← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

ولم يجعل دية الجناية على العضو المقطوع فيها بقدر ما يقطع فيه حماية للعضو أيضًا وصيانة له فلما هانت بالمخالفة هانت. وقد أجمع المسلمون على قطع السارق في الجملة وإن اختلفوا في تفصيله وذكر المصنف ﵀ في الباب ثلاثة أحاديث:

стр. 4517

الحديث الأول ٣٧٠/ ١/ ٧٠ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي - صلي الله عليه وسلم - "قطع في مجن قيمته". وفي لفظ: ثمنه ثلاثة دراهم (١). الكلام عليه من وجوه: أحدها: "المجن" بكسر الميم وفتح الجيم وبالنون الترس مفعل من معنى الاجتنان وهو الاستتار والاختفاء ونحو ذلك، ومنه الجن. وكسرت ميمه لأنه آلة في الاجتنان، كأن صاحبه يستتر به عما يحاذره [قال الشاعر: فكان] (٢) جنيِّ دون [من] (٣) كنتُ أتقى

стр. 4518

ثلاث شخوص: كاعبان ومُعصِرُ (١) الثاني: "القيمة" و"الثمن" مختلفان في الحقيقة والمعتبر القيمة وذكر الثمن، إما لتساويهما في ذلك الوقت أو في ظن الراوي أو باعتبار الغلبة وإلَّا فلو اختلفت القيمة والثمن الذي اشتراه به مالكه لم تعتبر إلَّا القيمة. الثالثة: اختلف العلماء في النصاب في السرقة، أصلًا وقدرًا. أما الأصل: فجمهورهم على اعتبار النصاب، وشذ أهل الظاهر فلم يعتبروه، ولم يفرقوا بين القليل والكثير، وقالوا: بالقطع فيهما. وحكي أيضًا عن ابن بنت الشافعي والحسن والخوارج لعموم الآية ولم يخصوه بالأحاديث الصحيحة المفسرة لها نعم الاستدلال لاشتراطه بهذا الحديث فيه ضعف، فإنه حكاية فعل، لا يلزم من القطع في هذا المقدار فعلًا عدم القطع فيما دونه نطقًا. وأما المقدار: ففيه [ثمانية] (٢) أقوال: أحدها: ربع دينار أو ما قيمته ربع دينار سواء كانت قيمته ثلاثة دراهم أم أكثرُ أم أقل ولا يقطع في أقل منه وهو قول كثير من العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم أو الأكثرين منهم عائشة وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي والليث والشافعي وأبو ثور وإسحاق وروي

стр. 4519

عن داود أيضًا ودليلهم حديث عائشة الآتي ويقوم ما عدا الذهب بالذهب. ثانيها: عشرة دراهم، قاله أبو حنيفة ويقوم ما عدا الفضة بالفضة وفيه رواية عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده مرفوعًا "لا تقطع اليد إلَّا في عشرة دراهم" (١) لكنه ضعيف جدًا واختلف عنه في الدينار إذا لم يبلغ عشرة دراهم هل يعتبر بنفسه أو صرفه. ثالثها: ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم أو ما قيمة أحدهما ولا قطع فيما دون ذلك، قاله مالك وأحمد وإسحاق في رواية قال الشافعي وحديث عائشة الآتي لا يخالف حديث ابن عمر هذا فإن الدينار كان اثني عشر درهمًا وربعه ثلاثة دراهم أعني صرفه ولهذا قوِّمت الدية باثني عشر ألفًا من الورق وألف دينار من الذهب وهذا الحديث يستدل به لمذهب مالك في أن الفضة أصل في التقويم دون الذهب فإن [المسروق] (٢) لما كان غيرهما، وقوِّم بالفضة دون الذهب دل على أنها أصل في التقويم، وإلَّا كان الرجوع إلى الذهب -الذي هو الأصل- أولى وأوجب، عند من يرى التقويم به، والحنفية أجابوا بأن التقويم أمر ظني تخميني، فيجوز أن تكون قيمته عنده ربع دينار أو ثلاثة دراهم ويكون عند غيره أكثرُ وضُعف هذا التأويل بأن ابن عمر لم يكن ليخبر بما يدل على مقدار ما يقطع فيه إلَّا عن تحقيق لعظم أمر القطع.

стр. 4520

رابعها: أنه خمسة دراهم قاله سليمان بن يسار وابن شبرمة وابن أبي ليلى والحسن في رواية وروي عن عمر أيضًا. خامسها: أنه أربعة، حكاه القاضي (١) عن بعض الصحابة. سادسها: إنه درهمين، روي عن الحسن (٢). سابعها: إنه درهم، روي عن عثمان البتي حكاه القاضي عنه والقرطبي (٣) قال: روي عن عثمان وهو مراده. ثامنها: إنه أربعون درهمًا أو أربعة دنانير، حكي عن النخعي. والصحيح من هذه المذاهب ما قاله الشافعي وموافقوه لأنه ﷺ صرح ببيان النصاب من لفظه وإنه ربع دينار كما سيأتي في الحديث الآتي من طريق عائشة، وفي الصحيح أيضًا من حديثها "لا تقطع يد السارق إلَّا في ربع دينار فصاعدًا" (٤) وهذا حصر منه في أنها لا تقطع إلَّا في القدر المذكور. وحديث ابن عمر في الكتاب قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم محمول على أن هذا القدر كان ربع دينار فصاعدًا ثم هي قضية عين لا عموم لها فلا يجوز ترك صريح لفظه ﵊ في تحديد النصاب لهذه الرواية المحتملة بل يجب حملها على موافقة لفظه ولابد من ذلك لتوافق صريح تقديره.

