الحديث الثاني
٣٨٣/ ٢/ ٧٣ - عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن النذر، وقال: إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل" (١).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: ظاهر الحديث كراهة ابتداء النذر في الطاعة، وإن كان الوفاء به لازمًا لأن سياق بعض الحديث يقتضي أحد أقسام النذر، التي ذكرناها، وهو ما يقصد به تحصيل غرض أو دفع مكروه، وذلك لقوله: "وإنما يستخرج به من البخيل"، وهو ما نص عليه الشافعي ﵀، ولأنه التزام إيجاب على نفسه من غير إيجاب الشرع، فكره من هذا الوجه.
وأما القاضي حسين والمتولي والغزالي والرافعي فإنهم قالوا: إنه قربة, لأنه حث عليه، حيث قال: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ
стр. 4622
نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْر﴾ (١) فتكون قربة، ولأنه وسيلة إلى القربة، ولها حكم المقاصد. وقال ابن الأثير في "نهايته" (٢) النهي عنه تأكيد لأمره، وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك إبطال حكمه، وإسقاطُ لزوم الوفاء به، إذ كان بالنهي يصير معصية، فلا يلزم. وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم: أن ذلك أمرٌ لا يجزُّ لهم في العاجل نفعًا، ولا يصرف عنهم ضَرًّا، ولا يردّ [(٣)] قضاءً، فقال: لا تنذروا، على أنكم [(٤)] تدركون بالنذر شيئًا لم يُقَدِّرْهُ الله لكم، أو تصرفون به عنكم ما جرى به القضاء عليكم، فإذا نذرتم ولم تعتقدوا هذا، فاخرجوا عنه بالوفاء، فإن الذي نذرتموه لازم لكم.
وقال الشيخ تقي الدين (٥): في كراهة النذر إشكال على القواعد، فإن القاعدة تقتضي أن وسيلة الطاعة طاعة, ووسيلة المعصية معصية. ويعظم قبح الوسيلة بحسب عظم المفسدة وكذلك تعظم فضيلة الوسيلة بحسب عظم المصلحة، ولما كان النذر وسيلة إلى التزام قربة لزم على هذا أن يكون قربة، إلَّا أن ظاهر إطلاق الحديث دل على خلافه، وإذا حملناه على القسم الذي أشرنا إليه من أقسام النذر -كما دل عليه سياق الحديث- فذلك المعنى الموجود
стр. 4623
في ذلك القسم ليس بموجود في النذر المطلق، فإن ذلك خرج مخرج طلب العوضين، وتوقيف العبادة على تحصيل الغرض، وليس هذا المعنى موجودًا في التزام العبادة والنذر بها مطلقًا، وقد يقال: إن البخيل لا يأتي بالطاعة إلَّا إذا اتصفت بالوجوب، فيكون النذر هو الذي أوجب له فعل الطاعة، لتعلق الوجوب به، ولم يتعلق به الوجوب لتركه البخيل، فيكون النذر المطلق أيضًا مما يستخرج به [من] (١) البخيل، إلَّا أن لفظة "البخيل" هنا قد تشعر بما يتعلق بالمال، وعلى كل تقدير فاتباع النصوص أولى. وما ذكره الشيخ تقي الدين من التفصيل، ذكره ابن الرفعة أيضًا، فقال: يمكن أن يتوسط [فيه] (٢) [فيقال] (٣) الذي دل عليه الخبر على كراهته نذر المجازاة.
وأما نذر التبرر: فيظهر أنه قربة, لأن له فيه غرضا، وهو أن يثاب عليه ثواب الواجب، وهو فوق ثواب التطوع، أي: بسبعين درجة، كما أفاده إمام الحرمين. وكذا قال القرطبي (٤): المنهي عنه هو نذر المجازاة، وفي معناه النذر على وجه التَّبرُّم والتَّحرُّج بأن ينذر عتق عبد استثقل به تخلصًا منه أو ينذر كثيرًا من العبادة كالصوم الكبير مثلًا مما يؤدي إلى الحرج والمشقة مع القدرة عليه.
стр. 4624
وقال الماوردي (١): الحديث دال على أن ما يبذله الإنسان من البر أفضل مما يلتزمه بالنذر.
ثانيها: هذا النهي للتنزيه، وقال القرطبي (٢): يظهر لي حمله على التحريم في حق من يُخاف عليه أن يعتقد أن النذر يوجب ذلك الغرض، أو أن الله يفعله لأجل ذلك، والأول يقارب الكفر. والثاني خطأ صراح، وحمله على التحريم في حق من لم يعتقد ذلك.
وذكر المازري (٣) في [سبب] (٤) النهي احتمالين:
أحدهما: كون الناذر يصير ملتزمًا له، فيأتي به على سبيل التكلف من غير نشاط.
ثانيها: إتيانه به على سبيل المعاوضة لا على سبيل القربة، فينتقص أجره للأمر الذي طلبه، وشأن العبادة أن تكون محضة لله تعالى.
وذكر القاضي (٥) عياض احتمالًا ثالثًا: وهو أن بعض الجهلة قد يظن أن النذر يرد القدر، ويمنع من حصول المقدَّر، فنهى عنه خوفًا من جاهل يعتقد ذلك، وهذا يؤيده بعض روايات الحديث في الصحيح أنه ﵊ نهى عن النذر وقال: "إنه لا يرد
стр. 4625
شيئًا، وإنما يستخرج به من الشحيح"، وفي رواية للبخاري (١): "إن النذر لا يقدم شيئًا ولا يؤخره، وإنما يستخرج بالنذر من البخيل"، وفي صحيح مسلم (٢) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل". وفي رواية له: "إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدره له، ولكن النذر يوافق القدر، فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج". ورواه البخاري من هذا الوجه بلفظ: "لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدرته، ولكن يلقيه النذر إلى القدر، قد قُدِّر له، فيستخرج الله به من البخيل فيؤتى عليه ما لم يكن يُؤتى عليه من قبل".
