← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

الحديث الأول ٣٧٥/ ١/ ٧٢ - عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: "قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإِمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها، فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير (١). الكلام عليه من وجوه: الأول: في التعريف براويه هو أبو سعيد عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي. أمه: أروى بنت [أبي] (٢) الفارعة من بني فراس.

стр. 4552

أسلم يوم الفتح. وقيل: كان اسمه عبد كُلال، ويقال: عبد كلوب، وقيل: عبد الكعبة، فغيره النبي ﷺ . وغزا خراسان في زمن عثمان، وعلى يده فتحت سجستان وكابل [واستعمله ﵊ على سجستان] (١). روي له عن النبي - صلي الله عليه وسلم - أربعة عشر حديثًا اتفقا منها على هذا الحديث وانفرد مسلم بحديثين. روي عنه الحسن البصري وغيره. مات سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى. وقال الفاكهي في "شرحه" مات سنة أربع وأربعين، ثم حكى القولين السالفين. وفي موضع قبره ثلاثة أقوال: أحدها: بالبصرة، قاله خليفة وجماعات. ثانيها: بالكوفة وصلى عليه زياد، قاله ابن حبان. ثالثها: بمرو، حكاه الحاكم عن بعضهم وأنه أول من تولى من الصحابة بها. الثاني: في ألفاظه ومعانيه. "الإِمارة" بكسر الهمزة الولاية عامة كانت أو خاصة، ويدخل فيها القضاء والحسبة وغيرها، وفيها لغة أخرى، إمره بسكون الميم. أما الأمارة بالفتح، فالعلامة.

стр. 4553

وأما الأمَرة: بفتح الميم، فالمرة الواحدة من الأمر، يقال: لك على أمَره لمطاعة، أي: أمره أطول فيها وأمر فلان بكسر الميم وضمها صار أميرًا. ومعنى"وكلت إليها" لم يعن عليها، أي: لا يكون فيك كفاية لها ومن هذا شأنه لا يولى، يقال: وكله إلى نفسه وكلًا ووكولًا، وفي كثير من نسخ مسلم بدل الواو همزة. وقال القاضي عياض (١): هو في أكثرها كذلك والصواب بالواو. الثالث: في أحكامه وفيه مسائل: الأولى: ظاهره يقتضي كراهية سؤال الإِمارة مطلقًا، والفقهاء تصرفوا فيه بالقواعد الكلية: فمن كان متعينًا للولاية وجب عليه قبولها إن عرضت عليه، وطلبها إن لم تعرض, لأنه فرض كفاية لا يتأدى إلَّا به فيتعين عليه القيام به، وكذا إذا لم يتعين له، وكان أفضل من غيره، ومنعنا ولاية المفضول مع وجود الأفضل وإن كان غيره أفضل منه، ولم نمنع تولية المفضول مع وجود الفاضل. فيكره له الدخول فيها وأن يسألها. وحرّم بعض الشافعية سؤالها. وحكى الشيخ تقي الدين (٢): أن بعضهم حَرَّم له الطلب وكره للإِمام أن يوليه وقال: إن ولَّاه انعقدت ولايته وقد استخطىء فيما قال، ومن الفقهاء من أطلق القول بكراهية القضاء، لأحاديث وردت فيه. منها قوله ﵊: "القضاة ثلاثة واحد في الجنة

стр. 4554

واثنان في النار" (١) رواه الأربعة وقال الحاكم صحيح الإِسناد. ومنها قوله ﵊: "من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين" (٢) حسنه الترمذي مع الغرابة، وقال الحاكم: صحيح الإِسناد مع أن بعض العلماء يؤول هذا للمدح وقال لاجتهاده في طلب الحق، والظاهر أنه على الذم لعجزه غالبًا عن القيام وعدم المعين له على الحق. ومنها قوله ﵊ لأبي ذر: "لا تأمرن على اثنين" (٣) متفق عليه. ومنها قوله: "إنكم ستحرصون على الإِمارة وستكون ندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة" (٤). رواه البخاري. ومن أصحابنا من قال: القضاء من أعلى القربات، ومنهم إمام الحرمين وابن الصباغ، والأحاديث المحذرة منه محمولة على الخائن أو الجاهل بدليل الحديث السالف القضاة ثلاثة. وقال ابن الصباغ: الأحاديث المحذرة دالة على عظم قدره حتى لا يقدم عليه من لا يثق بنفسه، ويحمل حديث عبد الرحمن بن سمرة وما في معناه كحديث

стр. 4555

أبي موسى الثابت أيضًا في الصحيحين (١) لن نستعمل في عملنا هذا من أراده على من سأل لمجرد الرئاسة والنبل، ومن استحبه فهو لمن قصد به القربة وبالغ إمام الحرمين وجماعة فقالوا: القيام بفرض الكفاية أحرى بإحراز الدرجات وأعلى [في] (٢) قبول القربات من القيام بفرض العين، فإن [فاعل] (٣) فرض العين وتاركه يختص الثواب والعقاب به وفاعل فرض الكفاية كاف نفسه وسائر المخاطبين العقاب وأمل أفضل الثواب. وبالجملة فقد امتنع من الدخول فيه الشافعي حين استدعاه المأمون ليوليه قضاء الشرق والغرب واقتدى به الصدر الأول من أصحابه حتى أن أبا علي بن خيران لما طلب للقضاء هرب فختم على عقاره، وامتنع منه أيضًا أبو حنيفة حين استدعاه المنصور له فضربه وحبسه ثم أطلقه، وقيل: إن أبا حنيفة ولي القضاء بالرصافة أيامًا والشافعي وليه بنجران من بلاد اليمن أيامًا ولا يصح دخول معظم السلف من الصدر الأول فيه كان لعلمهم يقينًا أو ظنًا بالقيام به لله لا لشيء من حظوظ الدنيا ووجود من يعينهم على الحق، وامتناع الصدر الثاني والثالث لما فيه من الخطر وعدم براءة الذمة فيه وتحيلوا على الامتناع منه بأسباب توهم الجنون أو قلة المروءة وارتكبوا ذلك للخلاص من المحرم أو المكروه.

