← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الذكر باليمين ولا بد للمستجمر من أحد [اليدين] (١) لأنه إن أمسك ذكره بيمينه دخل في النهي عن مسه، وإن أمسك الحجر بها دخل في النهي عن الاستنجاء باليمين؟ والجواب: أنه لا يلزم منه أن يمسك الحجر بها بل يمكنه الاستجمار بحجر ضخم لايزول عن مكانه أو بجدار هو ملكه لا يتأذَّى مارّ بالتنجيس به حين استناده إليه إذا كان رطبًا ويمسك ذكره بيساره [فيحركه] (٢) بها من غير تكرار وضعه في الموضع الذي [وضعه] (٣) [أولًا] (٤) عليه؛ لئلا يتنجس رأس ذكره بوضعه ثانيًا عليه فلا يجزيه حينئذِ إلَّا الماء، [فلو] (٥) كان الحجر صغيرًا جعله بين عقبيه وفعل ما ذكرنا بالصفة المذكورة، فلو عجز أو شق عليه أخذ الحجر باليمين وجعله بمزلة حائط أو حجر كبير وحرك اليسار دون اليمين ومتى حرك اليمين دخل في النهي، وغلط من قال من أصحابنا: يمسك ذكره بيمينه والحجر يساره ويحركها. فائدة: يستحب أن [لا] (٦) يستعين باليد اليمنى في شيء من أمور الاستنجاء إلَّا لعذر، وإذا استنجى بالماء صبَّ باليمين ومسح

стр. 492

باليسار، [وإن] (١) كان بالحجر مسح باليسار أيضًا. الرابع: الأصل في النهي التحريم إلَّا أن يدل على إرادة الكراهة، وقد حمله في هذا الحديث وأمثاله داود (٢) الظاهري وكذا ابن (٣) حزم على التحريم مطلقًا فقالا: لا يجوز مس الذكر باليمين إلَّا من ضرورة، والعجيب منهما أنهما أجازا مس المرأة فرجها بيمينها وشمالها، وأجازا لها مس [ذكر زوجها بيمينها وشمالها] (٤)، وأجاز مس الخاتن ذكر الصغير للختان باليمين، وكذا الطبيب، وحرموا مس الإِنسان ذكره. وحكى القاضي عياض عن بعض أهل الظاهر: أنه لو استنجى بيمينه لا يجزئه، وبه صرَّح الحسين بن عبد الله الناصري منهم في كتاب البرهان. وجمهور الفقهاء: حملوا النهي هنا على الكراهة. وبعض الشافعية كصاحب المهذب وغيرهم: اشاروا إلى التحريم. وعن مالك: أنه مُسيء ويجزئه. فائدة: الحكمة في النهي عن مس الذكر باليمين احترامها وصيانتها، أو لأنه إذا باشر النجاسة بها ربما تذكَّر عند تناوله الطعام

стр. 493

[أو الشراب] (١) ما باشرت يمينه من النجاسة فينفر طبعه من ذلك. فرع: المرأة كالرجل في حكم مس القبل والدبر باليمين؛ لأنَّ سبب النهي إكرام اليمين وصيانتها عن الأقذار ونحوها كما أسلفناه، وقد علمت تلك المقالة الغريبة العجيبة عن الظاهرية. الخامس: يؤخذ من الحديث أنه إذا كان في يده خاتم فيه اسم الله تعالى، لا يستنجي وهو في يده؛ لأنه إذا نزهت اليمنى عن ذلك فذكر الله أولى وأعظم، وقد [كره] (٢) مالك أن يدفع الدراهم التي فيها اسم الله تعالى لكافر، فهذا أولى. قال ابن بزيزة في شرح الأحكام لعبد الحق: وقعت في العتبية رواية منكرة [مستهجنة] (٣)؛ قال مالك: لا بأس أن يستنجي بالخاتم وفيه اسم الله تعالى، وهذه رواية لا يحل سماعها فكيف العمل عليها؛ وقد كان الواجب أن تطرح العتبية كلها لأجل هذه الرواية وأمثالها مما حوته من شواذ الأقوال التي لم تكن في غيرها، [ولذلك] (٤) أعرض عنها المحققون من علماء المذهب [حتى قال أبو بكر بن العربي -حيث حكى أن من العلماء من كره بيع كتب الفقه- فإن كان ففي العتبية] (٥).

стр. 494

قال ابن العربي: وقد كان لي خاتم [فيه] (١) منقوش محمد بن العربي فتركت الاستنجاء به إجلالًا لاسم [رسول الله -تعالى-] (٢). قال الفاكهي: وروى الأوزاعي مثل ما وقع في العتبية. وقال الحسن: لا بأس أن يدخل الرجل الخلاء وفي إصبعه الخاتم. وقال النخعي: يدخل الناس الخلاء بالدراهم للضرورة، وكره ذلك مجاهد في الدراهم والخاتم قال: وهذا الذي وقع في العتبية، إنما هو بناء على أن الخاتم يحبس في الشمال وهو رواية عن أنس (٣)، والصحيح أنه ﵇ كان يتختم في يمينه، والأصح من مذهب مالك: أنه يحبسه في الشمال ولا يستنجي به، وقد صح عن مالك أنه كان لا يقرأ الحديث إلَّا على طهارة دون الفقه، وهو يناقض ما وقع في العتبية. قلت: والأصح عند الشافعية أنه يتختم في اليمين (٤).