ثالثها: قوله ﵊: "إنه لا يأتي بخير" يحتمل أن تكون هذه "الباء" باء السببية، كما قاله الشيخ تقي (٣) الدين كأنه قال: لا يأتي سبب خير في نفس الناذر وطبعه في طلب القرب والطاعة من غير عوض يحصل له وإن كان يترتب عليه خير، وهو فعل الطاعة التي نذرها , لكن سبب ذلك الخير حصول غرضه.
ويحتمل أن يكون معناه: لا يغني من القدر شيئًا، كما سلف،
стр. 4626
وعليه اقتصر النووي في "شرح مسلم" (١).
رابعها: قوله: "وإنما يستخرج به من البخيل"، معناه أنه لا يأتي بهذه القربة تطوعًا محضًا مبتدئًا وإنما يأتي بها في مقابلة شفاء المرض وغيره مما يعلق النذر عليه. قاله النووي في "شرحه". وعبارة الشيخ تقي الدين: الأظهر في معناه: أن البخيل لا يعطي طاعة إلَّا في عوض ومقابل يحصل له، فيكون النذر هو السبب الذي استخرج تلك الطاعة وهو غير ما ذكره النووي.
خامسها: في أحكامه.
الأول: كراهة النذر، وقد سلف ما فيه.
الثاني: الإِخلاص في الأعمال، وأن ما ليس فيه إخلاص لا يأتي بخير.
الثالث: ذم البخل والبخلاء.
الرابع: أن من وقف مع الشرع في أعماله ليس ببخيل، بل هو الكريم حقيقة.
стр. 4627
الحديث الثالث
٣٨٤/ ٣/ ٧٣ - عن عقبة بن عامر ﵁ قال: "نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية: فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله ﷺ ، فاستفتيته فقال: لتمشِ ولتركبْ" (١).
الكلام عليه من وجوه:
واعلم فيها أن قوله "حافية" ليس في البخاري كما نبَّه عليه عبد الحق في "جمعه".
[الأول:] (٢) في التعريف براويه، وقد سلف في الحديث السادس من كتاب النكاح.
[الثاني:] (٣) أخته هي أم حِبان، بكسر الحاء المهملة، ثم باء موحدة، ثم ألف، ثم نون، بنت عامر أسلمت وبايعت. ذكره ابن
стр. 4628
ماكولا (١) عن محمَّد بن سعد، وحكاه عنه ابن بشكوال في "مبهماته" (٢)، ولم يذكرها ابن عبد البر في الصحابة، وهي من شرطه.
[الثالث:] (٣) معنى قوله: "لتمشِ ولتركبْ"، والله أعلم لتمش إن قدرت، وتركب إذا عجزت أو شق عليها المشي، وكذا ترجم له البيهقي في "سننه" (٤) فقال: باب المشي فيما قدر عليه والركوب فيما عجز عنه، ثم ذكر هذا الحديث، ثم قال باب الهدي فيما ركب واختلاف الروايات عنه، ثم ساق بإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس "أن أخت عقبة نذرت أن تحج ماشية وأنها لا تطيق ذلك فقال [رسول الله] (٥) ﷺ : "إن الله لغني عن مشي أختك، فلتركب، ولتهدِ بدنة"، وفي رواية له: "أن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت فقال: إن الله غني عن نذر أختك، فتحج راكبة وتهدي بدنة". ورواه أبو داود في [سننه] (٦) "، وقال: "تهدي هديًا".
وخالفه هشام الدستوائي فَرَواه عن قتادة دون ذكر الهدي فيه، ورواه بإسناده عن هشام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي - صلي الله عليه وسلم - بلغه أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية فقال له
стр. 4629
النبي - صلي الله عليه وسلم -: "إن الله لغني عن نذرها، فمرها فلتركب" (١)، وكذلك روي عن خالد الحذاء، عن عكرمة دون ذكر الهدي فيه.
ورواه ابن أبي عروبة عن قتادة، فأرسله، ولم يذكر الهدي فيه، ورواه أبو داود من حديث ابن (٢) عدي عن شعبة، عن قتادة، عن عكرمة أن أخت عقبة بمعنى حديث هشام لم يذكر الهدي، وقال: "مُرْ أختك فلتركب"، قال أبو داود: رواه خالد عن عكرمة بمعناه، وقيل: عن [عكرمة] (٣)، عن عقبة بن عامر دون ذكر الهدي فيه. كذلك رواه أبو داود عن شعيب بن أيوب، عن معاوية بن هشام، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرمة، عن عقبة بن عامر أنه قال للنبي ﷺ : "إن أختي نذرت أن تمشي إلى البيت فقال: "إن الله لا يصنع بمشي أختك إلى البيت شيئًا"، ورواه [الحاكم] (٤) في "مستدركه" من حديث يعلى بن عبيد ثنا أبو سعد البقّال، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي - صلي الله عليه وسلم - فقال: إن أختي حلفت أن تمشي إلى البيت، وأنه يشق عليها المشي. قال: مرها فلتركب إذا لم تستطع أن تمشي، فما أغنى الله أن يشق على أختك"، ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإِسناد، وروى في "مستدركه" أيضًا من حديث شريك، عن محمَّد بن عبد الرحمن مولى آل أبي طلحة، عن كريب، عن ابن عباس قال: "جاء رجل إلى
стр. 4630
النبي - صلي الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إن أختي جعلت عليها المشي إلى بيت الله، قال: "إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، قل لها فلتحج راكبةً ولتكفر يمينها". قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم. ورواه البيهقي (١) بسند شيخه الحاكم، ثم قال تفرد به شريك [القاضي] (٢)، ورواه أبو حاتم بن حبان في "صحيحه" (٣) من هذا الوجه بلفظ: "جاء رجل إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - فقال: "إن أختي جعلت على نفسها أن تحج ماشية، قال: فمرها فلتركب [ولتكفر] (٤) "، ثم قال ابن حبان: يشبه أن تكون هذه جعلت على نفسها أن تحج ماشية [إذ] (٥) النذر لا كفارة فيه.
