← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

باب الممتنع من فعله لوجود غيره وهو من باب "لولا" ولم يدخل في الباب سوى ما هو الاستقبال أو ما هو حق صحيح مستيقن لحديث: "لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار"، دون الماضي والمنقضي أو ما فيه اعتراض على الغيب والقدر السابق. وقد ثبت في الحديث الصحيح الآخر في مسلم "وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل". قال القاضي: حكاية (١) عن بعض العلماء: هذا إذا قاله على جهة الحتم والقطع بالغيب "أنه لو كان كذا لكان كذا" من غير ذكر مشيئة الله تعالى والنظر إلى سابق قدره وحق علمه علينا، فأما إذا قاله على التسليم ورد الأمر إلى المشيئة فلا كراهة فيه. قال القاضي: وأشار بعضهم إلى أن "لولا" بخلاف "لو". قال القاضي (٢): والذي عندي أنهما سواء إذا استعملتا فيما لم يحط به الإِنسان علمًا، ولا هو داخل تحت مقدور قائلها مما هو تحكم على الغيب واعتراض على القدر كما نبه عليه في الحديث. ومثله قول المنافقين: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾، ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾، ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾، ﴿أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا﴾ , فرد الله عليهم باطلهم فقال: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ

стр. 4587

أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾. فمثل هذا هو المنهي عنه، وأما هذا الحديث الذي نحن فيه فإنما أخبر ﵊ فيه عن يقين نفسه أن سليمان ﵊: "لو قال إن شاء الله لجاهدوا"، إذ ليس هذا مما يدرك بالظن والاجتهاد وإنما أخبر عن حقيقة أعلمه الله تعالى وهو نحو قوله ﵊ "لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن امرأة زوجها" (١) فلا

стр. 4588

معارضة بين هذا وبين حديث النهي عن "لو"، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾، ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾. وكذا ما جاء من "لولا"، كقوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ﴾، ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا﴾، ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ﴾. لأن الله تعالى مخبر في ذلك عما مضى أو يأت عن علم خبر قطعيًا، وكل ما يكون من "لو" "ولولا" مما يخبر به الإِنسان عن علة امتناعه من فعله مما يكون فعله في قدرته فلا كراهة فيه لأنه إخبار حقيقة عن امتناع شيء لسبب شيء أو امتناع أو حصول شيء لامتناع [شيء] (١). وتأتي "لو" غالبًا لبيان السبب الموجب أو النافي فلا كراهة في كل ما كان من هذا إلا أن يكون كاذبًا من ذلك كقول المنافقين "لو نعلم قتالًا لاتبعناكم". الحادي عشر: فيه أيضًا استحباب التعبير باللفظ الحسن عن غيره فإنه عبر عن الجماع بالطواف كما سلف نعم لو دعت ضرورة شرعية إلى التصريح به لم يعدل عنه.

стр. 4589

الحديث الخامس ٣٧٩/ ٥/ ٧٢ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرىءٍ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان، ونزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، إلى آخر الآية (١). الكلام عليه من وجوه: والتعريف براويه سلف في أول الصلاة: الأول: يجوز تنوين "يمين" على أن يكون صبرٍ صفة لها ويكون من باب رجل عدل وترك تنوينه على الإِضافة، وهو المعروف المشهور في الرواية. الثاني: معنى "الصبر" هنا الحبس كما وجد في بعض نسخ الكتاب، أي: يحبس نفسه على اليمين بها كاذبة غير مبالٍ بها فكأنه

стр. 4590

يحبس نفسه على أمر عظيم وهي اليمين الحانثة، ومنه نهى أن تصبّر البهائم (١)، أي: تحبس وتجعل غرضًا يرمى إليها. وقال القاضي عياض (٢): الصبر هنا يحتمل أن يكون بمعنى الإِكراه، أي: أكره حتى حلف، ويحتمل أن يكون بمعنى الجرأة والإِقدام ومنه قوله تعالي: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥)﴾. قلت: هذا الثاني هو الظاهر مع ما ذكرته من كونه الحبس. الثالث: هذه اليمين تسمى أيضًا غموسًا لأنها تغمس صاحبها في الإِثم أو في النار، وهي من الكبائر وتتعلق بها الكفارة عند الشافعي خلافًا للأئمة الثلاثة، قالوا: وإثمها أعظم من أن يكفر، قال الماوردي (٣) وغيره من الشافعية: وهذه اليمين يستحيل فرض انعقادها لأن عقدها، إنما يكون فيما ينتظر بعدها من برأو حنث، وهذه اليمين قد اقترن بها الحنث بعد استيفاء لفظها، فلذلك لم تنعقد، ووجبت الكفارة باستيفاء اليمين، ونحن نعتبر في وجوب الكفارة مجرد [. . .] (٤) والحنث، وقد وجدا في هذه اليمين ولا يعتبر الانعقاد.

стр. 4591

الرابع: كأن ذكر المسلم [. . .] (١) من باب التشنيع على الحالف والحالة هذه كما يقال ذم العالم حرام وإن كان ذم غيره حرام لكن قيل هذا أشنع من قبل غيره ممن لم يتصف بهذا الوصف. وقال القاضي: خص بالذكر لأنه المخاطب وغالب المعاملات واقعة معه. الخامس: في الحديث وعيد شديد لفاعل هذه اليمين الكاذبة فإن غضب الله تعالى هو إرادة إبعاد ذلك المغضوب عليه من رحمته (٢) وذلك لما فيه من أكل المال بالباطل ظلمًا وعدوانًا والاستخفاف بحرمة اليمين بالله تعالى. سادسًا: فيه أيضًا تعظيم حرمة مال المسلم وإن قل وعصمته وهو دال على حرمة ذاته من باب أولى. سابعًا: فيه أيضًا تعظيم القسم بالله مطلقًا. الثامن: هذا الحديث يقتضي تفسير الآية المذكورة بالمعنى السالف وفي ذلك اختلاف المفسرين, ويترجح قول من ذهب إلى هذا المعنى لهذا الحديث وسيأتي من حديث الأشعث بن قيس الآتي أنها نزلت فيه وفي صاحب له في بئر كانت بينهما.