стр. 4521

وأما رواية: "قطع في مجن قيمته عشرة دراهم" وفي رواية "خمسة" فضعيفة لا يعمل بها إذا انفردت، فكيف وقد خالفت صريح الأحاديث الصحيحة بالتقويم بربع دينار مع أنه يمكن حملها على أنه كانت قيمته عشرة دراهم اتفاقًا. وأما الحديث الصحيح: "لعن الله السارق يسرق البيضة أو الحبل فتقطع يده" (١) فالمراد به التنبيه على ما هو خير وهو يده في مقابلة حقير من المال وهو ربع دينار فإنه شارك البيضة في الحقارة أو أراد جنس البيض وجنس الحبال أو أنه إذا سرق ذلك فلم يقطع جره ذلك إلى سرقة ما هو أكثرُ منهما فيقطع فكانت سرقة ذلك سببًا لقطعها، أو أن المراد إنه [قد] (٢) يسرق ذلك فيقطعه بعض الولاة سياسة لا قطعًا جائزًا شرعيًا. وأبعد من قال: المراد بيضة الحديد (٣) وحبل السفينة لأن بلاغة

стр. 4522

الكلام تأباه لأنه لا يذم عادة من خاطر بيده في شيء له قدر. تنبيه: القطع له شروط، منها: كون المأخوذ في حرز خلافًا لداود، ومحل الخوض فيها كتب الفروع فإنه أمس به. وكذا كيفية القطع هل هو من المنكب أو الرسغ أو المرفق فليراجع منه. والجمهور على أنه من اليد والرجل من المفصل وقال أحمد في الرجل من شطر القدم.

стр. 4523

الحديث الثاني ٣٧١/ ٢/ ٧٠ - عن عائشة ﵂ أنها سمعت رسول الله - صلي الله عليه وسلم - يقول: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا" (١). هذا الحديث هو اعتماد الشافعي في مقدار النصاب، كما سلف، وقد روي عن عائشة عن النبي - صلي الله عليه وسلم - فعلًا وقولًا. وهذه الرواية قول، وهو أقوى في الاستدلال من الفعل، لأنه لا يلزم من قطع السارق في مقدار معين وقع على سبيل الاتفاق لا يقطع فيما دونه بخلاف القول فإنه قال على اعتبار مقدار معين من القطع وذلك دال على عدم اعتبار ما زاد عليه من إباحة القطع, لأنه لو اعتبر في ذلك لم يجز القطع فيما دونه. وأيضًا فرواية الفعل يدخل فيها ما سلف من التأويل

стр. 4524

المستضعف في أن التقويم أمر ظني إلى آخره. نبّه على ذلك الشيخ تقي الدين (١) قال: وهذا الحديث قوي في الدلالة على أصحاب أبي حنيفة، فإن صريحه يقتضي القطع في هذا المقدار الذي لا يقولون بجواز القطع [فيه] (٢). وأما دلالته على الظاهرية ومن قال بقولهم: فليس من حيث النطق، بل من حيث المفهوم، وهو داخل في مفهوم العدد (٣)، ومرتبته أقوى من مرتبة مفهوم اللقب (٤).

стр. 4525

الحديث الثالث ٣٧٢/ ٣/ ٧٠ - عن عائشة ﵂: "أن قريشًا أهمهم شأن المخزومية التى سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: من يجترىءُ عليه إلَّا أُسامة بن زيد حب رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، فكلمه أُسامة، فقال: أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فاختطب فقال: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله: [لو كانت] (١) فاطمة بنت محمَّد سرقت لقطعت يدها" (٢). وفي لفظ: كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي - صلي الله عليه وسلم - بقطع يدها.

стр. 4526

الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا اللفظ الأخير هو لمسلم خاصة وفي بعض ألفاظ البخاري "ضَل" بدل "أهلك" وفي رواية له "أن بني إسرائيل كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه" وفي رواية لمسلم له: "إن هذه المخزومية سرقت في غزوة الفتح"، وفي رواية له: "أنه ﵊ تلون وجهه لما كلمه أسامة في أمرها وأنه قال: يا رسول الله استغفر لي، وأنه لما كان العشي قام فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فإنما أهلك" إلى آخره. وفيه "ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد، وتزوجت، وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم -. الوجه الثاني: اسم هذه المخزومية فاطمة بن الأسود بن عبد الأسد بن هلال بن عمرو بن مخزوم قاله ابن سعد (١). أسلمت وبايعت وهي ابنة أخي أبي سلمة عبد الله بن الأسد زوج أم سلمة، قال ابن سعد: وفي رواية أهل المدينة وغيرهم من أهل مكة أن التي سرقت فقطع يدها أم عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد بن هلال خرجت حجة الوداع فمرت بركب [نزول] (٢) فأخذت عيبة لهم فأتوا بها النبي - صلي الله عليه وسلم - فقطع يدها. ثالثها: قد عرفت فيما مضى عن "صحيح مسلم" إن هذه

стр. 4527

السرقة كانت في غزوة الفتح وعزاه ابن العطار في "شرحه" إلى "موطأ ابن وهب" وعزوه إلى ما ذكرناه أولى، وقد عرفت مما سقناه أيضًا أن المسروق كان عيبة لهم. وفي "سنن أبي داود" وكتاب "ابن عمر" أنه كان حليًا، وفي "سنن أبي داود" (١) أيضًا أنها سرقت قطيفة من بيت رسول الله - صلي الله عليه وسلم - رواه تعليقًا وأسنده ابن ماجه (٢) من طريق ابن إسحاق إلى مسعود بن الأسود وفيهما أنها عاذت بزينب، وفي مسلم أنها عاذت بأم سلمة. الرابع: "قريش" قبيلة وهم ولد النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة على المشهور وقيل: ولد إلياس. وقيل: ولد مُضر [بن] (٣) نزار. وقيل: ولد فهر بن مالك بن النضر، وفهر لقب له واسمه قريش ونسبه البيهقي إلى أكثرُ أهل العلم. وقيل: إنه قصي بن كلاب حكاه الماوردي (٤) وغيره. وسموا قريشًا لتقريشهم، أي: تجمعهم على أخذ الأموال، وقيل: لشدتهم، وقيل: لأنهم كانوا تجارًا والتجار يقرشون ويفتشون

