[ذلك] (١) اليوم لرسول الله - صلي الله عليه وسلم -[وشهدت أحدًا كافرة مع] (٢) زوجها أبي سفيان وقصتها في البيعة مشهورة، ماتت في خلافة عمر في اليوم الذي مات فيه أبو قحافة والد الصديق سنة أربع عشرة في المحرم.
وأما أبو سفيان: فهو صخر بن حرب الأموى والد معاوية ويزيد وعتبة، ولد قبل الفيل بعشر سنين، وكان من أشراف قريش في الجاهلية وأفضلهم، ومن التجار، وكانت إليه راية الرؤساء المعروفة بالعقاب، وكانت لا يجلسها إلَّا رئيس، فإذا حميت الحرب اجتمعت قريش فوضعت تلك الراية بيد الرئيس. أسلم يوم الفتح، وقال ﵊ يومئذٍ "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" وشهد حنينًا وأعطى من غنائمها مائة بعير وأربعين أوقية، وزنها له بلال، وأعطى ابنيه يزيد، ومعاوية. وشهد الطائف، وفقئت عينه يومئذٍ وشهد اليرموك، ومات في خلافة عثمان سنة ثلاث وثلاثين ابن بضع وسبعين على أحد الأقوال فيها، وصلى عليه ابنه معاوية وقيل عثمان. ودفن بالبقيع. وممن قتل من أولاده يوم بدر كافرًا ابنه حنظلة، وبه كان يكنى كنيته فانتبه وترجمته موضحة فيما أفردته في الكلام على رجال هذا [الكتاب] (٣) وكذلك ترجمة هند.
الوجه الثاني: في الكلام على ألفاظه:
стр. 4657
قولها: "رجل شحيح" هو مبالغة في الشح، وهو البخل مع حرص، كما قاله الجوهري (١)، يقال: شحيح وشحاح بفتح الشين، وقال القاضي: الشح عندهم في كل شيء فهو [أعم] (٢) من البخل وقيل: الشح لازم كالطبع.
قال الجوهري: يقول شححت بالكسر أشح يشح وتشح.
واعلم أن هذا الحديث ورد بثلاثة ألفاظ:
إحداها: شحيح.
ثانيها: ممسك.
ثالثها: مسيّك، واختلف في ضبط هذين اللفظين على وجهين:
أحدهما: فتح الميم وتخفيف السين.
وثانيهما: كسر الميم وتشديد السين، وهذا أشهر من روايات المحدثين، والأول أصح عند أهل العربية ومعناها شحيح وبخيل، وكلاهما للمبالغة (٣).
قال القرطبي (٤): ولم يرد أنه شحيح مطلقًا فتذمه بذلك وإنما وصفت حاله معها، فإنه كان يقتر عليها، وعلى أولادها، كما سلف، وهذا لا يدل على البخل مطلقًا، فقد يفعل الإِنسان هذا مع أهل بيته،
стр. 4658
لأنه يرى غيرهم أحوج وأولى، فيعطي غيرهم. وعلى هذا فلا يجوز أن يستدل بهذا الحديث على بخله، فإنه لم يكن معروفًا بهذا.
وقوله لها: "خذي" هذا الأمر على جهة الإِباحة بدليل الرواية الأخرى في الصحيح " [لا حرج] (١) عليك أن تنفقي عليهم بالمعروف". [ومعنى بالمعروف] (٢) القدر الذي عرف بالعادة أنه كفاية، وهذه الإِباحة وإن كانت مطلقة لفظًا فهي مفيدة معنى. كأنه قال: إن صح أو ثبت ما ذكرت فخذي.
الوجه الثالث: في أحكامه وفوائده:
الأولى: وجوب نفقة الزوجة وهو إجماع.
الثانية: أنها مقدرة بالكفاية، وهو قول الشافعي ﵀، وله قول ثان أن الاعتبار بالقاضي يجتهد [ويقدر] (٣) حكاه الرافعي عن صاحب "التقريب" (٤)، وعبارة الإِمام في حكايته عنه يقتضي أنه إنما يرجع إلى اجتهاد القاضي في الزيادة على الموفى حق المتوسط وفي نفقة الخادم فقط إلَّا في أصل النفقة، والصحيح في مذهبه أنها مقدرة
стр. 4659
بالأمداد على الموسر كل يوم مدان وعلى المعسر مد وعلى المتوسط مد ونصف. وقال ابن خيران (١) وغيره من أصحابنا: المعتبر عرف الناس في البلد.
وعند أبي حنيفة ومالك: الاعتبار بحال المرأة ويختلف القدر برغبتها وزهادتها. ويقال: النظر عند أبي حنيفة إلى شرفها وحسنها.
وعند أحمد: ينظر إلى حال الزوجين جميعًا، فيجب على الموسر للفقيرة نفقة متوسطة. ومحل الخوض في ذلك كتب الخلاف، وهذا الحديث شاهد للقول منها كما أسلفناه.
الثالثة: وجوب نفقة الأولاد الصغار.
الرابعة: أنها مقدرة بالكفاية، وهو الصحيح عندنا، خلافًا لابن خيران، فإنه قال: إنها [تتقدر بتعدد نفقة الزوجة] (٢).
الخامسة: جواز سماع كلام الأجنبية عند الإِفتاء والحكم، وكذا ما في معنى ذلك.
السادسة: ذكر الإِنسان بما يكرهه إذا كان للاستفتاء والشكوى
стр. 4660
ونحوهما، وهذا مستثنى [من المنع] (١) من الغيبة (٢).
السابعة: أن من له على غيره حق وهو عاجز عن استيفائه يجوز له أن يأخذ من له قدر حقه بغير إذنه ومراجعته، وهذا مذهب الشافعي، وأصحابه، وتسمى "مسألة الظفر" ومنع ذلك أبو حنيفة (٣) ومالك (٤) كما حكاه النووي في "شرحه لمسلم" (٥) عنها.
قال القرطبي (٦): وهو مشهور مذهب مالك، وحكى غيره عن أبي حنيفة أنه يأخذ جنس حقه، ولا يأخذ غيره إلَّا أنه يأخذ الدراهم بدلًا من الدنانير وبالعكس. وعن أحمد (٧) أنه لا يأخذ الجنس ولا غيره. وعن مالك إن لم يكن على المديون دين آخر فله أخذه، وإن كان عليه فلا يأخذ إلَّا قدر حصته. وحكى المازري عن مالك ثلاثة أقوال:
ثالثها: الجواز لمن ظفر بجنس حقه، وإلَّا فلا.
الثامنة: أنه يجوز الأخذ من الجنس ومن غيره، كما هو ظاهر الإِطلاق، والأصح عند أصحابنا أنه لا يأخذ غير الجنس إلَّا إذا تعذر الجنس.
