد القتيل وبه أثر.

стр. 4387

قالوا: فإن وجد القتيل في مسجد حلف أهل المحلة ووجبت الدية في بيت المال، وذلك إذا ادعوا على أهل المحلة. وقال الأوزاعي: وجود القتيل في المحلة يوجب القسامة، وإن لم يكن عليه أثر، ونحوه عن داود، وقال: لا أقضي بالقسامة في شيء إلا في الدعوى في العمد دون الخطأ على أهل القرية الكبيرة أو المدينة وهم أعداء المقتول. الثاني: من أحكام الحديث اشتراط وجود الدم في إيجاب القسامة صريحًا، والجراحة ظاهرًا لوجود عبد الله بن سهل يتخبَّط في دمه قتيلًا، وحكمه ﵊ بالقسامة بسببه وقد قدمنا في الصورة الأولى عن بعض المالكية اشتراط الأثر والجرح. وقال أصحابنا: لا يشترط وجود دم ولا جراحة، فإن القتل قد يحصل بالخنق، وعصر الخصية، والقبض على مجرى النفس؛ فيقوم أثرهما مقام الجراحة. وقال أبو حنيفة: إن لم تكن جراحة ولا دم فلا قسامة، وإن وجدت الجراحة ثبتت القسامة، وإن وجد الدم دونها؛ فإن خرج من أنفه فلا قسامة، وإن خرج من أذنه أو فمه ثبتت. قال الرافعي: وهو وإن شرط الجراحة أو الدم في القسامة فلا يجعل الخلو عنها مبطلًا للوث، واللوث غير معتبر عنده، وليست القسامة عنده كهي عندنا. الثالث: فضيلة السنن عند التساوي في الفضائل، وقد سلف واضحًا.

стр. 4388

الرابع: البداءة في القسامة بيمين المدعي، وهو مذهب أهل الحجاز، ونقل عن أبي حنيفة خلافه. وهو مخالف لما اقتضاه الحديث، وقدم المدعي هاهنا باليمين على -خلاف قياس الخصومات- بما انضاف إلى دعواه من شهادة اللوث، مع عظم قدر الدماء، ولينبّه على أنه ليس كل واحد من هذين المعنيين بعلة مستقلة، بل كل واحد جزء علة. الخامس: تعدد الأيمان في القسامة، وأنها خمسون، والحكمة في تعددها أن تصديق المدعي على خلاف الظاهر، فأكد بالعدد لتعظيم شأن الدم، فلو كانت الدعوى في غير محل اللوث وتوجهت اليمين على المدعى عليه، ففي تعددها خمسين، قولان للشافعي أظهرها نعم لتعظيم شأن الدم. ونقل مقابله عن أبي حنيفة لأنها يمين في جانب المدعى عليه لقطع الخصومة، فلا تغلظ بالعدد كسائر الدعاوى. السادس: أن المدعي في محل القسامة إذا نكل غلظت اليمين، فالتعداد على المدعى عليه. وهو أصح الطريقين عند الشافعية، لقوله ﵊: "فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا" جعل أيمان المدعى عليهم بعد أيمان المدعين. والطريق الثاني: طرد القولين المذكورين في المسألة قبلها لأن نكوله يبطل اللوث، فكأنه لا لوث. السابع: صحة يمين الكافر، والفاسق أولى بالصحة منه. ومشهور مذهب مالك أن الكافر إنما يحلف بالله الذي لا إله إلَّا هو سواء كان يهوديًا، أو نصرانيًا، أو غيرهما من الأديان كما يحلف

стр. 4389

المسلم، وعنه أن اليهودي يحلف بالله الذي أنزل التوراة على موسى، والنصراني بالله الذي أنزل الإِنجيل على عيسى، ويحلف في المواضع التي يعتقد [تحريمها] (١) الناس أن القسامة يجب بها القصاص، وقد سلف ما فيه. التاسع: أن القسامة إنما تكون على واحد، لقوله ﵊: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم". وبه قال مالك وأحمد, لأنه لو قتل أكثرُ من واحد، لم يتعين أن يقسم على واحد منهم، وخالف فيه المغيرة بن عبد الرحمن من أصحاب مالك. وقال أشهب وغيره: يحلف الأولياء على ما شاؤوا, ولا يقتلون إلَّا واحدًا. وقال الشافعي: إن ادعوا على جماعة حلفوا عليهم [وثبتت عليهم الدية على الصحيح عند الشافعي، وعلى قول يجب القصاص عليهم] (٢)، وإن حلفوا على واحد استحقوا عليه وحده. العاشر: أنه لو تعدد المدَّعون في محل القسامة، حلف كل واحد منهم خمسين يمينًا، لقوله ﵊: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم"، ومعناه: يقسم كل واحد من الخمسين القَسم المشروع في ذلك، وهو خمسون يمينًا، وهو أحد قولي الشافعي،