стр. 4528

عن أموال التجارة. وحكى ابن دحية في "تنويره" في ذلك عشرين قولًا (١). والنسبة إلى قريش: قرشي، والعباسي: قريشي، فإن أردت بقريش الحي: صرفته، وإن أردت القبيلة لم تصرفه. الخامس: "المخزومية" نسبة إلى بني مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ويقظة وتميم وكلاب إخوة والمخزومي (٢): في غير هذا نسبة إلى مخزوم بن عمرو وإلى مخزوم بن مالك، وإلى مخزوم بن صاهلة بطن من هذيل. السادس: في ألفاظه ومعانيه. إنما أهمهم شأنها لما خافوا من لحوق العار الجاهلي في قطع يدها وافتضاحهم بين القبائل به وظنوا أن الشفاعة والسعي في إسقاطه يفيدان فيه، فلما أقسم ﵊ على أنه لو سرقت ابنته فاطمة لقطع يدها علموا أن ذلك حتم لا مندوحة عنه. وإنما قال: "لو سرقت فاطمة بنت محمَّد" لأن اسمها الأخرى فاطمة كما أسلفناه.

стр. 4529

"والاجتراء" التجاسر بطريق الإِدلال. "والحِب" بكسر الحاء هو المحبوب، وفيه منقبة ظاهرة له. "وإنما" للحصر. قال الشيخ (١) تقي الدين: والظاهر أنه ليس للحصر المطلق مع احتمال ذلك، فإن بني إسرائيل كانت فيهم أمور كثيرة تقتضي الإِهلاك، فيحمل ذلك على حصر مخصوص، وهو الإِهلاك بسبب المحاباة في حدود الله فلا ينحصر ذلك في هذا الحد المخصوص. "وأيم الله" معناها: القسم ولا يستعمل إلَّا مضافًا إلى الله تعالى وفيها لغات: "إيم الله " بكسر الهمزة وفتحها وضم الميم فيه أشهر من كسرها، و"إيمن الله" بكسر الهمزة وفتحها وبزيادة نون في آخرها و "إم الله" بكسر الهمزة وحذف الياء والنون، و"م الله" بحذف الهمزة والياء والنون وتثليث الميم، و"م الله" مثلث الميم أيضًا، و"أُومن الله" بضم الهمزة وسكون الواو وضم الميم والنون. وقد جمع ابن مالك لغاتها في بيتين فقال: همز أيم وأيمن فافتح وإكسر أو أم قل ... أو قل مُ أو من بالتثليث قد شكلا وأيمنُ اختم به الله كلا ... أضيف إليه في قسم تبلغ به الأملا وحكى القاضي (٢) "لأيمن الله"، و"ليم الله باللام"، فهذه أربعة

стр. 4530

عشر لغة، قيل: هي جمع يمين وألفها ألف قطع وهو مذهب الفراء والصحيح أنها مفردة وأن ألفها ألف وصل. قال الأزهري (١): وضم آخره وحكم القسم الخفض [كما ضم لعمرك كأنه ضم يمينًا ثانية فقال: وايمنك ولايمنك عظيمة وعمرك ولعمرك عظيم]. وعن ابن عباس أن يمين الله من أسمائه تعالى (٢). السابع في أحكامه وفوائده: الأول: قطع السارق رجلًا كان [أو] (٣) امرأة. الثاني: تمسك أحمد وإسحاق بالرواية الثانية على أن جاحد المتاع يقطع يده. وجماهير العلماء وفقهاء الأمصار على أن لا قطع فيه وتأوّلوها على أن المراد أنها قطعت بالسرقة وذكرت العارية تعريفًا لها ووصفًا لا أنها سبب القطع جمعًا بينها وبين الرواية الأخرى إنها سرقت وقطعت بسبب السرقة وهو متعين فإنها قضية واحدة كما ذكره النووي في "شرح مسلم" (٤)، لكن الاختلاف في عين المسروق يورث ريبة في تعددها إلَّا أن يدعى أن بعض الرواة اقتصر على بعضه وبعضهم على الباقي.

стр. 4531

وادعى كثير من الأئمة أن الرواية الثانية أعني رواية الجحد شاذة فإنها مخالفة لجماهير الرواة والشاذ لا يعمل به ولهذا لم يودعها البخاري "صحيحه"، وإنما هي من أفراد مسلم قالوا: وتفرّد بها معمر. قال القرطبي (١): وقد تابعه عليها من لا يعتد بحفظه كابن أخي الزهري ونمطه. قال العلماء: وإنما لم يذكر السرقة في هذه الرواية لأن المقصود منها عند الراوي ذكر منع الشفاعة في الحدود لا الإِخبار عن السرقة. الثالثة: جواز الحلف من غير استحلاف وهو مستحب إذا كان فيه تفخيم لأمر مطلوب، وقد اختلف العلماء في جواز الحلف به وهذا الحديث دال على جوازه. الرابعة: المنع في الشفاعة في الحدود، وهو إجماع، بعد بلوغه إلى السلطان، أما قبله فهو جائز عند أكثرُ العلماء إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شر وأذى للناس، فإن كان لم يشفع فيه، أما المعاصي التي لا حد فيها وإنما فيها التعزير فيجوز الشفاعة والتشفيع فيها بالشرط السالف وإن بلغت الإِمام لأنها أهون. الخامسة: حرمة التشفيع في صاحب الحد إذا بلغ الإِمام. السادسة: تعظيم أمر المحاباة للأشراف في حقوق الله تعالى وحدوده وأنها سبب الهلاك، وقد نبّه ﵊ على ذلك بهلاك من قبلنا من الأمم بذلك بالحصر "بإنهما" كما سلف.