стр. 4661
التاسعة: جواز إطلاق الفتوى من غير تقييد بثبوت كما [أطلقه] (١) ﵊.
وإن قلنا بالثاني: فلابد من إذنه.
[الحادية عشرة] (٢): جواز اعتماد العرف في الأمور التي ليس فيها تحديد شرعي.
الثانية عشرة: جواز خروج الزوجة من بيتها لحاجتها من محاكمة واستفتاء وغيرهما، إذا أذن لها زوجها في ذلك، أو علمت رضاه به (٣).
الثالثة عشرة: أن ما يذكر في الاستفتاء لأجل ضرورة معرفة الحكم إذا تعلق به أذى الغير لا يوجب تعزيرًا.
الرابعة عشرة: جواز القضاء على الغائب، كذا استدل به جماعة من أصحابنا، وترجم عليه البخاري (٤) في صحيحه، وفيه قولان لأهل العلم:
стр. 4662
أحدهما: لا يقضي عليه بشيء، وهو قول أبي حنيفة وسائر الكوفيين.
وثانيهما: يقضي عليه في حقوق الآدميين دون حقوق الله تعالى. وهو قول الشافعي والجمهور، ذلك أن يمنع الدلالة من هذا الحديث لما نحن فيه, لأن القصة كانت بمكة، وكان أبو سفيان حاضرًا بها، وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائبًا عن البلد على الأصح أو مستترًا لا يقدر عليه أو متعذرًا. ولم يكن هذا الشرط في أبي سفيان موجودًا، فلا يكون قضاء على الغائب، بل هو إفتاء، وبهذا كان السؤال على سبيل الاستفتاء لا في معرض الدعوى، وقد يقال قوله ﵊ لها: "خذي" دال على أنه كان قضاء، إذ لو كان فتوى لقال: لا بأس عليك ونحوه. وقام علمه ﵊ بأنها زوجته مقام البينة. ويجوز أن يكون مسافرًا وقت سؤالها وترك عندها ما لا يكفيها, ولهذا قالت: لا يعطيني. ولم تقل: ما ينفق عليّ فإن الغالب في حضور الزوج يتولى النفقة بنفسه.
الخامسة عشرة: أنه لا يتوقف أخذ الحق من مال من عليه على تعذُّر الإِثبات عند الحاكم، وهو وجه لأصحابنا، لأن هندًا كان يمكنها الرفع إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - وأخذ الحق بحكمه.
السادسة عشرة: أن للمرأة ولاية على ولدها من حيث أن صرف المال [على] (١) المحجور عليه أو تملكه له يحتاج إلى ولاية،
стр. 4663
وفيه نظر, لأن الأب كان موجودًا، إلَّا أن يقال: إن تعذر استيفاء الحق من الأب أو غيره مع تكرر الحاجة دائمًا يجعله كالمعدوم وليس بطائل.
السابعة عشرة: أن القول قول الزوجة في قبض النفقة، كما قاله أصحابنا, لأنه لو كان القول قوله كما قاله مالك لكلفها إثبات عدم الدفع. وأجاب عنه المازري (١) أن ذلك من باب تعليق الفتيا.
الثامنة عشرة: من تراجم البخاري (٢) على هذا الحديث من رأى للقاضي أن يحكم بعلمه في أمر الناس إذا لم يخف الظنون والتهمة، وذلك إذا كان أمرًا مشهورًا. وستمر بك المذاهب في المسألة في الحديث الآتي بعد إن شاء الله. واستدل به البيهقي في "سننه" (٣) على أن له ﵊ أن يحكم بعلمه.
التاسعة عشرة: أن النفقة واجبة على الأب كما سلف.
العشرون: أن المرأة لا يجوز لها أن تأخذ من مال زوجها شيئًا إلَّا بإذنه وإن قل، ورواية البخاري (٤) "فهل عليّ [من] (٥) حرج أن أطعم من الذي له [عيالنا] (٦)؟ قال: لا [أراه إلَّا] (٧) بالمعروف" ولم
стр. 4664
تذكر من تطعم محمولة على باقي الروايات أن المراد نفسها وبنيها. ورواية العيال محمولة على هذا وعلى من يلزمه نفقته من خادم.
الحادي بعد العشرين: أن مال الغير على الغير محظور، لا يجوز التصرف فيه إلَّا بإذن صاحبه أو بأمر شرعي، [واستنبط القاضي حسين منه أيضًا ذكر المرء بالكنية عند العظيم من الناس وجواز الإِمام لا حد الخصمين دون الآخر] (١).
стр. 4665
الحديث الثالث
٣٨٩/ ٣/ ٧٤ - عن أم سلمة ﵂ "أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: "ألا إنما أنا بشرٌ، وإنما يأتين الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من [النار] (١) فليحملها أو يذرها" (٢).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في باب الجنابة.
الثاني: في ألفاظه ومعانيه: -الجلبة- بفتح الجيم واللام، وفي رواية في الصحيح "لجبة" بتقديم اللام على الجيم مع فتحها،
стр. 4666
وهما لغتان فصيحتان، ومعناها: اختلاط الأصوات، يقال: منه جلّبوا بالتشديد.
و"الخصم" معروف يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث, لأنه في الأصل مصدر، ومن العرب من يثنيه ويجمعه، فيقول: خصمان وخصوم.
و"الحجرة" بضم الحاء وسكون الجيم وجمعها حجر وحجرات، وهذه الحجرة هي بيت أم سلمة ﵂، كما جاء في رواية أخرى في الصحيح "بباب أم سلمة".
و"البشر" الخلق سمي بذلك لظهور بشرته دون ما عداه من الحيوان.
وقوله: "إنما أنا بشر"، معناه التنبيه على حالة البشرية، وأن البشر لا يعلمون من الغيب وبواطن الأمور شيئًا، إلَّا أن يطلعهم الله تعالى على شيء من ذلك، وأنه يجوز عليه في أمور الأحكام ما يجوز عليهم، وأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر، والله يتولى السرائر، فيحكم بالبينة وباليمين ونحو ذلك من أحكام الظاهر مع إمكان كونه في الباطن على خلاف ذلك، ولكنه إنما كلف بالظاهر.
وهذا نحو قوله ﵊: "أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلَّا الله. فإذا قالوها عصموا مني دماءَهم وأموالهم إلَّا بحقها، وحسابهم على الله"، وقوله في حديث المتلاعنين "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن"، ولو شاء الله لأطلعه على باطن أمر الخصمين، فحكم بيقين نفسه من غير حاجة إلى شهادة ويمين، كما أطلعه على مغيبات وصارت في حقه معجزات، ولكن لما أمر الله
стр. 4667
تعالى أمته باتباعه والاقتداء بأقواله وأحكامه أجرى له حكمهم في عدم الاطلاع على باطن الأمور. ليكون حكم الأمة في ذلك حكمه، ولهذا قال: "إنما أنا بشر" لأجل خطابه لهم وإلَّا فالغيب لا يعلمه من في السموات والأرض إلَّا الله، ولعله إنما عبر به دون غيره من الألفاظ امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، فأجرى الله تعالى أحكامه على الظاهر الذي يستوي فيه هو وغيره، ليصح الاقتداء به، وتطيب نفوس العباد للانقياد للأحكام الظاهرة من غير نظر إلى الباطن.
