بنحوه، وفي بعض طرقه: "أن عمر قال للمغيرة: لا تبرح حتى تجيء بالمخرج مما قلت، فشهد معه محمَّد بن مسلمة".
واعترض الدارقطني (١) على رواية مسلم، فقال: وهم وكيع في هذا الحديث، وخالفه أصحاب هشام، فلم يذكروا فيه المسور، وهو الصواب، ولم يذكر مسلم غير حديث وكيع، وذكره البخاري حديث من خالفه، وهو الصواب، واعترض النووي في "شرح مسلم" (٢)، فقال: إنما رواه البخاري عن هشام، عن أبيه، عن المغيرة: "أن عمر سأل عن إملاص المرأة"، ولابد من ذكر المسور أو عروة، وهو ابن المغيرة ليتصل الحديث، فإن عروة لم يدرك عمر.
الثالث: "الإِملاص" بكسر الهمزة: وهو جنين المرأة. يُقال: أملصت به، وأزلقت به. وأسهلت به وحطات به بمعنى كما نص عليه أهل اللغة، وهو إذا وضعته قبل أوانه، وكل ما زلق من اليد فقد ملص بفتح الميم وكسر اللام ملصًا بفتحهما، وأملص أيضًا لغتان، وأملصته أنا. ورواية مسلم. "ملاص المرأة" بحذف الألف وهو صحيح على لغة مَلِص مثل لزم لزامًا. يقال: مَلِص الشيء إذا قلت، لكن المعروف في اللغة: إملاص بالهمز، وهو ما ذكره الحميدي في "جمعه"، وفي بعض نسخ هذا الكتاب تفسير الإِملاص من كلام المصنف (٣). قال: "إملاص المرأة" [مصدر أملصت]، وهو أن تلقي جنينها ميتًا، وإنما سمي بذلك لأنها تزلقه.
стр. 4412
رابعها: أصل الغرة في الوجه. ولهذا قال أبو عمرو (١). المراد بالغرة الأبيض منهما خاصة ولا يجزي الأسود. قال: ولولا أنه ﵊ أراد بالغرة معنى زائدًا على [محض] (٢) العبد والأمة لما ذكرها ولاقتصر على قوله: "عبد أو أمة".
قال النووي (٣): هذا قول [أبي] (٤) عمرو، وهو خلاف ما اتفق عليه الفقهاء أنه يجزي فيها البيضاء والسوداء، ولا تتعين البيضاء.
قال أهل اللغة: الغرة عند العرب أنفس الشيء، وأطلقت هنا على الإِنسان لأن الله خلقه في أحسن تقويم، فهو من أنفس المخلوقات. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ الآية.
قال الجوهري (٥): وكأنه عبر بالغرة عن الجسم كله كما قالوا: أعتق رقبة.
واعلم أن الفاكهي نقل مقالة أبي عمرو هذا عن ابن عبد البر، والظاهر عندي وهمه في ذلك وسببه أن القاضي ثم النووي (٦) حكياه عن ابن عمرو بالواو، وهو ابن العلا فظنه [أبا عمر] (٧) بن عبد البر فصرح به نسبة له.
стр. 4413
خامسها: قوله "بغرة" هو منون و"عبدٍ أو أمة" بدل منه هكذا الرواية كما قاله القاضي وغيره، ويؤيده رواية البخاري: "قضى بالغرة عبد أو أمة" ورواه بعضهم؛ بالإضافة، والأول أوجه وأقيس وأصوب، لأن الإِضافة تكون من باب إضافة الشيء إلى نفسه، وهي قليلة.
و"أو" في قوله: "أو أمة" للتقسيم لا للشك، وجاء في بعض الروايات زيادة: "أو فرس أو بغل" (١)، وهي زيادة غير محفوظة، وإن أخذ بها بعض السلف. قاله البيهقي. وقال ابن القطان (٢): بل زيادة صحيحة، لضعف الاعتلال.
قلت: وأوردها ابن حبان في صحيحه (٣) من حديث محمَّد بن عمرو، عن ابن سلمة، عن أبي هريرة.
وأما النووي: فقال [في "شرح] (٤) مسلم" إنها زيادة باطلة، وكأنه فهم ذلك من قوله البيهقي السالفة.
سادسها: في أحكامه:
الأول: استشارة الإِمام في الأحكام إذا لم يعلمها.
الثاني: أن العلم الخاص قد يخفى عن الأكابر، فيتعلَّمونه ممن دونهم "فالحكمة ضالة المؤمن، حيث وجدها [التقطها] (٥) ".
стр. 4414
الثالث: الرد على من يغلو من المقلدين في أنه إذا استدل عليه بحديث، فيقال: لو كان صحيحًا لعلمه فلان مثلًا. فإن ذلك إذا خفي على أكابر الصحابة، وجاز عليهم فهو على غيرهم أجوز.
الرابع: أن دية الجنين غرة عبد أو أمة، وهو إذا ألقته ميتًا بسبب الجناية -وهو إجماع-.واعتبر الفقهاء أن يكون قيمتها عشر دية الأم أو نصف عشر دية الأب.
وقيل: لا يشترط ذلك لإِطلاق الخبر، ولا يشترط فيها أن تكون بيضاء -كما سلف- بل تجزي السوداء أيضًا.
قال مالك: والحمر أحب إليَّ من السود، فإن غلب ممن أوسط السودان. وقال الفاسي: فإن قلت الحمر بذلك البلد أخذ من السود ولا يجزي غير العبد والأمة من الحيوانات.
وشذَّ طاووس وعطاء ومجاهد: فقالوا لإجزاء الفرس، وشذ داود فقال بإجزاء كل ما وقع عليه اسم الغرة، وصريح الحديث يردهما وزيادة "أو فرس أو بغل" قد أسلفنا الكلام على حالها. وقال ابن سيرين: يجزئ مائة شاة. حكاه القرطبي (١) قال: وفي بعض طرق أبي داود: "خمس مائة شاة"، وهو وهم، وصوابه: "مائة شاة". وفي "مسند الحارث بن أبي أسامة" (٢) من حديث حمل بن
стр. 4415
مالك: "أو عشر من الإِبل" قال: وشذت شرذمة، فقالوا: لا شيء في الجنين، وهي محجوجة بهذه النصوص وبإجماع الصحابة.