стр. 4390

وأصحَّهما: أنها توزع عليهم بحسب الإِرث، ويوزع الكسر، فلو كان الوارث ثلاثة مثلًا حلف كل واحد سبعة عشر، ثم الحالفون هم ورثة الدم، فلا يحلف غيرهم من الأقارب، وسواء كان الوارث ذكرًا أم أنثى، وسواء كان القتل عمدًا أم خطأ؛ وهذا مذهب الشافعي، وبه قال أبو ثور وابن المنذر، ووافق مالك فيما إذا كان القتل خطأ، أما إذا كان عمدًا فقال: يحلف الأقارب خمسين يمينًا ولا يحلف النساء ولا الصبيان، ووافقه ربيعة والليث والأوزاعي وأحمد وداود وأهل الظاهر، واحتج الشافعي بقوله: "أتحلفون وتستحقون قاتلكم، أو صاحبكم"، فجعل الحالف هو المستحق للدية أو القصاص، ومعلوم أن غير الوارث لا يستحق شيئًا فدل على أن المراد حلف من يستحق الدية. الحادي عشر: قد يؤخذ من قوله: "يقسم خمسون منكم" ما إذا كانوا أكثر من خمسين أنه لا يحلف منهم إلا القدر المذكور. وقد اختلف عن مالك في ذلك هل يحلف كلهم يمينًا [. . .] (١) أو يقتصر منهم على خمسين. قال القرطبي (٢): هذا هو الأولى، لأن "من" للتبعيض والخطاب لجميع الأولياء، فأفاد ذلك أنه إذا حلف منهم خمسون أجزأ.

стр. 4391

الثاني عشر: جريان القسامة في قتل الحر، فإن الحديث ورد به، وفي إلحاق العبد به قولان للشافعي مأخذهما شرف الحرية أو الدماء، والأصح نعم، ونقل عن أبي حنيفة أيضًا. الثالث عشر: جريانها في النفس الكاملة، وهل يجري فيما دون النفس من الأطراف والجراحات؟ مذهب مالك: لا. وفي مذهب الشافعي قولان كما حكاه الشيخ تقي الدين (١)، والذي نعرفه من مذهبه الجزم في الطرف والجراحات كمذهب مالك. وحكى الروياني وجهًا في الأطراف، وغلط قائله ومنشأ الخلاف أن وصف كونها نفسًا له أثرٌ أم لا، وكون هذا الحكم على خلاف القياس يقوي الاقتصار على مورده. الرابع عشر: جواز الحكم على الغائب وسماع الدعوى في الدماء من غير حضور الخصم، وقد سلف ما فيه. الخامس عشر: جواز اليمين بالظن الراجح وإن لم يوجد القطع، وإنما عرض ﵊ اليمين إن وجد فيهم هذا الشرط؛ ولهذا قالوا: كيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟. السادس عشر: إن الحكم بين المسلم والكافر يكون بحكم الإِسلام في الاحتساب بيمينه، والاكتفاء بها، وأن يمين المشرك مسموعة على المسلمين، كيمين المسلم عليه. قال الشيخ تقي الدين (٢): ومن نقل من الناس عن مالك أن أيمانهم لا تسمع على

стр. 4392

المسلمين كشهادتهم، فقد أخطأ قطعًا في هذا الإطلاق، بل هو خلاف الإِجماع الذي لا يعرف غيره؛ لأنه في الخصومات إذا اقتضت توجيه اليمين على المدعى عليه حلف، وإن كان كافرًا. السابع عشر: نظر الإِمام في المصالح العامة والاهتمام بإصلاح ذات البين. الثامن عشر: جواز دفع الدية إلى أولياء المقتول من بيت المال، ويجعل قول الراوي: "فوداه من عنده"، أي من بيت المال المعدّ للمصالح مع احتمال أنها من خالص ماله ﵊. واستدل به الإِمام أبو إسحاق المروزي -من أصحابنا- على جواز صرفها من إبل الزكاة، أي ويجوز صرفها في مثل هذا لأنه من المصالح العامة، وجعل بعضهم ذكر إبل الصدقة غلطًا من الرواة لأنها مستحقة لأصناف الزكاة. وحمله الجمهور من أصحابنا وغيرهم على أنه اشتراها من أهل الصدقات بعد أن ملكوها ثم دفعها إلى أهل القتيل تبرعًا وهو المختار، وقريب منه أنه تسلفها من مال الصدقة ليؤدِّيها من مال الفيء. وحكى القاضي: عن بعض العلماء أنه يجوز صرف الزكاة في المصالح العامة، وتأول هذا الحديث وتأوله بعضهم على أن أولياء المقتول كانوا محتاجين ممن تباح لهم الزكاة، وأبطلها النووي في "شرحه لمسلم" (١) بأن قال: هذا قدر كبير لا يدفع

стр. 4393

إلى الواحد الخامل من الزكاة بخلاف أشراف القبائل، ولأنه سماه دية. وتأوله بعضهم على أنه دفعه من سهم المؤلفة من الزكاة ائتلافًا لليهود، ولعلهم يسلمون، وضعفه النووي أيضًا بأن الزكاة لا يجوز صرفها إلى كافر، ويحتمل أن يكون أولياء القتيل مستحقين للصدقات، فأعطاها إياهم في صورة الدية تسكينًا لنفرتهم وجبرًا لهم مع أنهم يستحقون لها. ذكره القرطبي (١). ورأيت من يجيب بجوابين آخرين، أحدهما: لعله أراد بالصدقة الفيء لأنه مرصد للمصالح. ثانيها: لعل ذلك كان قبل نزول بيان مصارف الصدقة في سورة براءة، لأنها من آخر ما نزل من القرآن. التاسع عشر: أن الدية من الإِبل. العشرون: أن من وجبت عليه يمين في دعوى فنكل أن المدعي لا يستحق شيئًا حتى يرد عليه؛ وهو قول مالك والشافعي. ويُروى عن عمر وعثمان وجماعة من السلف، لقوله ﵊: "فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا". وقال الكوفيون وأحمد: ويقضى بالنكول دون رد اليمين. وقال ابن أبي ليلى: يؤخذ باليمين.