وهذا الحديث وإن كان ظاهره يقتضي أنه قد يقع منه حكم في الظاهر مخالف للباطن، وقد اتفق الأصوليون على أنه ﵊ لا يقر على خطأ في الأحكام، فلا مخالفة بينها, لأن مراد الأصوليين ما حكم فيه بالاجتهاد فهل يجوز أن يقع فيه خطأ؟ والأكثرون على الجواز، لكن لا يقر عليه، بل يُعلمه الله تعالى به، ويتداركه.
ومراد الحديث ما حكم فيه بغير اجتهاد كالبينة واليمين، فهذا إذا وقع منه ما يخالف ظاهره باطنه لا يسمى الحكم خطأ، بل هو صحيح بناء على ما استقر به التكليف وهو وجوب الحكم بشاهدين مثلًا، فإن كانا شاهدي زور أو نحو ذلك فالتقصير منهما وممن ساعدهما، وأما الحاكم فلا حيلة له في ذلك، ولا عيب عليه بسببه، بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد، فإن هذا الذي حكم به ليس هو حكم الشرع، وإن كان يثاب على اجتهاده ويؤجر، وأبى بعض الشرّاح هذا، وقال: هو معصوم فلا يقع منه حكم بخلاف ما هو عليه
стр. 4668
في نفس الأمر، وإنما قال ذلك تحذيرًا وتخويفًا لأمته أن يقع أحد منهم في شيء من ذلك.
ومعنى "أبلغ" أكثر بلاغة وإيضاحًا لحجته.
وفي رواية أخرى قال: في الصحيح "ألحن" بدل "أبلغ" ومعناهما، واحد، أي: أفصح وأفطن.
وقوله: "فمن قضيت له بحق مسلم"، هذا التقييد خرج على الغالب، وليس المراد به الاحتراز من الكافر فإن مال الذمي والمعاهد والمرتد في هذا كمال المسلم.
وقوله: "فإنما هي" هذا الضمير يعود إلى القضية أو الحالة هذه، وفي رواية أخرى في الصحيح: "فإنما أقطع له قطعة من النار"، والمعنى من قضيت [له] (١) بظاهر يخالف الباطن فهو حرام [يزُل به في] (٢) النار، وهذا مَثَلٌ يُفهم منه شدة العذاب والتنكيل.
وقوله: "فليحملها أو يذرها" لفظه لفظ الأمر، ومعناه التهديد والوعيد، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٣). وكقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٤)، وليس المراد التخيير بين الفعل والترك، إذ العامل لا يختار الهلاك على النجاة باستمراره على الباطل، بل يختار النجاة بتركه.
стр. 4669
الوجه الثالث: في أحكامه:
الأول: أن حكم الحاكم لا يحل الباطل ولا يحل حرامًا. فإذا شهد شاهدا زور للإِنسان بمال فحكم به الحاكم لم يحل للمحكوم له ذلك المال، ولو شهدا عليه بقتل لم يحل للولي قتله مع علمه بكذبهما. وإن شهدا بالزور أنه طلق امرأته لم يحل لمن علم بكذبهما أن يتزوجها بعد حكم القاضي بالطلاق. وهذا قول مالك والشافعي وأحمد وجماهير علماء الإِسلام وفقهاء الأمصار من الصحابة والتابعين من بعدهم.
وقال أبو حنيفة: يحل حكم القاضي الفروج دون الأموال. وقال يحل نكاح المذكورة، قال صاحب "شرح المختار" للفتوى منهم القضاء بشهادة الزور ينفذ ظاهرًا وباطنًا في العقود والفسوخ كالنكاح والطلاق والبيع [وكذلك] (١) الهبة والإِرث وقالا: لا ينفذ باطنًا يعني محمدًا وأبا يوسف قال: صورته شهد شاهدان [بالزور] (٢) بنكاح امرأة لرجل فقضى بها القاضي نفذ عنده يعني أبا حنيفة حتى حلَّ للزوج وطؤها خلافًا لهما, ولو شهدا بالزور على رجل أنه طلق امرأته بائنًا فقضى القاضي بالفرقة ثم تزوجها آخر جاز ذلك وعندنا إن جهل الزوج الثاني ذلك حل له وطؤها اتباعًا للظاهر لأنه لا يكلف علم الباطن وإن علم فلا, ولو وطئها الزوج الأول كان زانيًا ويُحَدُّ. وقال محمَّد: يحل له وطؤها [وقال أبو يوسف: لا يحل له وطؤها] (٣) , لأن قول
стр. 4670
أبي حنيفة أورث شبهة، فيحرم الوطء احتياطًا، ولا ينفذ في معتدة الغير ومنكوحته بالإِجماع؛ لأنه لا يمكنه تقديم النكاح على القضاء. وفي الأجنبية أمكن ذلك فيتقدم تصحيحًا له وقطعًا للمنازعة. وينفذ بيع الأَمَة عنده حتى يحل للمشتري وطؤها، وينفذ في الهبة والإِرث حتى يحل للمشهود له أكل الهبة والميراث. وروي عنه يعني أبا حنيفة: أنه لا ينفذ فيهما لهما قال و [قوله] (١) ﵊: "إنكم تختصمون" إلى آخره عام فيعم جميع العقود والفسوخ وغير ذلك، فينبغي أن يكون الحكم في الباطن هو عند الله. أما الظاهر فالحكم لازم على ما أنفذه القاضي، قال ﵊: "إنما أقضي بالظاهر والله يتولى السرائر". قال: وله، يعني: أباحنيفة ما رُوي أن رجلًا خطب امرأة وهو دونها في الحسب، فأبت أن تتزوجه، فادعى أنه تزوجها. وأقام شاهدين عند عليّ فحكم عليها بالنكاح، فقالت: إني لم أتزوجه وإنهم شهود زور [فزوجني منه] (٢)، فقال علي: شاهداك زوجاك. وأمضى عليها النكاح، ولأنه قضى بأمر الله تعالى بحجة شرعية، فيما له ولاية الإِنشاء، فيحل إنشاءه تحرزًا عن الحرام. وحديثها صريح في المال، قال: ونحن نقول به فإن قضاء القاضي الأملاك المرسلة، لا ينفذ بشهادة الزور لهذا الحديث، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٣) , وروي أنها نزلت فيه، ولأن القاضي لا يملك
стр. 4671
إثبات الملك بدون التثبت؛ فإنه لا يملك دفع مال زيد إلى عمرو. وأما العقود والفسوخ [فإنه يملك إنشاءها] (١)؛ فإنه يملك بيع أمَة زيد وغيرها من عمر وحال غيبته وخوف الهلاك للحفظ. وكذلك لو مات ولا وَصِيَّ له، ويملك إنشاء النكاح على الصغير وعلى الصغيرة والفرقة على العنين وغير ذلك، فيثبت أن له ولاية الإِنشاء في العقود والفسوخ، فيحل القضاء إنشاءه احترازًا عن الحرام، ولا يملك ذلك في الأملاك المرسلة بغير إثبات فتعذر جعله إنشاء فبطل. ثم يقول: لو لم تنفذ باطنًا، فلو قضى القاضي بالطلاق [أصبحت] (٢) حلالًا للزوج الأول باطنًا، والثاني ظاهرًا ولو ابتلي الثاني بمثل ما ابتلي به الأول حلت للثالث أيضًا وهكذا رابع وخامس فتحل للكل في زمن واحد وفيه من الفُحْش ما لا يخفى، ولو قلنا بنفاذه باطنًا لا تحل إلَّا لواحد فلا فحش فيه. هذا آخر كلام هذا الشارح، قال النووي في "شرح مسلم" (٣): وقول أبي حنيفة مخالف لهذا الحديث الصحيح ولإِجماع من قبله [(٤)] ولقاعدة وَافقَ هو وغيره عليها وهي أن الأَبضاعَ أولى بالاحتياط من الأموال.