تنبيهات:
أحدها: شرط الغرة التمييز, لأن من لا يميِّز لا استقلال له، والسلامة من عيب المبيع، لأن المعيب ليس من الخيار اللهم إلا أن يرضى به ويقبل كبير لم يعجز بهرم في الأصح, لأنه إذا لم ينته إلى الهرم هو من الخيار. وقيل: لا يقبل بعد عشرين سنة. وقيل: هذا في الجارية، أما الغلام، فلا يقبل بعد خمس عشرة لأنه لا يدخل على النساء بعد ذلك، وهذا كله من تصرف الفقهاء.
الثاني: اتفقوا على أن دية الجنين ما ذُكر، سواء كان الجنين ذكرًا أو أنثى، وإنما كان كذلك لأنه قد يخفى فيكثر فيه النزاع، فضبطه الشارع بضابط يقطعه، وسواء كان كامل الأعضاء أم ناقصها، أو كان مضغة تصور فيها خلق آدمي، ففي كل ذلك الغرة بالإِجماع.
الثالث: الغرة تكون لورثة الجنين على مواريثهم الشرعية، وهذا شخص يورث ولا يرث.
قال النووي في "شرح مسلم" (١): ولا يعرف له نظير إلا من بعضه حر وبعضه رقيق، فإنه لا يرث عندنا وهل يورث فيه قولان: أصحَّهما يورث.
قلت: ولا يخفى أن المعتق يورث ولا يرث، وشذَّ فقال: إن الجنين كعضو من أعضاء الأم، فتكون ديته لها خاصة. حكاه القاضي
стр. 4416
عياض (١)، وقيل: يشاركها فيها الأب. وعن مالك أنها للأبوين أثلاثًا، فإن انفرد أحدهما فله وما أسلفناه هو مذهبنا ومذهب الجمهور.
رابعها: هذا كله إذا انفصل الجنين ميتًا كما أسلفته، فإن انفصل حيًا ثم مات وجب فيه كمال الدية، فإن كان ذكرًا وجب فيه مائة بعير، وإن كان أنثى فخمسون. وهذا مجمع عليه وسواء في هذا الخطأ والعمد.
وعند المالكية خلاف في إثبات القسامة فيه.
وقال أشهب: إن مات حين استهل فلا قسامة فيه، وإن خرج حيًا ثم مات ففيه القسامة. حكاه الباجي (٢) عنه [ومشهور مذهب] (٣) مالك أنه لا قود فيه وإن كان عمدًا.
[خامسها] (٤): تُعرف حياته بالحركة والعطاس والرضاع وغير ذلك مما يستيقن به حياته عند الشافعي وأبي حنيفة والثوري وأكثر الفقهاء كما حكاه عنهم ابن عبد البر (٥) قال: ومذهب مالك أن الاستهلال الصياح والبكاء دون الحركة والعطاس. وقال قتادة: لو مكثت الروح فيه ثلاثًا ما ورثته.
стр. 4417
وحكى الباجي (١) خلافًا في العطاس والحدث, لأن الحدث من استرخاء [المواسك] (٢).
[سادسها] (٣): متى وجبت الغرة فهي على العاقلة لا على الجاني، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وسائر الكوفيين.
وقال مالك والبصريون: تجب على الجاني، وهو قول قديم للشافعي.
وقال بعض المالكية: إن تعمد فعلى الجاني وإلا فعلى العاقلة.
سابعها: يلزم الجاني الكفارة أيضًا عند الشافعي وآخرين خلافًا لمالك وأبي حنيفة.
ثامنها: يُشترط انفصال الجنين ميتًا في حياتها أو موتها، وكذا إن ظهر بلا انفصال في الأصح عندنا.
ويتفرع: على الوجهين صور محل الخوض فيهما كتب الفروع، ولو ماتت الأم ثم خرج الجنين ميتًا فعندنا يجب فيه الغرة. وقال مالك وجمهور أصحابه: لا شيء فيه. ولو ماتت الأم ولم ينفصل الولد ولم يظهر فلا غرة، لأنا لا نتيقن وجود الجنين، فلا يوجب شيئًا بالشك.
تاسعها: لو فقدت الغرة فخمسة أبعرة، وقيل: القيمة.
стр. 4418
قال القاضي: ومقتضى مذهب مالك أنه يتخير بين إعطاء غرة أو عشر دية الأم.
عاشرها: هذا كله في جنين الحرة، وأما الرقيقة ففي جنينها عشر قيمة أمه يوم الجناية.
وقيل: يوم الإِجهاض وتكون الغرة لسيدها ومحل الخوض في ذلك كتب الفروع، فإنه أليق به.
الوجه الخامس: من أحكام الحديث تمسك بقول عمر ﵁: "لتأتين بمن يشهد معك" بعض من اعتبر العدد في الرواية. وهو مذهب غير صحيح، فإنه قد ثبت قبول خبر الواحد، العدل وهو قاطع بعدم اعتبار العدد فيها. وقد قبل عمر خبر الضحاك وغيره من غير استظهار (١). وأما طلب العدد في حديث جزئي فلا يدل على اعتباره كليًا، لجواز أن يحال ذلك على مانع خاص بتلك الصورة، أو قيام سبب يقتضي التثبت، وزيادة الاستظهار؛ لاسيما إذا قامت قرينة، مثل عدم علم عمر بهذا الحكم، وكذلك حديثه مع أبي موسى في الاستئذان (٢).
стр. 4419
قال الشيخ تقي الدين: ولعل الذي أوجب ذلك استبعاده عدم العلم به، وهو في باب إلاستئذان أقوى. وقد صرَّح عمر بأنه أراد أن يستثبت. وأجيب أيضًا بجواب آخر، وهو أن عمر ﵁ كان يفعل هذا أول الأمر احتياطًا، وقد يُجاب بثالث بأنها شهادة على حكم الحاكم، فلهذا طلب العدد، لكنه بعيد.
стр. 4420
الحديث السابع
٣٦١/ ٧/ ٦٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: "اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها. فاختصموا إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، فقضى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم، فقام حمل بن النابغة الهذلي فقال: يا رسول الله، كيف أغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل؟ فمثل ذلك يطل. فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "إنما هو من إخوان الكهان" من أجل سجعه الذي سجع (١).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: الضاربة من المرأتين؛ يقال أنها أم عفيف (٢) بنت
стр. 4421
مسروح، والمضروبة مليكة بنت [عويم] (١)، ذكره ابن بشكوال عن عبد الغني، وفي حديثه: فقال العلاء بن مسروح: يا رسول الله، [لا يغرم من لا شرب ولا أكل] (٢). . . . الحديث. قال: وقيل: إن المتكلم بذلك حمل بن مالك بن النابغة وأنه كان له امرأتان: مليكة وأم عفيف.