قلت: ولحديث عقبة هذا طريق آخر رواه أصحاب السنن الأربعة وابن حبان في صحيحه من حديث عبيد الله بن زحر عن أبي سعيد الرعيني، عن عبد الله بن مالك، عن عقبة بن عامر قال: "نذرت أختي أن تحج لله ماشية، غير مختمرة، قال: فذكرت ذلك لرسول الله - صلي الله عليه وسلم - فقال: مُر أختك فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام" (٦)، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن.
стр. 4631
وقال البيهقي (١): هذا الحديث رواه يحيى بن سعيد عن عُبيد الله بن زحر هكذا، وكذلك رواه يحيى بن سعيد القطان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وكذلك رواه ابن جُريج قال: كتب إلى يحيى بن سعيد فذكره.
ورواه الترمذي عن يحيى بن سعيد واختلف عليه في إسناده قال: وقال محمَّد بن إسماعيل البخاري: لا يصح فيه الهدي، يعني في حديث عقبة.
قلت: وعُبيد الله هذا مختلف فيه، ضعفه الإِمام أحمد، وقال ابن المديني (٢): منكر الحديث، وقال يحيى (٣): ليس بشيء كل حديثه عندي ضعيف، وقال الدارقطني (٤): ليس بالقوي، وقال ابن حبان (٥): يروي الموضوعات عن الأثبات.
وجزم ابن حزم من "محلاه" (٦) بضعفه. وأما الحاكم: فأخرج له في "مستدركه" ولم يضعفه البيهقي في "سننه" (٧)، بل حكى في باب بيع المغنيات عن البخاري أنه وثقه، وذكر الترمذي أيضًا ذلك
стр. 4632
عنه في "علله" (١)، وقال أبو عبيد الآجري (٢): قال أبو داود: سمعت أحمد يقول عبيد الله بن زحر ثقة، وقال: في موضع آخر سألت أبا داود عن عُبيد الله بن زحر فقال: كان أحمد يوثقه، والذي يظهر من هذا هو أحمد بن صالح المصري، فإن حربًا قال: قلت لأحمد بن حنبل (٣): عُبيد الله بن زحر فضعفه، كما أسلفناه وقال أبو زرعة (٤): لا بأس به صدوق، وقال النسائي (٥): ليس فيه بأس.
قلت: ولم ينفرد به، بل تابعه بكر بن سوادة [ورواه] (٦) عن ابن هاعان، عن أبي تميم الجيشاني، عن [عقبة] (٧) أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية حاسرة، فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "لتركب ولتلبس ولتصم"، رواه الطبراني (٨) من هذا الوجه.
وعبد الله بن مالك الراوي عن عقبة بن عامر ذكره ابن حبان في "ثقاته" (٩)، وادعى ابن القطان جهالته، وفرق أبو حاتم بينه وبين
стр. 4633
أبي [تميم] (١) الجيشاني الذي ولد في عصره (٢) ﵊ وهما واحد كما قاله ابن يونس وغيره، وصرَّح به الطبراني كما سلف عنه.
وأبو سعيد الرُّعَينِي الراوي عن عبد الله اسمه جُعْثُل بن هَاعَان كما سلف في رواية الطبراني وهو قاضي إفريقية روى عن أبي تميم [وعنه] (٣) بكر بن سوادة.
وعُبيد الله بن زحر قاله ابن يونس، أخرجه عمر بن عبد العزيز إلى المغرب ليقرئهم القرآن، وكان أحد القراء الفقهاء، له وفادة على هشام بن عبد الملك، وادعى ابن القطان جهالته تبعًا لابن حزم في "محلاه".
ولحديث عقبة هذا طريق آخر جيد، رواه الطحاوي في "مشكله" عن يونس أخي ابن وهب بن حي بن عبد الله المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عقبة أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية غير مختمرة، فذكر ذلك عقبة لرسول الله ﷺ فقال: "مُرْ أختك فلتركب ولتختمر ولتصم ثلاثة أيام"، وحِيَيِّ هذا قال في [حديثه] (٤) ابن معين ليس به بأس. وأخرج له الحاكم وابن حبان
стр. 4634
وذكره في "ثقاته" (١) في أتباع التابعين، وخالف ابن حزم فقال في "محلاه" (٢) إنه مجهول.
قال الطحاوي: كشف وجهها حرام فأمرها رسول الله ﷺ بالكفارة لمنع الشريعة إياها منه (٣)، ثم ذكره الطحاوي من وجه آخر، وفيه: "نذرت أن تحج ماشية ناشرة شعرها، فقال: "لتركب ولتصم ثلاثة أيام". وفي البيهقي (٤) من حديث أبي هريرة قال: بينما رسول الله ﷺ يسير في جوف الليل في ركب إذ بصر بخيال قد نفرت منه إبلهم، فأنزل رجلًا فنظر، فإذا هو بامرأة عريانة ناقضة شعرها، فقال: مالك؟ قالت: نذرت أن أحج البيت ماشية عريانة ناقضة شعري فأنا أتكمن بالنهار وأتنكب الطريق بالليل، فأتى النبي - صلي الله عليه وسلم - فأخبره فقال: "ارجع إليها فمرها فلتلبس ثيابها ولتهرق دمًا".