стр. 4556

المسألة الثانية: فيه إشارة إلى إلطاف الله تعالى بالعبد فيما قضاه وقدره وأوجبه عليه بالإِعانة على إصابة الصواب في فعله وقوله تفضلًا زائدًا على مجرد التكليف والهداية إلى النجدين، فإنه لما كان خطر الولاية عظيمًا بسبب أمور في الوالي وبسبب أمور خارجة عنه كان طلبها تكلفًا ودخولًا في غرر عظيم فهو جدير بعدم العون. ولما كانت إذا أتت عن غير مسألة لم يكن فيها هذا التكليف كانت جديرة بالعون على أعبائها وأفعالها دل ذلك على ما قررناه وهي مسألة أصولية. المسألة الثالثة: أن من يتعاطى أمرًا سولت له نفسه أنه أهل له لا يقوم به بخلاف من عجز نفسه وقصرها عن ذلك، وهذا من ثمرات التواضع فإن من سأل الإِمارة لم يسألها إلَّا وهو يرى نفسه أهلًا لها فيوكل إليها فلا يعان ويخذل. الرابعة: أن من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها من فعل أو ترك بأن كان التمادي على اليمين مرجوحًا في نظر الشرع والحنث خير منه أنه يستحب له الحنث ويكفر وقد يكون الحنث واجبًا وقد قام الإِجماع على أنه لا يجب عليه كفارة قبل الحنث وعلى أنه يجوز تأخيرها عن الحنث وعلى أنه لا يجوز تقديمها قبل اليمين. واختلفوا في تقديمها على الحنث على قولين: أحدهما: يجوز وبه قال أربعة عشر من الصحابة وجماعات من التابعين ومالك والشافعي والأوزاعي والثوري والجمهور، لكن قالوا يستحب كونها بعد الحنث.

стр. 4557

واستثنى الشافعي التكفير بالصوم فقال: لا يجوز قبل الحنث لأنه عبادة بدنية فلا يجوز تقديمها قبل وقتها كالصلاة وصوم رمضان. قال الخطابي (١): واحتج أصحابه بأن [الصوم] (٢) مرتب على الإِطعام. فلا [يجزيء] (٣) إلَّا مع عدم الأصل كالتيمم، [مع الماء وهو الصحيح عند أصحابه] (٤). وأما التكفير بالمال، فيجوز تقديمه على كفارته كما يجوز تعجيل الزكاة، واستثنى بعض أصحابه حنث المعصية بأن حلف لا يزني فقال: لا يجوز تقديمه على كفارته لأن فيه إعانة على المعصية والجمهور على الاجتزاء كغيرها لأن الكفارة لا يتعلق بها تحليل ولا تحريم فإن المحلوف عليه على حالة حرام قبل اليمين وبعدها، وقبل التكفير وبعده. ووقع في "المحرر" للرافعي تصحيح الأول وتبعه البغوي فيه [لكنه] (٥) صحح في "شرحه الصغير" الثاني واقتضاه [. . .] (٦) كلامه في الكبير.

стр. 4558

والقول الثاني في أصل المسألة: أنه لا يجوز تقديمها عليه بكل حال، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأشهب المالكي. وهذا الحديث ورد بألفاظ: أحدها: "فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير" وهذا ما في الكتاب. ثانيها: "فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك" رواه البخاري. ثالثها: "فكفّر عن يمينك ثم ائتِ الذي هو خير"، رواه أبو داود والنسائي. وهذه الرواية صريحة للجمهور القائلين بالجواز، أما رواية "الواو" فقد يستدل بها من يجوز التقديم تارة ومن يمنعه أخرى من حيث الاهتمام بذكره أولًا لكن يخدشه أن "الواو" لا تقتضي الترتيب والمعطوف والمعطوف عليه بها كالجملة الواحدة وليس بجيد، طريقه من يقول في مثل هذا إن "الفاء" تقتضي الترتيب والتعقيب فيقتضي ذلك أن يكون التكفير مستعقبًا لرواية الخير في الحنث فإذا استعقبه التكفير تأخر الحنث ضرورة، نبّه على ذلك الشيخ تقي الدين قال: وإنما قلنا إنها ليس بجيد لما بيناه من حكم الواو. فلا فرق بين قولنا: "فكفر، عن يمينك وائت الذي هو خير" وبين قولنا: "فافعل هذين". ولو قال كذلك لم تقتضِ ترتيبًا ولا تقديمًا وكذلك إذا أتى بالواو وهذه الطريقة التي أشرنا إليها ذكرها بعض الفقهاء في اشتراط الترتيب في الوضوء. وقال: إن الآية تقتضي تقديم غسل الوجه، بسبب الفاء وإذا وجب تقديم غسل الوجه وجب الترتيب في بقية الأعضاء اتفاقًا وهو ضعيف لما بينّاه.

стр. 4559

"تذنيب" حديث الأعرابي الثابت في الصحيحين (١) حيث قال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص وسماه الشارع مفلحًا لا يرد على ما قررناه من أن الحنث خير إذا كان التمادي على اليمين مرجوحًا في نظر الشرع لأنها كانت لغو يمين أو أراد لا أزيد في عدد الفرائض ولا أنقص منها وذلك لا يقتضي الإِنكار. الخامس: مقتضاه تأخير مصلحة الوفاء بمقتضى اليمين إذا كان غيره خيرًا بنصه، وأما مفهومه فقد يشعر بأن الوفاء بمقتضى اليمين عند عدم رواية الخير في غيرها مطلوب. وقد تنازع المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾، وحمله بعضهم على ما دل عليه الحديث، ويكون معنى "عرضة"، أي: مانعًا و"أن تبروا" بتقدير من "أن تبروا". المسألة السادسة: فيه بيان كرم الله تعالى على عباده في عدم الوقوف عند الأيمان وبأنه يحنث فيها لئلا يؤدي ذلك إلى المنع من الخير وترك البر.