قلت: وهو الصحيح، أعني أن المتكلم بذلك حمل بن مالك بن النابغة لثبوته كذلك في الصحيح.
وقال الخطيب (٣): إحداهما مليكة والأخرى غطيفة. ويقال: أم غطيف.
قال: وروي أن إحداهما أم عطيف والأخرى أم مكلف. قال: وذكر أن الضاربة هي أم عفيف بنت مسروح، والمضروبة مليكة بنت ساعدة الهذلي.
وقال ابن أبي شيبة (٤): مليكة ابنة عويمر من بني لحيان. وكذا قال أبو عمر (٥). وقال الحافظ أبو موسى: عويم بلا راء كما سلف عن ابن بشكوال، ورأيت بخط الصعبي في كلامه على رجال هذا الكتاب -بنت عون بنون بدل الميم- وما أبعد أن يكون تصحيفًا.
стр. 4422
ثانيها: "حمل" بفتح الحاء المهملة والميم: هو ابن مالك بن النابغة، وفي رواية المصنف نسبته إلى جده، والنابغة من نبغ إذا علا وارتفع، وهو هذلي من هذيل بن مدركة بن الياس، وكنيته أبو فضلة. له صحبة، نزل البصرة وله بها دار، وذكره مسلم فيمن روى من أهل المدينة، روى عنه ابن عباس. قال ابن السكن: يقال أسلم ثم رجع إلى بلاد قومه. قال: وليس يروى عنه غير هذا الحديث والروايات عنه حجازية، ويقال في اسمه. حمله بزيادة هاء. ذكره ابن عبد البر في "استيعابه", وهو غريب.
ثالثها: قوله: "اقتتلت امرأتان من هذيل" وجاء في الصحيح أيضًا أن المضروبة من بني لحيان، ولا تنافي بينهما، فإن لحيان بكسر اللام، وقيل: بفتحها، بطن من هذيل، وفي الصحيح أن إحداهما كانت ضرة الأخرى.
رابعها: "العاقلة": جمع عاقل، وجمع الجمع عواقل، والمعاقل: الديات، والعقل: الدية، سُمِّيت بذلك لأن مؤديها يعقلها بفناء أولياء المقتول. يُقال: عقلت فلانًا إذا أعطيت ديته، وعقلت عن فلان إذا غرمت عنه دية جنايته، ويقال لدافع الدية: عاقل، لعقله الإِبل بالعقل، وهي الحبال التي تثنى بها أيدي الإبل إلى ركبها فتشد بها، وعقلت البعير أعقِله بكسر القاف عقلًا، والعاقلة عند الفقهاء العصبات ما عدا الآباء والأبناء.
خامسها: "فرمت إحداهما الأخرى بحجر [فقتلتها] (١) وما في
стр. 4423
بطنها"، أي رمتها بحجر صغير لا يحصل به القتل غالبًا، فيكون شبه عمد، فيه الدية على العاقلة ولا يجب فيه القصاص ولا دية على الجاني. وكذا تحمل رواية الصحيح أيضًا أنها ضربتها بعمود فسطاط على ذلك. وبهذا قال الشافعي (١) والجمهور، لكن في رواية للبيهقي (٢): "فقضى في الجنين بغرة وقضى أن تُقتل المرأة بالمرأة" ثم قال: إسناد صحيح، إلا أن هذه الزيادة الأخيرة لم أجدها في شيء من طرق الحديث، وإنما فيها أنه قضى بديتها على العاقلة.
قلت: وأخرج ابن حبان في صحيحه (٣) هذه الرواية أيضًا، ورواية الصحيحين مقدمة عليها، ويحتمل في الجمع بينهما بأنه قضى أولًا بقتلها، ثم عفو إلى الدية، فقضى بها على عاقلتها.
سادسها: قوله: "فقتلتها وما في بطنها" ليس فيه ما يشعر بانفصال الجنين، ولا يفهم منه بخلاف حديث عمر الذي قبله؛ فإنه صرَّح في الانفصال وهو مشروط عند الشافعية في وجوب الغرة كما أسلفناه، ثم قال الشيخ تقي الدين (٤): فيحتاج إلى تأويل هذه الرواية، وحملها على أنه انفصل، وإن لم يكن في اللفظ ما يدل عليه.
قلت: في "صحيح مسلم" في هذا الحديث ما يدل عليه، فإن فيه: "أنه ﵊ قضى في جنين المرأة من بني
стр. 4424
لحيان سقط ميتًا بغرة عبدٍ أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها -أي لها بالغرة- توفيت" الحديث، وطرق الحديث يفسِّر بعضها بعضًا.
وقوله: "فقتلتها" ظاهر العطف بالفاء وقع عقب الضرب، وليس كذلك بدليل الرواية التي أوردناها آنفًا.
سابعها: الحكم في الحديث معلق بلفظ الجنين، والشافعية فسَّروه بما ظهر فيه صورة آدمي من يد أو إصبع أو غيرهما, ولو لم يظهر شيء من ذلك، وشهدت القوابل بأن الصورة خفية لا يعرفها إلا أهل الخبرة، وجبت أيضًا، ولو قالوا ليس ثم صورة، ولكن لو بقي لتصور، فوجهان، أصحّهما: لا غرة وإن شكت في كونه أصل آدمي لم تجب قطعًا، وحَظُّ الحديث أن الحكم مرتب على اسم "الجنين"، فما تخلق فهو داخل فيه. وما كان دون ذلك فلا يدخل تحته إلا من حيث الوضع اللغوي، فإن الجنين مأخوذ من الاجتنان -وهو الاختفاء-، فإن خالفه العرف العام فهو أولى منه، وإلا اعتبر الوضع.
ثامنها: "قضى" معناها حكم وألزم.
"وغرة عبد أو وليدة" بالتنوين و"عبدٌ" بالرفع على البدل، وروى بغير تنوين وخفض "عبد" بالإِضافة، وقد سلف ذلك.
وقوله: "أو وليدة" معطوف على عبد، ففيه الوجهان.
