← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

ذلك النووي في "مبهماته" (١) إلى مسند أبي يعلى، وتبعه تلميذه ابن العطّار في "شرحه"، وهو غريب، فقد أخرجه مسلم في الحدود والبخاري (٢) في باب إذا أحرق المسلم هل يحرق؟ فعزوه إليهما أولى. خامسها: "اجتووا" بجيم ثم مثناة فوق؛ وهو مشتق من الجوا، وهو داء في الجوف، ومعناه: استوخموها كما جاء مفسرًا في الرواية الأخرى في الصحيح: "فاستوخموا الأرض وسقمت أجسامهم"، أي لم توافقهم وكرهوها لسقم أجسامهم. يقال: اجتوى البلد إذا كرهها. واستوخمه واستوبله: إذا سقم فيه عند دخوله، ومنهم من فرَّق بين اجتوى واستوبل، يقال: اجتوى البلد إذا كرهها، وإن كانت موافقة، واستوبلها إذا لم توافق وإن اجتواها (٣). وقد وقع كذلك في بعض نسخ الكتاب. وفي الصحيح (٤): "قدم نفر من عرينة فأسلموا وبايعوا، وقد وقع بالمدينة الموم"، وهو البرسام، أي وهو نوع من اختلال يُطلق

стр. 4447

على ورم الرأس وورم الصدر (١)، وهو معرب. أصل اللفظة سريانية (٢). وفي "مسند أحمد": "شكوا حمى المدينة"، ووقع في حواشي (٣) بعض نسخ مسلم: "الحمى" بدل "المرم"، حكاه المازري (٤). فلما حصل لهم ذلك أمرهم ﵊[أن] (٥) يخرجوا [إلى] (٦) الإبل واللقاح، فيشربوا من أبوالها وألبانها، فالمدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد. وقد ظهر خبثهم بعد ذلك وقبح فعلهم. سادسها: "اللقاح": ذوات الألبان من الإِبل. واحدها: لقحة، بكسر اللام وفتحها، وقيل: إنما يقال لقحة بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة لقرب ولادتها، ثم هي بعد ذلك لبون.

стр. 4448

سابعها: هذه اللقاح ثبت في الصحيح أنها لقاح النبي ﷺ , وثبت فيه أنها إبل الصدقة، ولعل الجمع بينهما اللقاح له والإِبل للصدقة، وكانت ترعى معها فاستاقوا الجميع، وإنما أذن لهم في شرب لبنها على هذه الرواية لأنه للمحتاجين من المسلمين، وهؤلاء منهم. وقد ترجم عليه البخاري في كتاب الزكاة استعمال إبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل (١). ثامنها: عدد هذه اللقاح خمس عشرة [. . .] (٢) ذكره ابن سعد في "طبقاته" (٣)، قال: وفقد منها واحدة. قال: وهذه اللقاح كانت ترعى بذي الحدر، ناحية قباء، قريبًا من عير على ستة أميال من المدينة. عاشرها: اسم هذا الراعي: يسار، بمثناة تحت في أوله، وهو مولى رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، وكان نوبيًا، فأعتقه. وقيل: إنه ﵊ أصابه في غزوة محارب وبني ثعلبة، فجعله في لقاح له يرعى ناحية الحمى، فقتلوه ثم مثلوا به وغرزوا الشوك في لسانه وسمروا عينيه. وفي "معرفة الصحابة" (٤) لأبي نعيم أنهم قتلوه وجعلوا الشوك في عينيه. وفي الصحيح: "ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم"، ولا تنافي بينهما، فإن الراعي اسم جنس.

стр. 4449

الحادي عشر: "استاقوا" حملوا، وهو من السوق وهو السير السريع العنيف. الثاني عشر: "النعم" بفتح النون والعين المهملة، يُذكَّر ويؤنَّث. حكاهما ابن دريد وغيره. وقال الفراء: لا يؤنث، سمي نعمًا لنعومة بطنه، وهي الإِبل خاصة. قاله ابن دريد والهروي. قال الهروي: بخلاف الأنعام، فإنها الإِبل والبقر والغنم. وهذا غريب في الأسماء أن يدل الجمع على جنس لا يدل عليه المفرد. وقال الجوهري (١): الأنعام المال الراعية، وأكثر ما يقع على الإِبل. وقال النووي في "تحريره" (٢): النعم الإِبل والبقر، وهو اسم جنس، وجمعه: أنعام. قال: ونقل الواحدي: إجماع أهل اللغة على هذا كله. وقال غيره: لا تطلق على الغنم أنها نعم إلا إذا كان معها إبل [أو] (٣) بقر، ويُطلق على كل من الإِبل والبقر نعم بمفرده. الثالث عشر: في الصحيح أيضًا: أنهم "استاقوا ذود رسول الله - صلي الله عليه وسلم -"، وفيه أيضًا: "أنهم طردوا الإِبل"، ووجه الجمع أنهم استاقوا الذود، وهو النعم في الرواية الأخرى "مع إبل الصدقة" أيضًا.

стр. 4450

الرابع عشر: بعث ﷺ في آثارهم كرز بن جابر الفهري ومعه عشرون فارسًا. قاله ابن سعد في "طبقاته" (١). وفي "صحيح مسلم" (٢): وعنده شباب من الأنصار قريب من عشرين، فأرسل إليهم وبعث معهم قائفًا يقص أثرهم. وذكر أيضًا أبو حاتم ابن حبان في "ثقاته" (٣) فقال: كان ذلك في السنة السادسة، وأنه بعث في طلبهم كرز بن جابر الفهري بسرية في شوال في عشرين راكبًا معهم قائف، فأخذ قرابهم حتى أخذوهم وجاءوا بهم إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم -. وقال موسى بن عقبة: كان أمير السرية سعيد بن زيد. وروى محمَّد بن الفضل الطبري من حديث جرير: أنه ﵊ بعثه في أثرهم، وفيه على تقدير صحة إسناده نظر؛ لأن قصة العرنيين كانت في شوال سنة ست كما ذكرناه، وإسلام جرير كان في السنة العاشرة على المشهور؛ إلا أن يدعي أنه استعان به. الرابع عشر: "سمرت" بالميم المخففة وشددها بعضهم، والأول أوجه، أي كحلت بمسامير محماة. ويؤيده رواية البخاري: "ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها". وفي معظم نسخ "مسلم": "سمل" باللام وتخفيف الميم، أي فقأها وأذهب ما فيها إما بشوك أو بغيره.