стр. 4592

وفي "صحيح البخاري" (١) من حديث عبد الله بن أبي أوفى "أن رجلًا أقام سلعة وهو في السوق فحلف بالله لقد أعطى ما لم يعطِ ليوقع فيها رجلًا من المسلمين فنزلت"، والله أعلم. وعن عكرمة (٢) وعطاء أنها نزلت في رؤوس اليهود كعب بن الأشرف وغيره لما كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمَّد ﷺ وبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا أنه من عند الله لئلا تفوتهم المآكل والدعوة والرُشى التي كانت عليهم من أتباعهم. واعلم أن بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز وهو أمر يحصل للصحابة بقرائن مختلفة بالقضايا حتى قال بعض المحدثين تعيين الصحابي مرفوع مطلقًا لأنهم أعلم بتنزيل الوحي ومواقعه وأسبابه، والصحيح أن ما تعلق بسببه نزول آية أو تقديم حكم أو غيره مرفوع وإلَّا فموقوف. التاسعة: هذه الآية يدخل فيها الكفر فما دونه من جحد حقوق ونحوها وكل أحد يأخذ من وعيدها على قدر جريمته. العاشر: يؤخذ منه أن حكم الحاكم لا يغير سببًا ولا يخرجه عن حقيقته التي هو عليها في نفس الأمر وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد والجمهور خلافًا لأبي حنيفة.

стр. 4593

الحادي عشر: يدخل فيه المورِّي في الأيمان فإنها لا تنفعه إذا كان المحلف حاكمًا وحلفه بالله تعالى، فإن حلفه بغيره كالطلاق والعتاق إذا حلف ابتداء من غير تحليف حاكم أو حلفه غير حاكم بنفيه. نعم لا يجوز فعلها إذا كان فيها إبطال حق مستحق عليه إجماعًا، هذا تفصيل مذهب الشافعي. ونقل القاضي عياض عن مالك وأصحابه في ذلك خلاف وتفصيلًا ليس هذا موضع ذكره فإن محله كتب الفروع.

стр. 4594

الحديث السادس ٣٨٠/ ٦/ ٧٢ - عن الأشعث بن قيس قال: "كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: شاهداك، أو يمينه. قلت: إذًا يحلف ولا يبالي. فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال أمرىء مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله [ ] (١) وهو عليه غضبان" (٢). الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث مذكور في الصحيحين عقب حديث ابن مسعود، ذكره البخاري في مواضع منها: في الشهادات في باب: سؤال الحاكم المدعي هل لك بينة قبل اليمين؟ (٣) عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "من حلف على يمين

стр. 4595

-وهو فيها فاجر- ليقتطع بها مال امرىءٍ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان. قال: فقال الأشعث بن قيس: فيَّ والله كان ذلك، بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدمته إلى النبي - صلي الله عليه وسلم -، فقال لي: ألك بينة؟ قال قلت: لا، فقال لليهودي: احلف. قال قلت: يا رسول الله ﷺ إذًا يحلف ويذهب بمالي. قال فأنزل الله عنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ. . . .﴾ إلى آخر الآية. ومنها إثر هذا الباب ذكره (١) موقوفًا على ابن مسعود عن أبي وائل عنه: "من حلف على يمين يستحق بها مالًا لقي الله وهو عليه غضبان"، ثم أنزل الله تصديق ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿أَلِيمٌ (٧٧)﴾ ثم إن الأشعث بن قيس خرج إلينا فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ فحدثناه بما قال، فقال: صدق، لفي أُنزلت هذه الآية، كان بيني وبين رجل خصومة في شيء، فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: شاهداك أو يمينه. فقلت له: إنه إذن يحلف ولا يبالي، فقال النبي - صلي الله عليه وسلم -: من حلف على يمين يستحق بها مالًا -وهو فيها فاجر- لقي الله وهو عليه غضبان". فأنزل الله تصديق ذلك. ثم قرأ هذه الآية. ثم ذكره بعد هذا بورقة (٢) عن أبي وائل عن عبد الله مرفوعًا "من حلف على يمين كاذبًا ليقتطع بها مال الرجل -أو قال أخيه-

стр. 4596

لقي الله وهو عليه غضبان. وأنزل الله تصديق ذلك في القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿أَلِيمٌ (٧٧)﴾. فلقيني الأشعث فقال: ما حدثكم عبد الله اليوم؟ قلت: كذا وكذا. قال: بلى فيَّ أنزلت. وذكره في كتاب الرهن (١) في باب: إذا اختلف الراهن والمرتهن ونحوه فالبينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، موقوفًا على عبد الله من رواية أبي وائل عنه "من حلف على يمين يستحق بها مالًا وهو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان"، ثم أنزل الله تصديق ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَلِيمٌ (٧٧)﴾، ثم إن الأشعث خرج إلينا فذكره كما سلف، إلَّا أنه قال في "بئر" بدل "في شيء" وقال بعد وهو عليه غضبان، ثم قرأ هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾، إلى قوله: ﴿أَلِيمٌ (٧٧)﴾. وذكره في الأيمان (٢) في باب عهد الله من حديث أبي وائل أيضًا عن عبد الله مرفوعًا "من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال رجل مسلم -أو قال أخيه- لقي الله وهو عليه غضبان. فأنزل الله تصديقه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ الآية [قال سليمان في حديثه] (٣) فمر الأشعث بن قيس فقال: ما يحدثكم عبد الله؟ قالوا له. فقال الأشعث: نزلت فيَّ وفي صاحب لي في بئرٍ كانت بيننا".