وقال القرطبي (٥): أيضًا قوله "أن حكم الحاكم، يغير حكم الباطن في الفروج خاصة، حتى يحل فيما إذا شهدا زورًا على رجل
стр. 4672
بطلاق زوجته، وحكم القاضي بشهادتهما أن يتزوجها غيره ممن يعلم كذبها مما شنع عليه بإعراضه عن هذا الحديث الصحيح الصريح، وبأنه صان الأموال، ولم ير استباحتها بالأحكام الفاسدة في الباطن ولم يَصُن [الفروج عن ذلك] (١) [والفروج] (٢) أحق أن يحتاط لها وتصان.
تذنيب: اتفق أصحابنا على ما حكاه الشيخ تقي الدين (٣) على أن القاضي الحنفي إذا قضى بشفعة الجوار للشافعي أخذها في الظاهر واختلفوا في حِلها في الباطن على وجهين، ولا ينقض قضاؤه بها على الأصح عندنا، وعند المالكية لا يحل له الأخذ بها إذا حكم الحنفي له بها، والحديث عام بالنسبة إلى سائر الحقوق، والذي اتفق عليه أصحابنا أن الحجة إذا كانت باطلة في نفس الأمر بحيث لو اطلع عليها القاضي لم يجز له الحكم بها أن ذلك لا يؤثر، وإنما وقع التردد في الأمور الاجتهادية إذا خالف اعتقاد القاضي اعتقاد المحكوم له، كما قلنا في شفعة الجار.
الثاني (٤): إجراء الأحكام على الظاهر، والله يتولى السرائر.
الثالث: إعلام الناس بأنه ﵊ في الحكم بالظاهر كغيره، وإن كان يفترق منع الغير في اطلاعه على ما يطلعه
стр. 4673
الله عليه من الغيوب الباطنة، وذلك في أمور [مخصوصة] (١) لا في الأحكام العامة، ومن هنا يتبين افتراء من أعرض عن قاعدة الشرع [وحكم] (٢) بخاطر القلب وقال الشاهد المتصل بي أعدل من المنفصل عني أسأل الله [سلوك الصواب] (٣) بما جاءت به السنَّة والكتاب.
الرابع: قد سلف في أول الكتاب [أن الحصر قد يكون] (٤) عامًّا، وقد يكون خاصًّا، وهذا من الخاص، وهو فيما يتعلق بالحكم بالنسبة إلى الحجج الظاهرة.
الخامس: أن الحاكم لا يحكم إلَّا بالظاهر فيما طريقه الثبوت ببينة أو إقراره ولا يحكم ما يعلمه في الباطن مخالفًا لما ثبت في الظاهر ولا عكسه، نعم لو علم شيئًا بطريقه الشرعي خبرًا يقينًا أو ظنًّا راجحًا أو مشاهدة من غير بينة أو إقراره في حال الدعوى أو قبلها فيه سبعة مذاهب.
أحدها: أنه لا يقضي بعلمه من شيء وبه قال أحمد وإسحاق وأبو عبيد والشعبي، وهو قول للشافعي وشريح، ومشهور مذهب مالك.
الثاني: نعم مطلقًا، وبه قال أبو ثور ومن تبعه، وهو قول للشافعي أيضًا.
الثالث: أنه يقضي به فيما سمعه في قضائه خاصة لا قبله ولا في غيره إذا لم يحضر مجلسه بينة، وفي الأموال خاصة، وبه قال
стр. 4674
الأوزاعي وجماعة من أصحاب مالك وحكوه عنه.
الرابع: يحكم بما سمعه في مجلس قضائه، وفي غيره لا قبل قضائه، ولا في غير مضرة في الأموال خاصة، وبه قال أبو حنيفة.
الخامس: أنه يقضي بعلمه في الأموال خاصة، سواء سمع ذلك في مجلس قضائه وفي غيره قبل ولايته أو بعدها، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وحكاه القرطبي قولًا عن الشافعي.
السادس: أنه يقضي بعلمه في الأموال والقذف خاصةً ولا يشترط مجلس القضاء، وبه قال بعض المالكية.
السابع: أنه يقضي بعلمه إلَّا في حدود الله تعالى، وهو أصح أقوال الشافعي، ومحل الخوض في [ذلك] (١) كتب الخلاف.
الثامن: العمل بالظن وبناء الحكم عليه، حيث قال: فأحسب أنه صادق، وهو أمر إجماعي بالنسبة إلى الحاكم والمفتي.
التاسع: موعظة الإِمام للخصوم، وعليه ترجم البخاري (٢) وترجم عليه أيضًا القضاء في قليل المال وكثيره (٣)، وترجم عليه ايضًا من أقام البينة بعد اليمين (٤)، وقال فيه: "فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا [بقوله] (٥) ".
стр. 4675
الحديث الرابع
٣٩٠/ ٤/ ٧٤ - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة [﵄] (١) قال: كتب أبي -أو كتبت له- إلى ابنه عُبيد الله بن أبي بكرة وهو قاضٍ بسجستان: أن لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان" (٢).
وفي رواية: لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان.
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: هذا اللفظ الأول هو ما ذكره مسلم ولم يذكر غيره، واللفظ الثاني هو ما ذكره البخاري هنا، وترجم عليه هل يقضي الحاكم أو يفتي وهو غضبان (٣)؟
стр. 4676
الثاني: في التعريف بالأسماء الواقعة فيه.