стр. 4532

السابع: جواز تعليق القول بتقدير أمر آخر وقد شذ قوم في المنع من قول: "لو" فإنه صح "أنها تفتح عمل الشيطان" (١) لكن المنع مؤول على فعل أمر قد فات أو فعل محذور ونحوه. الثامن: مساواة الشريف وغيره في أحكام الله وحدوده وأن من راع الشريف فيها يخشى عليه الهلاك. التاسع: عدم مراعاة الأهل والأقارب والأصحاب في مخالفة الدين وقد حث الله تعالى على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٢) وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ (٣)، الآية. وقوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، الآية. العاشر: جواز الحلف باسم الله وهو يمين عندنا بالنية لا عند الإِطلاق على الأصح لأنه لا يعرفه إلَّا الخواص، وعن مالك وأبي حنيفة أنه صريح. الحادي عشر: استدل به لأحد القولين عند المالكية أنه قال: "والله لو وقع كذا لفعلت كذا" ونحو هذا، ومن ذلك لو كنت حاضرًا لك عند مخاصمة أخي لفقأت عينك، هل يكون حانثًا بهذا اللفظ أم لا؟

стр. 4533

٧١ - باب حد الخمر ذكر فيه ﵀ حديث أنس وحديث أبي بردة: الحديث الأول ٣٧٣/ ١/ ٧١ - عن أنس [بن مالك] (١) ﵁[أن النبي - صلي الله عليه وسلم -] (٢)، أتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدة نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف] (٣) أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر" (٤). الكلام عليه من وجوه: الأول: هذه السياقه المذكورة هي لمسلم خاصة، لكن

стр. 4534

[لفظة] (١) "بجريدتين" بدل "بجريد". قال عبد الحق في "جمعه" (٢): ولم يخرج البخاري مشورة عمر، ولا فتوى عبد الرحمن بن عوف، وحديث أنس قال: "جلد النبي - صلي الله عليه وسلم - بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر، أربعين" ولم يقل عن النبي - صلي الله عليه وسلم - أربعين. وهو كما قال. الوجه الثاني: هذا الشارب لا يحضرني اسمه بعد التتبع الشديد والفحص عنه. الوجه الثالث: "الخمر" هي الشراب المعروف وهي مؤنثة على اللغة الفصيحة المشهورة وذكر أبو حاتم السجستاني في "كتابه المذكر والمؤنث" (٣) في موضعين منه أن قومًا فصحاء يذكرونها. قال سمعت ذلك ممن أثق به منهم. وذكر أيضًا ابن قتيبة في "أدب الكاتب" (٤) فيما جاء فيه لغتان التذكير والتأنيث. ولا يقال حُمرة بالهاء في اللغة الفصيحة. قال الجوهري (٥): خمرة وخمر وخمور كتمرة وتمر وتمور. قال أهل اللغة: سميت خمرًا لسترها العقل. وقيل: لأنها

стр. 4535

تغطي حتى تدرك, وقيل: لأنها تركت فاختمرت واختمارها تغيرها. ولها أسماء زائدة على الثلاثمائة. وقد ذكرت جملة منها في "لغات المنهاج" فراجعها منه. واعلم أن الفاكهي قال: لا خلاف يعتد به في أن الخمر مؤنثة قال: وذكر النووي (١) أنها مذكرة على ضعف ولم أدر من أين نقله. هذا كلامه وقد عرفت سلفه فيه مما قدمته لك فلا إنكار عليه. الوجه الرابع: قوله: "فجلده بجريد" هكذا هو في عامة نسخ الكتاب، وفي بعض نسخه "بجريدة". والذي في الصحيح "بجريدتين" كما أسلفته لك. واختلف في معناه على قولين: أحدهما: أن الجريدتين كانتا مفردتين جلد بكل واحدة منهما عددًا حتى كمله من الجميع أربعين. وهذا تأويل أصحابنا. والثاني: أن معناه أنه جمعهما وجلده بهما أربعين جلدة، فيكون المبلغ ثمانين، وهذا تأويل من يقول جلد الخمر ذلك المقدار والأول أظهر لأن الرواية الأخرى الثانية في "صحيح مسلم" مبينة لهذه وهي كان ﵊ يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين (٢). الخامس: قوله: "نحو أربعين": ظاهره أن ذلك للتقريب لا للتحديد، لكن لابد من تأويله على عدم التساوي في الضرب

стр. 4536

والآلة المضروب بها، فإن الحدود للتحديد، وإن كان القرطبي (١) نقل عن طائفة من علماء أصحابهم وغيرهم أن ذلك إنما كان منه ﵊ على وجه التعزير والأدب. وأنه انتهى في ذلك إلى أربعين. وحسنه فلا يوافق عليه. السادس: وقع في "الموطأ" (٢) أن الذي أشار على عمر بالثمانين علي بن أبي طالب، وهو خلاف ما ثبت في الصحيح من كونه عبد الرحمن بن عوف. وادعى القاضي عياض (٣) أنه المشهور لكنه مرسل، فإنه من رواية ثور بن زيد الديلي، ولم يدركه, وعلى تقدير اتصاله فلعلهما أشارا به والذي بدأ بالمشورة عبد الرحمن فنسبت إليه لسبقه بها ونسبت في رواية إلى علي لرجحانه على عبد الرحمن. وقوله: "فلما كان عمر"، أي: زمن ولايته. السابع: قوله: "أخف الحدود" وهو منصوب بفعل محذوف، أي: جلده أو حده أخف الحدود. قال الشيخ تقي الدين: ويروى ثمانون بالرفع وثمانين بالنصب، أي: اجعله [أو] (٤) ما يقارب ذلك.