و"الوليدة": الأمة، كما جاء في الرواية الأخرى.
ومعنى "استهل": رفع الصوت بالصياح ونحوه.
стр. 4425
ومعنى "يطل": أي يهدر، أي يلغى.
قال أهل اللغة: يقال طل دمه، بضم الطاء، وأطِل: أي أهدر، وأطله الحاكم وطله: (١) أهدره. وجوَّز بعضهم طل دمه بفتح الطاء واللام، وأباها الأكثرون. واختلف في ضبط الياء من يطل على وجهين:
أحدهما: بضم الياء المثناة تحت وفتح الطاء وتشديد اللام، أي يهدر ويلغى ولا يضمن.
ثانيهما: بفتح الباء الموحدة وتخفيف اللام على أنه فعل ماض من البطلان، وهو بمعنى الأول، وأكثر صحيح مسلم على الأول. ونقل القاضي (٢) أن جمهور الرواة فيه على الثاني. وقال الخطابي (٣): أنه قول عامة المحدثين، واقتصر الشيخ تقي الدين (٤) في شرحه على الأول، فقال: طلَّ دمه إذا أهدر ولم يؤخذ فيه شيء.
تاسعها: "الكهان": جمع كاهن، وهو تخييل كالسحر [وكلاهما من الجبت. قال القاضي (٥): الكهانة في العرب] (٦) على أربعة أضرب:
стр. 4426
أحدها: أن يكون للإنسان من يخبره من الجن فيسترق من السماء، وهذا قد بطل بالبعثة.
ثانيها: أن يخبره الجن بما يطرأ في بعض الأقطار البعيدة مما خفي على من قرب أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده. ونفت هذا كله المعتزلة وبعض المتكلِّمين.
ثالثها: الحزر والتخمين والأغلب فيها الكذب.
رابعها: العرافة، وهو الذي يستدل على الأمور المقدمات بأسباب معتادة، وهذا الفن من العيافة، وكلها يُطلق عليها كهانة.
عاشرها: السجع في الكلام الذي يأتي في أواخره نسق واحد، وأصله القصد المستوي على نسق واحد في كل شيء.
قال الجوهري (١): السجع: الكلام المقفى، والجمع: أسجاع، وأساجيع، وقد سجع الرجل سجعًا وسجع تسجيعًا، وكلام مسجع. وإنما ذم سجعه لما فيه من التكلف لإِبطال حق أو تحقيق [باطل] (٢)، أو لمجرد التكليف، ولا شك في ذم ذلك. وأما مطلق السجع الذي ليس كذلك، فليس بمذموم بل ممدوح؛ خصوصًا إذا كان أدعى إلى قبول الحق أو فهمه أو حفظ لفظه لوروده في حديث النبي - صلي الله عليه وسلم - وكلام السلف. ولهذا شبَّه ﵊ سجعه بسجع الكهان من [حيث] (٣) أنهم كانوا يروجون أقاويلهم
стр. 4427
الباطلة بأسجاع تروق للسامعين، فيستميلون بها القلوب ويستصغون إليها الأسماع. فأما إذا كان في مواضعه من الكلام، فلا ذم فيه.
تنبيه:
قوله: "من أجل سجعه الذي سجع" يحتمل أن يكون مدرجًا وأن يكون من نفس الحديث. وجزم القرطبي (١) في "مفهمه" بأنه من تفسير الراوي.
الحادي عشر: في أحكامه:
الأول: رفع الجنايات والخصام فيها إلى الحكام لغرض الفصل.
الثاني: وجوب الغرة بالجناية على الجنين وانفصاله ميتًا.
الثالث: أنه لا فرق بين الذكر والأنثى، ويخير مستحقها على قبولها من أي نوع كان بالشرط الذي أسلفناه في الكلام على الحديث قبله.
الرابع: أنه لا يتقدر للغرة قيمة لإِطلاق الخبر وهو وجه سلف مع بيان الأصح فيه.
الخامس: أن الغرة إذا وجدت بصفاتها المعتبرة لا يلزم المستحق قبول غيرها لتعيينها في الحديث، وأما إذا عدمت فليس في الحديث ما يشعر بحكمه وقد أسلفت حكمه في الكلام على الحديث قبله.
стр. 4428
السادس: أنه لا يقتضي تخصيص سن دون سن للغرة، وقد أسلفت ما فيه هناك أيضًا، وأن الأصح قبول كبير لم يعجز بهرم، ووجهه أن من أتى بما دل الحديث عليه وسماه، فقد أتى بما وجب، فلزم قبوله، إلا أن يدل دليل على خلافه، كيف والحديث [بالإِطلاق] (١) ليس فيه تقييد لمعين ولا يقتضيه لفظه.
السابع: هذا الحديث ورد في جنين حرة من غير لفظ عام، والحديث السالف ليس فيه تقييد، فإن المرأة تطلق عليها؛ وإن كان في لفظ الراوي ما يقتضي أنه شهد واقعة مخصوصة في جنين حرة، فعلى هذا يؤخذ حكم جنين الأمة من محل آخر، وقد أسلفت فيما مضى أن فيه عشر قيمة أمه، والجنين اليهودي والنصراني قيل كمسلم، وقيل: هدر، والأصح: أن الواجب فيه غرة كثلث غرة مسلم.
الثامن: أن دية المرأة الميتة من ضرب شبه عمد على عاقلتها إجراءً لحكمها مجرى القتل العمد.
التاسع: ذم الكهان وسجعهم والتشبه بهم.
العاشر: بيان الأحكام في المنطق وغيره من الأعمال.
الحادي عشر: أن العقل لا مدخل له في الأحكام الشرعية، وأنه لا حكم إلا للشرع.
الثاني عشر: قال القاضي: وفي قول "حمل كيف أغرم" إلى آخره: حجة لليث وربيعة على أن الغرة للأم خاصة؛ إذ لو كانت على
стр. 4429
الفرائض على مشهور قول مالك وأصحابه وأصحاب أبي حنيفة والشافعي لكان للأب فيها أكثرُ نصيب أو للأم والأب على مذهب ابن هرمز، [فلا يقرب للغرة] (١) , لأنه يغرم أكثرُ مما يعطي.
الثالث عشر: قد يحتج بقوله: "وقضى بدية المرأة على عاقلتها" من لا يرى القصاص في القتل بغير المحدد ويجعله شبه العمد، ويعارض ذلك رواية من روى القتل -كما أسلفته- (٢).