стр. 4394

خاتمة: أول من قضى بالقسامة -على ما حكاه ابن قتيبة في "معارفه"- الوليد بن المغيرة في الجاهلية، فأقرها ﵊ في الإِسلام. وفي "مصنف عبد الرزاق" (١) أن أول من كانت فيه القسامة في الإِسلام عبد الله بن سهل، وذكر ابن زبالة أنه ﵊ قضى بذلك في مسجد بني حارثة من الأوس.

стр. 4395

الحديث الرابع ٣٥٨/ ٤/ ٦٨ - عن أنس بن مالك ﵁: "أن جارية وجد رأسها مرضوضًا بين حجرين، فقيل: من فعل هذا بكِ؟ فلان؟ فلان؟ حتى ذكر يهودي، فأومأت برأسها، فأُخذ اليهودي فاعترف، فأمر النبي - صلي الله عليه وسلم - أن يُرضّ رأسه بين حجرين". ولمسلم والنسائي عن أنس: "أن يهوديًا قتل جارية على أوضاحٍ، فأقاده رسول الله - صلي الله عليه وسلم -" (١). الكلام عليه من وجوه: الأول: هذه الرواية التي عزاها لمسلم ليست فيه بهذا اللفظ، وإنما لفظه: "فقتله رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بين حجرين"، وهي بهذا اللفظ في البخاري أيضًا. وترجم على الحديث: "إذا قتل بحجر أو

стр. 4396

بعصى (١). ومن أقاد بالحجر (٢). وقتل الرجل بالمرأة (٣). وإذا أقر بالقتل مرة قتل به (٤). والإِشارة في الطلاق والأمور" (٥). رواه فيه معلقًا، وفيه أنه ﵊ قال لها: "من قتلك؟ فلان؟ -لغير الذي قتلها- فأشارت برأسها أن لا. قال: فقال لرجل آخر -غير الذي قتلها- فأشارت أن لا. فقال: ففلان؟ -لقاتلها- فأشارت أن نعم، فأمر به رسول الله - صلي الله عليه وسلم - فرُضخ رأسه بين حجرين". نعم هو في النسائي باللفظ الذي عزاه إليه. الثاني: هذه الجارية وقاتلها لا أعرف اسمها بعد الفحص عنه، وفي الصحيح أن الجارية من الأنصار، والظاهر من قتلها كان غيلة، لأنه أخذ حليها. الثالث: الأوضاح بالضاد المعجمة: حلي من فضة يُتحلَّى به. وقد ذكر في الصحيح أيضًا: مكانها "الحلي" سُميت بذلك لبياضها. واحدها: وضح. وقيل: إنه حلي من حجارة. حكاه القاضي. و"الرض": الكسر غير المبان،

стр. 4397

ومعنى "بين حجرين": أنه وضع رأسها على حجر ورمى بآخر، وفعل به مثل ذلك. وفي الصحيح: "أنه رضخ رأسه بين حجرين"، وفيه: "أنه رجمه بالحجارة"، والمعنى واحد لأنه إذا وضع رأسه على حجر ورضّ بآخر فقد رجم، ورض، ورضخ، وقد يكون رجمه نوعًا مما فعل بها؛ فإن في الصحيح: "أنه ألقاها في القليب"، وهي البير غير المطوية "ورضخ رأسها بالحجارة". وهذا رجم لا شك فيه، وهذا أولى من ادعاء تعدد الواقعة. الرابع في أحكامه: الأولى: قتل الرجل بالمرأة، وهو إجماع من يعتد به. وعن عليّ أنه إذا قتل بها أخذ نصف الدية إن شاءوا وإلا أخذوا الدية. قال ابن عبد البر (١): ولا يصح، وروي ذلك عن الحسن، واختُلف فيه عن عطاء، وبه قال البتي. الثاني: قتل الذمي والمعاهد والمستأمن بالمسلم. الثالث: جواز سؤال الجريح من جرحك؟ لفائدة تعرف الجارح من بين المتهمين ليطالب، فإن أقرّ ثبت عليه القتل كما جرى لليهودي من أخذه واعترافه، فلو أنكر فالقول قوله مع يمينه ولا يلزمه بمجرد قول المجروح شيء، وهو قول جمهور العلماء. وقال مالك: يثبت القتل بمجرد قول المجروح على المتهم تعلقًا بهذا الحديث وهو غريب، فإن اليهودي لم يقتل إلا باعترافه لا بمجرد قول المجروح. لا جرم قال النووي (٢): إنه تعلُّق باطل.