стр. 4560

الحديث الثاني ٣٧٦/ ٢/ ٧٢ - عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها، إلَّا أتيت الذي هو خير، وتحللتها" (١). الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف براويه وقد سلف في باب السواك في الحديث الرابع منه. ثانيها: هذا الحديث ورد على سبب وهو أنه ﵊ "قدم عليه رهط من الأشعريين فسألوه الحملان فقال: "والله لا أحملكم ولا عندي ما أحملكم عليه، ثم أتي بعد ذلك بإبل فأمر لهم بثلاث ذود". وفي رواية: "بخمس ذود غبر الذرى فلما انطلقوا

стр. 4561

كرهوا تحلل رسول الله ﷺ يمينه وخافوا عقوبة ذلك فأتوه وأخبروه بالخبر فقال: ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم. ثم قال: إني والله" إلى آخر الحديث. وفي رواية في الصحيح: "إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير" وفي الصحيح: "إن ذلك كان في جيش العسرة وهي غزوة تبوك" وفي أخرى فيه: "أنه أعطاهم ستة أبعرة ابتاعهن من سعد". ثالثها: في أحكامه وفيه مسائل: المسألة الأولى: الحنث إذا رآه خيرًا من التمادي على اليمين وقد سلف في الحديث قبله. المسألة الثانية: جواز الحلف من غير استحلاف. المسألة الثالثة: تقديم ما يقتضي الحنث في اللفظ على الكفارة، إن كان معنى: "وتحللتها" التكفير عنها. قال الشيخ تقي الدين: ويحتمل أن يكون معناه إتيان ما يقتضي الحنث، فإن التحلل يقتضي العقد. والعقد هو ما دلت عليه اليمين من موافقة مقتضاها، فيكون التحلل الإِتيان بخلاف مقتضاها ثم قال: فإن قلت: فيكفي عن هذا قوله: "أتيت الذي هو خير" فإنه بإتيانه إياه تحصل مخالفة اليمين والتحلل منها، فلا يفيد قوله حينئذٍ: "وتحللت". فائدة: زائدة على ما في قوله: "أتيت الذي هو خير". ثم أجاب بأن فيه فائدة التصريح والتنصيص على كون ما فعله محللًا والإِتيان به بلفظه يناسب الجواز والحل صريحًا. فإذا صرح بذلك كان أبلغ مما أتى به على سبيل الاستلزام.

стр. 4562

الرابعة: تأكيد ما يخبر به الإِنسان عن نفسه في المستقبل بالقسم فإنه ﷺ أكد في هذا الحديث للحكم المذكور باليمين بالله تعالى عليه، وهو يقتضي المبالغة في ترجيح الحنث على الوفاء عند هذه الحالة. وفيه أيضًا تطييب قلب أصحابه وأمته إذا وقع لهم ذلك أن لا يخرجوا منه وهذا "الخير" الذي أشار إليه أمر يرجع إلى مصالح الحنث، المتعلقة بالمفعول المحلوف على تركه. خامسها: الاستثناء بإن شاء الله تبركًا وأدبًا فإن قصد به حل اليمين صح بشرط أن يكون متصلًا وأن ثبوته قبل الفراغ من اليمين كما ستعلمه في الحديث الرابع إن شاء الله. سادسها: ترجم البخاري على هذا الحديث الكفارة قبل الحنث (١) وبعده، وترجم عليه أيضًا الاستثناء في الأيمان (٢)، وترجم عليه أيضًا لا تحلفوا بآبائكم (٣)، وترجم عليه أيضًا بقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ (٤) وأراد أن أفعال الخلق مخلوقة لله تعالى

стр. 4563

وهذا مذهب أهل السنة خلافًا للمعتزلة. قال المازري (١): معناه أن الله تعالى أتاني، ما أحملكم عليه ولولا ذلك لم يكن عندي ما أحملكم عليه.

стр. 4564

الحديث الثالث ٣٧٧/ ٣/ ٧٢ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم". ولمسلم: "فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت". وفي رواية قال عمر: فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله - صلي الله عليه وسلم - ينهى عنها، ذاكرًا ولا آثرًا" (١). يعني: حاكيًا عن غيري: أنه حلف بها". الكلام عليه من وجوه: الأول: هذا الحديث ساقه الشيخان بتمام قوله: "قال عمر:

стр. 4565

فوالله" إلى آخره وبدون قوله: "ولمسلم إلى قوله أو ليصمت" من هذا الوجه، ولم أر في البخاري هنا لفظة "ينهى عنها". وفي رواية لمسلم بعد قوله: "آثرًا، ولا تكلمت بها"، والحديث من رواية ابن عمر عن عمر ومن رواية ابن عمر أيضًا. وأما الزيادة: التي عزاها المصنف إلى مسلم وحده فليست فيه من هذا الوجه الذي [أورد الحديث من طريقه] (١) وإنما هي فيه من رواية ابن عمر وهذا لفظه: عن ابن عمر عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وعمر يحلف بأبيه. فناداهم رسول الله ﷺ : "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت". وهذه الزيادة ثابتة في "صحيح البخاري" أيضًا في هذا الباب، وهذا لفظه: عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب يحلف بأبيه فقال: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" يظهر أن هذه [الزيادة] (٢) ليست في هذا الحديث من هذا الطريق وأنها ليست من أفراد مسلم فتنبه لذلك فإنه يساوي رحله. وقد وقع للمصنف هذا الموضع في "عمدته الكبرى" أيضًا. الثاني: سبب النهي أن قريشًا كانت تحلف بآبائها كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵁ أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم -

стр. 4566

قال: "من كان حالفًا، فلا يحلف إلا بالله" (١) [وكانت] (٢) قريش تحلف بآبائها فقال: لا تحلفوا بآبائكم. وقد أسلفنا من حديثه أيضًا أنه ﵊ أدرك عمر بن الخطاب في ركب وهو يحلف بأبيه فناداهم رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم. الثالث: سر النهي عنه أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به وحقيقة العظمة لله لا شريك له فيها فإنها إزاره والكبرياء رداءه فمن نازعه فيهما قصمه كما صح في الأحاديث الصحيحة (٣) حكاية [عنه] (٤) سبحانه [وتعالى] (٥)، وإذا كان كذلك فلا تضاهي بالتعظيم غيره. وقد قال ابن عباس: "لئن أحلف بالله فآثم أحب إليّ من أن أضاهي"، ومعنى أضاهي أحلف بغيره، وقيل: يرى أنه حلف وما حلف ويؤيد الأول الرواية الأخرى عنه "لئن أحلف بالله مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره فأبر" الرابع: قد فسر المصنف معنى قوله: "آثرًا" (٦). وهو بمد

стр. 4567

الهمزة، أي: ما حلفت بها بعد النهي ذاكرًا، أي: قائلًا لها من قبل نفسي ولا أروي عن غيري أنه قالها وهو مأخوذ من قوله: آثر الحديث فآثره إذا حدث به. الخامس: في أحكامه: الأول: المنع من الحلف بغير الله تعالى فإنه ﵊ قال بعد ذلك فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت. وجرى ذكر الآباء أولًا لأنه هو السبب المثير له وهذا المنع للتنزيه على المشهور عند الشافعية، وقيل: إنه معصية. وحكاه المالكية أيضًا ولم يعزه الشيخ تقي الدين (١) إلَّا إليهم حيث قال: والخلاف موجود عند المالكية. وتوبع على ذلك ويدل للثاني قوله ﵊ "من حلف بغير الله فقد أشرك" (٢) رواه الحاكم في

стр. 4568

"مستدركه" من حديث ابن عمر وقال: صحيح على شرط الشيخين وللأول: أن يحمله على من اعتقد فيما حلف به من التعظيم ما يعتقد في الله تعالى. فإن قلت: ما يصنع بقوله ﵊ للأعرابي: "أفلح وأبيه إن صدق". قلت: عنه أجوبة: أحدها: أن هذا كان يجري على ألسنتهم من غير أن يقصدوا به القسم والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف. قاله جماعات منهم البيهقي في "سننه" (١). وقال النووي في "شرحه" (٢) إنه الجواب المرضي. قال ابن الأثير في "جامعه" (٣): وهذه اللفظة جارية في كلام العرب على ضربين: للتعظيم، وللتأكيد، والتعظيم هو المنهي عنه وأما التوكيد فلا، كقول الشاعر: لعمر أبي الواشين لا عمرُ غيرهم ... لقد كلفتني خطة لا أُريدها فهذا توكيد لأنه لا يريد أن يقسم بأبي الواشين. وهذا في كلامهم كثير. الثاني: أنه على حذف مضاف، أي: ورب أبيه. وعبارة البيهقي عنه في "سننه" (٤) يحتمل أنه كان -عليه الصلاة

стр. 4569

والسلام- أضمر فيه اسم الله تعالى كأنه قال: لا ورب أبيه وغيره لا يضمر. بل يذهب فيه مذهب التعظيم لأبيه. ثالثها: أنه قبل النهي قاله البيهقي (١) والماوردي (٢) وغيرهما. وسمعت شيخنا يجيب بجوابين آخرين: أحدهما: أنه يحتمل أن يكون الحديث "أفلح والله" فقصَّر الكاتب اللامين فصارت "وأبيه". ثانيهما: خصوصية ذلك بالشارع دون غيره وهذه دعوى لا برهان عليها. وأغرب القرافي ﵀ حيث قال: هذه اللفظة وهي "وأبيه" اختلف في صحتها فإنها ليست في "الموطأ" وإنما فيها أفلح إن صدق، وهذا عجيب، فالزيادة بأبيه لا شك في صحتها ولا مرية. فإن قلت: فقد وقع في القرآن العظيم القسم بغيره تعالى كالشمس، والعاديات والضحى والليل وغير ذلك. قلت: عنه جوابان: أحدهما: أنه على حذف مضاف أيضًا كما سلف في الحديث. ثانيهما: أن الله تعالى يقسم بما شاء للتنبيه على شرفه [فإنه المتصرف في ملكه كيف شاء] (٣) ونحن لا نتصرف إلَّا كما أذن لنا

стр. 4570

وقد أبلغنا نبيه ﵊، فقال: من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت. تنبيهات: أحدها: يكره أيضًا أن يحلف بغير الله تعالى. قال الماوردي من أصحابنا: ولا يجوز أن يحلف أحد بطلاق ولا عتاق ولا نذر لأنها تخرج عن حكم اليمين إلى إيقاع فرقة وإلزام عزم، قال: وإذا حلّف الحاكم بذلك عزله الإِمام لجهله. ثانيها: الحلف بالأمانة أشد كراهة من غيره. وفي سنن أبي داود (١) من حديث بريدة رفعه: "من حلف بالأمانة فليس منا" "وكان عمر ﵁ ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي" رواه أحمد في كتاب "الزهد" له. ثالثها: لو خالف وحلف بغيره كالنبي والكعبة وغيرها من المخلوقات لم ينعقد يمينه، وقال أحمد: تنعقد بالنبي لأنه أحد

стр. 4571

ركني الشهادة كاسم الله تعالى (١). الحكم الثاني: إباحة الحلف بالله تعالى. قال أصحابنا: وهي مكروهة لأنه جعل الله تعالى عرضة يمينه وقد نهاه عنه ولأنه ربما عجز عن الوفاء بها ويستثنى من هذا مسائل. الأولى: أن تكون في طاعة كقوله: "والله لأغزون قريشًا" (٢). الثانية: الأيمان الواقعة في الدعاوى إذا كانت صادقة.