стр. 495

السادس: قوله ﵇: "ولا يتمسح [من] (١) الخلاء بيمينه". [المسح] (٢) هنا الاستنجاء وسمي الخارج من القبل والدبر خلاء لكونه يفعل في المكان الخالي ويلازم ذلك غالبًا، ولفظ الحديث يتناول القبل والدبر، وقد أسلفنا أن الخلاء بالمد وأسلفنا أيضًا كيفية مسح القبل. وأما الدبر: فأصح الوجهين عندنا أن كل حجر لكل مسحة وفيه عسر. وقيل: يوزع على الجانبين والوسط وهو أسهل. السابع: "اليمين"، فقيل: من اليمن، وقيل: من القوة قال تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)﴾ (٣). وقال [نفطويه] (٤): أي لأخذنا بيمينه فمنعناه من التصرف. وفي الصحاح (٥): أن تصغيرها يُمَيِّنٌ بالتشديد بلا هاءٍ. وفي الجمهرة: الجمع: أيمن. الثامن: قوله ﵇: "ولا يتنفس في الإِناء". التنفس

стр. 496

شيئًا: خروج النفس من الفم، يقال: يتنفس الرجل، ويتنفس الصعداء، وكل ذي رئة [متنفس] (١)، ودواب الماء لا رئات لهما كما قاله الجوهري (٢). ويستعمل التنفس أيضًا مجازًا: كقوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾ (٣) وكذا سميت القوس إذا تصدعت، وتنفس النهار إذا زاد (٤)، وكذا الموج إذا نضح الماء. ومعنى "لا يتنفس في الإِناء". أي في نفس الإِناء [فإنه] (٥) مكروه، بل يتنفس خارجه فإنه سنة ثابتة وأدب شرعي في الشرب؛ لما يحصل بالنفس في الإِناء من نتنه وغير ذلك [مما] (٦) سيأتي. ويكون ثلاثًا. والحكمة في النهي عن التنفس في الإِناء: أنه أبعد عن تقدير الإِناء والماء، فإنه من ألطف الجواهر وأقبلها للتغير بالريح، وعن خروج شيء تعافه النفس من الفم فإذا أبانه عند إرادة [التنفس] (٧) أمن ذلك، وقد ثبت إبانة الإِناء للتنفس ثلاثًا (٨) وهو في هذا الحديث

стр. 497

مطلق، ولأن إبانة الإناء أهنأ في الشرب (١)، وأحسن في الأدب، [وأبعد عن الشره] (٢) [وأخف] (٣) للمعدة، وإذا تنفس في الإناء واستوفى ريه حمله ذلك على فوات ما ذكرناه من حكمة النهي، وتكاثر الماء في حلقه وأثقل معدته وربما شرق به وآذى كبده. وقيل: علة الكراهة أن كل عبة شربة مستأنفة فيستحب الذكر في أولها والحمد في آخرها، فإذا وصل ولم يفصل [بينها] (٤)، فقد أخلَّ بسنن كثيرة (٥). قال ابن وضاح (٦): رأيت سحنون إذا شرب سمى فيتناول من الماء ثم يبين القدح فيحمد الله ثم يفعل ذلك مرارًا عدة في الشربة الواحدة، قال (٧): وهو حسن وليس سنة (٨).

стр. 498

تنبيه: لا يختص النهي المذكور [بالشراب] (١)، بل الطعام مثله فيكره النفخ [فيه] (٢)، والتنفس في معنى النفخ، يدل على ذلك ما في الترمذي من حديث أبي سعيد] (٣) الخدري ﵁ "أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاة أراها في الإِناء؟ فقال: [اهرقها] (٤)، قال: فإني لا أروى من نفس واحد، [قال: فأبن القدح إذًا عن فيك" قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٥). وأما ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله

стр. 499

عنه أنه ﵇: "كان يتنفس في الشراب ثلاثًا" (١) فمعناه خارج الإِناء. فائدة: اختلف العلماء في هذه الأنفاس الثلاثة أيُّها أطول؟ على قولين: أحدهما الأول، فيمحص، الثاني والثالث للسنة، فإنه إذا أطال المرة الأولى حصل الري منها فيبقى ما عداها اتباعًا للسنة. الثاني: أن الشربة الأولى: أقصر، والثانية: أزيد منها، والثالثة: أزيد منها ليجمع بين السنة [والطب] (٢)؛ لأنه إذا شرب قليلًا وصل إلى جوفه من غير إزعاج. التاسع: في الحديث جواز الشرب في نفس واحد؛ لأنه إنما نهى عن التنفس في الإِناء، والذي يشرب في نفس واحد] (٣) ولم يتنفس في الإناء فلا يكون مخالفًا للنهي، وهو مقتضى حديث [أبي سعيد] (٤) الذي أسلفناه قريبًا أيضًا فإنه أقره عليه. قال المازري: ومذهبنا جوازه. وحكاه القاضي عن ابن المسيب وعطاء وعمر بن عبد العزيز (٥)

стр. 500

قال: وكرهه ابى عباس وطاوس وعكرمة، وقالوا: هو شرب الشيطان (١).