أما عبد الرحمن [بن أبي بكرة] (١) فهو [أبو بحر] (٢) ويقال: أبو حاتم عبد الرحمن بن أبي بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج الثقفي البصري، وهو أول من ولد في الإِسلام، وله عدة إخوة، روى عن أبيه وعلي وغيرهما، وعنه ابن سيرين وجماعة من التابعين ذكره أبو حاتم [بن حبان] (٣) في "ثقاته". ولد سنة أربع عشرة. وتوفي سنة ست وتسعين مع إبراهم النخعي على قول في إبراهيم.
وأما أخوه عُبيد الله: فهو أبو حاتم أحد الكرام المذكورين والسمحاء المشهورين. روى عن علي وأبيه، وعنه ابنه زياد وسعد مولى أبي بكرة وغيرهما. تولى قضاء البصرة وأمرة سجستان وثقه العجلي، وكان قليل الحديث. أمه هولة بنت غليظ من بني عجل، وهو أصغر من عبد الرحمن وأجود منه. مات سنة سبع وتسعين. [وأما أبوهما فسلف التعريف به في باب الربا والصرف] (٤).
الوجه الثالث: في ضبط ما فيه من أسماء الأماكن وتعريفه: "سِجِسْتان" بلاد معروفة لكابل، وكان بها جماعة كثيرة من العلماء والمحدثين وهي بكسر السِّين الأولى والجيم وسكون الثانية. ثم مثناة فوق. وقال صاحب "المشارق" (٥) ثم "المطالع" هو بفتح السِّين
стр. 4677
والتاء ولم يزدا على ذلك, والذي ذكره السمعاني في "أنسابه" (١) فتحها كما قدمناه.
الوجه الرابع: معنى "كتب أبي أو كتبت له إلى ابنه"، أي: كتب بنفسه مرة وأمر ولده عبد الرحمن مرة أخرى أن يكتب لابنه عُبيد الله، وهو أخو عبد الرحمن، وزاد ذلك عليه تأكيدًا.
الوجه الخامس: في أحكامه وفوائده:
الأولى: المنع من القضاء حالة الغضب، وذلك لما يحصل للنفس بسببه من التهويش الموجب لاختلال النظر وعدم حصوله على الوجه المطلوب، وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل حال يخرج الحاكم بها عن سداد النظر واستقامة الحال. . . . كالشبع المفرط والجوع المغلق والهم المضجر والفرح المفرط ومدافعة الحدث والتوقان إلى الطعام والمرض المؤلم والحر المزعج والبرد المنكي والنعاس الغالب وتعلق [القلب] (٢) بأمر، ونحو ذلك، وهو قياس مظنة [على مظنة] (٣) فإن كل واحد من هذه الأمور مهوش للذهن حامل على الغلط. وكأن الغضب إنما خُصَّ لشدة استيلائه على النفس وصعوبة مقاومته. وقد رُوي من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا "لا يقضي القاضي إلَّا وهو شبعان ريَّان" رواه البيهقي (٤) وضعفه. لكن المعنى السالف يعضده. ولو خالف وقضى في حال
стр. 4678
من هذه الأحوال نفذ إذا صادف الحق وكان مكروهًا لهذا النهي، وقد قضى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - في شراج الحرة وقال في لقطة الإِبل: "مالك ولها دعها" في حال الغضب.
قلت: لكنه في حق -عليه أفضل الصلاة والسلام- لا يكره فإنه معصوم، ولا يقول في الرضا والغضب إلَّا حقًّا، وممن صرح بعدم الكراهة في حقه هو في "شرحه لمسلم" هو بعد هذا بأوراق في أثناء كتاب اللقطة (١) حيث قال في حديث لقطة الإِبل: فيه جواز الفتوى والحكم في حال الغضب، وأنه نافذ، لكن يكره ذلك في حقنا, ولا يكره في حقه ﷺ ، لأنه لا يخاف عليه في الغضب ما يخاف علينا هذا لفظه.
وأما من ادعى أنه لعله تكلم عن الحكم قبل أن يغضب أو لم ينته به الغضب إلى الحد القاطع عن سلامة الحاضر فبعيد واهٍ، وأي ضرورة دعت إلى ذلك.
الثانية: ظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكون الغضب لله تعالى أو لغيره، وهو ظاهر إطلاق جماعة من الشافعية، لكن قيد إمام الحرمين والبغوي وغيرهما الكراهة فيما إذا لم يكن الغضب لله تعالى. وأما الروياني فإنه يستغرب هذا التفصيل.
الثالثة: العمل بالكتابة، وأنها كالسماع من الشيخ في وجوب العمل. وأما في الرواية فمنع الرواية بها قوم إذا كانت مجردة عن الإِجازة منهم الماوردي والصحيح المشهور بين أهل الحديث الجواز
стр. 4679
[ثم] (١) أنه يقول في الرواية بالكتابة كتب إليَّ فلان، قال: [ثنا] (٢) فلان أو أخبرني فلان كتابة أو مكاتبة ونحوه، ولا يجوز إطلاق ثنا، وأنا، وجوّزه الليث ومنصور وغير واحد من علماء المحدثين وأكابرهم، واحترزت أولًا بالمجردة عن الإِجازة عن المقرونة بها كأجزتك [بما] (٣) كتبت لك أو به إليك ونحوه من عبارات الإِجازة، فإنها في الصحة والقوة شبيهة بالمناولة المقرونة بالإِجازة.
الرابعة: في كتابة أبي بكرة لولده , ذكر الحكم مع دليله في الفتوى والتعليم نشر العلم للعمل به والاقتداء , وإن لم يسأل عنه.
стр. 4680
الحديث الخامس
٣٩١/ ٥/ ٧٤ - عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر" [ثلاثا، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: "الإِشراك بالله، وعقوق الوالدين"، وكان متكئًا فجلس، فقال: "ألا وقول الزور، وشهادة الزور"، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت] (١) " (٢).
الكلام عليه من وجوه، واللفظ المذكور للبخاري بنحوه:
أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف في الكلام على الحديث قبله، وأنه سلف في باب الربا.
ثانيًا: في معانيه: قوله "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثًا"، معناه قال: هذا الكلام ثلاث مرات وكرره للتأكيد وتنبيه السامع على إحضار قلبه وفهمه لما يخبرهم به. وفَهِمَ الفاكهيُّ من قوله "ثلاثًا" أن المراد به عدد الكبائر وهو عجيب.