стр. 4572

الثالثة: إذا دعت إليها حاجة كتوكيد وتعظيم أمر وعليه ينزّل ما ثبت في الأحاديث الصحيحة من الحلف وشذت فرقة فمنعت اليمين بالله تعالى للآية السالفة. الثالث: حكم سائر أسمائه تعالى حكم هذا الاسم بالاتفاق. الرابع: جواز الحلف بالصفات أيضًا كالعلم والقدرة والعظمة والعزة والكبرياء والكلام والمشيئة (١) لأن الحلف بها كالحلف بالذات فينعقد اليمين وإن أطلق، إلا أن يسوي بالعلم المعدوم وبالقدرة المقدور وفيه خلاف محل بسطه كتب الفقه فإنه أليق به. واعلم أن ما يقسم به ثلاثة أنواع: أحدها: ما يباح به اليمين وهو القسم بأسماء الله تعالى وصفاته العلية وقد سلف. ثانيها: ما يحرم به اليمين وهو القسم بالأنصاب والأزلام واللات والعزى ونحو ذلك. فإن قصد تعظيمًا كفر، وإلا أثم. وممن نص على ذلك من المالكية ابن الحاجب ومثله الحلف بنعمة السلطان وتربة الشهيد ونحو ذلك. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: "من حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل: لا إله

стр. 4573

إلَّا الله" (١)، وإنما أمر بذلك لأنه تعاطى بحلفه صورة تعظيم الأصنام حتى حلف بها ولا كفارة عليه في هذا عند مالك والشافعي والجمهور خلافًا لأبي حنيفة. ثالثها: ما يختلف فيه بالتحريم والكراهة وهو ما عدا ذلك مما يقتضي تعظيمه كفرًا. الحكم الخامس: المبالغة في الاحتياط في الكلام بأن لا يحكى قول الغير الذي منع الشرع منه لئلا يجري على اللسان ما صورته صورة الممنوع شرعًا وهذا معنى قول عمر ﵁: "ولا آثرًا".

стр. 4574

الحديث الرابع ٣٧٨/ ٤/ ٧٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - صلي الله عليه وسلم - قال: "قال سليمان بن داود ﵉: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله. فقيل له: قل إن شاء الله فلم يقل, فطاف بهن، فلم تلد منهن إلَّا امرأة واحدة: نصف إنسان. قال: فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان ذلك دركًا لحاجته" (١). قوله: "قيل له: قل إن شاء الله". يعني: قال له الملك. الكلام عليه من وجوه: الأول: في التعريف براويه، وبالأسماء الواقعة فيه. أما سليمان على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام فهو أحد المؤمنين الذي ملكهما تعالى الدنيا كلها والآخر ذو القرنين وقيل: إن

стр. 4575

الدنيا كلها ملكها أربعة: مؤمنان وهما هذان، وكافران وهما نمرود وبخت نصّر. قال القضاعي: ويقال إنه ملك بعد أبيه وله اثنتا عشرة سنة من عمره وسخر الله معه الجن والإِنس والطير والريح وأتاه النبوة، وكان إذا جلس في مجلسه عكفت عليه الطير وقام له الإِنس والجن، وكان إذا أراد سفرًا لغزوٍ أمر فنصب له خشب وحمل عليه ما يريد من الناس والدواب وآلة الحرب ثم يأمر العاصف من الريح فيدخل تحت ذلك الخشب ليحمله فإذا انتقل أمر الرخا فمدته شهرًا في غدوه وشهرًا في روحته إلى حيث يشاء. عاش ثلاثًا وخمسين سنة. وترجمته مبسوطة في كلامي على رجال هذا الكتاب فراجعها منه. وأما والده: على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام فترجمته أيضًا مبسوطة في الكتاب المذكور فراجعها منه. وأما التعريف براويه فسلف أول الكتاب. الوجه الثاني: في ألفاظه ومعانيه: قوله: "لأطوفن" كذا هو في الروايات كلها وفي بعض نسخ "صحيح مسلم" و"البخاري" "لأطيفن" وهما لغتان فصيحتان يقال: طاف بالشيء وأطاف به إذا دار حوله وتكرر عليه فهو طائف ومطيف وهو هنا كناية عن الجماع. واللام في قوله: "لأطوفن" الظاهر أنها لام جواب القسم، أي: والله لأطوفن ويؤيده قوله ﵊: "لو قال إن شاء الله لم يحنث", لأن عدم الحنث ووجوده لا يكون إلَّا عن قسم ويبعد أن تكون ابتدائية، وأن ذلك حكاية عن قول سليمان من غير قسم.

стр. 4576

وقوله: "على سبعين امرأة" هو إحدى الروايات من قدر ذلك. وفي أخرى في مسلم "كان له ستون امرأة فقال: لأطوفن عليهن الليلة"، وفي أخرى له: "على تسعين امرأة". وفي كتاب النكاح من البخاري "مائة امرأة". وجاء في رواية أخرى: "على تسع وتسعين" ولا منافاة بين هذه الروايات لأنه ليس في ذكر القليل نفي الكثير وهو من مفهوم العدد ولا يعمل به جمهور أهل الأصول. وقوله: "تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله". هذا قاله على سبيل التمني للخير وجزم بذلك لغلبة رجائه وقصد به الآخرة والجهاد في سبيل الله تعالى لا لعرض الدنيا. قال بعض المتكلمين: نبه ﵊ في هذا الحديث على آفة التمني والإعراض عن التسليم [والتفويض] (١) قال: ومن آفته نسيانه الاستثناء ليمضي فيه القدر السابق. و"الغلام" سلف الكلام فيه لغة. على الحديث الرابع من باب الاستطابة، والمراد هنا الشاب المطيق للقتال. وقوله: " [قيل له:] (٢) قل إن شاء الله". يعني: قاله له الملك كما سلف من كلام المصنف وهو مصرح به في "صحيح البخاري" في نفس الحديث وهذا لفظه، "فقال له الملك: قل إن شاء الله فلم يقل ونسي" ذكره في أثناء النكاح (٣).