стр. 501

الحديث السادس ١٩/ ٦/ ٢ - عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: مرَّ النبي ﷺ بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، فأخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة، فقالوا: يا رسول الله لم فعلت هذا؟ قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا" (١). الكلام عليه تسعة وعشرين وجهًا: الأول: في التعريف براويه. هو أبو العباس عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم رسول الله ﷺ أخي أبيه، وحبر الأمة، وبحر العلم وأبو الخلفاء وترجمان القرآن، وأحد العبادلة الأربعة كما قدمناه في الحديث الرابع في ترجمة ابن عمر ﵄ دعا له

стр. 502

رسول الله ﷺ بالحكمة والتفقه في الدين وتعلم التأويل أي تأويل القرآن فأخذ عنه الصحابة ﵃ ذلك، ودعا له أيضًا، فقال: "اللهم بارك فيه وانشر منه واجعله من عبادك الصالحين، اللهم زده علمًا وفقهًا". وهي أحاديث صحاح كلها كما قال [أبو] (١) عمر قال: وقال مجاهد عن ابن عباس: رأيت جبريل ﵇ مرتين، ودعا لي رسول الله ﷺ بالحكمة مرتين. وكان عمر بن الخطاب يحبه ويدنيه ويقربه ويدخله مع كبار الصحابة ويشاوره ويعده للمعضلات ويقول: هو فتى الكهول له لسان سؤول وقلب عقول. وقال ابن مسعود: هو ترجمان القرآن لو أدرك أسناننا ما عاشره منا رجل. وقال القاسم بن محمد ومجاهد: ما سمعت فتيا أحسن من فتيا ابن عباس إلَّا أن يقول: قال رسول الله ﷺ : [وقال طاووس: أدركت نحو خمسمائة من أصحاب رسول الله ﷺ ] (٢) إذا خالفوا ابن عباس لم يزل يقررهم حتى ينتهوا إلى قوله. وقال يزيد بن الأصم: خرج ابن عباس حاجًا مع معاوية فكان لمعاوية موكب ولابن عباس موكب [ممن] (٣) يطلب العلم. وقال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، وإذا تكلم، قلت: أفصح الناس، فإذا تحدث، قلت: أعلم الناس. وقال القاسم بن محمد: ما رأيت في مجلس ابن عباس باطلًا قط، وما سمعت فتوى أشبه بالسنة من فتواه. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت

стр. 503

مجلسًا أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس، الحلال والحرام والعربية والأنساب- وأحسبه قال: والشعر. [وقال] (١) أبو وائل شقيق: خطبنا ابن عباس وهو على الموسم فافتتح سورة النور فجعل يقرأ ويفسر، فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله، لو رأته فارس والروم (٢) لأسلمت. وقال [عبيد الله] (٣) بن عبد الله: ما رأيت أحدًا كان أعلم بالسنة ولا أجلد رأيًا ولا أثقب نظرًا من ابن عباس، ولقد كان عمر يعده للمعضلات مع اجتهاد عمر ونظره للمسلمين، قال الحسن: وهو أول من عرف بالبصرة فقرأ سورة البقرة ففسرها آية آية. وعن الشعبي أن عليًا استخلفه على البصرة، ولما قتل عليٌّ حمل ابن عباس مبلغًا من المال ولحق بالحجاز واستخلف على البصرة عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي. وقال أبو عبيدة: كان على ميسرة علي يوم صفين. وقال كريب: رأيت ابن عباس كان يعتم بعمامة سوداء ويرخيها شبرًا. وكان قد عمي في آخر عمره، قال الطبراني في أكبر معاجمه: كأبيه وجده [فيما بلغني] (٤). وروى أنه رأى رجلًا مع النبي ﷺ فلم يعرفه فسأل عنه رسول الله ﷺ فقال: أرأيته؟ قال: نعم. قال: ذاك جبريل، أما أنك [ستفقد] (٥)

стр. 504

بصرك، فعمي بعد ذلك في آخر عمره وفي ذلك يقول: إن يأخذ الله من عيني نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور قلبي ذكي وعقلي غير ذي دغل ... وفي فمي صارم كالسيف مأثور [وإن أحسن شيء أنت تظهره ... صبرًا إذا ما جرى بالكره مقدور] (١) ولد ﵁ وبنو هاشم في الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين. وتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث عشرة سنة قد ناهز الاحتلام، وقيل ابن عشر، وقيل ابن خمس عشرة، قاله أحمد بن حنبل، وقال: هو أصح. والذي عليه أهل التاريخ هو الأول، وروي عنه أنه قال: قبض رسول الله ﷺ وأنا ختين. رواه البخاري في صحيحه في باب الختان بعد الكبر، وقيل إنهم كانوا يختنون للبلوغ، ووقع في كلام الحافظ أبي الفضل المقدسي في [أربعينه] (٢) وتبعه الفاكهي أنه قال: إن ذلك غير ثابت وهو عجيب، فقد أخرجه البخاري من حديث سعيد بن جبير عنه. ومن مناقبه أنه بات مع رسول الله ﷺ في بيت ميمونة خالته وتهجد معه كما سيأتي في الكتاب في موضعه. وأردفه يومًا وقال: ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن ... الحديث. وكان من أكثر الصحابة حديثًا، روى عن النبي ﷺ ألف حديث وستمائة وستين حديثًا، اتفقا منها على خمسة وسبعين،