стр. 4451

قال أبو ذؤيب (١): والعين بعدهم كأن حداقها ... سملت بشوك فهي عور تدمع وقيل: بحديدة محماة تدنى من العين حتى يذهب ضوءها، وعلى هذا تتفق مع رواية من رواه بالراء، وقد تكون هذه الحديدة مسمارًا، وأيضًا فقد فقأها بالمسمار وسملها به كما فعل ذلك بالشوك، وقيل: إن الراء واللام بمعنى واحد، والراء تبدل منها. واستعمله القرطبي (٢). الخامس عشر: إنما سمل أعينهم [لأنهم سملوا أعين الرعاة] (٣)؛ كما ثبت في "صحيح مسلم"، وهو من أفراده، واستدركه صاحب المستدرك (٤) ولا يحسن استدراكه على مسلم (٥)؛ لأنه فيه -كما علمت-، نعم قد يستدرك على البخاري. السادس عشر: "الحرة" أرض تركبها حجارة سود -كما سلف في الصيام-، وفي رواية الصحيح: "ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا"، وفيه أيضًا: "وتركهم بالحرة يعضون الحجارة"، وفيه أيضًا: "فرأيت الرجل منهم يلزم الأرض بلسانه حتى يموت"، وفيه أيضًا: "أنه لم يحسمهم بالنار حتى ماتوا"، أي لم يكوهم لينقطع الدم.

стр. 4452

قال القاضي (١): وهو حجة في أن المحارب لا يحسم لأنه ممن خير في حده بالقتل، لكن إن حسم نفسه لم يمنع. وأما السارق: فحده القطع فقط. فيبادر بحسمه لئلا ينزف دمه فيموت، وهو مذهب الشافعي وأبي ثور وغيرهما. السابع عشر: قوله: "يستسقون فلا يسقون"، أي: يسألوا ذلك وهذا إخبار عن الواقع لا يقتضي بهذا ولا غيره. وقد أجمع العلماء كما نقله القاضي (٢) على أن من وجب عليه القتل فاستسقى الماء أنه لا يمنع منه لئلا يجمع عليه عذابان وأجيب عن عدم سقايتهم بجوابين حسنين: أحدهما: معاقبة بجنايتهم وكفرهم بسقيهم ألبان تلك الإِبل فعاقبهم الله تعالى بذلك فلم يسقوا. ثانيهما: أنهم عوقبوا بذلك لإِعطاشهم آل بيت النبي - صلي الله عليه وسلم - بأخذ لقاحهم ودعائه ﵊ عليهم بقوله: "عطش الله من عطش آل محمَّد الليلة" (٣)، كما رواه النسائي فكان ترك الناس سقيهم إجابة لدعائه ﷺ . ووجه ثالث حسن: وهو ما ثبت في الصحيح أنهم قتلوا الرعاة وارتدوا عن الإِسلام فلا حرمة لهم إذن من سقي الماء ولا غيره وهذا معنى قول أبي قلابة: و"كفروا بعد إيمانهم".

стр. 4453

وقد اتفق أصحابنا على أنه لا يجوز لمن معه ماء يحتاج إليه للطهارة أن يسقيه لمرتد يخاف الموت من العطش ويتيمم، بخلاف الذمي والبهيمة. وقصر ابن العطار من "شرحه" في عزو هذه الرواية الي نقلناها من كونهم ارتدوا فقال: روى في بعض هذا الحديث الصحيح في "سنن أبي داود" (١) والنسائي من رواية ابن عمر: "أنهم قتلوا الرعاة وارتدوا عن الإِسلام"، وهذا عجيب منه فعزوه إلى الصحيح أولى. وأيضًا فهو ثابت فيه من حديث أنس فإنه لا يعدل إلى راوٍ آخر إلا بعد عدمه في تلك الرواية كما جرت به عادة أهل هذا الشأن. الثامن عشر: في فوائده وأحكامه: الأولى: قدوم القبائل والغرباء على الإِمام. الثانية: نظر الإِمام في مصالحهم وأمره لهم بما يناسب حالهم وإصلاح أبدانهم. الثالثة: طهارة بول ما يؤكل لحمه وهو مذهب مالك وأحمد وقول ابن خزيمة والروياني من الشافعية. لكن إنما تكون طاهرة عند المالكية إذا كانت لا تستعمل النجاسة. قالوا: فإن كانت تستعمل فنجسة على المشهور. وأجاب المخالفون: وهم الحنفية وجمهور الشافعية القائلون بنجاسة بوله وروثه بأن شربهم الأبوال كان للتداوي وهو جائز بكل النجاسات سوى الخمر والمسكرات.

стр. 4454

واعترض عليهم: بأنها لو كانت نجسة محرمة للشرب ما جاز التداوي لأن الله لم يجعل شفاء هذه الأمة فيما حرم عليها. وقد يجاب: عن ذلك بأن الضرورة جوزته. الرابع: ثبوت أحكام المحاربة في الصحراء فإنه ﵊ بعث في طلبهم لما بلغه فعلهم بالرعاة. واختلف العلماء في ثبوت أحكامها في الأمصار فنفاه أبو حنيفة، وأثبته مالك والشافعي، ووافق بعض المالكية الحنفية. الخامسة: شرعية المثلة في القصاص والنهي عن المثلة محمول على من وجب عليه القتل لا على طريق المكافأة: كما سلف في الباب قبله. وقال بعضهم: فعله ﵊ ذلك بهم فعل زائد على حد الحرابة لعظيم جرمهم لارتدادهم ومحاربتهم وقتلهم الرعاة وتمثيلهم بهم وأن النهي عن المثلة نهي تنزيه لا تحريم. وقال محمَّد بن سيرين: أن ذلك قبل أن تنزل الحدود. ذكره البخاري في حديث أنس، أي: وقبل أن تنزل آية المحاربة والنهي عن المثلة. وفي البخاري (١) أيضًا عن قتادة أنه قال: "بلغنا أنه ﵊ بعد ذلك [أنه] (٢) كان يحث على الصدقة، وينهى عن المثلة". وكذا قال الشافعي ﵀: إنه منسوخ، حكاه الإِمام في