стр. 4577

وفي "صحيح مسلم": "فقال له صاحبه: أو الملك". وهو شك من أحد رواته، وفي رواية له: "فقال له صاحبه"، بالجزم من غير تردد. قال القرطبي (١): فإن كان صاحبه فيعني به وزيره من الإِنس أو من الجن، وإن كان الملك فهو الذي كان يأتيه بالوحي. قال: وقد أبعد من قال: هو خاطره. وقال النووي (٢): قيل المراد بصاحبه الملك وهو الظاهر من لفظه وقيل: القرين، وقيل: صاحب له آدمي. وقوله: "فقيل له قل إن شاء الله فلم يقل". قال القاضي عياض (٣): قد فسر في الحديث الآخر بقوله: "فنسي"، وقيل: صرف عن الاستثناء ليتم سابق حكمه تعالى. وقيل: هو على التقديم والتأخير، والتقدير: فلم يقل إن شاء الله فقيل له: قل إن شاء الله. وقوله: "فلم يقل"، أي بلسانه لا أنه غفل عن التفويض إلى الله بقلبه فإنه لا يليق بمنصب النبوة. قال القرطبي (٤): وهذا كما اتفق لنبينا محمَّد -عليه أفضل الصلاة والسلام- لما سئل عن الروح، والخضر، وذي القرنين، فوعدهم أن يأتي بالجواب غدًا، جازمًا بما عنده من معرفته بالله لكنه ذهل عن النطق بالمشيئة لا عن التفويض فاتفق أن تأخر الوحي عنه

стр. 4578

ورمى بما رمي لأجل ذلك ثم علمه الله بقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ الآية. فكان بعد ذلك يستعمل هذه الكلمة حتى في الواجب. وقوله: "وطاف بهن" في بعض روايات البخاري: "فأطاف بهن" وقد تقدم أنها لغتان. وقوله: "نصف إنسان". قيل: إنه الجسد الذي ذكر الله أنه ألقي على كرسيه. وفي مسلم "شق غلام" وفي لفظ: "بشق رجل" وفي بعض طرق البخاري: "فلم يحمل شيئًا إلا واحدًا ساقطًا إحدى شقيه". وقوله: "لو قال إن شاء الله" إلى آخره، هذا محمول إلى أنه ﵊ أوحي إليه بذلك في حق سليمان لا أن كل من فعل هذا لم يحصل له هذا. وفي بعض طرقه في الصحيح: "وأيم الله الذي نفس محمَّد بيدِه لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله". وهذا من خصائص نبينا ﵊ في اطلاعه على أخبار الأنبياء السالفة والأمم الماضية. وقوله: "وكان دركًا لحاجته" هو بفتح الراء اسم من الإِدراك، أي: لحاقًا. قال تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ (١). المعنى أنه كان يحصل له ما أراد. وفي رواية للبخاري: "وكان أرجى لحاجته". الوجه الثالث: في فوائده وأحكامه: الأولى: قصد فعل الخير وتعاطي أسبابه.

стр. 4579

الثانية: استحباب الاستثناء لمن قال سأفعل كذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. وكان ﵊ يقولها إذا مرَّ على المقابر أيضًا. وقد ظهر أثر المشيئة أيضًا في قصة يأجوج ومأجوج لما قال الذي عليهم "ارجعوا وستحفرونه غدًا" (١). -يعني: السد- إن شاء الله فيجدونه كهيئته حين تركوه، فيحفرونه، ويخرجون"، وفي كل يوم قبل ذلك لم يستثن فيجدونه كأشد ما كان فينبغي إذن أن لا يترك في حال. الثالثة: ما خص به الأنبياء من القوة على إطاقة هذا في ليلة واحدة. وكان نبينا عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام يطوف على إحدى عشرة في الساعة الواحدة كما ثبت في الصحيح (٢). وهذا كله من زيادة القوة وصحة البنية مع ما كانوا فيه من الجهد كما هو معلوم من حالهم. وهو يوجب في العادة الضعف عن ذلك فخرق الله لهم العادة في أبدانهم كما خرقها لهم في معجزاتهم وأكثر أحوالهم. وحكى القرطبي في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣). قال: كان سليمان أكثر الأنبياء نساء اجتمع

стр. 4580

عنده ألفا امرأة وثلاثمائة مهرية وسبعمائة سرية وكان له قوة أربعين نبيًا. [وقال مجاهد أعطي نبينا محمَّد ﷺ قوة أربعين رجلًا كل رجل من أهل الجنة. قال القاضي حسين: لا يجوز أن يوصف نبي من الأنبياء بالعنة لأنها عيب وهم منزهون عن العيوب، ذكره رادًا على من فسر "الحصور" بأنه الذي لا يأتي النساء عجزًا] (١). قال أبو بكر الوراق: كل شهوة تقسي القلب إلَّا الجماع فإنه يصفيه، ولذلك كانت الأنبياء تفعله كثيرًا. ويقال: إن كل من كان اتقى الله فشهوته أشد لأن الذي لا يكون تقيًا يتفرّج بالنظر وغيره بخلاف التقي. رابعها: أن اتباع المشيئة لليمين بالله ترفع حكمها. قال القاضي عياض (٢): أجمع المسلمون على أن قوله: إن شاء الله، يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلًا قال: ولو جاز منفصلًا كما روي عن بعض السلف لم يحنث في يمين قط ولم يحتج إلى كفارة. قال: واختلفوا في الاتصال. فقال مالك والأوزاعي والشافعي والجمهور: هو أن يكون قوله: "إن شاء الله" متصلًا باليمين من غير سكوت بينهما ولا يضر سكتة التنفس والقيء.