стр. 505

وانفرد البخاري بمائة وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين، قاله الحميدي والحافظ عبد الغني، وقال ابن الجوزي: أخرجا له في صحيحيهما مائتي حديث وأربعةً وثلاثين حديثًا، اتفقا منها على خمسة وسبعين، وانفرد البخاري بمائة وعشرة، ومسلم بتسعة وأربعين، روى عنه جماعة من الصحابة منهم أنس وابن عمر وخلق من التابعين: وروى عنه أيضًا أخوه كثير بن العباس. ووقع في [أثناء] (١) النصف الثاني من المستصفى للغزالي أن ابن عباس مع كثرة روايته، قيل: إنه لم يسمع من النبي ﷺ إلَّا أربعة أحاديث لصغر سنه، وصرَّح بذلك في حديث "إنما الربا في النسيئة" وقال: حدثني به أسامة بن زيد، ولما روى حديث [قطع] (٢) التلبية حين رمي جمرة العقبة قال: حدثني به أخي الفضل، والذي حكاه غيره أن له تسعة أحاديث، قاله يحيى القطان وأبو داود، وغيره، كما قاله غندر. مات ﵁ بالطائف، وقبره بها مشهور (٣) يزار، سنة ثمان وستين، ابن إحدى وسبعين سنة على الصحيح، في أيام ابن الزبير، وكان قد اعتزله ولم يبايعه، [رحل] (٤) إلى الطائف وصلى عليه محمد بن الحنفية وكبَّر عليه أربعًا، وقال: اليوم مات رباني هذه

стр. 506

الأمة، وضرب على قبره فسطاطًا، ولما ادرج في كفنه دخل فيه طائر أبيض فما رؤي حتى الساعة، فلما سوِّي عليه سمع من يقرأ هذه الآية ولا يرى شخصه: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)﴾ (١) الآية، قاله ميمون بن مهران، وقال أبو عمر: روي أن طائر (٢) خرج من قبره فتأولوه علمه خرج إلى الناس، ويقال: بل دخل قبره طائر [أبيض] (٣) فقيل: إنه بصره في التأويل. وكان للعباس بن عبد المطلب عشرة أولاد: الفضل، وقثم، وعبد الله، [وعبيد الله] (٤)، وعبد الرحمن، ومعبد -وأمهم أم الفضل لبابة الصغرى- وعون، والحارث، وكثير، وتمام، وهو أصغرهم، فكان العباس يحمله ويقول: تموا بتمام فصاروا عشرة ... يا رب فاجعلهم كرامًا بررة اجعلهم [ذكرى] (٥) وأنم الثمرة ومات كثير بينبع، أخذته الذبحة، واستشهد الفضل بأجنادين، وعبد الرحمن ومعبد بأفريقية، وعبد الله بالطائف، وعبيد الله باليمن، وقيل: بالشام، وقثم بسمرقند، أخذته الذبحة، قال مسلم المكي: ما رأيت مثل بني أم واحدة أشراف ولدوا في دار واحدة أبعد قبورًا

стр. 507

من بني أم الفضل، وقد أفردت سيرته ﵁ بالتصنيف. وهذا القدر كاف هنا والله الموفق. الوجه الثاني: قوله: "مرّ بقبرين" أي بصاحب قبرين، فعبر بالقبرين عن صاحبهما مجازًا من باب تسمية الشيء بمحله. الثالث: القبر: جمعه قبور في الكثرة وأقبر في القلة، واستعمل مصدرًا، قالوا: قبرته [أقبره] (١) قبرًا، قال صاحب العين (٢): القبر مدفن الإِنسان [والمَقْبر والمقْبرةَ موضع القبر، وقال ابن السكيت (٣): هي المقبر والمقبرة] (٤) وسيأتي في باب التشهد كسر الباء أيضًا. وقال سيبويه: ليست المقبرة على المفعل ولكنه اسم كالمشربة. قال ابن السكيت: وقد يقال أقبرته: صيرت له قبرًا يدفن فيه. وفي المحكم: قبره يقبره وتقبره: دفنه، وفي الجامع: أقبرته إقبارًا إذا أعنت على دفنه، وفي المغرب للمطرزي (٥): المقبرة بالضم موضع القبر، والفتح لغة، والمقبر بالفتح لا غير، والمقابر جمع لهما.

стр. 508

قلت: وللقبر أسماء أحدها: الرَّمْسُ بالراء، ثانيها: الجَدَثُ، ثالثها: الجَدَفُ، رابعها: البيت، خامسها: الضريح، سادسها: الرَّيْمُ، سابعها: الرجم، ثامنها: البلد. قال الشاعر: كل امرئ تارك أحبته ... ومسلم نفسه إلى البلد ذكرهن صاحب المخصص (١)، التاسع: الختان، ذكره ابن السكيت والعسكري، العاشر: الجامور، ذكره [الهنائي] (٢) في المنتخب (٣)، الحادي عشر: الدمس بالدال، الثاني عشر: المنهال، ذكرهما ابن السكيت والعسكري (٤). الرابع: إن قلت: هل عرف تعيين مكان هذين القبرين؟ قلت: في صحيح البخاري (٥) في كتاب الأدب أنهما بالمدينة في بعض حيطانها، وفي رواية له في الطهارة: "أنه مَرَّ بحائط [من] (٦) حيطان مكة أو المدينة فسمع صوت إنسانين يعذبان ... "