стр. 4398

ورأيت من المالكية من يشنع هذا على النووي ويقول: ليس هذا مذهب مالك وإنما مذهبه أنه لوث وغفل هذا المعترض المتحايل عن مذهبه أن اللوث موجب القصاص. وذكر القاضي (١) أبو عبد الله بن المرابط أنه كان في أول الإسلام قبول [قول] (٢) القتيل، وأن هذا معنى الحديث؛ وأن ما جاء من اعترافه إنما جاء من رواية قتادة ولم يقلده غيره، وهذا مما عُدَّ عليه، وفيما ذكره نظر لا يخفى. الرابع: التوصل إلى معرفة القاتل بتعديد الأشخاص عليه لقصد معرفة الحق ودفع الريبة فيه. الخامس: أن الإشارة بالرأس ونحوه في ذلك قائمة مقام النطق [فإنها نزلت منزلة دعواها. قال القرطبي (٣): ومن قال من الرواة: إنها قالت: نعم، فإنما عبر عما فُهم عنها من الإِشارة بالقول] (٤). السادس: وجوب القصاص بالمثقل عمدًا وهو ظاهر من الحديث وقوي في المعنى أيضًا، فإن صيانة الدماء من الإِهدار مطلوب، والقتل بالمثقل كالمحدد في إزهاق الأرواح؛ فلو لم يجب القصاص بالقتل بالمثقل لأدى ذلك إلى أن يتخذ ذريعة إلى إهدار القصاص، وهو خلاف المقصود من حفظ الدماء. وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء.

стр. 4399

وقال أبو حنيفة: لا قصاص إلا في القتل المحدد من حديد أو حجر أو خشب أو كان معروفًا بقتل الناس كالمنجنيق والإِلقاء في النار. واختلف عنه في مثقل الحديد كالدبوس، واعتذر الحنفيون عن الحديد بأعذار ضعيفة: منها: أن قتل اليهودي إنما كان سياسة لا قصاصًا. قالوا: فإنه كان ساعيًا في الأرض بالفساد، وكان من عادته قتل الصغار بذلك الطريق، وهذا كله مردود برواية النسائي التي فيها لفظ الإِقادة، فإنه لا يقال في القتل سياسة. فإن كانت الجناية شبه عمد فإن قتل بما لا يقصد به القتل غالبًا فتعمد القتل به، كالعصا والسوط واللطمة والقضيب والبندقة .. ونحو ذلك، فقال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين فعن بعدهم من أئمة المذاهب وغيرهم، كالشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور: لا قصاص فيه. وقال مالك والليث: يجب فيه القود. السابع: اعتبار المماثلة في استيفاء القصاص بالقتل بالمثقل، فيُقتل على الصفة التي قَتل، فإن قَتل بالسيف قُتل به، وإن قَتل بخشب أو حجر أو نحوهما قُتل بمثله؛ لأن اليهودي رضخها فرضخ هو. وهذا مذهب الشافعي ومالك؛ فإن اختار الولي العدول إلى السيف، فله ذلك. وقال أبو حنيفة: لا قود إلا بالسيف.

стр. 4400

[قال ابن رشد في "مقدماته" في القسامة: يُقتل بالسيف، وإن كان بالإِقرار أو بالبينة، ففيه خلاف] (١) وهو قول مخرج عندنا والحديث حجة عليه، وحديث: "لا قود إلا بالسيف"، و"لا قود إلا بحديدة" (٢) قد بيَّن البيهقي في "خلافياته" (٣) ضعفهما. والنهي عن المثلة: محمول على من وجب عليه القتل لا على طريق المكافأة. نعم يُستثنى من هذا ما إذا كان الطريق الذي حصل به القتل محرمًا كالسحر، فإنه لا يقتل به. واختلف أصحابنا فيما لو قتل باللواط [أو] (٤) بإيجار الخمر، فالأصح أن المماثلة تسقط، فإنها محرمة كالسحر، ومنهم من قال: يدس فيه خشبة مثل الذكر، ويوجر مائعًا، ومحل القول في ذلك وأمثاله كتب الفروع. وقد أوضحناها فيها ولله الحمد. وعندنا أن إذا حرقه بالنار يحرق بها، وخالف ابن الماجشون بحديث: "لا يعذب بالنار إلا ربها" (٥).