стр. 4430
الحديث الثامن
٣٦٢/ ٨/ ٦٨ - عن عمران بن حصين ﵄: "أن رجلًا عض يد رجل، فنزع يده من [فمه] (١) فوقعت ثنيتاه، [فاختصموا] (٢) إلى [رسول الله] (٣) ﷺ ، فقال: يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل، لا دية لك" (٤).
الكلام عليه من وجوه: والتعريف براويه سلف في باب التيمم.
الأول: المعضوض هو أجير يعلى، وقيل: يعلى نفسه ابن أمية، ويقال: ابن منية يُنسب تارة إلى أبيه وتارة إلى أمه، وقيل إنها جدته، والرواية الأولى هي الصحيحة المعروفة عند الحفاظ. وقال صاحب "المفهم" (٥): إنها الأولى والأليق من رواية مسلم: "أن يعلى
стр. 4431
قاتل رجلًا فعضَّ أحدهما صاحبه" الحديث، إذ لا يليق هذا الفعل بيعلى مع جلالته وفضله.
وقال النووي (١) يحتمل أنهم قضيتان جرتا ليعلى ولأجيره في وقتين مختلفين.
تنبيه: والد يعلى هو أمية -كما أسلفناه- ابن أبي عبيد بن همام بن الحارث الحنظلي التميمي، كنيته أبو خالد، وقيل: أبو صفوان أسلم يوم الفتح وشهد حنينًا والطائف، وكان معروفًا بالسخاء. قُتل سنة ثمان وثلاثين مع علي بصفين بعد أن شهد الجمل مع عائشة.
وأمه مُنية بضم الميم وإسكان النون وفتح المثناة تحت، ثم هاء بنت جابر عمة عتبة بن غزوان. ويقال: أخته. وقال الدارقطني: منية بنت الحارث جدته أم أبيه، وبها يُعرف. قاله الزُّبير بن بكار، وأهل الحديث يقولون إنها أمه.
قال القاضي (٢): وصحفه بعضهم فقال: منبة بضم الميم ثم نون مفتوحة ثم باء موحدة، وكان ابن وضاح يقول: أمه منية وأبوه منية، ووهم في اسم الأب، وإنما هو أمية. قال أبو عمر: ولم يصب الزُّبير في دعواه أنها جدته.
الثاني: كانت هذه القصة في غزوة تبوك، أعني قصة أجير يعلى.
стр. 4432
الثالث: "الفحل" بالحاء المهملة أي: الفحل من الإِبل وغيرها من الدواب.
وقوله: "فمه" كذا هو بإثبات الميم، وفي بعض نسخ الصحيحين بالياء المثناة تحت بدلها، وهو الأكثر في اللغة, وإن كانت الأولى فأشبه كثيرة.
وقوله: "فوقعت [ثنيتاه] (١) " كذا هو بالتثنية، وفي بعض الروايات في الصحيح بالتوحيد.
الرابع: في أحكامه:
[أحدها] (٢): تحريم العض. [وأنه ليس من شيم بني آدم] (٣).
ثانيها: الحديث قال لمذهب الشافعي وأبي حنيفة وكثيرين أو الأكثرين على أنه لا ضمان فيما إذا عض إنسان يد آخر فانتزعها فسقطت سنه بشرط أن لا يمكنه تخليص يده بغير ذلك من ضرب في شدقيه أو فك لحييه ليرسلها، فلو أمكن تخليصها بأيسر ما يقدر عليه فانتقل إلى الأثقل. فعليه الضمان.
وأجاز المارودي (٤) من الشافعية له أن ينزع يده من فيه بجبذها ولو سقطت أسنانه، ابتداءً من غير عجز عن نزعها بفك لحييه
стр. 4433
ونحوه، ولو لم يمكنه التخليص إلا بعضو آخر بأن يبعج بطنه أو يفقأ عينه أو يعصر خصييه، فله ذلك على الصحيح.
وقيل: ليس له قصد عضو آخر.
وخالف مالك في ذلك فقال في المشهور عنه. يجب الضمان في السن مطلقًا، والحديث صريح لمذهب الأكثرين.
ونقل المازري (١) مثل مقالة مالك عن الشافعي، وهي غريبة لا نعرفها في مذهبه. وتبعه القرطبي (٢)، ثم شرع يخرج قولًا للشافعي من مسألة الصائل: إنه لا ضمان وهو عجيب.
ونقل المازري عن بعض محققي شيوخهم أن من ضمنه علله بأنه يمكنه النزع برفق حتى لا تتقلع أسنانه، فإذا زاد على ذلك صار متعدِّيًا بالزيادة، فضمن، وحملوا الحديث على من لا يمكنه النزع إلا بما أدى إلى سقوط الأسنان.
وقال بعضهم: لعل أسنانه كانت متحركة فسقطت عقب النزع، وهو بعيد من ظاهر الحديث، فلا تشتغل به والتقييد بعدم الإِمكان -كما أسلفته- ليس في الحديث، ولكن يؤخذ من القواعد الكلية، وكذا إلحاق عضو آخر غير الفم وإن كان النص ورد في صورة مخصوصة.
ثالثها: رفع الجنايات إلى الحكام لأجل الفصل.
стр. 4434
رابعها: تشبيه فعل الآدمي بفعل الحيوان الذي لا يعقل للتنفير عن مثل فعله.
خامسها: أن المتعدي بالجناية إذا ترتبت عليه جناية بسبب جنايته يوجب ضمانًا بمجردها أنه لا يجب له ضمان تلك الجناية بدية ولا قيمة.
стр. 4435
الحديث التاسع
٣٦٣/ ٩/ ٦٨ - عن الحسن بن أبي الحسن البصري [رحمه الله تعالى] (١) قال: حدثنا جندب في هذا المسجد، وما نسينا منه حديثًا، ما نخشى أن يكون جندب كذب على رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع، فأخذ سكينًا فحز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات. قال الله : عبدي بادرني بنفسه فحرمت عليه الجنة" (٢).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري بهذه السياقة في باب ما ذكر عن بني إسرائيل (٣)، من كتاب بدء الخلق، من صحيحه. وقال فيه: "بادرني عبدي" بتقديم "بادرني" على لفظ "عبدي"، وفيه: "وما نسينا منه حديثًا" بدل "منه حديثًا"، كذا رأيته في نسخة معتمدة منه، ورأيت في "الجمع بين الصحيحين للحميدي" كما في الكتاب.