стр. 509

الحديث (١). وفي الترغيب والترهيب لأبي موسى المديني من حديث [ابن] (٢) لهيعة عن أسامة بن زيد عن [أبي] (٣) الزبير عن جابر قال: "مرّ نبي الله على قبرين من بني النجار هلكا في الجاهلية فسمعهما يعذبان في البول والنميمة"، ثم قال: حديث حسن، وإن كان إسناده ليس بالقوي، لأنهما لو كانا مسلمين لما كان لشفاعته إلى أن ييبسا معنى، ولكن لما رآهما يعذبان لم يستجز (٤) من لطفه وعطفه حرمانهما [في] (٥) ذلك فشفع لهما إلى المدة المذكورة، ولما رواه الطبراني في [أصغر] (٦) معاجمه [بلفظ] (٧) أنه ﵇ مرّ على قبور نساء من بني النجار هلكن في الجاهلية فسمعهنَّ يعذبن في النميمة. قال: لم يروه عن (٨) أسامة إلَّا ابن لهيعة. قلت: ورواه عيسى بن طهمان عن أنس أنه ﵇ "مرّ

стр. 510

بقبرين من بني النجار يعذبان في النميمة والبول" وفي بعض طرق حديث ابن عباس: "مرّ بقبرين من قبور الأنصار" ولعله بالمعنى إذ بنو النجار من الأنصار، ورواه أبو موسى من حديث أبي هريرة بلفظ: "قبرين: رجل لا يتطهر من البول، وامرأة تمشي بالنميمة". ولابن أبي شيبة [ما فيهما] (١) نداوة، وفي رواية لابن حبان: مر بقبر فوقف عليه وقال: "ائتوني بجريدتين" فجعل إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه. وفي تاريخ بخشل (٢) من حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر: "دخل النبي ﷺ حائطًا لأم ميسرة فإذا بقبرين ... " الحديث، وفي آخره: ثم قال: "لا يرفعان عنهما حتى يجفا". قال الدارقطني: تفرد به أبو إسرائيل عن الأعمش، كذا قال. وقد رواه ابن أبي الدنيا (٣) من حديث النضر بن (٤) شميل عن أبي العوام (٥) عن أبي الزبير (٦) عن جابر به.

стр. 511

ورواه أبو الفضل الجوزي في ترغيبه وترهيبه (١) من حديث عطاء عن جابر. الخامس: قال القرطبي (٢): اختُلف في هذين المعذبين هل كانا من أهل القبلة أم لا؟ فإن كانا منها فالمرجو نخفيف العذاب عنهما [بذلك] (٣) مطلقًا، وإلَاّ فالمرجو تخفيف العذاب المطلق بهذين الذنبين المذكورين. قلت: حديث جابر الذي أسلفناه يدل للثاني. وقال ابن العطار في شرحه: لا يجوز أن يقال إنهما كانا كافرين أو منافقين؛ لأنهما لو كانا كذلك لم يَدْعُ لهما بتخفيف العذاب أو لم يرجه لهما، ولو كان من خواصه في حقهما لبينه. قلت: وردّ بعضهم على المرجئة القائلين بأن المعصية لا تضر مع الإِيمان وأن الإِيمان يمحو أثرها بهذا الحديث (٤). وقال: كانا

стр. 512

مؤمنين ولذلك استغفر رسول الله ﷺ وإلَاّ فهو [منهي عن] (١) الاستغفار للمشركين. السادس: قوله ﵇ عند مروره بهما: "إنهما ليعذبان" هو من الضمير الذي يفسره سياق الكلام إذ ليس في اللفظ ما يعود عليه الضمير فهو من باب قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾ (٢)، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ (٣) وأشباه ذلك وورد مصرحًا به عند ابن أبي شيبة (٤)

стр. 513

لكن من حديث يعلى بن سيابة: "مرَّ ﵇ بقبر يعذب صاحبه في غير كبيرة" وأن يجوز [أن] (١) تكون مبتدأ ويجوز أن تكون جوابًا لقسم محذوف، أي: والله إنهما ليعذبان. السابع: فيه دلالة على إثبات عذاب القبر وهو مذهب أهل السنة وجمهور المعتزلة كما ستعلمه، وهو [ما] (٢) يجب اعتقاد حقيقته، وهو مما نقلته الأمة متواترًا. فمن أنكر عذاب القبر أو نعيمه فهو كافر؛ لأنه كذَّب الله تعالى ورسوله في خبرهما. وقال القاضي عبد الجبار المعتزلي في طبقاته: إنما أنكر ذلك أولًا: ضرار بن عمرو (٣) لما كان من أصحاب واصل ظُن ذلك

стр. 514

مما أنكرته المعتزلة وليس الأمر كذلك، بل المعتزلة رجلان: أحدهما: يجوّز ذلك كما وردت به الأخبار. والثاني: يقطع بذلك، قال: وأكثر شيوخنا يقطعون بذلك، وإنما ينكرون قول جماعة سنن الجهلة إنهم يعذبون وهم موتى، ودليل العقل يمنع سنن ذلك، ونقل القرطبي (١) عن الملحدة ومن تمذهب بمذهب الفلاسفة إنكاره، ثم قال: والإِيمان به واجب حسب ما أخبر به الصادق ﷺ وأن الله يحيي العبد ويرد إليه الحياة والعقل، بهذا نطقت الأخبار وهو مذهب أهل السنة والجماعة، ولذلك يكمل العقل للصغار ليعلموا منزلتهم وسعادتهم، وقد جاء أن الأرض تنضم [عليه] (٢) كالكبير، وصار أبو الهذيل وبشر إلى أن سنن خرج عن سمة الإِيمان فإنه يعذب بين النفختين، ولأن المساءَلة إنما تقع في تلك الأوقات، وأثبت البلخي والجبائي وابنه عذاب القبر، ولكنهم نفوه عن المؤمن وأثبتوه للكافر والفاسق. وقال أكثر المعتزلة: لا يجوز تسمية الملائكة بمنكر ونكير (٣)