стр. 4401

وقد يجاب بأن المراد: لا يعذب أدبًا وتعزيرًا؛ وقد قال تعالي: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ﴾ (١) الآية. وأما قولنا: إن للولي أن يعدل إلى السيف إذا اختار، فقد استثنى بعضهم منه ما إذا قتله بالخنق. قال: لا يعدل إلى السيف وادعى أنه عدول إلى الأشد، فإن الخنق يغيب العقل فيكون أسهل، وأشار إمام الحرمين من أصحابنا إلى حكايته وجهًا. الثامن: هذه الجارية المذكورة يحتمل أن تكون أمة، وأن تكون حرة؛ إلا أن الجارية لا تطلق على الحرة حقيقة إلا قبل البلوغ، فقد يؤخذ منه على هذا التقدير جواز القسامة مع قول الصبي الذي لم يبلغ وإن كانت لم تقع؛ كما رواه مطرف عن مالك أن الصبي إذا راهق وعرف أقسم على قوله. وقاله ابن الماجشون خلافًا لابن القاسم، وعلى التقدير الأول: يكون في العبد القسامة؛ وهو قول أبي حنيفة خلافًا لمالك (٢). وقال أبو يوسف: مرة هو هدر لا قسامة فيه ولا قيمة، ومرة تعقله العاقلة بالقسامة. وقال الشافعي: لسيد العبد القسامة فيه. وقال القرطبي (٣): فيه دلالة على قتل الكبير بالصغير, لأن الجارية اسم لمن لم يبلغ من النساء كالغلام في الرجال، وهذا لا يُختلف فيه.

стр. 4402

الحديث الخامس ٣٥٩/ ٥/ ٦٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: "لما فتح الله [تعالى] (١) على رسوله ﷺ مكة، قتلت هذيل رجلًا من بني ليث بقتيل كان لهم في الجاهلية. فقام النبي ﷺ فقال: "إن الله [تعالى] (٢) قد حبس عن مكة الفيل، وسلَّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد [كان] (٣) قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة [من] (٤) نهار وإنها ساعتي هذه [حرام] (٥) لا يعضد شجرها, ولا يختلى خلاها, ولا يعضد شوكها , ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد. ومن قُتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يقتل، وإما أن [يفدي] (٦)، فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاهٍ فقال: يا رسول الله، اكتبوا لي. فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: اكتبوا لأبي شاهٍ. ثم قام العباس فقال: يا رسول الله، إلَّا الإِذخر، فإنا نجعله في بيوتنا

стр. 4403

وقبورنا, فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: إلا الإِذخر" (١). الكلام عليه من وجوه: الأول: في التعريف بالأسماء الواقعة فيه، وقد سلف التعريف بأبي هريرة في أوائل الكتاب وبالعباس في الزكاة. وأبو شاه لا يُعرف اسمه، وإنما هو معروف بكنيته، وهو بالهاء درجًا ووقفًا، ولا يُعرف اسمه. وعن ابن دحية أنه بالياء منصوبة. وقال النووي (٢): هو بهاء في آخره تكون هاء في الدرج كما تكون في الوقف. قال: وهذا لا خلاف فيه ولا يغتر بكثرة من يصحفه ممن لا يأخذ العلم على وجهه، ومن مظانه. ومثله شاه الكرماني الصوفي الزاهد: هو بالهاء وقفًا ودرجًا. [فائدة: روى ابن إسحاق (٣) أن خراش بن أمية من خزاعة قتل ابن الأدلع الهذلي وهو مشرك بقتيل قُتل في الجاهلية يُقال له أحمر، فقال ﵊: "يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل" (٤)

стр. 4404

وذكر الحديث، ففي هذا بيان المبهم الواقع في الحديث فاستفده] (١). الثاني: هذيل بفتح الذال المعجمة: قبيلة كبيرة، والنسب إليها هذلي بضم الهاء وفتح الذال، وهي هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وأكثر أهل وادي نخلة بقرب مكة على ستة فراسخ من هذيل. وبنو ليث: هم بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة. الثالث: في ألفاظه ومعانيه، فقوله: "حبس عن مكة الفيل" هو بالفاء ثم مثناة تحت، وشذَّ بعض الرواة فقال: "الفيل أو القتل" بالقاف ثم مثناة فوق. وجزم القرطبي في "شرحه" (٢) بالأول. و"حبسه": حبس أهله الذي جاؤوا للقتال في الحرم، وذلك أن أبرهة الأشرم الحبشي قصد خراب الكعبة، فلما وصل إلى ذي المجاز -سوق العرب قريب من مكة- عيا فيله، وجهزه إلى مكة، فلما استقبل الفيل مكة رزم، أبي: أقام وثبت، فاحتالوا عليه بكل حيلة فلم يقدروا عليه، فاستقبلوا به جهة مكة فامتنع فلم يزالوا به هكذا حتى رماهم الله بالحجارة التي أرسل الطير بها على ما هو مذكور في السير والتفاسير. و"عام الفيل": هو عام وُلد نبينا ﵊، وقال مقاتل: كان قبل مولده بأربعين سنة. وقال الكلبي بثلاث وعشرين، والأكثرون على الأول.