стр. 4537

واستبعد هذا الفاكهي وقال إنه بعيد أو باطل وكأنه صدر من الشيخ من غير تأمل قواعد العربية ولا لمراد المتكلم بذلك، [إذ لا يجيز أحد أجود الناس الزيدين] (١) على تقدير أجلهم، وأيضًا فإن مراد عبد الرحمن الإِخبار بأخف الحدود لا أمره بأن يجعل أخف الحدود ثمانين، فاحتمال توهيم الراوي لهذه الرواية القليلة أولى من ارتكاب ما لا يجوز لا من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى. وقال ابن العطار: جعله بعضهم مبتدأ وخبر فيكونان مرفوعين، وما أعلمه منقولًا رواية. الثامن: "أخف الحدود". يعني: المنصوص عليها في كتاب الله، فإن الحدود فيه حد السرقة بالقطع وحد الزنا بمائة جلدة وحد القذف بثمانين، فاجعلها ثمانين كأخف الحدود. التاسع: إنما استشار عمر ﵁ الناس في ذلك لأن في زمنه فتح الشام والعراق وسكن الناس في مواضع الخصب وسعة العيش وكثرت الأعناب والثمار فأكثروا من شرب الخمر فزاد عمر حدها زجرًا لشاربها وتغليظًا عليهم، وكان ذلك سنة ماضية. قال ﵊: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ" (٢). وقال أيضًا: "اقتدوا

стр. 4538

باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" (١)، أي بكل واحد منهما. ولهذا عمل عثمان ﵁ بهذا مرة وبالأول أخرى. وقال علي "كل سنّة" (٢)، أي: لأن الأربعين فعل الشارع والصديق والثمانين فعل الفاروق بإجماع الصحابة [﵁] (٣) وهو المعروف من مذهب علي، وهذا من علي ﵁ دال على اعتقاد حقيقة كونهما خليفتين وأن فعلهما سنة وأمرهما حق بخلاف ما [يكذبه] (٤) الشيعة [عليه] (٥). الوجه العاشر: في أحكامه: أولها: تحريم شرب الخمر وهو إجماع، فإن الحد لا يكون إلا على محرم كبيرة. ثانيها: وجوب الحد على شاربها سواء شرب قليلًا أو كثيرًا. وأجمعوا على أن شاربها لا يقتل وإن تكرر منه. وممن حكى الإِجماع على ذلك الترمذي في "جامعه" (٦) وخلائق. وحكى القاضي (٧) عن طائفة شاذة أنهم قالوا: يقتل بعد جلده أربع مرات

стр. 4539

لأحاديث واردة في ذلك. وهو قول باطل مخالف لإِجماع الصحابة فمن بعدهم، وتلك الأحاديث منسوخة إما بقوله ﵊: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" (١). الحديث. وإما بدلالة الإِجماع فإنه استمر بعد وفاته وأجمعوا على أن شارب الخمر يجلد سواء سكر أم لا. واختلفوا في شارب النبيذ وهو ما سوى عصير العنب من الأنبذة المسكرة على قولين: أحدهما: إلحاقه بشارب الخمر، وإن كان يعتقد إباحة النبيذ، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء سلفًا وخلفًا. ثانيهما: [ما لا يحرم] (٢) ولا يحد شاربه وهو قول أبي حنيفة والكوفيين. وقال أبو ثور: يحد معتقد تحريم النبيذ دون غيره. ثالثها: أن قدر حد الخمر أربعون، وبه قال الشافعي وأبو ثور وداود وأهل الظاهر وغيرهم. قال الشافعي: وللإِمام أن يبلغ به ثمانين لفعل عمر والصحابة ﵃. بل روى عبد الرزاق (٣) أنه ﵊ فعله وإن لم يصح، كما قاله ابن حزم.

стр. 4540

ولأصحابه وجه أنه لا تجوز الزيادة على الأربعين لأن عليًا ﵁ رجع عنه وكان يضرب أربعين. قال أصحابنا: والزيادة على الأربعين تعزيرات على تسببه في إزالة عقله وفي تعرضه للقذف والقتل وأنواع الإِيذاء وترك الصلاة وغير ذلك. وقيل: إنها حد لأن التعزير جناية مخففة. وقال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحق وابن المنذر: حده ثمانون. ونقله القاضي عياض (١) عن الجمهور سلفًا وخلفًا. واحتجوا: بأنه الذي استقر عليه إجماع الصحابة وأن فعله ﵊ لم يكن للتحديد، ولهذا قال في رواية الكتاب نحو أربعين. وحجة الشافعي: أنه ﵊ جلد أربعين كما سلف وزيادة عمر تعزيرات والتعزير إلى رأي الإِمام إن شاء فعله وإن شاء تركه بحسب المصلحة مع فعله وتركه فرآه عمر ففعله، ولم يفعله الشارع ولا الصديق ولا علي على خلاف عنه، ولو كانت حدًا لم يترك، ولهذا قال علي ﵁ "وكلُّ سنة"، أي: الاقتصار على الأربعين والبلوغ إلى الثمانين. ثم هذا الذي ذكرناه هو حد الحر. فأما العبد: فعلى النصف منه كما في الزنا والقذف.