стр. 4455

"نهايته" عنه. وكذا ادعى نسخه ابن شاهين (١) بحديث كثير بن شنظير عن الحسن بن عمران قال: ما قام فينا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - خطيبًا إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة، وقال: هذا الحديث ينسخ كل مثلة كانت في الإِسلام، قلت: في سماع الحسن من عمران خلاف (٢). وقال ابن الجوزي في كتابه: "الإعلام" (٣) ادعاء النسخ يحتاج إلى التاريخ، وقد قال العلماء إنما سمل أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة فاقتص منهم بمثل ما فعلوا والحكم بذلك ثابت وما حكاه عن العلماء قد أسلفته حديثًا صحيحًا مصرحًا به، لكن اعترض الشيخ تقي الدين على ما ذكره ابن الجوزي فقال: الحديث وردت فيه المثلة من جهات عديدة وأشياء كثيرة فهب أنه ثبت القصاص في سمل الأعين فما يصنع بباقي ما جرى في المثلة فلابد له فيه من جواب غير هذا، وقد رأيت عن الزهري في قصة العرنيين أنه ذكر

стр. 4456

أنهم قتلوا يسارًا مولى النبي ﷺ ثم مثلوا به. فلو ذكر ابن الجوزي هذا كان أقرب إلى مقصوده مما ذكره من حديث سمل الأعين ققط على أنه أيضًا بعد ذلك يبقى نظر في بعض ما حكى في القصة. قلت: [وقد] (١) سلف أنهم مثلوا به وغرزوا الشوك في لسانه وسمروا عينه. ونقل القرطبي في "مفهمه" (٢) عن أهل التواريخ والسير أنه ﵊ إنما قطع أيديهم وأرجلهم لأنهم فعلوا كذلك بالراعي. قالوا: وأدخل الشوك في عينيه حتى مات وأدخل المدينة ميتًا. وفي "النسائي" أنه ﵊ صلبهم أيضًا. وقال ابن شهاب بعد أن ذكر قصتهم: ذكروا والله أعلم أنه ﵊ نهى بعد ذلك عن المثلة، فالآية التي في سورة المائدة ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٣) الآية. وفي رواية فما مثّل نبي الله قبل ولا بعد ونهى عن المثلة. وقال: "لا تمثلوا بشيء"، وفي رواية من حديث جرير بإسناد ضعيف (٤)، من حديث جرير فكره ﵊ سمل الأعين فأنزل الله آية المحاربين.

стр. 4457

وفي سنن "أبي داود" و"النسائي" (١) عن أبي الزناد ﵊ لما قطعهم وسمل أعينهم بالنار عاتبه الله في ذلك ونزل: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ﴾ الآية. السادسة: إن فعل الإِمام بالمحاربين وأهل الفساد ما يفعله في المثلة والقطع وسمر الأعين ونحو ذلك ليس هو من عدم الرحمة بل هو رحمة لما فيه من كف العادية عن الخلق وفعل ذلك بهم لا يظن أنه مخالف لوصف الرحمة الذي هو مشروط في حقهم على الرعايا، وقد قال ﵊: "إن لي على قريش حقًا، ولقريش عليكم حقًا ما إذا حكموا فعدلوا، وائتمنوا فأدوا، واسترحموا فرحموا" (٢). السابعة: عقوبة المحاربين وهو موافق للآية الكريمة السالفة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٣) الآية. واختلف العلماء في المراد منها في القتل والصلب والقطع من خلاف على قولين: أحدهما: أن "أو" فيها للتخيير، فيتخير الإِمام بين الأمور الثلاثة المذكورة فيها وهو قول مالك، إلا أن يكون المحارب قد قتل فيتحتم قتله.

стр. 4458

وقال أبو حنيفة وأبو مصعب المالكي: الإِمام بالخيار وإن قتلوا. وقال بعض الحنفية: إن هذا عن أبي حنيفة غلط لأن مذهبه فيمن أخذ المال. وقيل: إن الإِمام بالخيار: إن شاء قطعه وقتله أو صلبه وإن شاء قتله ابتداء وصلبه. والقول الثاني: أن "أو" للتقسيم قاله الشافعي وآخرون. فإن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا، وإن قتلوا وأخذوه قتلوا وصلبوا، وإن أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن أخافوا السبيل ولم يأخذوا شيئًا ولم يقتلوا طلبوا حتى يعزروا وهو المراد بالنفي عند أصحاب هذا القول. قالوا: لأن ضرر هذه الأفعال يختلف فكانت عقوباتها مختلفة فلم تكن للتخيير. وحكى القاضي (١) عن مالك أنه يقتل ذا الرأي والتدبير، ويقطع ذا البطش والقوة، ويعزر من عداه. قال فجعلها مرتبة على صفاتهم لا على أفعالهم. [الثامنة] (٢): جواز التطبب وأن طب كل

стр. 4459

[جسد] (١) بما اعتاد فإن هؤلاء القوم أعراب البادية عادتهم شرب أبوال الإِبل وألبانها وملازمتهم الصحارى فلما دخلوا القرى وفارقوا أغذيتهم، وعادتهم مرضوا فأرشدهم ﷺ إلى ذلك، فلما رجعوا إلى عادتهم من ذلك صحوا وسمنوا. وقد أدخل البخاري هذا الحديث في الطب من "صحيحه" وترجم عليه الدواء بألبان الإِبل وأبوالها (٢)، وفيه أنهم "قالوا يا رسول الله آونا وأطعمنا، فلما صحوا قالوا إن المدينة وخمة فأنزلهم الحرة في ذود له فقال: اشربوا ألبانها، فلما صحوا قتلوا الراعي"، الحديث. قال سلام بن مسكين: فبلغني أن الحجاج قال لأنس: حدثني بأشد عقوبة عاقب النبي ﷺ فحدثه بهذا فبلغ الحسن فقال: وددت أنه لم يحدثه. التاسعة: قتل المرتد من غير استتابة وفي كونها واجبة أو مستحبة خلاف شهير. ورأيت من يجيب بأنهم حاربوا والمرتد إذا حارب لا يستتاب لأنه يجب قتله فلا يظهر له معنى. العاشرة: قتل الجماعة بواحد سواء قتلوه غيلة أو حرابة، وبه قال الشافعي ومالك وجماعة وخالف فيه أبو حنيفة. الحادية عشرة: لابد من تقدير اعتراف القائلين، أو الشهادة عليهم وإن لم يصرح بذلك في الحديث.