стр. 4681
وقوله: "الإِشراك بالله"، يحتمل كما قال الشيخ تقي الدين أن يراد به مطلق الكفر، فيكون تخصيصه بالذكر لغلبته في الوجود، لاسيما في بلاد العرب، فذكر تنبيهًا على غيره قال [ويحتمل أن يراد به خصوصه، إلَّا أنه يرد على هذا الاحتمال (١) أن بعض الكفر أعظم قبحًا من الإِشراك] (٢). وهو التعطيل، أي لأنه نفي مطلق، والإِشراك إثبات مقيد، فهذا يرجح الاحتمال الأول.
وقوله: "وعقوق الوالدين"، قد تقدم الكلام عليه في الحديث الثاني من باب الذكر عقب الصلاة فراجعه منه.
وقوله: "وكان متكئًا"، فجلس جلوسه ﵊ للاهتمام بهذا الأمر، وهو يفيد تأكيد تحريمه وعظم قبحه، وإنما تمنوا سكوته شفقة عليه وكراهية لما يزعجه ويغضبه واهتمامه بأمر شهادة الزور أو قول الزور [يحتمل] (٣)، كما قال الشيخ تقي الدين (٤): أن تكون لأنها أسهل وقوعًا على الناس، والتهاون بها أكثرُ، فمفسدتها أيسر وقوعًا. ألا ترى أن المذكور معها هو الإِشراك بالله، ولا يقع فيه مسلم، وعقوق الوالدين، والطبع صارف عنه. وأما قول الزور فإن الحوامل عليه كثيرة، كالعداوة والحسد وغيرهما فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمها, وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذكر معها -وهو الإِشراك- قطعًا.
стр. 4682
ويحتمل أن يكون اهتمامه ﵊ بها لأن مفسدتها متعدية إلى غير الشاهد بخلاف الاشراك فإن مفسدته قاصرة على صاحبه.
وقوله: "وقول الزور شهادة الزور" يحتمل أن يكون من باب ذكر الخاص بعد العام, لأن كل شهادة زور قول زور بخلاف عكسه.
وقال الشيخ تقي الدين: ينبغي أن يحمل قول الزور على شهادة الزور، فإنا لو حمناه على الإِطلاق لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقًا كبيرة وليس كذلك، وقد نصَّ الفقهاء على أن الكذبة الواحدة وما يقاربها لا تُسقط العدالة، ولو كانت كبيرة لأسقطت. وقد نص الله تعالى على عظم بعض الكذب. [فقال تعالى] (١): ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (٢)، وعِظمُ الكذب ومراتبه متفاوتة بحسب تفاوت مفاسده، وقد نص في الحديث الصحيح على أن الغيبة والنميمة كبيرة، والغيبة عندي تختلف بحسب المعقول والمغتاب به، فالغيبة بالقذف كبيرة لإِيجابها الحد، ولا تساويها الغيبة بقبح الخلقة مثلاً، أو [نقص] (٣) الهيئة في اللباس مثلًا، وليس العقوق وقول الزور مساوياً للإِشراك بالله قطعاً إلَّا إذا فعل ذلك معتقداً حله، ومعلوم أن الكافر شاهد بالزور وقائل به.
стр. 4683
الوجه الثالث: في فوائده:
الأولى: عِظم الذنوب وانقسامها في ذلك إلى كبير وأكبر، ويلزم منه انقسامها [إلى كبائر وصغائر] (١)، فإن أفعل التفضيل يدل على وجود مفضول غالبًا، ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ (٢) [الآية] (٣)، وقال الشيخ تقي الدين (٤) وفي الاستدلال [به] (٥) على ذلك نظر، لأن من قال "كل ذنب كبيرة" [فالذنوب والكبائر] (٦) عنده [سواء، دال] (٧) على شيء واحد، فيصير كأنه قيل: ألا أنبئكم بأكبر [(٨)] الذنوب. وعن ابن عباس (٩) ﵄ أن كل ما نهى [الله] (١٠) فهو كبيرة. وظاهر القرآن والحديث. بخلافه، ولعله أخذ "الكبيرة" باعتبار الوضع اللغوي، ونظر إلى عظيم المخالفة [للأجر] (١١) والنهي وسمى كل ذنب كبيرة، وبهذا المذهب أخذ الأستاذ أبو إسحق الإِسفرائيني، وقال: الذنوب
стр. 4684
كلها كبائر. وحكاه القاضي عياض عن المحققين؛ لأن كل مخالفة فهي بالنسبة إلى جلال الله [تعالى] (١) كبيرة، ولهذا قال السلف
رحمة الله عليهم: لا تنظر إلى الذنب، ولكن انظر إلى من عصيت. لكن جمهور السلف والخلف على الأول، وهو مروي عن ابن عباس أيضًا. قال الغزالي في "بسيطه": إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقه، وقد فُهِمَا من مدارك الشرع وقاله أيضًا غير الغزالي بمعناه. ولا شك في كون المخالفة قبيحة جدّا بالنسبة إلى جلال الله تعالى، ولكن بعضها أعظم من بعض، وتنقسم باعتبار ذلك إلى ما تكفره الصلوات الخمس أو صوم رمضان أو الحج أو العمرة أو الوضوء أو صوم عرفة أو صوم عاشوراء، أو فعل الحسنة أو غير ذلك مما جاءت به الأحاديث الصحيحة، وإلى ما لا تكفره ذلك كما ثبت في الصحيح: "ما لم تغش الكبائر" فسمى الشرع ما تكفره الصلوات ونحوها صغائر وما لا تكفره كبائر [وهذا حسن بالغ] (٢) ولا يخرجها هذا عن كونها قبيحة بالنسبة إلى جلال الله تعالى،
فمانها صغيرة بالنسبة إلى ما فوقها, لكونها أقل قبحًا، ولكونها ميسرة التكفير.
الثانية: درجات الكبائر متفاوتة بحسب تفاوت مفاسدها, ولا يلزم من كون هذا أكبر الكبائر استواء رُتبها أيضًا في نفسها، فإن الإِشراك بالله تعالى أعظم الكبائر، ويليه قتل النفس بغير حق، كما نص عليه الشافعي في "مختصر المزني"، واتفق عليه الأصحاب. قال
стр. 4685
عليه الصلاة والسلام: "لا يزال ابن آدم في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا" (١)، وأما ما سواهما من الزنا واللواط وعقوق الوالدين [والسحر] (٢) وقذف المحصنات والفرار يوم الزحف وأكل الربا وغير ذلك فلها تفاصيل وأحكام يعرف بها مراتبها، ويختلف أمرها باختلاف الأحوال والمفاسد المرتبة عليها، كما قدمناه وعلى هذا يقال في كل واحدة منها لم هي من أكبر الكبائر، وإن جاء في
موضع هي أكبر الكبائر، كما يقال في أفضل الأعمال.