قال البيهقي: إسناده ضعيف (٥)، قال: وروي من وجه آخر منقطع دون ذكر الهدي فيه، ثم أسند من حديث البصري عن عمران بن الحصين أنه ﵊ قال: "إذا نذر أحدكم أن يحج ماشيًا فليهدِ هديًا وليركب". وفي رواية: "فليهد بدنة
стр. 4635
وليركب"، ثم قال: لا يصح سماع الحسن من عمران فهو مرسل (١)، قال: وروى فيه عن علي موقوفًا، قلت: فأما الحاكم فإنه أخرجه في "مستدركه" (٢) من حديث الحسن عن عمران وقال: صحيح الإِسناد. قال في "مستدركه" (٣) في كتاب اللباس: إن أكثر مشايخنا على أنه سمع منه، فهذه طرق حديث عقبة مع ما يشاكله، وقد حصل في إيرادها فوائد جمة، فلا تسأم من طولها، فإن طرق الحديث يفسر بعضها بعضًا.
ورأيت في "معرفة الصحابة" للحافظ أبي موسى الأصبهاني أن هذا الحديث رواه جماعة عن عقبة بن عامر وروي عن عبد الله [بن مالك] (٤) الجهني، والأول هو الصحيح.
تنبيه: رواية "ولتهدِ بدنة"، عزاها القاضي عياض (٥) ثم النووي (٦) إلى أبي داود، وتبعه ابن العطار والفاكهي ولم أرها فيه، والذي فيه "ولتهدِ هديًا" كما أسلفناه عنه فتنبه لذلك.
الوجه الرابع: في أحكامه.
стр. 4636
أولها: صحة النذر إلى الذهاب إلى بيت الله تعالى، فإذا قال: لله عليَّ أن آتي البيت الحرام أو بيت الله تعالى، ونواه انعقد نذره، ولزمه إتيانه بحج أو عمرة، خلافًا لأبي حنيفة، حيث قال: إذا لم بسم حجًا ولا عمرة [لا] (١) يلزمه شيءٌ، والأول قَوْلُ مالك والشافعي، وهو مروي عن عمر وابن عباس وهو ظاهر الحديث، إذا تقرر هذا فإنْ نَذَرَهُ راكبًا لزمه ذلك راكبًا، فلو ذهب ماشيًا لزمه دم لترفهه بتوفير مؤنة الركوب، وهذا بناء على أن الركوب أفضل وفيه خلاف مشهور عندنا ليس هذا موضع ذكره، وإن نذره ماشيًا لزمه ما التزم ويمشي من حيث أحرم، سواء من الميقات أو قبله على الأصح عندنا, ولا يجوز أن يترك المشي في الحج إلى أن يرمي جمرة العقبة إذا جعله آخر التحللين، ويفرغ من العمرة، وحيث أوجبنا المشي فركب لعذرٍ أجزأه، وعليه دم على أظهر قولي الشافعي، وهو شاذ وقيل: بدنة للروايتين اللتين أسلفتهما، أو بلا عذر أجزأه وعليه دم على المشهور فيهما عندنا. ومذهب مالك إن نذر المشي إلى بيت الله الحرام لازم، سواء أطلقه أو علقه، فإن عجز في بعض الطريق أو ركب رجع من قابل فمشى ما ركب، وجعل ذلك في حج أو عمرة، إلَّا أن يعجز عن المشي في جملة فيركب ويهدي فيأول الحديث على حالة العجز عن المشي.
فرع: نذر إتيان شيء من الحرم كالصفا ولو دار أبي جهل ودار الخيزران يوجب الحج أو العمرة لشمول حرمة الحرم في تنفير
стр. 4637
الصيد وغيره. وعند المالكية حكاية خلاف في ذلك، وبقولنا يقول أبي يوسف ومحمد بن الحسن، ولو نذر إتيان عرفات فإن أراد بذلك التزام الحج انعقد نذره به، وإلَّا فلا، لأن عرفات من الحل، فهو كبلد آخر. وأطلق ابن حبيب المالكي اللزوم، وقال أبو حنيفة: لا يلزمه في كل هذا شيء ولا مسير من القياس.
فرع: لو نذر إتيان مسجد المدينة والأقصى فالأظهر عند المراوزة إلحاقهما بالمسجد الحرام خلافًا للعراقيين والروياني.
ولو نذر إتيان مسجد آخر سوى هذه الثلاثة لم يتعين جزمًا. وقال ابن المواز المالكي: إن كان قريبًا كالأميال لزمه المشي إليه وإن كان بعيدًا فلا.
ثانيها: ظاهر الحديث إقرارها على الحفاء، لكن رواية الطبراني التي أسلفتها أنها نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية حاسرة، فقال ﵊: "لتركب ولتلبس". ظاهرها عدمه، وهو الظاهر، فإن الحفي ليس طاعة، فإذًا نَذْرُهُ لا يصح.
ثالثها: جواز النيابة والاستنابة في الاستفتاء خصوصًا إذا كان المستنيب معذورًا لعدم بروزه لذلك أو مخالطته لهم ونحو ذلك.
رابعها: قبول خبر الواحد.
خامسها: أن من نذر الحج ماشيًا فلم يطقه في بعض الأحوال فإنه يركب وعليه دم، للحديث السالف. وأما رواية البدنة فإنها تُطْلَقُ لغةً على البعير والبقرة والواحد من الغنم. ولهذا لو نذر أن يهدي
стр. 4638
شيئًا لزمه ما يجزئ من الأضحية , وهل يجب عليه مع الهدي الرجوع فيمشي ما ركبه أم لا؟
قال الشافعي وأهل الكوفة: بالمنع.