стр. 515

وإنما المنكر ما يبدو من تلجلجه إذا سئل، وتقريع الملكين له هو النكير. وقال بعضهم: عذاب القبر جائز وأنه يجري على [الموتى] (١) من غير رد أرواحهم إلى أجسادهم وأن الميت يجوز أن يألم ويحس وهذا مذهب جماعة من الكرامية. وقال بعض المعتزلة: إن الله يعذب [الموتى] (٢) في قبورهم ويحدث فيهم الآلام وهم لا يشعرون فإذا حُشروا وجدو تلك الآلام، كالسكران والمغشي عليه، لو ضربوا لم يجدوا ألمًا (٣) فإذا عاد

стр. 516

عقلهم إليهم وجدوا تلك الآلام. وأما الباقون سنن المعتزلة مثل ضرار (١) بن [عمرو] (٢) وبشر (٣) المريسي ويحيى (٤) بن أبي كامل وغيرهم: فإنهم أنكروا عذاب القبر أصلًا. وهذه أقوال كلها فاسدة تردها الأحاديث الثابتة، والله الموفق. وإلى الإِنكار أيضًا ذهبت الخوارج وبعض المرجئة. ثم المعذب عند أهل السنة: الجسد بعينه أو بعضه بعد إعادة الروح إليه [أو] (٥) إلى جزء منه، وخالف في ذلك محمد بن [حزم] (٦)

стр. 517

وابن كرام (١) وطائفة، فقالوا: لا يشترط إعادة الروح، وهو فاسد توضحه الرواية السالفة (سمع صوت إنسانين يعذبان) فإن الصوت لا يكون [إلَّا] (٢) من جسم حي (٣) أجوف (٤). فائدة: اختلف في فتنة القبر هل هي للمسلمين أو للكافرين؟ فذهب ابن عبد البر (٥) إلى أنها لا تكون إلَّا لمؤمن أو منافق من

стр. 518

أهل القبلة ممن حقن الإِسلام دمه، وكذا قاله الحكيم الترمذي، ويدل له قوله ﵇: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فيقال: ما تقول في هذا الرجل؟ " يعني نفسه ﵇، والكافر مجاهر بعدم الاتباع. وزعم أبو محمد عبد الحق (١) أنه يعم المؤمن والمنافق والكافر، واختاره القرطبي لرواية "فأما المنافق أو الكافر -لا أدري أيهما قال-" (٢). الثامن: في إضافة عذاب القبر إلى البول خصوصية دون غيره من المعاصي مع العذاب بسبب غيره أيضًا، إن أراد الله تعالى ذلك في حق بعض عباده، فإنه جاء في الحديث بإسناده [جيد] (٣):

стр. 519

"تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه" (١)، وجاء أن بعضهم ضمه القبر أو ضغطه فسئل [أهله عنه] (٢) فذكروا أنه كان فيه تقصير في الطهور. التاسع: قوله ﵇: "وما يعذبان في كبير". فيه (٣) تأويلات: أحدها: ليس بكبير عندكم، وهو عند الله كبير، ومعناه أنه كبير في الذنوب وإن كان صغيرًا عندكم، يدل عليه رواية البخاري في كتاب الأدب (٤) في باب: النميمة من الكبائر (وإنه لكبير كان أحدهما .. إلى آخره) وذكره هنا بلفظ: "وما يعذبان في كبير، بلى" أي بلى إنه كبير عند الله، مثل قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾ (٥). وسبب كبرهما أن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان الصلاة، وتركها كبيرة بلا شك، والمشي بالنميمة والسعي بالفساد من أقبح القبائح لا سيما مع قوله: "كان يمشي بالنميمة" بلفظ كان التي هي للحال المستمرة غالبًا. ثانيها: أنه ليس بأكبر الكبائر وإن كان كبيرًا، إذ الكبائر متفاوتة

стр. 520

فيحمل كبير على أكبر، ويكون المراد به الزجر والتحذير لغيرهما، أي لا يتوهم (١) أن التعذيب لا يكون إلَّا في الكبائر الموبقات، فإنه يكون في غيرهما (٢). ثالثها: أنه ليس كبيرًا في زعمهما دون غيرهما. رابعها: أنه ليس كبيرًا تركه عليهما، إذ التنزه من البول وترك النميمة لا يشق، قال [المازري] (٣): الذنوب تنقسم إلى ما يشق تركه طبعًا كالملاذ المحرمة، وإلى ما ينفر منه طبعًا كتناول السموم، وإلى ما لا يشق تركه طبعًا كالغيبة والبول. خامسها: أن النميمة من الدناءات المستحقرة بالإِضافة إلى المروءة ولذلك التلبس بالنجاسة لا يفعله إلَّا حقير الهمة، فلعل قوله: "وما يعذبان في كبير" إشارة إلى حقارتهما بالنسبة إلى الذنوب، وفي صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة: "عذابًا شديدًا في ذنب هين". سادسها: أنه يحتمل أن جبريل ﵇ نزل عليه إثر هذه الكلمة وأعلمه أن ذلك كبير فقاله، حكاه ابن التين في شرح البخاري.