стр. 4405

وقوله: "ولا يعضد شجرها"، أي لا يقطع بالمعضد، وقد سلف ذلك في باب حرمة مكة، وكذا سلف فيه الكلام على "لا يختلا خلاها"، وعلى: "لا يعضد شوكها"، وعلى: "إلا لمنشد"، و"الإِذخر"، فراجعه منه. وكذا سلف هناك تاريخ فتح مكة أيضًا. [ومعنى] (١) [يدي] (٢): تؤخذ ديته. وقوله: "اكتبوا لي" أراه خطبة النبي - صلي الله عليه وسلم - يوم الفتح بمكة. قاله الأوزاعي: كما حكاه عنه الوليد بن مسلم في الصحيح. الرابع: في أحكامه سوى ما سلف في باب محرمات الإِحرام، فإنه تقدم هناك معظم ما يتعلق بالحديث من الألفاظ والمعاني والأحكام: الأول: تذكير الناس في المجامع والفتوح بما من الله تعالى به، وفي "صحيح مسلم" أنه خطب به على راحلته. الثاني: أن مكة فُتحت عنوة، فإن التسليط الذي وقع لرسول الله والمؤمنين مقابل بالحبس الذي وقع للفيل، وهو الحبس عن القتال، وقد سلف هناك ما فيه. الثالث: حرمة مكة زادها الله شرفًا، وقد سلف هناك الخلاف في القتال فيها. الرابع: أن ولي القتيل بالخيار بين أخذ الدية وبين القتل، وأن

стр. 4406

له إجبار الجاني على أي الأمرين شاء، وبه قال سعيد بن المسيب وابن سيرين والشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور. وقال مالك: ليس له إلا القتل أو العفو وليس له الدية إلا برضا الجاني، وهو خلاف نص الحديث. الخامس: أن القاتل عمدًا يجب عليه أحد الأمرين من القصاص أو الدية، وهو أحد قولي الشافعي وأصحَّهما عنده: أنَّ الواجب القصاص أو الدية بدل عند سقوطه، وهو مشهور مذهب مالك أيضًا، وعلى القولين [للولي] (١) العفو على الدية ولا يحتاج إلى رضا الجاني، ولو مات أو سقط الطرف المستحق وجبت الدية، وبه قال أحمد. وعن أبي حنيفة ومالك: أنه لا يعدل إلى المال إلَّا برضا الجاني، وأنه لو مات الجاني سقطت الدية، وهو قول قديم للشافعي. ووقع في شرح الشيخ تقي الدين (٢) ترجيح هذا القول، فإنه لما حكى القولين المذكورين أولًا وعزاهما إلى الشافعي قال: ومن فوائد هذا الخلاف أن من قال: الواجب القصاص قال: ليس للولي حق أخذ الدية بغير رضي القاتل، [قال: وقيل على هذا للولي حق إسقاط القصاص، وأخذ الدية بغير رضا القاتل] (٣).

стр. 4407

قال: وثمرة هذا القول على هذا تظهر في عفو الولي، وموت القاتل، فعلى قول التخيير يأخذ المال في الموت لا في العفو، وعلى قول التعيين يأخذ المال بالعفو عن الدية لا في الموت. وهذا الحديث ظاهر الدلالة لمن قال: الواجب أحد الأمرين، وللقائل الآخر، أوله بأنه المراد إن شاء أخذ الدية برضى الجاني، إلا أنه لم يذكر الرضى لثبوته عادة، وقيل: إنه كقوله ﵊ فيما ذكر: "خذ سلمك أو رأس مالك" يعني: رأس مالك برضا المسلم إليه لثبوته عادة, لأن السلم بيع بأبخس الأثمان، فالظاهر أنه يرضى بأخذ رأس المال. قال: وهذا الحديث المستشهد به يحتاج إلى إثباته. وتبعه في ذلك ابن العطار، وزاد فجزم به، ثم قال: وأنه إذا عفى عن القصاص وقلنا على التخيير يسقط القصاص وتثبت الدية، وإن قلنا على قول التعيين لم يجب قصاص ولا دية، وتبع فيه النووي، فإنه ذكره كذلك في "شرحه لمسلم" (١) وليُتأمَّل مع ما ذكره الشيخ تقي الدين. سادسها: الإِذن في كتابة العلم غير القرآن، وقد ثبت في الصحيح حديث علي ﵁: "ما عندنا إلا ما في هذه الصحيفة" (٢)، وحديث أبي هريرة: "كان عبد الله بن عمرو يكتب

стр. 4408

ولا أكتب (١) " (٢)، وجاءت أحاديث في النهي عن كتابة غير القرآن عمل بها بعض السلف، منها حديث: "لا تكتبوا عني شيئًا إلا القرآن، ومن كتب عليَّ شيئًا غير القرآن فليمحه" (٣). رواه مسلم وأكثرهم على جوازها. ثم وقع بعد ذلك إجماع الأمة على استحبابها، وأجابوا عن النهى بجوابين: أحدهما: أنها منسوخة لأن النهي كان خوفًا من اختلاط غير القرآن به، فلما اشتهر وأمنت مفسدة الاختلاط وقع الإِذن فيها. ثانيهما: أنه نهي تنزيه لمن يثق بحفظه وخيف اتكاله على الكتابة، فأما من [لم] (٤) يثق بحفظه، فإنها مستحبة في حقه، والإِذن محمول عليه، وقد عد تدوين العلم وكتابته من البدع الواجبة، وادعى القرافي الإِجماع عليه وعلله بأن التبليغ لمن بعدنا من القرون واجب إجماعًا ولا يتوصل إليه إلا بالكتب لسوء الحفظ وقلة الضبط، وما لا يتوصل إلى الواجب الآن فهو واجب (٥).