стр. 4597

وذكر بعد هذا بورقتين في باب قوله [الله] (١) تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ الآية من حديث أبي وائل أيضًا عنه مرفوعًا "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان" فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية (٢). فدخل الأشعث بن قيس فقال: ما حدثكم أبو عبد الرحمن؟ فقالوا: كذا وكذا، فقال: فيَّ أُنزلت كانت لي بئر في أرض ابن عم لي [فأتيت رسول الله ﷺ ] (٣) فقال بينتك أو يمينه، قلت: إذًا يحلف عليها يا رسول الله. فقال ﵊: "من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان". وأما مسلم فذكره في أول كتابه في أثناء الإِيمان مرفوعًا من حديث أبي وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم، [هو فيها فاجر] (٤) لقي الله وهو عليه غضبان". قال: فدخل الأشعث بن قيس فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ قالوا: كذا وكذا. قال: صدق أبو عبد الرحمن [فيَّ نزلت] (٥)، كان بيني وبين رجل أرض باليمن. فخاصمته إلى النبي ﷺ فقال: "هل لك عليه بينة؟ " فقلت: لا.

стр. 4598

قال: "فيمينه". قلت: إذن يحلف. فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -, عند ذلك "من حلف على يمين صبر, يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان"، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ. . .﴾ إلى آخر الآية. ثم رواه من حديث أبي وائل أيضًا عن عبد الله، قال: من حلف على يمين يستحق بها مالًا هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان. ثم ذكر نحو ما قاله، غير أنه قال: كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - فقال: "شاهداك أو يمينه". ثم رواه من حديث شقيق بن سلمة عن عبد الله رفعه "من حلف على مال امرىءٍ مسلم بغير حقه، لقي الله وهو عليه غضبان" قال عبد الله: ثم قرأ علينا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - مصداقه من كتاب الله: "إن الذين يشترون" إلى آخر الآية. هذا سياق رواية الصحيحين للحديثين فتأمل سياق المصنف لهما تجد فيه بعض التعارض. الوجه الثاني: في التعريف براويه: هو أبو محمَّد الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية بن الحارث [الأصغر بن الحارث الأكبر] (١) بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن ثور بن عفير بن عدي (٢) بن مرة بن أُدد بن

стр. 4599

زيد الكندي وكندة هم ولد ثور بن عُفَيْر، قدم على رسول الله - صلي الله عليه وسلم - سنة عشر في وفد كنده في ستين راكبًا من كندة وكان رئيسهم، فأسلم وأسلموا وكان رئيسًا مطاعًا فيهم، وكان في الإِسلام وجيهًا في قومه أيضًا. شهد اليرموك وأصيبت عينه وسمي أشعث لشعوثة رأسه. وكان اسمه معدي كرب فسمي أشعث وغلب عليه هذا الاسم حتى عرف به، وزوّجه الصديق بعد أن رجع عن ردته أخته أم فروة وهي أم محمَّد الذي كني به وشهد هو وجرير جنازة فقدم جريرًا وقال: إني ارتددت ولم يرتد. وخرج إلى العراق في خلافة عمر مع سعد وشهد القادسية والمدائن وجلولا ونهاوند واختط بالكوفة دارًا في كندة ونزلها وشهد تحكيم الحكمين وكان أحد شهود الكتاب. روي له عن النبي - صلي الله عليه وسلم - تسعة أحاديث اتفقا منها على هذا الحديث. روي له عن الشعبي وجماعة من التابعين. مات بعد علي بأربعين ليلة سنة أربعين وقيل: قبله بشهر, وقيل: سنة اثنين وأربعين، ودفن بداره بالكوفة، وصلّى عليه الحسن. وكانت ابنة الأشعث تحته. قال ميمون بن مهران: وهو أول من مشيت معه الرجال وهو راكب. قال الأصمعي: وهو أول من دفن في منزله. فائدة: في الرواة الأشعث بن قيس ثلاثة أولهم هذا، وثانيهم: جابري روى عن علي بن صالح، وثالثهم: همداني كوفي روى عن مسعر بن مكدام. الوجه الثالث: في بيان المبهم الواقع فيه -أعني الرجل-

стр. 4600

الذي كان بينه وبينه خصومة. هو الجفشيش (١) بفتح الجيم وبالشين المعجمة المكررة. وقيل: بالحاء المهملة وقيل: بالخاء المعجمة. قال أبو حاتم: وكنيته أبو الخير. قال الطبراني: له صحبة ولا رواية عنه. قلت: يبعد هذا رواية البخاري "أنه كان من اليهود اللهم إلَّا أن يكون أسلم بعد". وقال ابن طاهر (٢): اسمه معدان. الوجه الرابع: في ألفاظه غير ما سلف: "شاهداك" إما على أن يكون خبر مبتدأ فاعلًا بفعل مضمر، أي: أحضر شاهداك أو أشهد ونحو ذلك. وأما على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: المستحق أو الواجب شرعًا، وشاهداك، أي: شهادة شاهديك. وأما على أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، أي: شاهداك أو يمينه الواجب لك في الحكم. وقوله: "إذن" اختلف الكتاب في كتابه "إذن" على ثلاثة أقوال:

стр. 4601

أحدها: إنها بالألف مطلقًا. ثانيها: إنها بالنون مطلقًا. ثالثها: إن كانت عاملة فبالنون، وإن كانت ملغاة فبالألف. الوجه الرابع: في فوائده: الأولى: الوعيد الشديد على فاعل ذلك. الثانية: اختلف أهل العلم فيما إذا ادعى على غريمه شيئًا فأنكره وأحلفه ثم أراد إقامة البينة عليه بعد الإِحلاف هل له ذلك؟ على قولين: أحدهما: لا. وهو قول للشافعي. والثاني: نعم، وهو قول مالك، إلَّا أن يأتي بعذر في تركه إقامة البينة يتوجه له وربما تمسكوا بقوله ﵊ "شاهداك أو يمينه". وفي حديث آخر: "ليس لك إلَّا ذلك" رواه مسلم من حديث وائل بن حجر، وهو من أفراده. ووجه الدليل منه أن "أو" تقتضي أحد الشيئين فلو أجزنا إقامة البينة بعد التحليف لكان له الأمران معًا -أعني اليمين , وإقامة البينة- مع أن الحديث يقتضي أنه ليس له إلَّا أحدهما. قال الشيخ تقي الدين (١): وقد يقال في هذا: إن المقصود من الكلام نفي طريق أخرى لإِثبات الحق فيعود المعنى إلى حصر الحجة في هذين الجنسين -أعني البينة واليمين- إلَّا أن هذا قليل النفع