стр. 521

سابعها: أنه ليس كبيرًا عند الله وهو كبير لو رأيتموه. ثامنها: أن معناه: وما يعذبان معًا في كبير، وإنما المعذب في الكبير أحدهما وهو صاحب النميمة، وفيه نظر. تاسعها: أنه ليس من الكبائر عند الله ويكون التعذيب عليه من باب التنبيه على التعذيب بالكبائر وأولى تحذيرًا من الذنوب مطلقًا. العاشر: "في" من قوله ﵇ ["في كبير"] (١) للسبب، أي وما يعذبان بسبب أمر كبير، وقد أنكر أن تكون (في) للسبب جماعة من الأدباء، والتصحيح ثبوته لهذا الحديث وغيره من الأحاديث؛ لقوله ﵊: "في النفس المؤمنة مائة من الإِبل" (٢). فإن النفس ليست ظرفًا للإِبل، وقوله ﵇: "دخلت امرأة النار في هرة" (٣) [أي بسبب هرة] (٤). وكذا قولهم:

стр. 522

أحب في الله وأبغض في الله، أي أحب بسبب طاعة الله، وأبغض بسبب معصية الله. الحادي عشر: "أما" حرف تفصيل نائب عن حرف الشرط وفعله، تقول لمن قال: زيد عالم كريم مثلًا: أما زيد فعالم، أي: مهما يكن من شيء فزيد عالم، فناب (أما) مناب حرف الشرط وهو (مهما) والمجزوم وهو (يكن) وما تضمنه من الفاعل، فلذلك ظهر بعده الجواب دون الشرط لقيامه مقامه، وأجيب بالفاء كما يجاب بالشرط. وجوابه هنا: الفاء في قوله: "فكان يمشي بالنميمة" وقد تستعمل "أما" بمعنى "كان" فترفع الاسم وتنصب الخبر، ومنه قوله: أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم [يأكلهم] (١) الضبع أي: لأن كنت ذا "نفر"، فأنت "اسمها"، وذا "خبرها" لقيامها مقام كان، وقوله تعالى: ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ (٢). ليس من هذا، بل هما كلمتان "أم" المنقطعة و"ما" الاستفهامية، وأدغمت الميم في الميم للتماثل. الثاني عشر: قوله ﵇: "أما أحدهما فكان لا يستتر من البول". معنى (لا يستتر) على وجهين:

стр. 523

أحدهما: أن يحمل على حقيقتهما من الاستتار عن الأعين، ويكون العذاب على كشف العورة، وأقربهما كما قال الشيخ تقي الدين (١)، أنه لا يجعل بينه وبين القبلة حجابًا من ماء أو حجارة، فيكون مجازًا لكونه عبَّر بالتستر بالماء أو الأحجار في إزالة النجو عن الاستتار عن الأعين في كشف العورة إذ هو حقيقة فيه لما بين الحقيقة والمجاز هنا من العلاقة، وهي أن المستتر عن الشيء فيه بعد واحتجاب عنه، وذلك شبيه بالبعد عن ملابسة البول، قال: وإنما رجحتا المجاز وإن كان الأصل الحقيقة لوجهين: أحدهما: أنه لو كان المراد العذاب على مجرد كشف العورة لكان أمرًا خارجًا عن البول بحصول العذاب على كشفها وإن لم يكن بول، فتبقى خصوصية البول مطروحة عن الاعتبار، والحديث دال على خصوصية البول بعذاب القبر تصريحًا فالحمل عليه أولى. الثانى: أن لفظة "مِن" في قوله: "لا يستتر من البول" حين (٢) أضيفت إليه لابتداء الغاية حقيقة أو مجازًا بمعنى ما يرجع إلى معنى ابتدائها، وهو أن عدم الاستتار سبب العذاب إلى البول، إذ هو ابتداء سببه من البول وحمله على كشفها فقط يزيل هذا المعنى.

стр. 524

[قلت] (١): وبعضهم أجاب عن تقييده بالبول بأنه الغالب في الناس. الثالث عشر: هذه اللفظة أعني "يستتر" رويت على وجوه [أُخر] (٢): أحدها: "لا يستنزه" بالزاي والهاء. وثانيها: "لا يستبرىء من البول" بالباء الموحدة وبالهمز بعد الراء، ومعناهما [لا يمسحه] (٣)، ولا يتحرز منه، قال النووي في شرح مسلم (٤): والروايات الثلاث في البخاري وغيره، أعني رواية المصنف وما ذكرناه. ثالثها: "لا يستنثر " بنون ثم مثلثة، أي [لا] (٥) ينثر البول عن محله كما ينثر الماء من أنفه بعد استنشاقه. رابعها: مثله إلَّا أنه بمثناة فوق بدل المثلثة، ومعناها: إمرار الأصابع على مجرى البول حتى يخرج ما فيه (٦)، وروى وكيع بلفظ:

стр. 525

"لا يتوقى" أي لا يتنزه منه، ورواه البرقي في تاريخه: "لا يتقي بوله"، ورواه أبو موسى أيضًا: "لا يتطهر من البول" فهذه ثمان روايات وكلها يقوي ترجيح الاستنزاه منه لا الاستتار، ويستدل بالرواية الأولى على اشتراط طهارة الخبث، وبالثانية على طلب الاستبراء. وكلام القاضي حسين والبغوي (١) يفهم وجوبه، والمعروف عندنا استحبابه. الرابع عشر: وقع في إحدى روايتي البخاري هنا: "لا يستتر من بوله"، قال ابن حزم (٢): ورواية من روى "من بوله" يعارضها من هو فوقهم فقالوا: "من البول". قلت: لكنها فرد من أفراد ذلك العام موافق له وهو لا يقتضي التخصيص. الخامس عشر: قوله ﵇: "من البول" يؤخذ منه نجاسة الأبوال مطلقًا قليلها وكثيرها، لشمول البول وهو عام يتناول جميع الأبوال وأن القليل منها والكثير غير معفو عنه، سوى ما استثنى من أثر الاستنجاء في محله بعد الإِنقاء بالحجر على ما دلت عليه الأحاديث في ذلك، وهو مذهبنا ومذهب مالك وعامة الفقهاء،

стр. 526

وسهل فيه القاسم بن محمد، ومحمد بن علي، والشعبي. وصار أبو حنيفة وصاحباه: إلى العفو عن قدر الدرهم الكبير اعتبارًا بالمشقة وقياسًا على المخرجين. وقال الثوري: كانوا يرخصون في القليل من البول. ورخص الكوفيون: في مثل رؤوس الإِبر من البول (١). وحكي عن مالك أيضًا: أن غسل القليل للاستحباب. وقال صاحب الجواهر: عندهم البول والعذرة من بني آدم الآكلين الطعام نجسان، وطاهران من كل حيوان مباح، [ومكروهان] (٢) من المكروه أكله. وقيل: نجسان (٣). السادس عشر: قوله ﵇: "وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة". قال أهل اللغة: يقال: ثم الحديث ينِمه وينُمه بالكسر والضم نَمًّا فهو [نامّ و] (٤) نمام [ونموم] (٥) (٦) ونميمة ونم نم.

стр. 527

والاسم: النميمة (١)، ونما الحديث إذا ظهر، فهو لازم ومتعد. قال ابن سيده (٢): وهي التوريش والإِغراء، ورفع الحديث على وجه الإِشاعة والإِفساد. وفي الجامع: نم الرجل، إذا أظهر ما عنده من الشر. وفي مجمع الغرائب (٣): هو الساعي بين الناس بالشر. وقال النووي في شرح مسلم (٤): حقيقتها نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإِفساد. وهي محرمة بالنصوص والإِجماع، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ (٦).

стр. 528

وقال ﷺ : "لا يدخل الجنة نمّام" (١) متفق عليه من حديث حذيفة ﵁. وفي لفظٍ "قتات" وهو النمام. وحُمل على ما إذا استحل [بغير] (٢) تأويل مع العلم بالتحريم، أو لا يدخلها دخول الفائزين (٣)، أما إذا كان فعلها نصيحة في ترك مفسدة أو دفع ضرر وإيصال خير يتعلق بالغير لم تكن محرمة ولا مكروهة بل قد تكون واجبة أو مستحبة، كما يقول في الغيبة إذا كانت نصيحة [لدفع] (٤) مفسدة أو تحصيل مصلحة شرعية، ولو كان (٥) شخصًا اطَّلع من آخر على قول يقتضي إيقاع ضرر بإنسان وإذا نقل ذلك القول إليه احترز عنه وجب عليه ذكره له، [ويقال] (٦) من هذا: نمَى، بالتخفيف، ومن الأول: نَمّى، بالتشديد كما أسلفناه، ولا اختلاف في هذا كما قاله الهروي.

стр. 529

وقال الغزالي (١) ﵀: النميمة إنما تطلق في الغالب على من ينم قول الغير إلى المقول عنه، كقوله: فلان يقول فيك كذا، وليست النميمة مخصوصة بذلك، بل حدها: كشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه أو ثالث، وسواء كان الكشف بالقول أو بالكتابة أو بالرمز أو بالإِيماء ونحوها، وسواء كان المنقول من الأعمال أو الأقوال، وسواء كان عيبًا أو غيره، فحقيقة النميمة: إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه، قال: وينبغي للإِنسان أن يسكت عن كل ما يراه من أحوال الناس، إلَّا ما كان في حكايته فائدة لمسلم أو دفع مصيبة، وإذا رآه يخفي مال نفسه فذكره [فهو] (٢) نميمة. قال: فكل من حُملت [إليه] (٣) النميمة، وقيل له: قال فيك فلان كذا، لزمه ستة أمور: أولها: أن لا يصدقه؛ لأن النمام فاسق مردود الخبر .. ثانيها: أن تنهاه عن ذلك وتنصحه وتقبح فعله. ثالثها: أن تبغضه في الله تعالى فإنه بغيض عند الله، والبغض في الله واجب. رابعها: أن لا يظن بالمنقول عنه السوء لقوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ (٤).

стр. 530

خامسها: أن لا يحملك ما حكى لك [على] (١) التجسس، والبحث عن تحقيق ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ (٢). سادسها: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه فلا تحكي نميمته. لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم (٣) وقد حكي أن رجلًا ذكر لعمر بن عبد العزيز [رجلًا] (٤) بشيء، فقال عمر: إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذبًا فأنت من أهل هذه الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٥)، وإن كنت صادقًا فأنت من أهل هذه الآية: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ (٦)، وإن شئت عفونا عنك، [قال] (٧): العفو يا أمير المؤمنين، لا أعود إليه أبدًا.
следующие страницы →