стр. 4541

وحكى القاضي حسين أن من أصحابنا من قال: أنه كالحر وهو غلط. الرابع: حصول الجلد في الخمر بالجريد وهو إجماع ومثله النعال وأطراف الثياب. واختلفوا في جوازه بالسوط على قولين وهي وجهان لأصحابنا، والأصح: الجواز. وشذ بعض أصحابنا: فشرط فيه السوط، وقال: لا يجوز فيه الضرب بالنعال والثياب لعسر الضبط وهو غلط، فاحش مردود على قائله لمنابذته صريح الأحاديث الصحيحة. وشذ بعضهم فقال: يتعين غير السوط. قال أصحابنا: وإذا ضرب بالسوط فليكن متوسطًا معتدلًا في الحجم بين القصب والعصى، فإن ضربه بجريدة فلتكن خفيفة بين اليابسة والرطبة ويضربه ضربًا بين ضربتين ولا يرفع يده فوق رأسه ولا يكتفي بالوضع بل يرفع ذراعيه رفعًا معتدلًا. الخامس: مشاورة الإِمام والقاضي والمفتي أصحابه وحاضري مجلسه في الأحكام. السادس: جواز القياس والعمل به والاستحسان عند الحاجة إليه.

стр. 4542

الحديث الثاني ٣٧٤/ ٢/ ٧١ - عن أبي بردة هانئ بن نيار البلوي ﵁: أنه سمع رسول الله - صلي الله عليه وسلم - يقول: "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلَّا في حد من حدود الله (١). الكلام عليه من وجوه: الأول: في التعريف براويه وقد سلف في باب صلاة العيدين واضحًا، وأن ما ذكره في اسمه هو أصح الأقوال. الثاني: "البلوى" بفتح الباء الموحدة ثم لام ثم واو وياء النسب نسبة إلى بلى بن عمرو بن [حلوان] (٢) بن [الحافي] (٣) بن

стр. 4543

قضاعة, فأبو بردة هو هانئ بن نيار بن عبيد بن كلاب بن غنم بن هُبَيْرة بن ذهل بن هانىء بن تلبيّ بن عمرو بن [حلوان بن] (١) [الحافي] (٢) بن قضاعة". الثالث: هذا الحديث ذكر ابن المنذر (٣) في إسناده مقالًا، وقال الأصيلي: اضطرب إسناده فوجب تركه، وقول ابن المنذر: يرجع إلى ما ذكره الأصيلي من الاضطراب، فإن رجال إسناده ثقات والاضطراب الذي أشار إليه: هو أنه روى عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبي بردة. وعنه عن أبيه عن أبي بردة وعنه عمن سمع النبي - صلي الله عليه وسلم -. وهذه الطرق كلها مخرجة في الصحيحين على الاتفاق والانفراد. وروى عنه عن رجل من الأنصار عن النبي - صلي الله عليه وسلم - وهذا الاختلاف لم يؤثر عند البخاري ومسلم. لأنه [يحتمل] (٤) أن يكون سمعه من أبيه عن أبي بردة. [وسمعه من أبي بردة] (٥) فحدث به مرة عن هذا، ومرة عن هذا. وقوله: عمن سمع النبي - صلي الله عليه وسلم - يريد به أبا بردة. وقوله: "عن رجل من الأنصار" يريد به أيضًا أبا بردة. فإنه -وإن كان قضاعيًا بلويًا- فإنه حليف للأنصار. فنسبه إليهم، وهو مشهور بالنسبة إليهم. وقد ذكر الدارقطني: أن حديث عمرو بن

стр. 4544

الحارث المصري، الذي قال فيه "عن أبيه" صحيح, لأنه ثقة، وقد زاد رجلًا. وتابعه أسامة بن زيد. فهذا الدارقطني قد صحح الحديث بعد وقوفه على الاختلاف. وجنح إلى ما جنح إليه صاحبا الصحيح (١). الرابع: قوله: "لا يجلد" ضبط بوجهين: أحدهما: بفتح الياء وكسر اللام. وثانيهما: بضم الياء وفتح اللام. الخامس: اختلف في تفسير الحد في هذا الحديث. فقيل: أراد به حق من حقوقه وإن لم يكن من المعاصي المقدرة حدودها لأن المحرمات كلها من حدود الله تعالى. قال الشيخ تقي الدين (٢): وبلغني عن بعض أهل العصر أنه قرر هذا المعنى بأن تخصيص الحد بهذه المقدرات أمر اصطلاحي فقهي، وأن عرف الشرع من أول الإِسلام لم يكن كذلك، أو يحتمل أن لا يكون كذلك -هذا أو كما قال- فلا يخرج عنه إلَّا التأديبات التي ليست عن محرَّم شرعي. وهذا، أولًا: خروج في لفظة "الحد" عن العرف فيها. وما ذكره (٣) لا يوجب النقل، والأصل عدمه. وثانيًا: أنا إذا حملناه على ذلك وأجزنا في كل حق من حقوق

стр. 4545

الله أن يزاد لم يبق لناشىء يختص المنع فيه بالزيادة على عشرة أسواط. إذ ما عدا المحرمات كلها التي لا يجوز فيها الزيادة ليس إلَّا ما ليس بمحرم، وأصل التعزير فيه ممنوع, فلا يبقى لخصوص الزيادة معنى. والذي تقتضيه الأدلة أن المراد به فعل المعاصي التي لا حد فيها. السادس: فيه إثبات التعزير في المعاصي التي لا حد فيها لما تقتضيه من جواز العشرة فما دونها. السابع: اختلف العلماء في مقدار التعزير، فالمنقول عن مالك وأصحابه أنه لا يتقدر بعشرة ولا غيرها وتخير العقوبات فوق العشرة وفوق الحدود على قدر الجريمة وصاحبها ويجعل ذلك موكولًا إلى رأي الإِمام واجتهاده. وبه قال أبو يوسف ومحمد وأبو ثور والطحاوي. وذهب أحمد وإسحاق: إلى أنه لا يزاد على عشرة أسواط عملًا بظاهر الحديث فإنه متعرض للمنع من الزيادة عليها وما دونها لا يعارض للمنع فيه. وبه قال صاحب "التقريب" (١) من الشافعية وأشهب من المالكية في بعض أقواله. وظاهر مذهب الشافعي جواز الزيادة على العشرة إلَّا أنه لا يبلغ به الحد. وعلى هذا ففي المعتبر وجهان: أصحهما: أدنى الحدود في حق المعزر، فلا يزاد في تعزير