وقال سلف أهل المدينة بالوجوب.
وفرق مالك فقال: إن كان المشيُ يسيرًا لم يرجع، وإن كان كثيرًا رجع، ما لم يرجع لبلده البعيدة فيكفيه الدم. وطرق حديث عقبة التي أسلفناها لم يذكر فيها الرجوع البتة, فيقوى بها مقالة الشافعي وأهل الكوفة، والله الموفق.
стр. 4639
الحديث الرابع
٣٨٥/ ٤/ ٧٣ - عن عبد الله بن عباس ﵁ أنه قال: "استفتى سعد بن عبادة رسول الله - صلي الله عليه وسلم - من نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه. فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "فاقضه [عنها (١)] " (٢).
الكلام عليه من وجوه.
الأول: اسم أم سعد بن عبادة عمرة بنت مسعود بن قيس بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، وكانت من المبايعات، توفيت سنة خمس من الهجرة، ورسول الله - صلي الله عليه وسلم - في غزوة دومة الجندل، فلما قدم صلَّى على قبرها.
وأما ابنها [سعد] (٣) فترجمته مبسوطة فيما أفردته في الكلام
стр. 4640
على رجال هذا الكتاب فراجعه منه وقبره بغوطة دمشق بقرية يقال لها "المنيحة" مشهور ومن قال: إنه دفن بحوران. فلعله نقل منها إلى المنيحة، لأنه لا يعرف قبره بها.
الثاني: هذا النذر لم يتبين في هذه الرواية ما هو؟ وقد اختلف فيه على أقوال، حكاها القاضي عياض (١):
أحدها: أنه كان نذرًا مطلقًا.
ثانيها: أنه كان صومًا.
ثالثها: أنه كان عتقًا.
رابعها: أنه كان صدقة، واستدل كل قائل بأحاديث وردت في قصة أم سعد.
قال: وأظهرها أنه كان نذرًا في المال [أو نذرًا] (٢) مبهمًا (٣)، ويعضده ما رواه الدارقطني من حديث مالك فقال له يعني النبي - صلي الله عليه وسلم -: "اسق عنها الماء" وحديث الصوم معلل بالاختلاف في سنده، ومتنه وكثرة اضطرابه، وذلك موجب ضعفه، لكن سلف في بابه أن ذلك غير قادح، وحديث من روى "فأعتق عنها" موافق أيضًا لأن العتق من الأموال، وليس فيه قطع بأنه كان عليها عتق.
الثالث: في أحكامه:
الأول: قضاء الحقوق الواجبة عن الميت، وفي رواية للبخاري
стр. 4641
في النذر في باب "من مات وعليه نذر" في آخر الحديث فكانت سنة بعد، ولا خلاف في المالية، وسواء أوصى بها أم لم يوصي عند الشافعية خلافًا لأبي حنيفة ومالك حيث قالا لا يقضي إلَّا بالوصية به, ولأصحاب مالك خلاف في الزكاة إذا لم يوص بها. وحكاه القاضي حسين كلامًا للشافعي، وحكاه قولًا في الحج أيضًا. وأما البدنية كالصوم فقد سلف الخلاف فيه في بابه.
ثانيها: استدل به أهل الظاهر على أن الوارث يلزمه نصًّا النذر الواجب عن الميت، إذا كان غير مالي [. .] (١) ولم يخلِّف تركةً. ومذهب الشافعي وجمهور العلماء أنه لا يلزمه ذلك، لعدم التزام الوارث له لكن يستحب، وحديث سعد هذا يحتمل أنه قضاه من تركتها أو تبرع به وليس فيه تصريح بإلزامه ذلك.
ثالثها: استفتاء الأعلم ما أمكن، وللأصوليين خلاف شهير في هل يجب على العامي أن يبحث عن الأعلم أو يكتفي بسؤال أيِّ عالم كان؟ ويترجح الأول بأن الأعلم أرجح، والعمل بالراجح واجب.
رابعها: بر الوالدين والأقارب بعد وفاتهم والتوصل إلى إبراء ذممَهِم.
стр. 4642
الحديث الخامس
٣٨٦/ ٥/ ٧٣ - عن كعب بن مالك ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي، صدقة إلى الله وإلى رسوله. فقال رسول الله ﷺ : "أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك" (١).
الكلام عليه من وجوه:
سها بعض الشرَّاح فحذفه:
أحدها: في التعريف براويه: هو أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمَّد، ويقال: أبو بشير كعب بن مالك بن أبي كعب عمرو بن القين بن كعب بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي المدني الشاعر.
стр. 4643
أحد الثلاثة الذين تيب عليهم بسبب التخلف عن تبوك: هلال بن أمية الواقفي، ومرارة بن الربيع العامري ويقال: ابن ربيعة، ويقال: ابن ربعي. وقد ضبط أهل السير أسماءهم وأن أولها "مكة" (١)، وآخر أسماء آبائهم "عكة"، وفيهم أنزلت: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا. . . .﴾ (٢) الآية وقصتهم مشهورة في الصحيحين بطولها. [وكان] (٣) ممن شهد العقبة، واختلف في شهوده بدرًا، والصحيح أنه لم يشهدها، وشهد أحدًا والمشاهد كلها، حاشا تبوك، فإنه تخلف عنها.
ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة آخى بينه وبين طلحة بن عُبيد الله حين آخى بين المهاجرين والأنصار. وأمه ليلى بنت زيد بن ثعلبة من بني سلمة أيضًا، وكان يهجو المشركين، ويتهددهم بالحرب، ويقول: فعلنا ونفعل. وكان شعراء المسلمين ثلاثة: حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك. فكان كعب يخوفهم الحرب، وابن رواحة يعيرهم بالكفر، وكان حسان يقبل [على] (٤) الأنساب قاله ابن سيرين [قال] (٥) وأما شعراء
стр. 4644
المشركين: فعمرو بن العاص وعبد الله بن الزبعري. وأبو سفيان بن الحارث.
روى كعب عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - ثمانين حديثًا، اتفقا منها على ثلاثة، وللبخاري حديثٌ، ولمسلم حديثان. روى عنه بنوه عبد الله وعبد الرحمن وعُبيد الله ومحمد ومعبد وحفيده عبد الرحمن بن عبد الله وابن عباس وطائفة، عَمِنَ في آخر عمره، ومات بالمدينة في خلافة معاوية سنة خمسين وقيل: إحدى، وقيل: ثلاث، وقد جاوز الستين.
الثاني: لم يتبين في رواية المصنف مقدار البعض، الممسك, وجاء مبينًا في سنن أبي داود تعيينه ففيه قلت: يا رسول الله إن من توبتي إلى الله أن أخرج من مالي كله إلى الله وإلى رسوله صدقة، قال: "لا". قلت: "فنصفه". قال: "لا". قلت: فثلثه. قال: نعم. قلت: فإني سأمسك سهمي من خيبر، وهذه الرواية في سندها محمَّد بن إسحاق، وقد صرح بالتحديث فيكون حجة.
الثالث: معنى: "إن من توبتي" من شكر توبتي.
ومعنى: "انخلع" أخرج منه. كما جاء في "سنن أبي داود" كما ذكرناه آنفًا.
الرابع في فوائده وأحكامه:
الأولى: قصد فعل الخيرات، والتصدق بكل المال.
стр. 4645
الثانية: المشاورة في الأمور المهمة لأهل العلم والدين، والشفقة بالمشاور، وإنما أورد الاستشارة بصيغة الحكم، لشدة ما حصل له من الفرج بالتوبة.
الثالثة: استحباب الصدقة شكرًا لما يتجدد من النعم، لاسيما لما عظم منها، وهو أصل لأهل الطريق في عمل الشكران عند تجدد النعم أو دفع النقم ونحو ذلك.
الرابعة: أن الصدقة لها أثر في محو الذنوب، فإنها تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار (١)؛ [ولهذا] (٢) شرعت الكفارات المالية، لما فيها من صلاحية محو الذنوب، ويترتب عليها الثواب الحاصل بسببها، وقد تحصل به الموازنة. فيمحي أثر الذنوب، وقد يكون دعاء من يتصدق عليه سببًا للمحو أيضًا. كذا ذكر هذا الاستنباط الشيخ تقي الدين (٣)، ويترجح فيه، لأن تصدقه هنا لأجل الشكر، لا لمحو الذنب، فإنه لا ذنب إذن وأنه قال ذلك بعد أن تيب عليه.
стр. 4646
الخامسة: أن التقرب إلى الله [تعالى] (١) بمتابعة [رسوله -عليه أفضل الصلاة والسلام-] (٢).
السادسة: أن إمساك ما يحتاج إليه من المال أولى من إخراجه كله في الصدقة. وقد قسم العلماء ذلك بحسب اختلاف حال الإِنسان في صبره على الضرّ والإِضافة، فإن كان لا يصبر على ذلك كُره له، وإن كان يصبر فلا. وعلى ذلك تنزل الأخبار المختلفة الظواهر. وصحح أصحابنا أيضًا أنه يحرم عليه أن يتصدق بما يحتاج إليه لنفقة من يلزمه نفقته أو لدين لا يرجو له وفاء.
السابعة: استدل به بعض المالكية على مذهبه أن من نذر التصدق بكل ماله أكتفي منه بالثلث وهو ضعيف، كما قال الشيخ تقي الدين (٣)، لأن اللفظ الذي أتى به كعب بن مالك ليس بتنجيز صدقته حتى يقع في محل الخلاف، وإنما هو [لفظ عن] (٤) نية قصد فعل متعلقها -ولم يقع بعد- فأشار ﵊ بأن لا يفعل (٥) ذلك، [ويمسك] (٦) بعض ما له، وذلك قبل إيقاع ما عزم عليه. هذا ظاهر اللفظ، أو هو محتمل له وكيفما كان فتضعف منه الدلالة على مسئلة الخلاف، وهو تنجيز
стр. 4647
الصدقة بكل المال نذرًا مطلقًا أو معلقًا.
قلت: وأما أبو داود (١) ففهم منه نذر الصدقة بكل ماله، وترجم عليه في "سننه" [في] (٢) باب: فيمن نذر أن يتصدق بماله، وأورد في أثنائه الرواية التي أسلفناها عنه وتبعه المصنف، فأدخله في النذور أيضًا، وفيه النظر المذكور.
стр. 4648
الإعلام بفوائد عمدة الأحكام
للإمام الحافظ العلامة
أبي حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بابن الملقن
(٧٢٣ - ٨٠٤) هـ
تقديم
فضيلة الشيخ
صالح بن فوزان الفوزان
عضو هيئة كبار العلماء
وعضو اللجنة الدائمة للافتاء
فضيلة الشيخ
بكر بن عبد الله أبو زيد
عضو هيئة كبار العلماء
وعضو اللجنة الدائمة للافتاء
حققه وضبط نصه وعزا آياته وخرّج أحاديثه ووثق نقوله وعلق عليه
عبد العزيز بن أحمد بن محمد المشيقح
غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين
الجزء العاشر
باب القضاء - كتاب العتق
(٣٨٧ - ٤٣٦) حديث
دار العاصمة
للنشر والتوزيع
стр. 4649
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4650
باب القضاء
стр. 4651
٧٤ - باب القضاء
القضاء، بالمد: الولاية، وجمعه أقضية. كغطاء وأغطية، وهو في الأصل إحكام الشيء وفراغه. ويكون أيضًا الحكم وبمعنى أوجب وقدر بمعنى الإِتمام والأداء. وذكر المصنف في الباب سِتَّةَ أحاديث.