стр. 4602

بالنسبة إلى [النظر] (١) وفهم مقاصد الكلام (٢)، قاعدة صحيحة نافعة للمناظر في نفسه، غير أن المناظر الجدلي قد ينازع في المفهوم ويعسر تقديره عليه. الثالثة: قد يستدل الحنفية بقوله ﵊: "شاهداك أو يمينه" على ترك العمل بشاهد ويمين، وهو قول أهل الكوفة ويحيى بن يحيى من المالكية. وقال الجمهور من الصحابة والتابعين فمن بعدهم بخلافه لقضائه ﵊ بذلك كما رواه خلق من الصحابة. الرابع: فيه رد على المالكية ومن قال بقولهم في إلحاقهم اليمين مع الشاهد في باب الاستحقاق، فإن الحديث ما دل إلَّا على أحدهما. الخامسة: فيه دلالة على توجه اليمين مطلقًا وإن كان الحق مما لا يثبت إلَّا بشاهدين كالنكاح ونحوه. وقد قيل إن كل دعوى لا تثبت إلَّا بشاهدين فلم يقم عليها بينة أو أقام شاهدًا واحدًا فإنها لا توجب يمينًا ولا غيرها وكل دعوى تثبت بشاهدين ويمين فإن اليمين يتوجه فيها (٣).

стр. 4603

السادسة: فيه إن الخصم إذا قال في خصمه كلامًا يلزم منه مسائلته بالقسم بالله أن لا يقرره وإنما يذكر له الوعيد على ذلك. السابعة: فيه أيضًا بناء الأحكام على الظاهر والله متولي السرائر. الثامنة: فيه أيضًا إن الحاكم أو المفتي إذا ذكر حكمًا يستوفي شروطه فإنه ﵊ ذكر كون الاقتطاع بغير حق وكونه مال معصوم وكون الحالف فاجرًا في يمينه، ثم ذكر ما يترتب عليه وهو غضب الله -نعوذ بالله- وهذا الحكم مشروط بعدم التوبة الشرعية فإن تاب بشرطها زال ذلك.

стр. 4604

الحديث السابع ٣٨١/ ٧/ ٧٢ - عن ثابت بن الضحاك الأنصاري ﵁ أنه بايع رسول الله - صلي الله عليه وسلم - تحت الشجرة، وأن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمين بملة غير الإِسلام، كاذبًا متعمدًا، فهو كما قال. ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة. وليس على رجل نذر فيما لا يملك" (١). وفي رواية: "لعن المؤمن كقتله". وفي رواية: "ومن ادعى دعوى كاذبةً ليتكثر بها، لم يزده الله [ ] (٢) إلا قلة". الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذه الرواية الأخيرة هي من أفراد مسلم كما نبه عليه عبد الحق.

стр. 4605

ثانيها: في التعريف براويه وفيه اضطراب ذكرته فيما أفردته من الكلام على رجال هذا الكتاب فراجعها. ثالثها: في أحكامه وفيه مسائل: الأولى: الحلف بالشيء حقيقة هو القسم به، وإدخال بعض حروف القسم عليه كقوله: "والله، والرحمن"، وقد يطلق على التعليق بالشيء يمين كقول الفقهاء: حلف بالطلاق على كذا، ومرادهم تعليق الطلاق به، وهو مجاز لمتابعة اليمين في اقتضاء الحث أو المنع، والأقرب هنا هذا لأجل قوله: "كاذبًا متعمدًا" والكذب يدخل القضية الأخبارية التي يقع مقتضاها تارة، وتارة لا يقع. وأما قولنا: "والله" وما أشبهه: فليس الإِخبار بها عن أمر خارجي. وهو الإِنشاء -أعني: إنشاء القسم- فتكون صورة هذا اليمين على وجهين: أحدهما: أنه معلق بالمستقبل كأن فعلت كذا فهو يهودي, أو نصراني. وثانيها: إنه يتعلق بالماضي، كقوله: إن فعلت كذا فهو يهودي أو نصراني، فأما الأولى فلا تتعلق به الكفارة عندنا وعند المالكية، خلافًا للحنفية، وقد يتعلق الأولون بهذا الحديث فإنه لم يذكر كفارة، وجعل المرتَّب على ذلك قوله: "هو كما قال". وأما الثاني: فلا كفارة فيه عندنا وعند المالكية ولا يكفر بذلك أيضًا إلَّا أن يقصد التعظيم. وفيه خلاف عند الحنفية فقيل إنه لا يكفر اعتبارًا بالمستقبل.

стр. 4606

وقيل: يكفر لأنه تنجيز معنى، كما إذا قال: "هو يهودي" قال بعضهم: والصحيح أنه لا يكفر فيها، إن كان يعلم أنه يمين. وإن كان عنده أنه يكفر بالحلف، فقوله بملة غير الإِسلام يعم جميع الملل كاليهودية والنصرانية وغيرها. الثالثة: الكذب عند أصحابنا المتكلمين هو الإِخبار عن الشيء على خلاف ما هو عمدًا كان أو سهوًا. وخالفت المعتزلة فشرطوا فيه العمد. وهذا الحديث وغيره يرد قولهم فإنه ﵊ قيده بالعمد لأنه قد يكون سهوًا يسبق لسانه فلا يكون كما قال. قال القاضي عياض (١): وقيد التعمد من زيادات سفيان الثوري وهي زيادة حسنة إن كان المتعمد الحلف بها مطمئن القلب بالإِيمان وهو كاذب في تعظيم ما لا يعتقد تعظيمه، فإن قاله معتقدًا لتعظيمها واعتقد اليمين بها لكونها حقًا فهو كافر كما اعتقد فيها. الرابعة: قوله ﵊: "ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة". هو من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية، ويؤخذ منه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم. لأن نفسه ليست ملكًا له، وإنما هي لله تعالى فلا يتصرف فيها إلَّا بما أُذن. قال القاضي عياض (٢): وفيه دلالة لمالك -ومن قال بقوله- على أن القصاص من القاتل بما قتل به محدَّدًا كان أو غير محدد،