стр. 4546

الحر على تسع وثلاثين ضربة، ليكون دون حد [الأحرار] (١) ولا في تعزير العبد على تسعة عشر سوطًا ليكون دون حده. وثانيهما: أدنى الحدود على الإِطلاق، فلا يزاد في حد الحر أيضًا على تسعة عشر سوطًا. وفيه وجه ثالث: أن الاعتبار فيه بحد الأحرار مطلقًا فيبلغ بالحر والعبد تسعًا وثلاثين ولا يزيد وجوّز الاصطخري من الشافعية في كتابه "أدب القضاء" (٢) مجاوزة العشرة في غير السوط وهو مطابق للحديث. ولكن رواية البخاري عن عبد الرحمن بن جابر عمن سمع النبي - صلي الله عليه وسلم - يقول: "لا عقوبة فوق عشر ضربات إلَّا في حد من حدود الله" يرده. ثم من خالف الحديث وجوّز الزيادة عليه وهم جمهور الصحابة والتابعين كما حكاه النووي في "شرحه" (٣) عنهم، وإن كان القرطبي (٤) نقل عن الجمهور المنع من الزيادة. أجاب عن الحديث بأوجه: أحدها: الطعن فيه وقد سلف جوابه. ثانيها: نسخه بعمل الصحابة بخلافه من غير إنكار. وعن عمر أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري أنه لا يبلغ بنكال أكثر من عشرين سوطًا. ويروى ثلاثين إلى الأربعين. وضرب عمر صبيغًا -بفتح

стр. 4547

الصاد المهملة ثم باء موحدة ثم مثناة تحت ثم غين معجمة- أكثر من الحد أو من مائة، وضرب من نقش على خاتمه مائة واستضعف هذا الوجه بأنه يبعد عليه إثبات إجماع الصحابة على العمل بخلافه وفعل بعضهم أو فتواه على خلافه لا يدل على النسخ. ثالثها: أنه محمول على ذنب بعينه أو رجل بعينه، ذكره الماوردي من أصحابنا وفيه نظر. رابعها: أنه مقصور على زمن النبي - صلي الله عليه وسلم - لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر وهو ضعيف جدًا لأنه نزل العموم بغير دليل شرعي على الخصوص ثم هذه المناسبة ضعيفة لا تستقل بإثبات التخصيص. خامسها: أن المراد [بالحد] (١) الحق وإن لم يكن من المعاصي المقدرة حدودها. وقد سلف ما فيه. وقال ابن أبي ذئب وابن أبي ليلى: لا يزاد في الأدب على ثلاثة، وبه قال أشهب مرة. وقال في مؤدب الصبيان لا يزيد على ثلاثة أسواط، فإن زاد اقتص منه، وهذا تحديد يبعد إقامة الدليل عليه، ولعله أخذه من أن الثلاث [اعتبرت] (٢) في مواضع كثيرة من الشرع، وهو أول حد الكثرة. وفي ذلك ضعف.

стр. 4548

ومذهب أبي حنيفة أنه لا يبلغ بالتعزير أربعين. وقال ابن أبي ليلى: هو خمسة وسبعون ولا يبلغ به الحد. وروي عن مالك وأبي يوسف أيضًا، ومال إليه أصبغ. وعن ابن عمر: لا يجاوز به ثمانين. وقال ابن شبرمة: هو دون المائة وهو رواية عن ابن أبي ليلى. وحكي عن الشافعي أنه يضرب في الأدب أبدًا وإن أتى على نفسه حتى يفي بالإِنابة ويرجع عنه. وعن الزُّبيري من أصحابه إن تعزير كل ذنب مستنبط من حده لا يجاوز حده وهما غريبان، فتحصلنا على أقوال في المسألة: أحدها: أنه لا يزاد على عشرة. ثانيها: على ثلاثة. ثالثها: يزاد إلى تسعة عشرة. رابعها: إلى تسعة وثلاثين. خامسها: إلى خمسة وسبعين. سادسها: إلى ثمانين. سابعها: إلى دون المائة، ويأتي أكثر من ذلك عند الفرق بين الحر والعبد، وعلى قول الزبيري السالف وغير ذلك، فتأمله.

стр. 4549

كتاب الأيمان والنذور

стр. 4550

٧٢ - كتاب الأيمان والنذور الأيمان: جمع يمين، وأصلها في اللغة اليد اليمنى، وأطلق على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه، وقيل لأنها تحفظ الشيء على الحالف كما يحفظ اليد. وهي في الشرع: تحقيق ما يحتمل المخالفة أو تأكيده بذكر اسم الله [تعالى] (١) وصفته بصفة مخصوصة. والنذور: واحدها نذر وهو مأخوذ من الإِنذار الذي هو التخويف، وهو لغة الوعد بخير أو شر. وشرعًا: الوعيد بخير. ولم يذكر في النذور إلَّا قوله في أواخره: "وليس على رجل نذر فيما لا يملك". وقد عقد له بابًا بعده، ثم ذكر في هذا الباب سبعة أحاديث:

стр. 4551

الحديث الأول ٣٧٥/ ١/ ٧٢ - عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: "قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإِمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها، فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير (١). الكلام عليه من وجوه: الأول: في التعريف براويه هو أبو سعيد عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي. أمه: أروى بنت [أبي] (٢) الفارعة من بني فراس.