стр. 4652
الحديث الأول
٣٨٧/ ١/ ٧٤ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (١)، وفي لفظ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد".
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: هذا اللفظ الأخير عزاه النووي في "أربعينه" (٢) إلى مسلم خاصة، وصرح عبد الحق في "جمعه بين الصحيحين" بأن البخاري لم يخرجه، فإنه لما ذكره عن مسلم باللفظين قال: أخرج البخاري اللفظ الأول: "من أحدث في أمرنا هذا"، أي: دون الثاني، لكن البخاري ذكره معلقًا في أواخر "صحيحه"، في أثناء كتاب الاعتصام، [بالكتاب] (٣)، فقال: (باب: إذا اجتهد العامل، أو الحاكم فأخطأ خلاف الصواب من غير علم، فحكمه مردود،
стр. 4653
لقول النبي - صلي الله عليه وسلم -: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" هذا لفظه، وذكره في أثناء الصلح باللفظ الأول سندًا، وترجم عليه إذا اصطلحوا على صلح جور فهو مردود (١).
ثانيها: وجه مناسبة ذكر هذا الحديث في هذا الباب أن القضاء في المحاكمات لا ينحصر فما كان منها على قانون الشرع فهو المقبول، وما كان منها على خلافه فهو مردود.
ثالثها: هذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإِسلام أو نصفه أو ثلثه على ما ذكر فيه، لكثرة ما يدخل تحته من الأحكام التي لا تنحصر، فإنه صريح في رَدِّ كلِّ البدع والمخترعات في الدين فهو إذن قاعدة عظيمة من قواعد وجوامع كلمه، فينبغي أن يعتني بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به.
رابعها: معنى الحديث من اخترع في الشرع ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يعمل به، ولا يلتفت إليه، "ورد" معناه مردود فهو من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول كأنه قال فهو باطل غير معتد به.
خامسها: في اللفظ الثاني زيادة على الأول، وهي أنه قد يعاند بعض الفاعلين ببدعة سُبِقَ إليها فإذا احْتُجَّ عليه باللفظ الأول يقول: أنا ما أحدثت شيئًا. فيُحتج عليه بالثاني الذي فيه التصريح برد كل المحدثات، سواء أحدثها الفاعل أو سُبق بإحداثها.
سادسها: في بعض فوائده.
стр. 4654
الأولى: إبطال جميع العقود الممنوعة وعدم وجود ثمراتها المرتبة عليها وعلى تقدير الصحة وبعض الأحكام الباطلة.
الثانية: رَدُّ محدثات الأمور والتمسك بما جاء به ولقد كثرت وشاعت ودونت وتعذر زوالها، وصار المنكِرُ لها كالمبتدع، فنسأل الله الإِعانة على الاستقامة.
[الثالثة:] (١) أن النهي يقتضي الفساد, لأنه أخبر أن كل ما أحدث ممَّا ليس هو من الدين فهو رد. والمنهيات كلها ليست من أمره، فيجب ردها. ومن قال لا يقتضيه أجاب بأنه خبر واحد، فلا يكفي في إثبات هذه القاعدة المهمة، وهو جواب فاسد. نعم قد يقع الغلط في بعض المواضع لبعض الناس فيما يقتضيه الحديث من الرد، فإنه قد يتعارض أمران فَيُنتَقل من أحدهما إلى الآخر، ويكون العمل بالحديث في أحدهما كافيًا، ويقع الحكم به في الآخر في محل النزاع، فللخصم أن يمنع دلالته عليه، فينبغي أن تنتبه لذلك.
الرابعة: أن حكم الحاكم لا يغير ما في الباطن، لقوله: "ليس عليه أمرنا [ولم يقل ليس عليه أمر] (٢) الحاكم وهو رد على من خالف في ذلك.
стр. 4655
الحديث الثاني
٣٨٨/ ٢/ ٧٤ - عن عائشة ﵂ قالت: "دخلت هند بنت عتبة -امرأة أبي سفيان- على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، إلَّا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل عليَّ في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك" (١).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في الطهارة.
وهند هذه أم معاوية لها ذكر ونفس وابقة أسلمت عام الفتح بعد إسلام [زوجها أبي سفيان] (٢) فأقرا علي نكاحهما وشكته
стр. 4656
[ذلك] (١) اليوم لرسول الله - صلي الله عليه وسلم -[وشهدت أحدًا كافرة مع] (٢) زوجها أبي سفيان وقصتها في البيعة مشهورة، ماتت في خلافة عمر في اليوم الذي مات فيه أبو قحافة والد الصديق سنة أربع عشرة في المحرم.
وأما أبو سفيان: فهو صخر بن حرب الأموى والد معاوية ويزيد وعتبة، ولد قبل الفيل بعشر سنين، وكان من أشراف قريش في الجاهلية وأفضلهم، ومن التجار، وكانت إليه راية الرؤساء المعروفة بالعقاب، وكانت لا يجلسها إلَّا رئيس، فإذا حميت الحرب اجتمعت قريش فوضعت تلك الراية بيد الرئيس. أسلم يوم الفتح، وقال ﵊ يومئذٍ "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" وشهد حنينًا وأعطى من غنائمها مائة بعير وأربعين أوقية، وزنها له بلال، وأعطى ابنيه يزيد، ومعاوية. وشهد الطائف، وفقئت عينه يومئذٍ وشهد اليرموك، ومات في خلافة عثمان سنة ثلاث وثلاثين ابن بضع وسبعين على أحد الأقوال فيها، وصلى عليه ابنه معاوية وقيل عثمان. ودفن بالبقيع. وممن قتل من أولاده يوم بدر كافرًا ابنه حنظلة، وبه كان يكنى كنيته فانتبه وترجمته موضحة فيما أفردته في الكلام على رجال هذا [الكتاب] (٣) وكذلك ترجمة هند.