стр. 4607

خلافًا لأبي حنيفة، اقتداءً بعقاب الله تعالى لقاتل نفسه في الآخرة. ثم ذكر حديث اليهودي، وحديث العرنيين، ونازعه الشيخ تقي الدين في أخذ ذلك من هذا الحديث، وقال: إنه ضعيف جدًا لأن أحكام الله تعالى لا تقاس بأفعاله. وليس كل ما فعله في الآخرة بمشروع لنا في الدنيا، كالتحريق بالنار، وإلساع الحيات والعقارب، وسقي الحميم المقطِّع للأمعاء. وبالجملة فما لنا طريق إلى إثبات الأحكام إلَّا نصوص تدل عليها، أو قياس على المنصوص عن القياسيين، ومن شرط ذلك أن يكون الأصل المقيس عليه حكمًا. أما ما كان فعلًا لله تعالى فلا، وهذا ظاهر جدًا، وليس ما نعتقده فعلًا لله تعالى في الدنيا أيضًا بالمباح لنا. فإن الله تعالى يفعل ما يشاء بعباده ولا حكم عليه. وليس لنا أن نفعل بهم إلَّا ما أذن لنا فيه، بواسطة أو بغيرها. الخامسة: التصرفات الواقعة قبل الملك للشيء على وجهين: أحدهما: تصرفات التنجيز كما لو أعتق عبد غيره، أو باعه، أو نذر نذرًا متعلقًا به. فهذه تصرفات لاغية اتفاقًا، إلا من شذ في العتق خاصة، حيث قال يعتق عليه إذا كان موسرًا, وقيل: إنه رجع عنه. ثانيها: التصرفات المتعلقة بالملك كتعليق الطلاق بالنكاح مثلًا، فهذا مختلف فيه، فالشافعي يلغيه كالأول، ومالك وأبو حنيفة يعتبرانه، ومشهور مذهب مالك باعتباره إذا خص دون ما إذا عمم. وقد يستدل للشافعي بهذا الحديث وما يقاربه ومخالفوه يحملونه على التنجيز،

стр. 4608

أو يقولون بموجب الحديث، فإن التنفيذ إنما يقع بعد الملك، فالطلاق -مثلًا- لم يقع قبل الملك، فمن هاهنا يجيء القول بالموجب. قال الشيخ: وهاهنا نظر دقيق في الفرق بين الطلاق -أعني تعليقه بالملك- وبين النذر في ذلك، فتأمله. قلت: لعله إن الوفاء بالنذر قربة بل هو في أصله قربة على أحد الآراء فيه بخلاف أصل الطلاق فإنه أبغض الحلال إلى الله فلا يلزم الطلاق المعلق. بخلاف النذر المعلق. قال الشيخ: واستبعد قوم تأويل الحديث وما يقاربه بالتنجيز من حيث إنه أمر ظاهر جلي لا تقوم به. فائدة: يحسن حمل اللفظ عليها وليست جهة هذا للاستبعاد يقويه فإن الأحكام كلها في الابتداء كانت متيقنة وفي إثباتها فائدة متجددة، وإنما حصل الشيوع والشهرة لبعضها فيما بعد ذلك، وذلك لا ينفي حصول الفائدة عند تأسيس الأحكام. السادسة: اللعن الإِبعاد عن الرحمة وقطعه عنها والقتل هو الموت والقطع عن التصرفات، فقوله ﵊: "ولعن المؤمن كقتله" إما أن يكون كقتله في أحكام الدنيا، أو في أحكام الآخرة، لا يمكن الأول لأن قتله يوجب القصاص، ولعنه لا يوجب ذلك. وأما الثاني: فإما أن يراد بها التساوي في الإِثم، أو في العقاب، وكلاهما مشكل الآن والإِثم يتفاوت بتفاوت مفسدة الفعل،

стр. 4609

وليس إذهاب الروح في المفسدة كمفسدة الأذى باللعنة. وكذلك العقاب يتفاوت بحسب تفاوت الجرائم، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾. وذلك دليل على التفاوت في العقاب والثواب، بحسب التفاوت في المصالح والمفاسد، فإن الخيرات مصالح، والمفاسد شرور. نبه على ذلك الشيخ في "شرحه" (١)، ثم نقل عن القاضي عن المازري (٢) أن الظاهر من الحديث التشبيه في الإثم وهو تشبيه واقع لأن اللعنة قطع عن الرحمة والموت قطع عن التصرف. قال القاضي: وقيل لعنته يقتضي قصده بإخراجه من جماعة المسلمين ومنعهم منافعه ويكثر عددهم به كما لو قتله. وقيل: لعنته تقتضي قطع منافعه الأخروية عنه، وبعده منها بإجابة لعنته. فهو كمن قُتل في الدنيا، وقطعت عنه منافعه فيها. وقيل: معناه استواؤهما في التحريم. قال الشيخ: وأقول هذا يحتاج إلى تلخيص ونظر. أما ما حكاه عن الإِمام من أن الظاهر من الحديث تشبيه في الإِثم، وكذلك ما حكاه -من أن معناه استواؤهما في التحريم- فهذا يحتمل أمرين: أحدهما: أن يقع التشبيه والاستواء في أصل التحريم والإِثم. والثاني: أن يقع في مقدار الإِثم. فأما الأول فلا ينبغي أن يحمل عليه, لأن كل معصية -قلّت