стр. 4460

الثانية عشرة: سماهم أبو قلابة سرّاقًا لأنهم أخذوا النعم من حرز مثلها وهو وجود الراعي معها ويراها كلها. الثالثة عشرة: خرّج البخاري هذا الحديث في صحيحه في مواضع منها باب إذا حرق المشرك المسلم هل يحرق (١)؟ كما سلف، وفيه قالوا: "يا رسول الله ﷺ أبغنا رسلًا، قال ما أجد لكم أن تلحقوا بالذود". ومنها في الحدود (٢) "وذكر أنهم كانوا في الصفة يعني أولًا"، ومنها في الطب: كما سلف (٣)، ومنها في الزكاة كما سلف. ومنها في المغازي بعد غزوة الحديبية وقبل غزوة ذي قرد فقال: قصة عكل وعرينة (٤)، ثم رواه بلفظ: أن ناسًا من عكل وعرينة قدموا المدينة وتكلموا بالإِسلام فقالوا: يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف واستوخموا المدينة فأمر لهم رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بذود وراع وأمرهم أن يخرجوا فيه، الحديث. وفيه: حتى إذا كانوا بناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم وقتلوا الراعي وفيه: وتركوا في ناحية الحرة حتى

стр. 4461

ماتوا على حالهم (١).

стр. 4462

الحديث الثاني ٣٦٥/ ٢/ ٦٩ - عن عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة ﵁ وزيد بن خالد الجهني أنهما قالا: "إن رجلًا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أنشدك الله إلَّا قضيت بيننا بكتاب الله. فقال الخصم [الآخر] (١) -وهو أفقه منه- نعم، فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي، فقال [رسول الله ﷺ ] (٢): قل، [قال] (٣) إن ابني كان عسيفًا على هذا، فزنا بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد [عليك] (٤) وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام. واغد يا أُنيس -لرجل من أسلم-

стр. 4463

[إلي] (١) امرأة هذا، إن اعترفت فارجمها. [قال] (٢) فغدا عليها، فاعترفت فأمر بها رسول الله - صلي الله عليه وسلم - فرجمت (٣). العسيف: الأجير. الكلام عليه من وجوه. الأول: في بيان الأسماء الواقعة فيه. أما عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة فهو أبو عبد الله الهذلي المدني التابعي، الفقيه، الأعمى، أحد الفقهاء السبعة. روى عن أبيه وعائشة وغيرهما وعنه، أخوه: عون، والزهري، وآخرون. واتفقوا على توثيقه وأمانته، وجلالته، وكثرة علمه، وفقهه، وحديثه، وصلاحه، وكان معلم عمر بن عبد العزيز. قال الزهري ما جالست أحدًا من العلماء إلَّا وأرى أني قد أتيت على ما عنده ما خلا عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة فإني لم آته إلَّا وجدت عنده علمًا طريفًا. مات سنة ثمان وتسعين على الصحيح وحمل علي بن الحسين جنازته.

стр. 4464

أما أبو هريرة: فسلف التعريف به في الطهارة. وأما زيد بن خالد الجهني: فسلف التعريف به في باب: اللقطة. وأما أنيس: فهو صحابي مشهور يعد في الشاميين وهو ابن الضحاك الأسلمي، وقال أبو عمر: يقال مرثد بن أبي مرثد مات سنة عشرين وقيل: إنه ابن الضحاك. وقال النووي (١): إن هذا هو الصحيح ثبت. قلت: وسبقه إليه ابن الأثير فإنه قال إنه أشبه بالصحة لكثرة الناقلين له ولأنه ﵊ كان يقصد أن لا يؤمر في القبيلة إلَّا رجلًا منها لنفورهم من حكم غيره وكانت المرأة أسلمية (٢). ورجحه ابن طاهر المقدسي أيضًا. الثاني: في مبهماته هذه المرأة أسلمية ولكن لا يحضرني اسمها وكذا اسم الأعرابي وابنه والخصم بعد البحث عن ذلك. الثالث: في ألفاظه ومعانيه. يعني: "أنشدك" بفتح الهمزة وضم الشين ومعناه: أسئلك رافعًا نشيدي [وهو صوتي] (٣). و"كتاب الله" هنا حكمه مطلقًا، أي: بما كتب على عباده من الحدود والأحكام.

стр. 4465

قال الشيخ تقي الدين (١): وهو أولى من حمله على القرآن خاصة لأنه ذكر فيه التغريب، وليس منصوصًا فيه إلَّا بواسطة أمر الله باتباع رسوله وطاعته. قلت: لكن سيأتي أنه تفسير للسبيل الآتي في الآية فهو منصوص عليه فيه على هذا. وقال القرطبي (٢): إن كانت هذه القضية وقعت بعد [نسخ [تلاوة] (٣) آية الرجم فالمراد به] (٤) حكم الله وإن كانت قبله، [فالمراد حقيقة كتاب الله] (٥). وقوله: "وهو أفقه منه"، أي: لأنه أدى القصة على وجهها وتأنى واستأذن في الكلام ليأمن من الوقوع في النهي في قوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ﴾ (٦) بخلاف خطاب خصمه أنشدك الله: فإنه من جفا الأعراب. والعسيف: بالعين والسين المهملتين الأجير كما ذكره المصنف وهو في الصحيح معزوًا إلى مالك. وجمعه عسفاء، كأجير وأجراء، وفقيه وفقهاء.