الوجه الثاني: في الكلام على ألفاظه:
стр. 4657
قولها: "رجل شحيح" هو مبالغة في الشح، وهو البخل مع حرص، كما قاله الجوهري (١)، يقال: شحيح وشحاح بفتح الشين، وقال القاضي: الشح عندهم في كل شيء فهو [أعم] (٢) من البخل وقيل: الشح لازم كالطبع.
قال الجوهري: يقول شححت بالكسر أشح يشح وتشح.
واعلم أن هذا الحديث ورد بثلاثة ألفاظ:
إحداها: شحيح.
ثانيها: ممسك.
ثالثها: مسيّك، واختلف في ضبط هذين اللفظين على وجهين:
أحدهما: فتح الميم وتخفيف السين.
وثانيهما: كسر الميم وتشديد السين، وهذا أشهر من روايات المحدثين، والأول أصح عند أهل العربية ومعناها شحيح وبخيل، وكلاهما للمبالغة (٣).
قال القرطبي (٤): ولم يرد أنه شحيح مطلقًا فتذمه بذلك وإنما وصفت حاله معها، فإنه كان يقتر عليها، وعلى أولادها، كما سلف، وهذا لا يدل على البخل مطلقًا، فقد يفعل الإِنسان هذا مع أهل بيته،
стр. 4658
لأنه يرى غيرهم أحوج وأولى، فيعطي غيرهم. وعلى هذا فلا يجوز أن يستدل بهذا الحديث على بخله، فإنه لم يكن معروفًا بهذا.
وقوله لها: "خذي" هذا الأمر على جهة الإِباحة بدليل الرواية الأخرى في الصحيح " [لا حرج] (١) عليك أن تنفقي عليهم بالمعروف". [ومعنى بالمعروف] (٢) القدر الذي عرف بالعادة أنه كفاية، وهذه الإِباحة وإن كانت مطلقة لفظًا فهي مفيدة معنى. كأنه قال: إن صح أو ثبت ما ذكرت فخذي.
الوجه الثالث: في أحكامه وفوائده:
الأولى: وجوب نفقة الزوجة وهو إجماع.
الثانية: أنها مقدرة بالكفاية، وهو قول الشافعي ﵀، وله قول ثان أن الاعتبار بالقاضي يجتهد [ويقدر] (٣) حكاه الرافعي عن صاحب "التقريب" (٤)، وعبارة الإِمام في حكايته عنه يقتضي أنه إنما يرجع إلى اجتهاد القاضي في الزيادة على الموفى حق المتوسط وفي نفقة الخادم فقط إلَّا في أصل النفقة، والصحيح في مذهبه أنها مقدرة
стр. 4659
بالأمداد على الموسر كل يوم مدان وعلى المعسر مد وعلى المتوسط مد ونصف. وقال ابن خيران (١) وغيره من أصحابنا: المعتبر عرف الناس في البلد.
وعند أبي حنيفة ومالك: الاعتبار بحال المرأة ويختلف القدر برغبتها وزهادتها. ويقال: النظر عند أبي حنيفة إلى شرفها وحسنها.
وعند أحمد: ينظر إلى حال الزوجين جميعًا، فيجب على الموسر للفقيرة نفقة متوسطة. ومحل الخوض في ذلك كتب الخلاف، وهذا الحديث شاهد للقول منها كما أسلفناه.
الثالثة: وجوب نفقة الأولاد الصغار.
الرابعة: أنها مقدرة بالكفاية، وهو الصحيح عندنا، خلافًا لابن خيران، فإنه قال: إنها [تتقدر بتعدد نفقة الزوجة] (٢).
الخامسة: جواز سماع كلام الأجنبية عند الإِفتاء والحكم، وكذا ما في معنى ذلك.
السادسة: ذكر الإِنسان بما يكرهه إذا كان للاستفتاء والشكوى
стр. 4660
ونحوهما، وهذا مستثنى [من المنع] (١) من الغيبة (٢).
السابعة: أن من له على غيره حق وهو عاجز عن استيفائه يجوز له أن يأخذ من له قدر حقه بغير إذنه ومراجعته، وهذا مذهب الشافعي، وأصحابه، وتسمى "مسألة الظفر" ومنع ذلك أبو حنيفة (٣) ومالك (٤) كما حكاه النووي في "شرحه لمسلم" (٥) عنها.
قال القرطبي (٦): وهو مشهور مذهب مالك، وحكى غيره عن أبي حنيفة أنه يأخذ جنس حقه، ولا يأخذ غيره إلَّا أنه يأخذ الدراهم بدلًا من الدنانير وبالعكس. وعن أحمد (٧) أنه لا يأخذ الجنس ولا غيره. وعن مالك إن لم يكن على المديون دين آخر فله أخذه، وإن كان عليه فلا يأخذ إلَّا قدر حصته. وحكى المازري عن مالك ثلاثة أقوال:
ثالثها: الجواز لمن ظفر بجنس حقه، وإلَّا فلا.
الثامنة: أنه يجوز الأخذ من الجنس ومن غيره، كما هو ظاهر الإِطلاق، والأصح عند أصحابنا أنه لا يأخذ غير الجنس إلَّا إذا تعذر الجنس.