стр. 4610

أو عظمت- فهي مشابهة أو مستوية مع القتل في أصل التحريم فلا يبقى في الحديث كبير فائدة، مع أن المفهوم منه تعظيم أمر اللعنة بتشبيهها بالقتل. وأما الثاني فقد بينا ما فيه من الإِشكال. وهو التفاوت في المفسدة بين إزهاق الروح وإتلافها، وبين الأذى باللعنة. وأما ما حكاه عن الإِمام -من قوله إن اللعنة قطع عن الرحمة، والموت قطع عن التصرف- فالكلام عليه أن نقول: اللعنة تطلق على نفس الإِبعاد الذي هو فعل الله تعالى. وهو الذي يقع فيه التشبيه. والثاني: أن تطلق اللعنة على فعل اللاعن وهو طلبه لذلك الإِبعاد بقوله: "لعنه الله" مثلًا، أو بوصفه للشخص بذلك الإِبعاد بقوله: "فلان ملعون"، وهذا ليس بقطع عن الرحمة بنفسه، ما لم تتصل به الإِجابة، فيكون حينئذ تسببًا إلى قطع التصرف، ويكون نظيره التسبب إلى القتل. غير أنهما يفترقان في أن التسبب إلى القتل -بمباشرة الحزِّ وغيره من مقدمات القتل- مفض إلى القتل بمطرد العادة، فلو كان مباشرة اللعن مفضيًا إلى الإِبعاد الذي هو اللعن دائمًا لاستوى اللعن مع مباشرة مقدمات القتل، وزاد عليه. وبهذا يتبين لك الإِيراد على ما حكاه القاضي، من أن لعنته له تقتضي قصد إخراجه عن جماعة المسلمين كما لو قتله، فإن قصده إخراجه لا يستلزم إخراجه، كما يستلزمه مقدمات القتل، وكذلك أيضًا ما حكاه من أن لعنته تقتضي قطع منافعه الأخروية عنه بإجابة دعوته،

стр. 4611

إنما يحصل ذلك بإجابة دعوته، وقد لا تجاب في كثير من الأوقات، فلا يحصل انقطاعه عن منافعه، كما يحصل بقتله. ولا يستوي القصد إلى القطع بطلب الإِجابة، مع مباشرة مقدمات القتل المفضية إلى من مطرد العادة ويحتمل ما حكاه القاضي عن الإِمام وغيره -أو بعضه- أن لا يكون تشبيهًا في حكم دنيوي ولا أخروي بل يكون تشبيهًا لأمر وجودي بأمر وجودي كالقطع. والقطع -مثلًا في بعض ما حكاه-، أي: قطعه عن الرحمة أو عن المسلمين بقطع حياته، وفيه بعد ذلك نظر، والذي يمكن أن يقرر به ظاهر الحديث -في استوائهما من الإِثم- أنا نقول: لا نسلم أن مفسدة اللعنة مجرد أداه، بل فيها -مع ذلك- تعريضه لإِجابة الدعاء فيه، بموافقة ساعة لا يُسأل الله فيها شيئًا إلَّا أعطاه، كما دل عليه الحديث من قوله ﵊: "لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا ساعة" (١)، الحديث. وإذا عرّضه باللعنة لذلك ووقعت الإِجابة، وإبعاده من رحمة الله، كان ذلك أعظم من قتله, لأن القتل تفويت الحياة الفانية قطعًا، والإِبعاد من رحمة الله أبعد ضررًا بما لا يحصى، وقد يكون أعظم الضررين على سبيل الاحتمال متساويًا أو مقاربًا لأخفها على سبيل التحقيق. ومقادير المصالح والمفاسد وأعدادهما أمر لا سبيل للبشر إلى الاطلاع على حقائقه، هذا آخر كلامه.

стр. 4612

وأجاب غيره بأوجه: ومنها: أنه خرج مخرج المبالغة قصدًا للزجر عن اللعنة كقوله ﵊: "التمس ولو خاتمًا من حديد" (١) وكقوله: "ثم بيعوها ولو بضفير" (٢). ومنها: أن تكون مفسدته كمفسدة القتل لكن خفف فيه القود رفقًا، كما خفف الإِيجاب في السواك عن كل صلاة رفقًا. ومنها: أن يكون المراد بالتشبيه بقتل الإنسان نفسه لأنه المتقدم في أول الحديث، فالتقدير ولعن المؤمن كقتله نفسه لأن المؤمن لا يكون لعانًا كما جاء في الحديث (٣)، وإنما يلعن الكافر من كفر فقد أباح قتل نفسه فيكون لعنه مثل قتله نفسه لأنه نفى عنها الإِيمان المانع من قتلها فيكون كقتلها. السابعة: التقييد في المؤمن يحتمل أن يكون للتشنيع والتشنيع كما تقدم نظيره في الحديث الخامس من قوله: "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرىء مسلم" والظاهر أنه لإِخراج الكافر ولا خلاف في جواز لعن الكفار جملة من غير تعيين. واختلفوا: في لعن العاصي المعين، والمشهور المنع ونقل ابن

стр. 4613

العربي الاتفاق عليه] (١). الثامنة: قوله ﵊: "ومن ادعى دعوى كاذبة" إلى آخره هو عام في كل دعوى يتشبع بها المرء بما لم يعطه (٢) من ادعى فضيلة ليست [له] (٣) أو علم أو إصلاح وغير ذلك من المزايا ويدخل فيه أيضًا الدعوى على خصمه بما ليس له والتكثر فيه يرجع إلى ضم ما ليس له إلى ماله والعلة فيه ذهاب بركته بضم الحرام إليه والتكثر في الأول يرجع إلى تعظيم الناس له على تقدير صحة ما

стр. 4614

ادعاه والقلة فيه قلة قدره وتعظيمه عندهم لكذبه في دعواه بها ولو كان كاذبًا ثم قيد التكثر في الكذب خرج مخرج الغالب فإن غالب كذب الناس إنما هو لجلب الحطام. فائدة: حكى ابن سيده "دعوى كاذب" بالتذكير لكن التأنيث أفصح، كما في الحديث. وحكى أيضًا "دعوى باطل". فائدة ثانية: المضبوط في معظم الأصول "ليتكثر" بالثاء المثلثة وضبطه بعضهم بالمهملة، وله وجه وهو أن يصير ذلك كبيرًا عظيمًا. التاسعة: في تلخيص الأحكام الواقعة في الحديث: أولها: المنع من الحلف بملة غير الإسلام كاليهودية والنصرانية وغيرها مطلقًا، وكذا تعليق الحلف بها وتقدم ذكر الكفارة فيه وعدتها. ثانيها: تحريم الجناية على نفسه بالقتل وإثمه بذلك. ثالثها: المماثلة في القصاص، وقد سلف فيه. رابعها: منع النذر فيما لا يملك وهل يجب عليه فيه كفارة يمين؟ قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وداود والجمهور: لا، لقوله ﵊: "لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك العبد" رواه مسلم (١) من حديث عمران بن الحصين ﵁ وهو محمول على ما إذا أضاف النذر إلى معين ولا يملكه، بأن قال: إن