стр. 4466

وقوله: "كان عسيفًا على هذا" معناه: لهذا، والحروف يقوم بعضها مقام بعض كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾، أي: عليها. وقوله: "فافتديت منه"، أي: من الرجم. "والوليدة" الأمة وجمعها ولائد وقد سلف في اللعان واضحًا. وقوله: "لأقضين بينكما بكتاب الله"، أي: بحكم الله كما سلف، وقيل: هو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾، وفسر ﷺ السبيل: بالرجم في حق المحصن وبالجلد والتغريب في حق غيره كما أخرجه مسلم (١) من حديث عبادة، وإن كان فيه ضم الجلد إلى الرجم أيضًا في حق المحصن، وسيأتي اختلاف العلماء فيه. وقيل: هو إشارة إلى أنه "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" هو مما نسخت تلاوته وبقي حكمه. فعلى هذا يكون الجلد قد أخذ من قول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ (٢) وقيل: المراد [بعض] (٣) صلحكما الفاسد لأنه أكل المال بالباطل وكتاب الله مصرح بالنهي عنه. وقوله: "الوليدة والغنم رد"، أي: مردودة عليك. وأطلق

стр. 4467

المصدر على اسم المفعول كقولك: ثوب نسيج اليمن، أي: منسوج اليمن، وهذا خلق الله، أي: مخلوقه، ومعناه يجب ردها عليك. وقوله: "وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام"، هذا متضمن أن ابنه كان بكرًا وعلى أن ابنه اعترف بالزنا فإن إقرار الأب عليه لا يقبل إلَّا أن يكون هذا من باب الفتوى فيكون معناه إن كان ابنك زنى وهو بكر فحده ذلك. وقوله: "واغد يا أنيس" إلى آخره، إنما بعثه لإِعلام المرأة بأن هذا الرجل قذفها بابنه فلها عليه حد القذف فيطالب به أو تعفو إلَّا أن تعترف بالزنا فلا يجب عليه حد القذف بل عليها حد الزنا وهو الرجم لأنها كانت محصنة، فذهب إليها أنيس فاعترفت به فأمر ﵊ برجمها فرجمت. قال النووي (١): كذا أوله العلماء من أصحابنا وغيرهم ولابد منه لأن ظاهره أنه بعث لطلب [إقامة] (٢) حد الزنا وهو غير مراد لأن حد الزنا لا يحتاط له بالتجسس والتنقيب عنه بل لو أقر به مقرًا استحب أن يلقّن بالرجوع عنه فحينئذٍ يتعين التأويل المذكور، وقع للرافعي في كتاب الوكالة أن بعثه لاستيفاء الحد منها بالوكالة، وقال في آخر باب القضاء على الغائب: إنه لأجل سماع الدعوى على المحدودة. وقال القاضي عياض: إنما أرسله ليشهد عليها مع أبي الزاني

стр. 4468

ليكمل به النصاب، أي: وهو الشهادة على إقرارها على الخلاف الشهير فيه في الاكتفاء باثنين. ومعنى "اغد" امضِ وسر وليس معناه سر إليها بكرة كما هو موضوع الغداة. وكذا قوله: "فغدا عليها"، أي: مضى إليها وسار نحوها. وقوله (١): "فاعترفت" فأمر بها رسول الله - صلي الله عليه وسلم - فرجمت. وفي رواية للبخاري "فاعترفت فرجمها"، ورجح القرطبي (٢) [هذه الرواية على تلك لأنها من رواية مالك عن الزهري وهو أعرف الناس به والأول من رواية الليث عنه] (٣). الوجه الرابع في أحكامه. الأول: استحباب صبر الحاكم على جفاء الناس من الخصوم والمستفتين إذا قالوا احكم بيننا بالحق وافتنا بالحق. الثاني: حسن الأدب في المخاطبة للأكابر حيث قال: "وائذن لي". الثالث: جواز استفتاء غير الشارع في زمنه فإنه ﵊ لم ينكر ذلك عليه لما قال: "فسألت أهل العلم" وهو كالاقتصار على الظن مع القدرة على اليقين.

стр. 4469

الرابع: استفتاء المفضول مع وجود الفاضل. الخامس: إباحة الكلام للإِمام لمن شاء من الخصمين إذا اجتمعا بين يديه، قاله الخطابي (١). السادس: رد الصلح الفاسد. السابع: رد المال المأخوذ فيه. الثامن: أن الحدود لا تقبل الفداء. واختلف أصحابنا فيما إذا عفي عن حد القذف على مال على وجهين: وأصحهما أنه لا يستحقه، والخلاف محكي عند المالكية أيضًا بعد رفعه إلى السلطان مع الكراهة لأنه أكل مال في ثمن عرضه. قالوا: ولا خلاف أيضًا في المنع في حق الله تعالى كالحرابة والزنى والسرقة تبلغ السلطان أم لا، لأنه أكل مال بالباطل في إبطال حد إن بلغ السلطان أو أكل مال على أن لا يبلغه وهو حرام ورشوة ولا خلاف في الجواز في حق الأبدان من القصاص في الجراح والنفس. التاسع: استتابة الإِمام في إقامة الحدود. العاشر: وجوب الإِعذار وجوازه بواحد وفيه خلاف للمالكية. قال القاضي (٢): وقد يمكن أنه ﵊ ثبت عنده اعترافها بشهادة هذين الرجلين فكان توجيه أنيس إعذار لها.