стр. 4436
ورواه مسلم في كتاب الإِيمان، بلفظين: أحدهما: عن الحسن قال: إن رجلًا ممن كان خرجت به قرحة فلما آذته انتزع [سهمًا من] (١) كنانته فنكأها فلم يرقأ الدم حتى مات. قال ربكم: "حرمت عليه الجنة". ثم مدَّ الحسن يده إلى المسجد فقال: إني والله لقد حدثني هذا جندب عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم -.
ثانيهما: عنه حدثنا جندب بن عبد الله البجلي في هذا المسجد فما نسينا وما نخشى أن يكون كذب على رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: خرج برجل فيمن كان قبلكم خراج. . . . فذكر نحوه.
ثانيها: في التعريف براويه، وقد سلف في باب العيدين.
والحسن هذا أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن بن يسار البصري، بفتح الباء وكسرها، نسبة إلى البصرة، البلدة المعروفة، مثلثة الباء، الأنصاري مولاهم، مولى زيد بن ثابت.
وقيل: جابر بن عبد الله.
وقيل: مولى أبي اليسر، ويقال: إنه من سبي ميسان وقع إلى المدينة فاشترته الرُّبيع بنت النضر عمة أنس بن مالك، فأعتقته. وهو من أكابر التابعين وسادات المسلمين، ومن مشاهير العلماء والزهاد المذكورين، ومن الفصحاء المبرزين وأحد الشجعان الموصوفين. وُلد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب، أمه خيرة مولاة أم سلمة، ربما غابت فترضعه أم سلمة أم المؤمنين، فيرون أن تلك
стр. 4437
الحكمة والفصاحة كانت من بركتها، وأخوه عمار من البكائين، وله أخ ثالث اسمه سعيد [أدرك ثلاثين ومائة] (١) [من الصحابة وأكثر، وكان مع جلالته يكثر من الإرسال. قال هشام بن حسان: أدرك ثلاثين ومائة من الصحابة] (٢)، ولم يصح له سماع من بعضهم إلا القليل، بل روايته ومرسلاته صحيحة. قال أبو زرعة: كل شيء. قال الحسن: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: وجدت له أصلًا ثابتًا ما خلا أربعة أحاديث. وقال ابن أبي حاتم: لا يصح له سماع من جندب، وحديثه هذا صريح في سماعه منه، وفضائله كثيرة أفردت بالتأليف. قال أيوب -يعني السختياني-: كان الرجل يجلس إلى الحسن ثلاث سنين فلا يسأله عن شيء هيبة له. وقال أبو قتادة العدوي: ما رأيت رجلًا أشبه رأيًا بعمر بن الخطاب منه. مات سنة عشر ومائة بعد ابن سيرين بمائة يوم عن تسع وثمانين سنة.
ثالثها: في ألفاظه ومعانيه: "الجرح [. . .] (٣). الظاهر أنه هنا بالضم، وهو اسم للمكان المجروح. ورواية مسلم به "قرحة": هي حبات تخرج في بدن الإِنسان، والرواية الأخرى: "خراج" بضم الخاء وتخفيف الراء القرحة أيضًا، ويبعد أن يكون بالفتح لأنه مصدر خرج.
و"جزع" بكسر الزاي: أي لم يصبر.
стр. 4438
و"السكين" تذكر وتؤنث، وتقال بالهاء أيضًا وهي المدية، أيضًا بتثليث الميم.
و"حز" بالحاء المهملة أي: قطع يده أو بعضها. قاله الشيخ تقي الدين (١). وقال ابن الجوزي في "كشف مشكل الصحيحين" (٢): الحز: قطع بعض العضو دون إبانته. ورأيت من علق على هذا الكتاب ضبطه بخطه بالجيم.
و"رقأ" بفتح الراء والقاف والهمز: ارتفع وانقطع. يقال: رقأ الدم والدمع يرقأ رقوًا مثل ركع يركع ركوعًا: إذا انقطع.
رابعها: في الحديث إشكالان أصوليان نبه عليهما الشيخ تقي الدين، أحدهما: قوله تعالى: "بادرني بنفسه"، وهي مسألة تتعلق بالآجال، ولا شك أن أجل كل شيء حينه ووقته. يقال: تم أجله، أبي: تم أمده، وجاء حينه، وليس كل وقت أجلًا، ولا يموت أحد بأي سبب كان إلا بأجله، وقد علم الله أنه يموت بالسبب المذكور. وما علمه فلا يتغير، فعلى هذا يبقى قوله: "بادرني بنفسه محتاجًا إلى التأويل، فإنه قد يوهم أن الأجل كان متأخرًا عن ذلك الوقت، فقدم عليه ولم يذكر الشيخ تأويله.
وقال [الفاكهي و] (٣) غيره: يحتمل أن تكون المبادرة من حيث السبب في ذلك، والقصد له لا أنه كان أجله متأخرًا لو لم يفعل لكن لما كان على صورة المستعجل لأجله بتسببه في ذلك صح إطلاق
стр. 4439
اسم المبادرة عليه صورة، ويحتمل أيضًا أن تكون المبادرة من حيث أنه لم يطلب منه ذلك مع أن علمه تعالى سابق بوقوع ذلك منه وهو راجع إليه أيضًا. وعبارة القاضي أبي بكر في الجواب: إن قدر الله في خلقه مطلق ومقيد بصفة، فالمطلق يمضي على الوجه المراد بلا صارت، والمقيد بصفة له وجهان:
فوجود الصفة يقتضي أحدهما وعدمه يقتضي الآخر. مثاله عمر دائرٌ بين عشرين سنة إن قتل نفسه وبين ثلاثين إن لم يقتلها، والله تعالى عالم بما يؤول إليه الأمر ولا يقع إلا ما علمه، والتردُّد إنما هو في حق العبد. والأجلان كالواجب المخير الواقع منه معلوم عند الله، والعبد مخيَّر في أي الخصال يكفر بها، فالذي يكفر به معلوم عند الله قبل التكفير مبهم عند العبد، وكذلك الأجلان، فالعبد يختار أحدهما وما يختاره معلوم عند الله، ولا يقع غيره. ويؤيد ذلك قوله: "بادرني بنفسه"، أي اختار الأجل المقيد، ولم يقل: "بادرته بنفسه".