стр. 4552

أسلم يوم الفتح. وقيل: كان اسمه عبد كُلال، ويقال: عبد كلوب، وقيل: عبد الكعبة، فغيره النبي ﷺ . وغزا خراسان في زمن عثمان، وعلى يده فتحت سجستان وكابل [واستعمله ﵊ على سجستان] (١). روي له عن النبي - صلي الله عليه وسلم - أربعة عشر حديثًا اتفقا منها على هذا الحديث وانفرد مسلم بحديثين. روي عنه الحسن البصري وغيره. مات سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى. وقال الفاكهي في "شرحه" مات سنة أربع وأربعين، ثم حكى القولين السالفين. وفي موضع قبره ثلاثة أقوال: أحدها: بالبصرة، قاله خليفة وجماعات. ثانيها: بالكوفة وصلى عليه زياد، قاله ابن حبان. ثالثها: بمرو، حكاه الحاكم عن بعضهم وأنه أول من تولى من الصحابة بها. الثاني: في ألفاظه ومعانيه. "الإِمارة" بكسر الهمزة الولاية عامة كانت أو خاصة، ويدخل فيها القضاء والحسبة وغيرها، وفيها لغة أخرى، إمره بسكون الميم. أما الأمارة بالفتح، فالعلامة.

стр. 4553

وأما الأمَرة: بفتح الميم، فالمرة الواحدة من الأمر، يقال: لك على أمَره لمطاعة، أي: أمره أطول فيها وأمر فلان بكسر الميم وضمها صار أميرًا. ومعنى"وكلت إليها" لم يعن عليها، أي: لا يكون فيك كفاية لها ومن هذا شأنه لا يولى، يقال: وكله إلى نفسه وكلًا ووكولًا، وفي كثير من نسخ مسلم بدل الواو همزة. وقال القاضي عياض (١): هو في أكثرها كذلك والصواب بالواو. الثالث: في أحكامه وفيه مسائل: الأولى: ظاهره يقتضي كراهية سؤال الإِمارة مطلقًا، والفقهاء تصرفوا فيه بالقواعد الكلية: فمن كان متعينًا للولاية وجب عليه قبولها إن عرضت عليه، وطلبها إن لم تعرض, لأنه فرض كفاية لا يتأدى إلَّا به فيتعين عليه القيام به، وكذا إذا لم يتعين له، وكان أفضل من غيره، ومنعنا ولاية المفضول مع وجود الأفضل وإن كان غيره أفضل منه، ولم نمنع تولية المفضول مع وجود الفاضل. فيكره له الدخول فيها وأن يسألها. وحرّم بعض الشافعية سؤالها. وحكى الشيخ تقي الدين (٢): أن بعضهم حَرَّم له الطلب وكره للإِمام أن يوليه وقال: إن ولَّاه انعقدت ولايته وقد استخطىء فيما قال، ومن الفقهاء من أطلق القول بكراهية القضاء، لأحاديث وردت فيه. منها قوله ﵊: "القضاة ثلاثة واحد في الجنة

стр. 4554

واثنان في النار" (١) رواه الأربعة وقال الحاكم صحيح الإِسناد. ومنها قوله ﵊: "من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين" (٢) حسنه الترمذي مع الغرابة، وقال الحاكم: صحيح الإِسناد مع أن بعض العلماء يؤول هذا للمدح وقال لاجتهاده في طلب الحق، والظاهر أنه على الذم لعجزه غالبًا عن القيام وعدم المعين له على الحق. ومنها قوله ﵊ لأبي ذر: "لا تأمرن على اثنين" (٣) متفق عليه. ومنها قوله: "إنكم ستحرصون على الإِمارة وستكون ندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة" (٤). رواه البخاري. ومن أصحابنا من قال: القضاء من أعلى القربات، ومنهم إمام الحرمين وابن الصباغ، والأحاديث المحذرة منه محمولة على الخائن أو الجاهل بدليل الحديث السالف القضاة ثلاثة. وقال ابن الصباغ: الأحاديث المحذرة دالة على عظم قدره حتى لا يقدم عليه من لا يثق بنفسه، ويحمل حديث عبد الرحمن بن سمرة وما في معناه كحديث

стр. 4555

أبي موسى الثابت أيضًا في الصحيحين (١) لن نستعمل في عملنا هذا من أراده على من سأل لمجرد الرئاسة والنبل، ومن استحبه فهو لمن قصد به القربة وبالغ إمام الحرمين وجماعة فقالوا: القيام بفرض الكفاية أحرى بإحراز الدرجات وأعلى [في] (٢) قبول القربات من القيام بفرض العين، فإن [فاعل] (٣) فرض العين وتاركه يختص الثواب والعقاب به وفاعل فرض الكفاية كاف نفسه وسائر المخاطبين العقاب وأمل أفضل الثواب. وبالجملة فقد امتنع من الدخول فيه الشافعي حين استدعاه المأمون ليوليه قضاء الشرق والغرب واقتدى به الصدر الأول من أصحابه حتى أن أبا علي بن خيران لما طلب للقضاء هرب فختم على عقاره، وامتنع منه أيضًا أبو حنيفة حين استدعاه المنصور له فضربه وحبسه ثم أطلقه، وقيل: إن أبا حنيفة ولي القضاء بالرصافة أيامًا والشافعي وليه بنجران من بلاد اليمن أيامًا ولا يصح دخول معظم السلف من الصدر الأول فيه كان لعلمهم يقينًا أو ظنًا بالقيام به لله لا لشيء من حظوظ الدنيا ووجود من يعينهم على الحق، وامتناع الصدر الثاني والثالث لما فيه من الخطر وعدم براءة الذمة فيه وتحيلوا على الامتناع منه بأسباب توهم الجنون أو قلة المروءة وارتكبوا ذلك للخلاص من المحرم أو المكروه.
следующие страницы →