стр. 4470

قلت: لابد من ذلك وإلَّا لزم الاكتفاء بشهادة واحد على الأقرار به ولا قائل به، وإنما اختلفوا في الاكتفاء باثنين فيه أو باشتراط أربعة. الحادي عشر: جواز حكم الحاكم في الحدود بما أقر به [الخصم] (١) عنده وسماعه منه من غير ضبط شهادة على الحدود، وهو أحد قولي الشافعي وأبي ثور، ولا يجوز ذلك عند مالك إلَّا بعد ضبط الشهادة عليه. الثاني عشر: إن حضور الإِمام الرجم ليس شرطًا فإنه ﵊ لم يحضر رجمها، وخالف فيه أبو حنيفة. وحكى المالكي فيه خلافًا لهم. وعن أبي حنيفة حضور الشهود أيضًا وأنهم يبدأون بالرجم فإن ثبت بالإِقرار بدأ الإِمام. الثالث عشر: لم يذكر المصنف في روايته الحفر [لها] (٢) وهو ثابت في صحيح مسلم وصحح أصحابنا أنه يستحب أن يحفر لها إن ثبت زناها [بالبينة ولا يستحب إن] (٣) ثبت بالإِقرار. وحديث الغامدية هذا يرده فإنه [ثبت زناها بإقرارها وحفر لها] (٤). الرابع عشر: شرعية التغريب مع الجلد [وفي البخاري "وجلد] (٥) مائة وغربة عامًا". والحنفية خالفت فيه بناء على أن

стр. 4471

التغريب ليس مذكورًا [في القرآن] (١) وأن الزيادة على النص نسخ، ونسخ القرآن بخبر الواحد غير جائز عندهم، وغيرهم يخالفهم في ذلك والمسألة مقررة في الأصول (٢) وقد أجمع العلماء على وجوب جلد الزانى البكر مائة ورجم المحصن وهو الثيب ولم يخالف فيه أحد من أهل القبلة إلَّا ما حكاه القاضي (٣) وغيره عن الخوارج وبعض المعتزلة والنظام وأصحابه أنهم لم يقولوا بالرجم. واختلف العلماء في جلد الثيب مع رجمه، فقال علي ابن أبي طالب والحسن البصري وأحمد وابن راهويه وداود وأهل الظاهر وابن المنذر: يجلد ثم يرجم. وقال الجمهور: الواجب الرجم وحده. وحكى القاضي عن طائفة من أهل الحديث أنه يجب الجمع إذا كان شيخًا ثيبًا فإن كان شابًا ثيبًا، اقتصر على الرجم وهو مذهب باطل لا أصل له بالأحاديث الصحيحة. ومنها: قصة ماعز والغامدية، وحديث الجمع بينهما منسوخ فإنه كان في أول الإِسلام. وأوله بعضهم فقال: هو محمول على من زنا وهو بكر فلم يحد حتى زنا وهو محصن.

стр. 4472

الخامس عشر: رجم الثيب دون جلده، وجلد البكر ونفيه، كما قررناه. السادس عشر: أن الحاكم إذا قذف إنسان معين في مجلسه وجب عليه أن يبعث إليه ليعرفه بحقه من القذف. واختلف أصحابنا في وجوب ذلك على الحاكم على وجهين وصححوا الوجوب. ومن تراجم البخاري (١) عليه إذا رمى امرأته أو امرأة غيره بالزنا عند الحاكم والناس هل على الحاكم أن يبعث إليها فيسألها عما رميت به؟ انتهى. ولو شهد عنده بالقذف فلا يحده الإِمام إلَّا بطلب المقذوف عند الشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي. وعند مالك أنه يرسل إليه فإن أراد سترًا تركه وإلَّا حده، واختلف قوله في عفوه وإن لم يرد سترًا. السابع عشر: قبول خبر الواحد، وقد سلف. الثامن عشر: الاكتفاء بمجرد الإِقرار دون مراعاة عذر. التاسع عشر: الاكتفاء بالاعتراف مرة واحدة، فإنه ﵊ رتب رجمها على مجرد اعترافها ولم يقيده بعدد. العشرون: هذه الأسلمية كانت محصنة كما سلف فإن الإِحصان معتبر في الرجم بالإِجماع، ولعله كان معروفًا فاستغنى عن ذكره في الحديث.

стр. 4473

الحادي بعد العشرين: الرجوع إلى العلماء عند اشتباه الأحكام والشك. الثاني بعد العشرين: استصحاب الحال في استمرار الأحكام الثابتة وإن كان يمكن زوالها في حياته ﵊ بالنسخ. الثالث بعد العشرين: أن ما أخذ بالمعاوضة الفاسدة يجب رده ولا يملك، وقد قدمنا في الوجه السابع أنه يؤخذ منه رد المال المأخوذ في الصلح الفاسد. قال الشيخ تقي الدين (١) وبه يتبين ضعف من اعتذر من الشافعية من بعض العقود الفاسدة، فإن المتعاوضين أذن كل منهما للآخر في التصرف في ملكه، وجعل ذلك سببًا لجواز التصرّف فإن ذلك الإذن ليس مطلقًا، وإنما هو مبني على المعاوضة الفاسدة. الرابع بعد العشرين: أن ما يستعمل من الألفاظ في محل الاستفتاء يسامح فيه في إقامة الحد والتعزير. فإن هذا الرجل قذف المرأة بالزنا, ولم يتعرض الشارع لأمر حده بالقذف، وأعرض عن ذلك ابتداء، كذا قرره الشيخ تقي الدين (٢)، وفيه مخالفة لما أسلفناه. الخامس بعد العشرين: عدم الجمع بين الجلد، والرجم فإنه لم يعرِّفه أنيسًا ولا أمره به.

стр. 4474

السادس بعد العشرين: جواز إيجار الآدمي نفسه واستئجاره وهو لائح. السابع بعد العشرين: الرجوع إلى كتاب الله تعالى في الأحكام إما بالنص وإما بالاستنباط كما مر. الثامن بعد العشرين: القسم على الأمر بفعله تفخيمًا له وتعظيمًا. التاسع بعد العشرين: الحلف من غير استحلاف. الثلاثون: استدل به بعضهم على تأخير الحدود عند ضيق الوقت لأن الغدوّ إنما يكون في أول النهار وهو ضعيف كما قال القاضي عياض (١)، فإنه لم يثبت في الحديث إن ذلك كان في آخر النهار فأخر بعده. وقد أسلفنا أن المراد بالغدو هنا المضي والسير لا هذا. الحادي بعد الثلاثين: أن زنا المرأة تحت زوجها لا يفسخ نكاحها ولا يوجب تفرقة بينها وبينه إذ لو كان ذلك لفعل ولو فعل لنقل. وأغرب الجوزي بضم الجيم من الشافعية فقال: إنه يفسخ وهو غريب.