والإِشكال الثاني: قوله: "فحرمت عليه الجنة" قد يتعلق به من يرى وعيد الأبد وأهل السنّة يجيبون عنه بأوجه:
أحدها: أنه يحتمل أن يكون مشركًا قد ضم إلى تركه هذا الفعل.
ثانيها: لعله فعله مستحلًا له، فتحريم الجنة عليه بسبب كفره لا بقتله نفسه.
ثالثها: أن المراد بالجنة المرتفعة القدر من بين الجنان.
رابعها: أن لا يدخلها أول الداخلين ويطال احتباسه أو يحبس في الأعراف.
стр. 4440
وقال النووي: ويحتمل أن شرع أهل ذلك العصر تكفير أصحاب الكبائر، وأنه نكأها استعجالًا للموت أو لغير مصلحة، فإنه لو كان على طريق المداواة التي يغلب على الظن نفعها لم يكن حرامًا.
خامسها: في أحكامه:
أحدها: تحريم قتل النفس سواء كانت نفس الإِنسان أو غيره، فإن نفس الإِنسان ليست ملكه، يتصرَّف فيها على حسب ما يراه، بل على حسب الأمر والنهي الشرعيَّين حتى لو أراد قطع أنملة من أنامله فما دونها -لا لمعنى شرعي- كان عاصيًا فلا ملك على الحقيقة إلا لله رب العالمين.
وأما قوله تعالى -حكايةً عن موسى-: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ (١)، ففيها حذف تقديره إلا أمر نفس أو إلا طاعة نفسي وأخي؛ وذلك أنهم لما قالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ غضب ﵊، وقال ذلك كأنه يقول لم يطعني منهم إلا نفسي وأخي.
ثانيها: بيان صفة التحديث بصيغته ومكانه وحال المحدث في ضبطه وعدم نسيانه والمحدث عنه، فإن الحسن البصري ذكر الرواية بلفظ حدثنا، وفي مسجد البصرة وعدم نسيانه لما رواه وعدم كذب المحدث عنه وعدالة الصحابة.
ثالثها: ترجيح رواية الحديث بلفظه دون معناه.
стр. 4441
رابعها: التحديث عن الأمم الماضية للاعتبار وتقرير الأحكام، وذلك ما اطلعه الطفيل بن عمرو في منامه وهيئته حسنة، ورآه مغطيًا يديه فقال له: ما صنع بك ربك. قال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ فقال: ما لي أراك مغطيًا يديك؟ قال: قيل لي: لن يصلح منك ما أفسدت. فقصها الطفيل على رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم وليدة فاغفر" (١).
وهذا الحديث فيه حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنّة أن من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة، فليس بكافر، ولا يقطع له بالنار، هو في حكم المشيئة. وهذا الحديث أيضًا شرح (٢) لحديث جندب المذكور ولغيره من الأحاديث [الموهمة] (٣) لتخليد قاتل نفسه في النار، ورد على المعتزلة القائلين بذلك وعلى المرجئة القائلين بعدم المؤاخذة بالذنوب مع الإِيمان وهو نص في عين المسألة.
стр. 4442
كتاب الحدود
стр. 4443
٦٩ - كتاب الحدود
الحدود: جمع حد، وهو في اللغة: المنع، ومنه حد الدار، وسميت الحدود حدودًا لمنعها من ارتكاب الفواحش. وقيل: لأن الله تعالى حددها وقدرها فلا يزاد عليها ولا ينقص منها.
وكانت الحدود في صدر الإِسلام بالغرامات ثم نسخت بالحدود [المشهورة] (١). والمنصوص عليها، وفي سنن ابن ماجه وصحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - قال: "حدٌّ يقام في الأرض خير من أن تمطر أربعين يومًا" (٢). رواه النسائي. وقال: ثلاثين، والإِمام أحمد بالشك فيهما.
وذكر المصنف في الباب ستة أحاديث والأخير منها في إباحة فقء عين من نظر إليه من صير الباب.
стр. 4444
الحديث الأول
٣٦٤/ ١/ ٦٩ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: "قدم ناس من عكل -أو عرينة- فاجتووا المدينة، فأمر لهم النبي - صلي الله عليه وسلم - بلقاح، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا. فلما صحوا قتلوا راعي النبي - صلي الله عليه وسلم -، واستاقوا النعم. فجاء الخبر في أول النهار، فبعث في آثارهم. فلما ارتفع النهار جيء بهم، فأمر بهم، فقُطعت أيديهم وأرجلهم [من خلاف] (١)، وشمرت أعينهم، وتركوا في الحرة يستسقون فلا يسقون. قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله". أخرجه الجماعة (٢).
هذا حديث عظيم مشتمل على نفائس من علم الأسماء والنسب
стр. 4445
واللغة والمبهمات والأحكام، ويتبين ذلك في وجوه:
أولها: أنس ﵁ تقدَّم التعريف به في أول باب الاستطابة.
وأبو قلابة: سلف في باب صفة صلاة النبي - صلي الله عليه وسلم. ومراد المصنف: "بالجماعة" أصحاب الكتب الستة، وقد أسلفت لك ترجمة البخاري ومسلم في شرح ديباجة الكتاب، وراجع ترجمة الأربعة فيما أفردته في الرجال الواقعة في الكتاب.
ثانيها: قوله: "عكل" بضم العين المهملة وسكون الكاف وبعده لام قبيلة نسبت إلى عكل امرأة حضنت ولد عوف بن إياس بن قيس بن عوف بن عبد مناة بن آد بن طابخة، فغلبت عليهم ونُسبوا إليها.
و"عرينة": بضم العين المهملة وفتح الراء ثم مثناة تحت ساكنة ثم نون ثم هاء: بطن من بجيلة.
ثالثها: في "الصحيح" (١) أيضًا "من عرينة على الجزم"، وفيه "من عكل" على الجزم، وفيه "من عكل وعرينة" من غير شك. وفي "مصنف عبد الرزاق" (٢) "من بني فرازة ماتوا هزلًا". وفي "أحكام ابن الطلاع" من بني سليم. وفي شرح الشيخ تقي الدين (٣): من بني عرينة.
رابعها: عدد العرنيين ثمانية كما ثبت في الصحيحين، وعزى
стр. 4446
ذلك النووي في "مبهماته" (١) إلى مسند أبي يعلى، وتبعه تلميذه ابن العطّار في "شرحه"، وهو غريب، فقد أخرجه مسلم في الحدود والبخاري (٢) في باب إذا أحرق المسلم هل يحرق؟ فعزوه إليهما أولى.