стр. 4581

والأصح عند أصحابنا: اشتراط نيّة الاستثناء قبل فراغ اليمين أيضًا. وعن طاوس والحسن وجماعة من التابعين: أن له الاستثناء ما لم يقم من مجلسه. وقال قتادة: ما لم يقم أو يتكلم، وقال عطاء: قدر حلبة ناقة. وقال سعيد بن جبير: بعد أربعة أشهر. وعن ابن عباس الاستثناء أبدًا متى يذكره، وعنه إلى شهر وعنه إلى سنة، وعن بعضهم له ذلك سنة أو سنتين. وتأول بعضهم هذا المنقول عن هؤلاء على أن مرادهم أنه يستحب له قول إن شاء الله تبركًا ولقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾. ولم يريدوا به حل اليمين ومنع الحنث. وأما قوله ﵊: "فقال له صاحبه قل إن شاء الله"، فلا دلالة فيه على جواز الانفصال لأنه يحتمل أن يكون صاحبه قال له ذلك وهو بعد في أثناء اليمين، أو أن الذي جرى منه ليس بيمين فإنه ليس في الحديث تصريح بيمين. أما إذا استثنى في الطلاق والعتق وغير ذلك سوى اليمين بالله تعالى فقال: أنت طالق إن شاء الله أو أنت حر إن شاء الله، أو أنت عليّ كظهر أمي إن شاء الله، وما أشبه ذلك. فمذهب الشافعي والكوفيين وأبي ثور: صحة الاستثناء في جميع ذلك كما أجمعوا عليها في اليمين بالله تعالى فلا يحنث في طلاق ولا عتق ولا ينعقد ظهاره ولا نذره ولا إقراره ولا غير ذلك مما يتصل به قول إن شاء الله.

стр. 4582

وقال مالك والأوزاعي: لا يصح الاستثناء في شيء من هذا إلا اليمين بالله تعالى. وقال الحسن: يصح فيها وفي العتق والطلاق خاصة. قال الشيخ تقي الدين (١): فرّق مالك بين الطلاق واليمين بالله تعالى، وإيقاعه الطلاق بخلاف اليمين بالله, لأن الطلاق حكمًا قد شاءه الله مشكل جدًا. قلت: وبعض متأخري المالكية استدل بقوله ﵊: "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت". فاليمين المشروعة هي بالله تعالى فانصرف الاستثناء في هذا الحديث وغيره إليها بخلاف غيرها فإنها لم تشرع فلا ينصرف الاستثناء إليها. تنبيه: المشيئة ترد على أوجه: أحدهما: إلى الفعل المحلوف عليه، مثلًا كقوله: "لأدخلن الدار إن شاء الله" وأرد رد المشيئة إلى الدخول، أي: إن شاء الله دخولها. وهذا هو الذي ينفعه الاستثناء بالمشيئة ولا يحنث إن لم يفعل. ثانيها: أن ترد إلى نفس اليمين، فلا ينفعه الرجوع، لوقوع اليمين وتيقن مشيئة الله تعالى. ثالثها: أن يذكره على سبيل الأدب في تفويض الأمر إلى مشيئة

стр. 4583

الله وامتثالًا للآية السالفة لا على قصد معنى التعليق. وهذا لا يرفع حكم اليمين (١). الحكم الخامس: أن الاستثناء لا يكون إلَّا باللفظ ولا تكفي فيه النية لقوله ﵊: "لو قال إن شاء الله لم يحنث" وبهذا قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد والعلماء كافة. وحكي عن بعض المالكية أن قياس قول مالك إن اليمين تنعقد بالنية صحة الاستثناء بالنية من غير لفظ، وتبع بعضهم ذلك وفرق بأن اليمين خروج من الإِباحة إلى الحرمة فيكفي فيها أيسر الأسباب بخلاف الاستثناء فلا يكفي فيه إلا أقواها. السادس: إن الكناية في اليمين مع النية، فالصريح في حكم اليمين, لأنه ﵊ حكى عن سليمان ﵇ أنه قال: "لأطوفن" وليس فيه التصريح باسم الله تعالى، لكنه مقدر، لأجل اللام الداخلة على قوله: "لأطوفن" فإن كان قد قيل بذلك وأن اليمين ينعقد بمثله فالحديث حجة لمن قاله, وإن لم يكن فيحتاج إلى تأويله وتقدير اللفظ باسم الله تعالى صريحًا في المحكي وإن كان ساقطًا في الحكاية، وهذا ليس بممتنع في الحكاية. فإن من قال: "والله لأطوفن" فقد قال: "لأطوفن" فإن اللافظ بالمركب لافظ بالمفرد (٢). السابع: إذا تقرر ذلك فلا صراحة في الحديث على مقسم به

стр. 4584

معين، فقد يستدل به عن قال: أحلف أو أشهد وما أشبه ذلك أنه يمين إذا نواه وهو مذهب مالك. وقال أبو حنيفة: ويمين مطلقًا. وقال الشافعي: لا مطلقًا. الثامن: جواز الإِخبار عن الشيء ووقوعه في المستقبل، بناءً على الظن، فإن هذا الإِخبار -أعني قول سليمان ﵊ تلد كل امرأة منهن غلامًا- فلا يجوز أن يكون عن وحي، وإلَّا لوجب وقوع مخبره. وأجاز أصحابنا الحلف على الظن في الماضي [وقالوا: يجوز أن يحلف على خط مورثه إذا وثق بخطه وأمانته وجوزوا العمل به واعتماده. وذكر بعضهم أضعف من هذا وأجاز العمل بالقرينة وإن كانت ضعيفة وذكره بعض المالكية احتمالًا. التاسع: قد يؤخذ منه ثبوت حكم الاستثناء وإن لم ينو من أول اللفظ, لأن الملك قال له: "قل إن شاء الله" عند فراغه من اليمين، فلو لم يثبت حكمه لما أفاد قوله. قال الشيخ تقي الدين (١): لكن يمكن أن يجعل ذلك تأدبًا لا لرفع اليمين، فلا يكون فيه حجة، وأقوى من ذلك في الدلالة قوله ﵊: "لو قال إن شاء الله, لم يحنث" مع احتماله للتأويل. وصحح أصحابنا أنه لابد من نية الاستثناء قبل فراغ اليمين