стр. 4475

الحديث الثالث ٣٦٦/ ٣/ ٦٩ - وعنه عنهما (١) قالا: "سئل رسول الله - صلي الله عليه وسلم - عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال: [إذا] (٢) زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها [ثم إن زنت فاجلدوها (٣)]، ثم بيعوها ولو بضفير" (٤). قال ابن شهاب: ولا أدري أبعد الثالثة، أو الرابعة؟ والضفير: الحبل.

стр. 4476

الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف براويه وقد سلف في الحديث قبله، وابن شهاب سلف التعريف في باب العدة وأنه منسوب إلى جد جده. ثانيها: "الضفير": فقيل: بمعنى مفعول وفي بعض الروايات في الصحيح "ولو بحبل من شعر" وصفه بذلك لأنها أكثر حبالهم. والمراد بقوله: "اجلدوها" الحد بدليل الرواية الأخرى، في الصحيح في حديث أبي هريرة "فليجلدها الحد". والأمة: المملوكة وجمعها إماء (١) وأموات. والجلد المأمور به هنا هو نصف الحرة كما سيأتي. ومعنى "لم تحصن" لم تتزوج، وقيل: لم تسلم، وقيل: لم تعتق. قال القرطبي (٢): والثاني: أولى الأقوال في الآية على ما أوضحه ابن العربي. ثالثها: الحكمة في بيعها وكونه ثمن حقير بتنفيرها وكسر نفسها عن الفاحشة والتنفير عن مثل فعلها لعدم مخالطتها. فإن قلت: كيف ينبغي له بيعها لغيره ويرضى لأخيه المسلم ما لا يرضى لنفسه. فالجواب: لعلها تستعف عند المشتري بأن يعفها بنفسه أو يصونها في بيته أو بالإِحسان إليها أو بالتوسعة أو يزوجها أو غير

стр. 4477

ذلك. ذكره النووي (١) والقرطبي (٢) وأيضًا الحرج في ذلك يزول بإعلام البائع بزناها. رابعها: اعترض الطحاوي (٣) على قوله: "ولم تحصن"، وقال تفرد بها مالك وأشار بذلك إلى تضعيفها وأنكر ذلك الحفاظ عليه. وقالوا: بل رواها أيضًا ابن عيينة ويحيى بن سعد عن ابن شهاب [ثم] (٤) ليس في ثبوتها حكم مخالف، فإن الأمة تجلد على النصف من الحرة سواء أكانت محصنة بالتزويج، كما سلف أو لم يكن. نعم فيه بيان من لم تحصن وقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٥) فيه بيان من أحصنت فحصل من الآية الكريمة والحديث بيان أن الأمة المحصنة بالتزويج وغير المحصنة تجلد وهو معنى ما ثبت من أفراد "صحيح مسلم" (٦): أن عليًا ﵁ خطب فقال: "يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن" الحديث. فإن قلت: ما الحكمة من التقييد في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾، مع أن عليها نصف جلد الحرة سواء كانت الأمة محصنة أم لا؟

стр. 4478

فالجواب: كما ذكره في "شرح مسلم" (١) أن الآية نبهت على أن الأمة المزوجة لا يجب عليها إلَّا جلد نصف جلد الحرة لأنه الذي يتنصف، وأما الرجم: فلا يتنصف فليس مرادًا في الآية بلا شك فليس للأمة المزوجة الموطوءة في النكاح حكم الحرة الموطوءة فيه فبينت الآية الكريمة هذا لئلا يتوهم متوهم أن الأمة المزوجة ترجم وقد أجمعوا على أنها لا ترجم، فأما غير الأمة المزوجة فقد علمنا أن عليها النصف أيضًا بالأحاديث الصحيحة منها هذا الحديث فإنه مطلق يتناول المزوجة وغيرها. الوجه الخامس: في أحكامه: الأول: أن الزنا عيب في الرقيق يرد به ولذلك حط من قيمته من الأمر ببيعه ولو بحبل، قال أصحابنا: ولو زنا مرة ثم تاب وأصلح وباعه ثبت الرد به لأن تهمة الزنا لا تزول، ولهذا لا يعود إحصان الحر الزاني بالتوبة، ويجب على البائع الإِعلام به. وكذا على الأجنبي إذا عرف به أيضًا وهذا الاستنباط الذي ذكرته وهو أن الزنا عيب في الرقيق يرد به ثم استشهدت بعد ذلك بالحط من قيمته ذكره النووي في "شرحه" (٢). وقال الشيخ تقي الدين (٣): كذا ذكره بعضهم. وعنى به النووي وفيه نظر، لجواز أن يكون المقصود أن يبيعها، وإن انحطت قيمتها

стр. 4479

إلى الضفير. فيكون ذلك إخبارًا متعلقًا بحال وجودي، لا إخبارًا عن حكم شرعي ولا شك أن من عرف بتكرر زنا الأمة انحطت قيمتها عنده. الثاني: إن الزاني إذا حد ثم زنى ثانيًا يلزمه حد آخر، وهكذا كلما زنى وحد ثم زنى يلزمه حد آخر، فلو زنا مرات ولم يحد لواحد منهن حد حدًا واحدًا للجميع. ثم حدها إنما يكون بإقرارها أو ببينة أو بعلمه عند من يجوزه. الثالث: ترك مخالطة الفساق وأهل المعاصي وفراقهم لكنه ذكر الفراق هنا في الرابعة فقد يستنبط منه أن من ارتكب معصية لا يفارق ببيع وهجران ونحوهما إلَّا بعد تكرر ذلك منه. الرابع: الأمر ببيع الأمة الزانية، وفي معناها العبد الزاني بعد المرة الثالثة لكن اختلف العلماء فيه هل هو أمر ندب أو إيجاب؟ ذهب الشافعي والجمهور إلى الأول. وذهب داود وأهل الظاهر وأبو ثور [إلى الثاني] (١) قال ابن الرفعة في "كفايته" البيع المذكور منسوخ. الخامس: الأمر بحدها في كل مرة وهو للوجوب وعطف البيع عليه لا ينافيه لأنه قد يعطف غير الواجب على الواجب كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (٣).