стр. 4409

الحديث السادس ٣٦٠/ ٦/ ٦٨ - عن عمر بن الخطاب ﵁: "أنه استشار الناس في إملاص المرأة، فقال المغيرة [بن شعبة] (١): شهدت النبي ﷺ قضى فيه بغرةٍ -عبدٍ، أو أمة-، فقال (٢): لتأتين بمن يشهد معك، فشهد [معه] (٣) [محمد] (٤) بن مسلمة". ["إملاص المرأة": أن تلقى جنينها ميتًا] (٥). الكلام عليه من وجوه: وهو أصل في إثبات الغرَّة: أحدها: في التعريف بالأسماء الواقعة فيه. أما عمر بن الخطاب: فسلف أول الكتاب.

стр. 4410

وأما المغيرة: فسلف في باب مسح الخف. وأما محمَّد بن مسلمة: فهو حارثي أنصاري أوسي، كنيته أبو عبد الله، ويقال أبو عبد الرحمن: ويقال أبو سعيد، وهو حليف بني عبد الأشهل، واسم جده سلمة بن مالك بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن عمرو، وهو النبيت بن خالد بن الأوس، شهد محمَّد بدرًا والمشاهد كلها, وله أحاديث، روى عنه ابنه محمود وجابر وجماعة. وكان على مقدمة عمر في مسيره إلى الجابية، وكان شديد السمرة طويلًا أصلع ذا جثة، وكان من فضلاء الصحابة، وهو أحد الذين قتلوا كعب بن الأشرف، واستخلفه النبي ﷺ على المدينة مرة، وقد اعتزل الفتنة واتخذ سيفًا من خشب وأقام بالربذة, وكان له من الولد عشر ذكور وست بنات. وأمه: اسمها جليلة. مات سنة ثلاث وأربعين، وقيل: سبع، وقيل: ست من صفر عن سبع وسبعين سنة، وصلَّى عليه مروان بن الحكم وهو يومئذ أمير بالمدينة. الثاني: وقع في "المستصفى" للغزالي أن حمل بن النابغة شهد عند عمر بذلك ولم يذكر محمَّد بن مسلمة، وهو غريب. تنبيه: هذا الحديث رواه مسلم من رواية وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه، عن المسور بن مخرمة قال: "استشار عمر الناس" فذكره بلفظ المصنف؛ إلا أنه قال: "ائتني" بدل: "لتأتيني". ورواه البخاري من حديث هشام عن أبيه، عن المغيرة، عن عمر نحوه؛ ومن حديث هشام عن أبيه: "أن عمر نشد الناس" فذكره

стр. 4411

بنحوه، وفي بعض طرقه: "أن عمر قال للمغيرة: لا تبرح حتى تجيء بالمخرج مما قلت، فشهد معه محمَّد بن مسلمة". واعترض الدارقطني (١) على رواية مسلم، فقال: وهم وكيع في هذا الحديث، وخالفه أصحاب هشام، فلم يذكروا فيه المسور، وهو الصواب، ولم يذكر مسلم غير حديث وكيع، وذكره البخاري حديث من خالفه، وهو الصواب، واعترض النووي في "شرح مسلم" (٢)، فقال: إنما رواه البخاري عن هشام، عن أبيه، عن المغيرة: "أن عمر سأل عن إملاص المرأة"، ولابد من ذكر المسور أو عروة، وهو ابن المغيرة ليتصل الحديث، فإن عروة لم يدرك عمر. الثالث: "الإِملاص" بكسر الهمزة: وهو جنين المرأة. يُقال: أملصت به، وأزلقت به. وأسهلت به وحطات به بمعنى كما نص عليه أهل اللغة، وهو إذا وضعته قبل أوانه، وكل ما زلق من اليد فقد ملص بفتح الميم وكسر اللام ملصًا بفتحهما، وأملص أيضًا لغتان، وأملصته أنا. ورواية مسلم. "ملاص المرأة" بحذف الألف وهو صحيح على لغة مَلِص مثل لزم لزامًا. يقال: مَلِص الشيء إذا قلت، لكن المعروف في اللغة: إملاص بالهمز، وهو ما ذكره الحميدي في "جمعه"، وفي بعض نسخ هذا الكتاب تفسير الإِملاص من كلام المصنف (٣). قال: "إملاص المرأة" [مصدر أملصت]، وهو أن تلقي جنينها ميتًا، وإنما سمي بذلك لأنها تزلقه.

стр. 4412

رابعها: أصل الغرة في الوجه. ولهذا قال أبو عمرو (١). المراد بالغرة الأبيض منهما خاصة ولا يجزي الأسود. قال: ولولا أنه ﵊ أراد بالغرة معنى زائدًا على [محض] (٢) العبد والأمة لما ذكرها ولاقتصر على قوله: "عبد أو أمة". قال النووي (٣): هذا قول [أبي] (٤) عمرو، وهو خلاف ما اتفق عليه الفقهاء أنه يجزي فيها البيضاء والسوداء، ولا تتعين البيضاء. قال أهل اللغة: الغرة عند العرب أنفس الشيء، وأطلقت هنا على الإِنسان لأن الله خلقه في أحسن تقويم، فهو من أنفس المخلوقات. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ الآية. قال الجوهري (٥): وكأنه عبر بالغرة عن الجسم كله كما قالوا: أعتق رقبة. واعلم أن الفاكهي نقل مقالة أبي عمرو هذا عن ابن عبد البر، والظاهر عندي وهمه في ذلك وسببه أن القاضي ثم النووي (٦) حكياه عن ابن عمرو بالواو، وهو ابن العلا فظنه [أبا عمر] (٧) بن عبد البر فصرح به نسبة له.