الثالثة: اختلفوا في أن الكبائر كلها معروفة أم لا؟ على قولين وبالثاني قال الواحدي وجماعات وأنه الصحيح، وإنما ورد الشرع بوصف أنواع من المعاصي بأنها كبائر وأنواع بأنها صغائر وأنواع لم توصف وهي مشتملة على كبائر وصغائر. والحكمة في عدم بيانها أن يكون العبد ممتنعًا من جميعها مخافة أن تكون من الكبائر. وبالأول قال الأكثرون.
ثم اختلفوا في أنها معروفة بعد وضابط [أو] (٣) بالعدد على قولين وبالثاني قال جماعات وفي الصحيح أنها ثلاث وفي رواية "أربع" وفي أخرى "سبع".
стр. 4686
واختلف في عدد [ذلك] (١) السبع أوعلى روايات، (٢) وهذه الصيغة وإن كانت تقتضي الحصر فهو غير مراد، وإنما وقع الاقتصار
عليها لكونها من أفحش الكبائر مع كثرة وقوعها لا سيما فيما كانت عليه الجاهلية، ولم يذكر في بعضها ما ذكر في الأخرى, وذلك ظاهر في إرادة البعض، ويكون التقدير من الكبائر، ولهذا ثبت في الصحيح "إن من [أكبر] الكبائر شتم الرجل والديه" (٣)، وإن منها عدم الاستبراء من البول، وإن منها النميمة. وجاء أن منها اليمين الغموس واستحلال بيت الله الحرام. وقد ذكر أصحابنا جملة مستكثرة. منها في الشهادات وتبعتهم في "شرح التنبيه". وروي عن ابن عباس أنه سئل عن الكبائر أسبع هي فقال: هي إلى السبعين، ويروى إلى سبعمائة أقرب.
والقول الثاني: أنها معروفة بعد وضابط واختلف فيه على آراء:
منها: ما روي عن ابن عباس أنه كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب.
ونحو هذا عن الحسن البصري.
ومنها: أنها ما أَوْعَدَ الله عليه بنارٍ أو حد في الدنيا.
стр. 4687
ومنها: عن ابن مسعود وإبراهيم النخعي هي جميع ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها. وهي: "إن تجتنبوا".
ومنها: أنها كل ما قرن به وعيد أو لعنة أو حد فتغيير منار الأرض كبيرة لاقتران اللعن به. وكذا قتل المؤمن لاقتران الوعيد به، والمحاربة والزنا والسرقة والقذف كبائر لاقتران الحدود بها واللعنة ببعضها.
ومنها: ما قاله الغزالي في "بسيطه" أنها كل معصية يقدم المرء عليها من غير استشعار وخوف وحذر وندم كالمتهاون بارتكابها والمتجرىء عليها اعتيادًا؛ في أشعر بهذا الاستخفاف والتهاون فهو كبيرة، وما يحمل على فلتات النفس وفترة مراقبة التقوى ولا ينفك عن ندم يمتزج به تنغيص التلذذ بالمعصية فهذا لا يمنع العدالة، وليس هو بكبيرة.
ومنها ما قاله ابن الصلا في "فتاويه" (١) أنها كل ذنب وعظم عظمًا يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبير ووصف بكونه عظميًا على الإِطلاق.
ولها أمارات [(٢)] منها: إيجاب الحد.
ومنها: الإِيعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها في الكتاب أو السنة.
стр. 4688
ومنها: وصف فاعلها بالفسق.
ومنها: اللعن.
ومنها: ما قال ابن عبد السلام في "قواعده" (١) إذا أردت الفرق بينهما فأعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر [المنصوص عليها؛ فإن نقصت عن أقلّ مفاسد الكبائر فهي من الصغائر، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر] (٢) وأَرْبَتْ عليها فهي من الكبائر فمن شتم الرب أو رسوله أو استهان بالرسل أو كذب واحدًا منهم أو ضمَّخ الكعبة بالقذرة أو ألقى المصحف في القاذورات فهذا من أكبر الكبائر ولم يصرح الشرع بأنه كبيرة (٣)، وكذلك لو أمسك امرأة محصنة [ثم زنى] (٤) بها أو مسلمًا [ثم] (٥) يقتله فلا شك أن مفسدة ذلك أعظم من مفسدة [(٦)] مال اليتيم مع كونه من الكبائر، وكذلك لو دل الكفار على عورة [المسلمين] (٧) مع علمه بأنهم يستأصلون بدلالته ويَسْبُون حرمهم وأطفالهم، ويغنمون أموالهم، فإن تسببه إلى هذه المفاسد أعظم من توليه يوم الزحف بغير عذر مع كونه من
стр. 4689
الكبائر، وكذلك لو كذب على إنسان كذبًا يعلم أنه يقتل بسببه [أما إذا كذب عليه كذبًا] (١) يؤخذ منه بسببه تمرة فليس كذبه من الكبائر؛ قال: وقد نص الشرع على أن شهادة الزور وأكل مال اليتيم من الكبائر. فإن وقعا في مال خطير (٢) فظاهر، وإن وقعا في حقير [(٣)] فيجوز أن يجعلا من الكبائر فطامًا عن هذه المفاسد، كما جعل شرب قطرة من خمر من الكبائر وإن لم تتحقق المفسدة، ويجوز أن يضبط ذلك بنصاب السرقة. قال: والحكم بغير الحق كبيرة، فإن شاهد الزور متسبب [فيه] (٤)، والحاكم مباشر، فإذا جعل التسبب كبيرة. فالمباشرة [أولى] (٥)(٦) قال: وقد ضبط بعض العلماء] الكبائر فإنها كل ذنب قرن به وعيد أو حدّ أو لعن، فعلى هذا كل ذنب علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به الوعيد أو الحد أو اللعن أو أكبر من مفسدته فهو كبيرة (٧). ثم قال: الأولى أن تضبط الكبيرة بما يشعر بها ومن مرتكبها في دينه إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها. قالوا:
стр. 4690
وهذا سببه بإخفاء ليلة القدر وساعة يوم الجمعة وساعة إجابة الدعاء في الليل واسم الله الأعظم ونحو ذلك مما أُخفي واعترض الشيخ
تقي الدين (١) فقال: سلك بعض المتأخرين طريقًا في معرفة الفرق بينها فأعرض مفسدة الذنب فذكره إلى قوله مع كونه من الكبائر،
وعنى به الشيخ عز الدين وهذا الدي قاله عندي داخل فيما نص عليه الشرع بالكفر إن جعلنا المراد بالإِشراك بالله مطلق الكفر على ما
سلف، ولا بد مع هذان أمرين:
أحدهما: أن المفسدة لا تؤخذ مجردة عما يقترن بها من أمر آخر. فإنه قد يقع الغلط في ذلك. ألا ترى أن السابق إلى الذهن أن مفسدة الخمر السكر وتشويش العقل، فإن أخذنا هذا بمجرده لزم منه أن لا يكون من شرب القطرة الواحدة كبيرة [(٢)] لأنها -وإن خلت عن المفسدة المذكورة- إلَّا أنه يقترن بها مفسدة التجريء على شرب الخمر الكبير الموقع في المفسدة، فبهذا الاقتران تصير كبيرة.