خامسها: "اجتووا" بجيم ثم مثناة فوق؛ وهو مشتق من الجوا، وهو داء في الجوف، ومعناه: استوخموها كما جاء مفسرًا في الرواية الأخرى في الصحيح: "فاستوخموا الأرض وسقمت أجسامهم"، أي لم توافقهم وكرهوها لسقم أجسامهم. يقال: اجتوى البلد إذا كرهها. واستوخمه واستوبله: إذا سقم فيه عند دخوله، ومنهم من فرَّق بين اجتوى واستوبل، يقال: اجتوى البلد إذا كرهها، وإن كانت موافقة، واستوبلها إذا لم توافق وإن اجتواها (٣). وقد وقع كذلك في بعض نسخ الكتاب.
وفي الصحيح (٤): "قدم نفر من عرينة فأسلموا وبايعوا، وقد وقع بالمدينة الموم"، وهو البرسام، أي وهو نوع من اختلال يُطلق
стр. 4447
على ورم الرأس وورم الصدر (١)، وهو معرب. أصل اللفظة سريانية (٢).
وفي "مسند أحمد": "شكوا حمى المدينة"، ووقع في حواشي (٣) بعض نسخ مسلم: "الحمى" بدل "المرم"، حكاه المازري (٤).
فلما حصل لهم ذلك أمرهم ﵊[أن] (٥) يخرجوا [إلى] (٦) الإبل واللقاح، فيشربوا من أبوالها وألبانها، فالمدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد. وقد ظهر خبثهم بعد ذلك وقبح فعلهم.
سادسها: "اللقاح": ذوات الألبان من الإِبل. واحدها: لقحة، بكسر اللام وفتحها، وقيل: إنما يقال لقحة بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة لقرب ولادتها، ثم هي بعد ذلك لبون.
стр. 4448
سابعها: هذه اللقاح ثبت في الصحيح أنها لقاح النبي ﷺ , وثبت فيه أنها إبل الصدقة، ولعل الجمع بينهما اللقاح له والإِبل للصدقة، وكانت ترعى معها فاستاقوا الجميع، وإنما أذن لهم في شرب لبنها على هذه الرواية لأنه للمحتاجين من المسلمين، وهؤلاء منهم. وقد ترجم عليه البخاري في كتاب الزكاة استعمال إبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل (١).
ثامنها: عدد هذه اللقاح خمس عشرة [. . .] (٢) ذكره ابن سعد في "طبقاته" (٣)، قال: وفقد منها واحدة. قال: وهذه اللقاح كانت ترعى بذي الحدر، ناحية قباء، قريبًا من عير على ستة أميال من المدينة.
عاشرها: اسم هذا الراعي: يسار، بمثناة تحت في أوله، وهو مولى رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، وكان نوبيًا، فأعتقه. وقيل: إنه ﵊ أصابه في غزوة محارب وبني ثعلبة، فجعله في لقاح له يرعى ناحية الحمى، فقتلوه ثم مثلوا به وغرزوا الشوك في لسانه وسمروا عينيه. وفي "معرفة الصحابة" (٤) لأبي نعيم أنهم قتلوه وجعلوا الشوك في عينيه. وفي الصحيح: "ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم"، ولا تنافي بينهما، فإن الراعي اسم جنس.
стр. 4449
الحادي عشر: "استاقوا" حملوا، وهو من السوق وهو السير السريع العنيف.
الثاني عشر: "النعم" بفتح النون والعين المهملة، يُذكَّر ويؤنَّث. حكاهما ابن دريد وغيره.
وقال الفراء: لا يؤنث، سمي نعمًا لنعومة بطنه، وهي الإِبل خاصة. قاله ابن دريد والهروي.
قال الهروي: بخلاف الأنعام، فإنها الإِبل والبقر والغنم. وهذا غريب في الأسماء أن يدل الجمع على جنس لا يدل عليه المفرد.
وقال الجوهري (١): الأنعام المال الراعية، وأكثر ما يقع على الإِبل. وقال النووي في "تحريره" (٢): النعم الإِبل والبقر، وهو اسم جنس، وجمعه: أنعام. قال: ونقل الواحدي: إجماع أهل اللغة على هذا كله.
وقال غيره: لا تطلق على الغنم أنها نعم إلا إذا كان معها إبل [أو] (٣) بقر، ويُطلق على كل من الإِبل والبقر نعم بمفرده.
الثالث عشر: في الصحيح أيضًا: أنهم "استاقوا ذود رسول الله - صلي الله عليه وسلم -"، وفيه أيضًا: "أنهم طردوا الإِبل"، ووجه الجمع أنهم استاقوا الذود، وهو النعم في الرواية الأخرى "مع إبل الصدقة" أيضًا.
стр. 4450
الرابع عشر: بعث ﷺ في آثارهم كرز بن جابر الفهري ومعه عشرون فارسًا. قاله ابن سعد في "طبقاته" (١).
وفي "صحيح مسلم" (٢): وعنده شباب من الأنصار قريب من عشرين، فأرسل إليهم وبعث معهم قائفًا يقص أثرهم.
وذكر أيضًا أبو حاتم ابن حبان في "ثقاته" (٣) فقال: كان ذلك في السنة السادسة، وأنه بعث في طلبهم كرز بن جابر الفهري بسرية في شوال في عشرين راكبًا معهم قائف، فأخذ قرابهم حتى أخذوهم وجاءوا بهم إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم -. وقال موسى بن عقبة: كان أمير السرية سعيد بن زيد. وروى محمَّد بن الفضل الطبري من حديث جرير: أنه ﵊ بعثه في أثرهم، وفيه على تقدير صحة إسناده نظر؛ لأن قصة العرنيين كانت في شوال سنة ست كما ذكرناه، وإسلام جرير كان في السنة العاشرة على المشهور؛ إلا أن يدعي أنه استعان به.
الرابع عشر: "سمرت" بالميم المخففة وشددها بعضهم، والأول أوجه، أي كحلت بمسامير محماة. ويؤيده رواية البخاري: "ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها". وفي معظم نسخ "مسلم": "سمل" باللام وتخفيف الميم، أي فقأها وأذهب ما فيها إما بشوك أو بغيره.