стр. 4480

السادس: بيع الشيء الثمين بثمن حقير إذا كان البائع عالمًا به وهو إجماع، فإن كان جاهلًا به فكذلك عند الشافعية وجمهور العلماء، ولأصحاب مالك فيه خلاف. قيل كالأول، وقيل تعتبر بالزيادة على الثلث أو النقص منه، واعترض الشيخ تقي الدين (١) على هذا الوجه فقال: ذكر بعضهم أن فيه دلالة على جواز بيع غير المحجور عليه ماله بما لا يتغابن [الناس به] (٢). وهذا النظر تعرض له أيضًا القاضي (٣) ثم القرطبي (٤). السابع: أن الحد كاف ولا يضم إليه التعزير، فإن في الصحيح أيضًا "فليجلدها الحد ولا يثرب عليها" والتثريب: التوبيخ واللوم على المذنب، وأبعد من قال: معناه لا يبالغ في جلدها حتى يدميها. وقال الخطابي (٥) معناه: لا يقتصر على التثريب. الثامن: أن السيد يقيم الحد على عبده وأمته وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. وقال أبو حنيفة في طائفة: ليس له ذلك وهذا الحديث وغيره صريح في الدلالة للجمهور.

стр. 4481

وحكى القاضي (١) الخلاف في إقامة القطع عليه ونقل عن مالك وغيره المنع من القطع والقتل وقصاص الأعضاء مخافة أن يمثل بعبده ويدعي أنه أقام عليه الحد فلا يعتق عليه. قال مالك: فإن كان لها زوج [أجنبي] (٢) لم يحدها بل الإِمام بخلاف ما إذا كان عبده فإنه يحده (٣). التاسع: إنه لا فرق في إيجاب الحد بين أن تكون الأمة أو العبد مزوجين أم لا لإِطلاقه ﵊ الجلد من غير تفصيل وهو مذهب جمهور الأمة منهم الأئمة الأربعة. وقال جماعة من علماء السلف (٤): لا حد على من لم تكن مزوجة من النساء والعبيد. منهم ابن عباس وطاوس وعطاء وابن جُريج وأبو عبيد، وهو مفهوم الآية السالفة، وقد أسلفنا بيانها. ونص هذا الحديث يقدم على المفهوم، قال ابن شاهين في "ناسخه ومنسوخه" (٥): وأحسب هذا الحديث ناسخًا لحديث ابن عباس المرفوع "ليس على الأمة حد حتى تحصن" (٦). مع أنه حديث قد

стр. 4482

علل. وقيل: إنه روي موقوفًا على ابن عباس ولا أعلم [أحدًا] (١) أسنده [وجوده] (٢) إلَّا عبد الله بن عمران العابدي. قلت: لكنه صدوق كما قاله أبو حاتم (٣) الرازي. العاشر: قال الشيخ تقي الدين (٤): قد يقال إن فيه إشارة إلى إعلام البائع المشتري بعيب السلعة، فإنه إنما تنقص قيمتها بالعلم بعيبها، وفيه نظر. ولو لم يعلم لم تنقص. الحادي عشر: قال وقد يقال أيضًا: إن فيه إشارة إلى أن العقوبات إذا لم تفد مقصودها من الزجر لم تفعل، فإن كانت واجبة كالحد، [فلترك] (٥) الشرط في وجوبها على السيد وهو الملك, لأن أحد الأمرين لازم: إما ترك الحد ولا سبيل إليه لوجوبه. وأما إزالة شرط الوجوب، وهو الملك، فتعين. ولم يقل اتركوها، أو حدوها كلما تكرر فنخرج عن هذه التعزيرات التي لا تفيد لأنها ليست بواجبة الفعل فيمكن تركها. قلت: قد حكى إمام الحرمين عن المحققين أن المعزر إذا علم أن التأديب لا يحصل إلَّا بالضرب المبرح لم يكن له الضرب المبرح

стр. 4483

ولا غيره، أما المبرح فلأنه مهلك وليس له الإِهلاك وأما غيره فلا فائدة فيه. قال الرافعي: ويشبه أن يبقى الأمر في حق الإِمام على أصل التعزير هل هو واجب عليه إن أوجبناه التحق بالحد وحينئذٍ يضربه ضربًا غير مبرح لضرورة الواجب.

стр. 4484

الحديث الرابع ٣٦٧/ ٤/ ٦٩ - عن أبي هريرة ﵁[أنه] (١) [قال] (٢): "أتى رجل من المسلمين رسول الله - صلي الله عليه وسلم -وهو في المسجد- فناداه [فقال] (٣) يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه. فتنحى تلقاء وجهه فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات. فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، فقال: "أبك جنون؟ قال: لا. قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم. فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: اذهبوا به فارجموه" (٤). قال ابن شهاب: فأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "كنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلى. فلما أذلقته الحجارة هرب، فأدركناه بالحرة فرجمناه".

стр. 4485

"الرجل" هو ماعز بن مالك. وروى قصته جابر بن سمرة، وعبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري, وبريدة بن الحصيب الأسلمي. الكلام عليه من وجوه: الأول: حديث جابر بن سمرة (١) رواه مسلم منفردًا به وحديث ابن عباس: أخرجاه (٢) وحديث أبي سعيد (٣) وبريدة (٤) رواهما مسلم منفردًا به واتفقا على إخراجه من حديث جابر بن عبد الله (٥) أحاله مسلم على حديث أبي هريرة. وقال بنحوه. والبخاري ذكره مطولًا ومختصرًا. وفي رواية له فقال له النبي - صلي الله عليه وسلم -: "خيرًا وصلى عليه" ثم قال البخاري: لم يقل يونس وابن شريح عن الزهري "وصلى عليه". يعني: إن معمر انفرد بها وقد قيل للبخاري رواه غيره قال: لا. الثاني: قوله قال ابن شهاب: "فأخبرني أبو سلمة
следующие страницы →