الثاني: أَنا إذا سلكنا هذا المسلك فقد تكون مفسدة بعض الوسائل إلى بعض الكبائر مساوية لبعض الكبائر، أو زائدة عليها، فإن من أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها، أو مسلمًا معصومًا لمن يقتله، فهو كبيرة أعظم مفسدة من أكل مال الربا، أو أكل مال اليتيم، وهما منصوص عليهما. وكذلك لو دل على عورة من عورات المسلمين تُفضي إلى قتلهم وسبي ذراريهم، وأخذ أوالهم, كان
стр. 4691
ذلك أعظم من فراره يوم الزحف [والفرار من الزحف] (١) منصوص عليه دون هذه. وكذلك نفضل على هذا القول الذي حكيناه من أن الكبيرة ما رتب عليها اللعن، أو الحد، أو الوعيد. فتعتبر المفاسد بالنسبة إلى ما رتب عليه شيء من ذلك، فما ساوى أقلها فهو كبيرة، وما نقص عن ذلك فليس بكبيرة.
تذنيب: الإِصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة، وقد روي عن عمر وابن عباس وغيرهما "لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار"، ومعناه أن الكبيرة تمحى بالاستغفار، والصغيرة تصير كبيرة بالإِصرار، قال الشيخ عز الدين في ["قواعده"] (٢) والإِصرار أن يتكرر منه الصغيرة تكرارًا يشعر بقلة مبالاته بدينه إشعار ارتكاب الكبيرة، بذلك، قال: وكذلك إذا اجتمعت صغائر مختلفة الأنواع بحيث يشعر مجموعها بما يشعر به أصغر الكبائر.
وقال ابن الصلاح في "فتاويه" الإِصرار التلبس بضد التوبة باستمرار العزم على المعاودة. [واستدامة] (٣) الفعل بحيث يدخل (٤)
به في حيز ما يطلق عليه الوصف بصيرورته كبيرًا [(٥)] عظيمًا وليس [لزمان] (٦) ذلك وعدده حصر.
стр. 4692
الرابعة. العقوق مأخوذ من العق وهو القطع وعدم وصله الرحم. قال صاحب (المحكم) (١): رجل عُقَقٌ وعُقُق وعَقٌ وعاقٌّ بمعنى واحد وهو الذي شق عصى الطاعة لوالديه وقد أسلفنا الكلام على هذه المادة في الحديث الثاني من باب الذكر عقب الصلاة كما سلف في الباب الإِشارة إليه.
وأما حقيقة العقوق المحرم شرعًا [فقل] (٢) من ضبطه وضبط الواجب [والمحرم] (٣) من [الطاعة لها والمحرم] (٤) من العقوق لهما فيه عسر ورتب العقوق مختلفة، وقد قال الشيخ عز الدين (٥) كما حكيناه عنه ثم لم أقف في عقوق الوالدين ولا فيما يختصان به من الحقوق على ضابط أعتمد عليه، فإنه لا يجب طاعتهما في كل ما يأمران به ولا في كل ما ينهيان عنه باتفاق العلماء، أي وإنما طاعتهما تبع لطاعة الشرع، لهذا قال ﵊: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، وقال: "إنما الطاعة في المعروف" (٦)،
стр. 4693
وقد حرم على الولد الجهاد بغير إذنهما (١) لما يشق عليهما من توقع قتله أو قطع عضو من أعضائه، وقد ساوى الولدان الرقيق في النفقة والكسوة والسكن. وقال ابن الصلاح في "فتاويه" (٢) العقوق المحرم كل فعل يتأذى به الوالد أو نحوه تأذيًا ليس بالهين مع كونه ليس من الأفعال الواجبة، قال: وربما قيل: طاعة الوالدين واجبة في كل ما ليس بمعصية، ومخالفة أمرهما [في ذلك] (٣) عقوق. وقد أوجب كثير من العلماء طاعتهما في الشبهات. قال: وليس قول من قال من علمائنا يجوز له السفر في طلب العلم، وفي التجارة بغير إذنهما مخالفًا لما ذكرته، فإن هذا كلام مطلق، وفيما ذكرته بيان لتقييد ذلك المطلق، ونقل الغزالي عن أكثرُ العلماء وجوب طاعتهما في الشبهات. وقال الطرطوشي (٤): إذا نهياهُ عن سنَّة راتبة المرة بعد المرة أطاعهما وإن كان ذلك على الدوام فلا، لما فيه من إماتة الشرائع. وقال الشيخ تقي الدين (٥) القشيري: الفقهاء قد ذكروا
стр. 4694
صورة جزئية، وتكلموا فيها منثورة، لا يحصل منها ضابط كلي، فليس يبعد أن يسلك في ذلك ما أشرنا إليه في الكبائر، وهو أن تقاس المصالح في طرف الثبوت بالمصالح التي وجبت لأجلها، والمفاسد في طرف العدم بالمفاسد التي حرمت لأجلها.
الخامسة: أن عقوق الوالدين أكبر الكبائر، ولا شك في عظم مفسدته لعظم حق الوالدين.
السادسة: تحريم الإِشراك بالله تعالى وهو كفر بالإِجماع.
السابعة: انقسام الكبائر إلى كفر وغيره.
الثامنة: الاهتمام بذكر الشيء للتنبيه على وعيه ومنعه.
التاسعة: تحريم شهادة الزور في معناها كل ما كان زورًا من لبس وشبع وتعاطي أمرٍ ليس هو له أهلًا.
العاشرة: التحريض على مجانبة الذنوب.
[الحادية عشرة] (١): الشفقة على الكبار من أهل العلم والدين وتمني عدم غضبهم.
стр. 4695
الحديث السادس
٣٩٢/ ٦/ ٧٤ - عن ابن عباس ﵄: أن [رسول الله] (١) ﷺ قال: "لو يُعطَى الناس بدعواهم لادعى ناسٌ دماءَ رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" (٢).
هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد أحكام الشرع، ولا يضر كونه روي موقوفًا، فإن الراوي قد ينشط فيرفع، وقول الأصيلي: إنه لا يصح رفعه إنما هو من قول ابن عباس، كذا رواه أيوب ونافع الجمحي عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس مردود عليه، فقد أخرجه الشيخان في صحيحيهما مرفوعًا وكذا أرباب السنن، وقد رفعه نافع عن عمر الجمحي أيضًا، كما رواه أبو داود والترمذي وقال: إنه
حديث حسن صحيح. ثم الكلام عليه بعد ذلك من وجوه:
أحدها: اللفظ الذي ساقه المصنف هو لفظ مسلم، ولفظ