стр. 4585

كما مضى, وقال بعضهم: يشترط نيته من أولها. والصحيح من مذهب مالك أيضًا أن الشرط أن ينوي معها أو مع آخر حرف من حروفها، وقيل: لابد من نيته قبل قطعه بجميع حروف اليمين والله أعلم. العاشر: جواز استعمال "لو، ولولا" لقوله ﵊: "لو قال إن شاء الله لم يحنث". وقد جاء في القرآن كثيرًا. وفي كلام الصحابة والسلف وترجم البخاري (١) على هذا باب ما يجوز من اللو، وأدخل فيه قول لوط ﵊: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ (٢) وقوله ﵊: "لو كنت راجمًا بغير بينة لرجمت هذه" (٣)، "لو مُد لي الشهر لواصلت" (٤)، "ولولا حدثان قومك بالكفر لأتممت البيت على قواعد إبراهيم ﵇" (٥)، "ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار" (٦)، وأمثال هذا. قال القاضي عياض (٧): والذي يفهم من ترجمة البخاري وما ذكره في الباب من الآيات والآثار إنه يجوز استعمال لو ولولا فيما يكون من الاستقبال فما امتنع من فعله لامتناع غيره، وفيما هو من

стр. 4586

باب الممتنع من فعله لوجود غيره وهو من باب "لولا" ولم يدخل في الباب سوى ما هو الاستقبال أو ما هو حق صحيح مستيقن لحديث: "لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار"، دون الماضي والمنقضي أو ما فيه اعتراض على الغيب والقدر السابق. وقد ثبت في الحديث الصحيح الآخر في مسلم "وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل". قال القاضي: حكاية (١) عن بعض العلماء: هذا إذا قاله على جهة الحتم والقطع بالغيب "أنه لو كان كذا لكان كذا" من غير ذكر مشيئة الله تعالى والنظر إلى سابق قدره وحق علمه علينا، فأما إذا قاله على التسليم ورد الأمر إلى المشيئة فلا كراهة فيه. قال القاضي: وأشار بعضهم إلى أن "لولا" بخلاف "لو". قال القاضي (٢): والذي عندي أنهما سواء إذا استعملتا فيما لم يحط به الإِنسان علمًا، ولا هو داخل تحت مقدور قائلها مما هو تحكم على الغيب واعتراض على القدر كما نبه عليه في الحديث. ومثله قول المنافقين: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾، ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾، ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾، ﴿أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا﴾ , فرد الله عليهم باطلهم فقال: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ

стр. 4587

أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾. فمثل هذا هو المنهي عنه، وأما هذا الحديث الذي نحن فيه فإنما أخبر ﵊ فيه عن يقين نفسه أن سليمان ﵊: "لو قال إن شاء الله لجاهدوا"، إذ ليس هذا مما يدرك بالظن والاجتهاد وإنما أخبر عن حقيقة أعلمه الله تعالى وهو نحو قوله ﵊ "لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن امرأة زوجها" (١) فلا

стр. 4588

معارضة بين هذا وبين حديث النهي عن "لو"، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾، ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾. وكذا ما جاء من "لولا"، كقوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ﴾، ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا﴾، ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ﴾. لأن الله تعالى مخبر في ذلك عما مضى أو يأت عن علم خبر قطعيًا، وكل ما يكون من "لو" "ولولا" مما يخبر به الإِنسان عن علة امتناعه من فعله مما يكون فعله في قدرته فلا كراهة فيه لأنه إخبار حقيقة عن امتناع شيء لسبب شيء أو امتناع أو حصول شيء لامتناع [شيء] (١). وتأتي "لو" غالبًا لبيان السبب الموجب أو النافي فلا كراهة في كل ما كان من هذا إلا أن يكون كاذبًا من ذلك كقول المنافقين "لو نعلم قتالًا لاتبعناكم". الحادي عشر: فيه أيضًا استحباب التعبير باللفظ الحسن عن غيره فإنه عبر عن الجماع بالطواف كما سلف نعم لو دعت ضرورة شرعية إلى التصريح به لم يعدل عنه.

стр. 4589

الحديث الخامس ٣٧٩/ ٥/ ٧٢ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرىءٍ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان، ونزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، إلى آخر الآية (١). الكلام عليه من وجوه: والتعريف براويه سلف في أول الصلاة: الأول: يجوز تنوين "يمين" على أن يكون صبرٍ صفة لها ويكون من باب رجل عدل وترك تنوينه على الإِضافة، وهو المعروف المشهور في الرواية. الثاني: معنى "الصبر" هنا الحبس كما وجد في بعض نسخ الكتاب، أي: يحبس نفسه على اليمين بها كاذبة غير مبالٍ بها فكأنه

стр. 4590

يحبس نفسه على أمر عظيم وهي اليمين الحانثة، ومنه نهى أن تصبّر البهائم (١)، أي: تحبس وتجعل غرضًا يرمى إليها. وقال القاضي عياض (٢): الصبر هنا يحتمل أن يكون بمعنى الإِكراه، أي: أكره حتى حلف، ويحتمل أن يكون بمعنى الجرأة والإِقدام ومنه قوله تعالي: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥)﴾. قلت: هذا الثاني هو الظاهر مع ما ذكرته من كونه الحبس. الثالث: هذه اليمين تسمى أيضًا غموسًا لأنها تغمس صاحبها في الإِثم أو في النار، وهي من الكبائر وتتعلق بها الكفارة عند الشافعي خلافًا للأئمة الثلاثة، قالوا: وإثمها أعظم من أن يكفر، قال الماوردي (٣) وغيره من الشافعية: وهذه اليمين يستحيل فرض انعقادها لأن عقدها، إنما يكون فيما ينتظر بعدها من برأو حنث، وهذه اليمين قد اقترن بها الحنث بعد استيفاء لفظها، فلذلك لم تنعقد، ووجبت الكفارة باستيفاء اليمين، ونحن نعتبر في وجوب الكفارة مجرد [. . .] (٤) والحنث، وقد وجدا في هذه اليمين ولا يعتبر الانعقاد.
следующие страницы →