стр. 4413

خامسها: قوله "بغرة" هو منون و"عبدٍ أو أمة" بدل منه هكذا الرواية كما قاله القاضي وغيره، ويؤيده رواية البخاري: "قضى بالغرة عبد أو أمة" ورواه بعضهم؛ بالإضافة، والأول أوجه وأقيس وأصوب، لأن الإِضافة تكون من باب إضافة الشيء إلى نفسه، وهي قليلة. و"أو" في قوله: "أو أمة" للتقسيم لا للشك، وجاء في بعض الروايات زيادة: "أو فرس أو بغل" (١)، وهي زيادة غير محفوظة، وإن أخذ بها بعض السلف. قاله البيهقي. وقال ابن القطان (٢): بل زيادة صحيحة، لضعف الاعتلال. قلت: وأوردها ابن حبان في صحيحه (٣) من حديث محمَّد بن عمرو، عن ابن سلمة، عن أبي هريرة. وأما النووي: فقال [في "شرح] (٤) مسلم" إنها زيادة باطلة، وكأنه فهم ذلك من قوله البيهقي السالفة. سادسها: في أحكامه: الأول: استشارة الإِمام في الأحكام إذا لم يعلمها. الثاني: أن العلم الخاص قد يخفى عن الأكابر، فيتعلَّمونه ممن دونهم "فالحكمة ضالة المؤمن، حيث وجدها [التقطها] (٥) ".

стр. 4414

الثالث: الرد على من يغلو من المقلدين في أنه إذا استدل عليه بحديث، فيقال: لو كان صحيحًا لعلمه فلان مثلًا. فإن ذلك إذا خفي على أكابر الصحابة، وجاز عليهم فهو على غيرهم أجوز. الرابع: أن دية الجنين غرة عبد أو أمة، وهو إذا ألقته ميتًا بسبب الجناية -وهو إجماع-.واعتبر الفقهاء أن يكون قيمتها عشر دية الأم أو نصف عشر دية الأب. وقيل: لا يشترط ذلك لإِطلاق الخبر، ولا يشترط فيها أن تكون بيضاء -كما سلف- بل تجزي السوداء أيضًا. قال مالك: والحمر أحب إليَّ من السود، فإن غلب ممن أوسط السودان. وقال الفاسي: فإن قلت الحمر بذلك البلد أخذ من السود ولا يجزي غير العبد والأمة من الحيوانات. وشذَّ طاووس وعطاء ومجاهد: فقالوا لإجزاء الفرس، وشذ داود فقال بإجزاء كل ما وقع عليه اسم الغرة، وصريح الحديث يردهما وزيادة "أو فرس أو بغل" قد أسلفنا الكلام على حالها. وقال ابن سيرين: يجزئ مائة شاة. حكاه القرطبي (١) قال: وفي بعض طرق أبي داود: "خمس مائة شاة"، وهو وهم، وصوابه: "مائة شاة". وفي "مسند الحارث بن أبي أسامة" (٢) من حديث حمل بن

стр. 4415

مالك: "أو عشر من الإِبل" قال: وشذت شرذمة، فقالوا: لا شيء في الجنين، وهي محجوجة بهذه النصوص وبإجماع الصحابة. تنبيهات: أحدها: شرط الغرة التمييز, لأن من لا يميِّز لا استقلال له، والسلامة من عيب المبيع، لأن المعيب ليس من الخيار اللهم إلا أن يرضى به ويقبل كبير لم يعجز بهرم في الأصح, لأنه إذا لم ينته إلى الهرم هو من الخيار. وقيل: لا يقبل بعد عشرين سنة. وقيل: هذا في الجارية، أما الغلام، فلا يقبل بعد خمس عشرة لأنه لا يدخل على النساء بعد ذلك، وهذا كله من تصرف الفقهاء. الثاني: اتفقوا على أن دية الجنين ما ذُكر، سواء كان الجنين ذكرًا أو أنثى، وإنما كان كذلك لأنه قد يخفى فيكثر فيه النزاع، فضبطه الشارع بضابط يقطعه، وسواء كان كامل الأعضاء أم ناقصها، أو كان مضغة تصور فيها خلق آدمي، ففي كل ذلك الغرة بالإِجماع. الثالث: الغرة تكون لورثة الجنين على مواريثهم الشرعية، وهذا شخص يورث ولا يرث. قال النووي في "شرح مسلم" (١): ولا يعرف له نظير إلا من بعضه حر وبعضه رقيق، فإنه لا يرث عندنا وهل يورث فيه قولان: أصحَّهما يورث. قلت: ولا يخفى أن المعتق يورث ولا يرث، وشذَّ فقال: إن الجنين كعضو من أعضاء الأم، فتكون ديته لها خاصة. حكاه القاضي
следующие страницы →