стр. 4615

شفى الله مريضي فللَّه علي أن أعتق عبد فلان أو أتصدق بثوبه أو بداره أو نحو ذلك، فأما إذا التزم في الذمة شيء لا يملكه فيصح نذره كأن شفا الله مريضي فللَّه علي عتق رقبة وهو في ذلك الحال لا يملك شيئًا. وقال أحمد: يجب في النذر في المعصية ونحوها كفارة يمين. وفيه حديث من طريق عمران بن حصين (١) وعائشة (٢) "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" لكنه حديث [ضعيف] (٣) باتفاق المحدثين، كما نقله النووي في "شرح مسلم". وأما حديث عقبة بن عامر في صحيح مسلم: "كفارة النذر كفارة اليمين", فاختلف العلماء في المراد به على أقوال: أحدها: أنه محمول على نذر اللجاج والغضب كأن كلمت زيدًا مثلًا فللَّه عليّ حجة أو غيرها، فهو مخير بين كفارة يمين وبين ما التزمه، وهذا تأويل جمهور أصحابنا.

стр. 4616

ثانيها: أنه محمول على النذر المطلق كقوله: للَّه عليّ نذر، وهذا تأويل مالك وكثيرين أو الأكثرين. ثالثها: إنه محمول على نذر المعصية كمن نذر أن يشرب الخمر مثلًا، وهذا تأويل أحمد وبعض الشافعية. رابعها: إنه محمول على جميع أنواع النذور، وهذا تأويل جماعة من فقهاء المحدثين وقالوا: إنه مخير في جميع المنذورات بين الوفاء بما التزمه، وبين كفارة اليمين (١). خامسها: تغليظ التحريم في لعن المؤمن ووجوب احترامه ورعايته. سادسها: تحريم الدعوى تكثرًا كاذبًا، وذم التكثر والكذب وتحريم تعاطي أسباب القلة المعنوية.

стр. 4617

باب النذور

стр. 4618

٧٣ - باب النذور النذور: جمع نذر. يقال: نذرت أنذُر, بكسر الذال وضمِّها، كما سلف في باب الاعتكاف. وهو لغة: الوعد بخير أو شر. وشرعا: وعد بخير دون شر (١). قاله الماوردي (٢): قال ﵊: "لا نذر في معصية الله (٣) ". وقال الرافعي: هو التزام شيء. وعبارة غيرهما: أنه التزام قربة غير لازمة بأصل الشرع. وزاد بعضهم مقصودة. وذكر المصنف في الباب خمسة أحاديث.

стр. 4619

الحديث الأول ٣٨٢/ ١/ ٧٣ - عن عمر ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله، إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة. وفي رواية: يومًا في المسجد الحرام؟ قال: فأوف بنذرك" (١). هذا الحديث ذكره المصنف في باب الاعتكاف أيضًا. وقد سلف الكلام عليه هناك مستوفىً، ومما لم يذكره هناك: أن هذا السؤال من عمر وقع بالجعرانة بعد رجوع النبي ﷺ من الطائف، كذا ثبت في الصحيح ومما ذكرته هناك أنه قد يستدل به على لزوم الوفاء بكل منذور، ولا شك أن النذر على ثلاثة أقسام: أحدها: ما عُلق على وجود نعمة أو اندفاع نقمة فوجد ذلك فيلزمه الوفاء به.

стр. 4620

ثانيها: ما علق على شيء لقصد المنع أو الحث، كقوله: إن دخلت الدار فعليَّ كذا، وهو المسمى بنذر اللجاج والغضب، وقد عرفت حكمه قريبًا في آخر الباب السالف. ثالثها: ما لم يعلق على شيء كللَّه عليَّ كذا. فالمشهور وجوب الوفاء به، وهو المراد بقولهم: النذر المطلق. وأما ما لم يذكر مخرجه كللَّه علي نذر، فقد سلف في الموضع المشار إليه أنه يلزمه كفارة يمين على قول مالك وكثيرين. وفيه دلالة أيضًا على أن الاعتكاف قربة تلزم بالنذر. وأصحابنا تصرفوا فيما يلزم بالنذر المطلق من العبادات، وليس كل ما هو عبادة [مثابًا] (١) عليه لازمًا بالنذر عندهم، ففائدة هذا الحديث من هذا الوجه أن الاعتكاف من القسم الذي يلزم بالنذر. وفيه دلالة أيضًا على عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف عملًا برواية "ليلة". وقد سلف ما فيه، وأبعد بعض من اشترطه، فحمل الاعتكاف في الحديث على غير بابه. وقال: المراد الاعتكاف هنا الجواز، وهو لا يحتاج إلى صوم. ووجه بعده أن حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية مقدم على اللغوية، ومن تراجم البخاري (٢) على هذا الحديث إذا حلف لا يكلم إنسانًا في جاهلية ثم أسلم.

стр. 4621

الحديث الثاني ٣٨٣/ ٢/ ٧٣ - عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن النذر، وقال: إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل" (١). الكلام عليه من وجوه: أحدها: ظاهر الحديث كراهة ابتداء النذر في الطاعة، وإن كان الوفاء به لازمًا لأن سياق بعض الحديث يقتضي أحد أقسام النذر، التي ذكرناها، وهو ما يقصد به تحصيل غرض أو دفع مكروه، وذلك لقوله: "وإنما يستخرج به من البخيل"، وهو ما نص عليه الشافعي ﵀، ولأنه التزام إيجاب على نفسه من غير إيجاب الشرع، فكره من هذا الوجه. وأما القاضي حسين والمتولي والغزالي والرافعي فإنهم قالوا: إنه قربة, لأنه حث عليه، حيث قال: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ

стр. 4622

نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْر﴾ (١) فتكون قربة، ولأنه وسيلة إلى القربة، ولها حكم المقاصد. وقال ابن الأثير في "نهايته" (٢) النهي عنه تأكيد لأمره، وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك إبطال حكمه، وإسقاطُ لزوم الوفاء به، إذ كان بالنهي يصير معصية، فلا يلزم. وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم: أن ذلك أمرٌ لا يجزُّ لهم في العاجل نفعًا، ولا يصرف عنهم ضَرًّا، ولا يردّ [(٣)] قضاءً، فقال: لا تنذروا، على أنكم [(٤)] تدركون بالنذر شيئًا لم يُقَدِّرْهُ الله لكم، أو تصرفون به عنكم ما جرى به القضاء عليكم، فإذا نذرتم ولم تعتقدوا هذا، فاخرجوا عنه بالوفاء، فإن الذي نذرتموه لازم لكم. وقال الشيخ تقي الدين (٥): في كراهة النذر إشكال على القواعد، فإن القاعدة تقتضي أن وسيلة الطاعة طاعة, ووسيلة المعصية معصية. ويعظم قبح الوسيلة بحسب عظم المفسدة وكذلك تعظم فضيلة الوسيلة بحسب عظم المصلحة، ولما كان النذر وسيلة إلى التزام قربة لزم على هذا أن يكون قربة، إلَّا أن ظاهر إطلاق الحديث دل على خلافه، وإذا حملناه على القسم الذي أشرنا إليه من أقسام النذر -كما دل عليه سياق الحديث- فذلك المعنى الموجود

стр. 4623

في ذلك القسم ليس بموجود في النذر المطلق، فإن ذلك خرج مخرج طلب العوضين، وتوقيف العبادة على تحصيل الغرض، وليس هذا المعنى موجودًا في التزام العبادة والنذر بها مطلقًا، وقد يقال: إن البخيل لا يأتي بالطاعة إلَّا إذا اتصفت بالوجوب، فيكون النذر هو الذي أوجب له فعل الطاعة، لتعلق الوجوب به، ولم يتعلق به الوجوب لتركه البخيل، فيكون النذر المطلق أيضًا مما يستخرج به [من] (١) البخيل، إلَّا أن لفظة "البخيل" هنا قد تشعر بما يتعلق بالمال، وعلى كل تقدير فاتباع النصوص أولى. وما ذكره الشيخ تقي الدين من التفصيل، ذكره ابن الرفعة أيضًا، فقال: يمكن أن يتوسط [فيه] (٢) [فيقال] (٣) الذي دل عليه الخبر على كراهته نذر المجازاة. وأما نذر التبرر: فيظهر أنه قربة, لأن له فيه غرضا، وهو أن يثاب عليه ثواب الواجب، وهو فوق ثواب التطوع، أي: بسبعين درجة، كما أفاده إمام الحرمين. وكذا قال القرطبي (٤): المنهي عنه هو نذر المجازاة، وفي معناه النذر على وجه التَّبرُّم والتَّحرُّج بأن ينذر عتق عبد استثقل به تخلصًا منه أو ينذر كثيرًا من العبادة كالصوم الكبير مثلًا مما يؤدي إلى الحرج والمشقة مع القدرة عليه.

стр. 4624

وقال الماوردي (١): الحديث دال على أن ما يبذله الإنسان من البر أفضل مما يلتزمه بالنذر. ثانيها: هذا النهي للتنزيه، وقال القرطبي (٢): يظهر لي حمله على التحريم في حق من يُخاف عليه أن يعتقد أن النذر يوجب ذلك الغرض، أو أن الله يفعله لأجل ذلك، والأول يقارب الكفر. والثاني خطأ صراح، وحمله على التحريم في حق من لم يعتقد ذلك. وذكر المازري (٣) في [سبب] (٤) النهي احتمالين: أحدهما: كون الناذر يصير ملتزمًا له، فيأتي به على سبيل التكلف من غير نشاط. ثانيها: إتيانه به على سبيل المعاوضة لا على سبيل القربة، فينتقص أجره للأمر الذي طلبه، وشأن العبادة أن تكون محضة لله تعالى. وذكر القاضي (٥) عياض احتمالًا ثالثًا: وهو أن بعض الجهلة قد يظن أن النذر يرد القدر، ويمنع من حصول المقدَّر، فنهى عنه خوفًا من جاهل يعتقد ذلك، وهذا يؤيده بعض روايات الحديث في الصحيح أنه ﵊ نهى عن النذر وقال: "إنه لا يرد

стр. 4625

شيئًا، وإنما يستخرج به من الشحيح"، وفي رواية للبخاري (١): "إن النذر لا يقدم شيئًا ولا يؤخره، وإنما يستخرج بالنذر من البخيل"، وفي صحيح مسلم (٢) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل". وفي رواية له: "إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدره له، ولكن النذر يوافق القدر، فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج". ورواه البخاري من هذا الوجه بلفظ: "لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدرته، ولكن يلقيه النذر إلى القدر، قد قُدِّر له، فيستخرج الله به من البخيل فيؤتى عليه ما لم يكن يُؤتى عليه من قبل". ثالثها: قوله ﵊: "إنه لا يأتي بخير" يحتمل أن تكون هذه "الباء" باء السببية، كما قاله الشيخ تقي (٣) الدين كأنه قال: لا يأتي سبب خير في نفس الناذر وطبعه في طلب القرب والطاعة من غير عوض يحصل له وإن كان يترتب عليه خير، وهو فعل الطاعة التي نذرها , لكن سبب ذلك الخير حصول غرضه. ويحتمل أن يكون معناه: لا يغني من القدر شيئًا، كما سلف،
следующие страницы →